الفصل الرابع عشر بشرق الأردن على نصب أقيم على قبر رجل يدعى فهر بن سلى تلقب بلقب «مربى جذيمة ملك تنوخ؛ . وكان الملك جذيمة هذا الذى أشار النص إليه من أوائل ملوك تنوخ الذين احتفظ المؤرخون المسلمون بذكراهم » وجعلوا من قبله على رئاسة تنوخ مالكا بن فهم الذى يحتمل أن يكون تلاه عمر بن فهم » أو تلاه جذيمة نفسه . ولقبوأ جذيمة بالأبرش والوضاح ونسبوا إليه فتوحات واسعة » ووصفوه بأنه كان «ثاقب الرأى › بعيد المغار » شديد النكاية » ظاهر الحزم › » وأول من غزا بالجيوش » فشن الغارات على قبائل العزب › . ولو أن بعض هذه الأوصاف قد خلعت أيضاً على غيره من كبار الملوك › أى أنه ليس من ضرورة إلى التسليم بحرفيتها . ثم جعلوا نهايته فى مكيدة دبرتها له ملكة تدمر واحتفظ الأدب العربى بذكراها . وإذا صح مارواه بعض المورخين المسلمين من أن ملك جذيمة قد امتد «فيما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمر والقطقطانة وخفية وما والاها » » لدل ذلك على أن قومه قد بدأوا محاولتهم مع الفرس فى عهده أو من قبيل عهده ليسمحوا لهم بأن يقيموا على أطراف العراق . وأضاف المؤرخون المسلمون مايعنى أن هذه الإقامة لم تتم بسهولة حيث ضاق الفرس بكثرة من أتت توخ بهم من العرب » فضيقوا عليهم حتى كره بعضهم الإقامة » ومنهم قضاعة » فنزحوا » وبقى بعض آخر عملوا على أن يثبتوا أقدامهم فيما نزلوا عليه » وكان منهم لخم وترأسهم حينذاك ملوك بنى نصر الذين جعل المؤرخون أولهم عمرا بن عدى » واعتبروه من أقرياء جذيمة وقد يكون ابن أخته . ومع هذه الرغبة فی الاستقرار أخذ عمران الأنبار والحيرة ة فى الاتساع › وكانت كل منهما مدينة حدودية دل اسمها على ما أنشئت فى الأصل من أجله ففشأت الأنبار (بمعنی نى المستودع) كمركز حدودى لإمداد الحاميات العسكرية بالمؤن » منذ القفرن المیلادى الأول » ثم اتسعت ودعمت أسوارها . وقامت الحيرة بدور مشابه ففسر اسمها الأرامى «حيرته» بنفس مافسر به اسمها العربى «الحيرة بمعانى المخيم والمعسكر والحصن وموضع الإقامة ... إلخ . ويبدو أنها كانت أقدم عهدا من الانبار » كما قدر لها ان تصبح اكثر شهرة منها . وصور انطلاقة هؤلاء القوم فى مرحلتهم الثانية لكى يتزعموا من حولهم من العرب والاعراب ولكى يشغلوا فى باديتى العراق والشام ما كانت تشغله من قبل دولة تدمر »› ويستفيدوا من كل من الفرس والرومان تم الروم » نص لملكهم
عدد الصفحات ١٥٤تاريخ شبه الجزيرة العربية سے امریء القیس بن عمرو المتوفی فی عام ۳۲۸م » وجد منقوشاً بالخط الأنباطى المتطور على نصب أقيم فوق قبره فى منطقة النمارة (إلى الجنوب الشرقى من دمشق) » وقيل فيه عن صاحبه إنه كان ملكا على العرب كلهم وانه احرز التاج وحكم الأسديين والنزاريين والمعديين » وشتت قبائل مذحج » وحاصر نجران مدينة شمرء وولى أولاده على القبائل واستعان بهم الفرس والروم (أو جعلهم فرساناً لاروم ) . وقد اُسلفنا فی الفصل العاشر . أن امراً القیں هذا قد عاصر أواخر أيام ملك عربی جنوبى لايقل عنه اقتداراً وطموحاً وهو شمر يهرعش الثالث ملك سباً وذوریدان » وکانت جیوش شمر قد انطلقت من نجران إحدى قواعده العسكرية فتحالفت مع قبائل مذحج فى منطقة الأفلاج فى وسط شبه الجزيرة العربية وعملت على التوسع فى المنطقة الشرقية على الخليج العربى وأطراف العراق . وعندما ماظهرت قرة امرىء القيس شن هجومه المضاد فشتت قبائل مذحج حلفاء شمر يهرعش وحاصر نجران التابعة له . ولعله وجد العون او وجد الخضوع من قبائل عريية متفرقة مما سمح له بأن يدعى فى نصه حكم قبائل أسد ونزار ومعد . وشيئاً فشيئاً اكتفى اللخميون بالولاء للفرس دون الرومان » وتقبل الفرس استقرارهم فى الحيرة وفى الأنبار وما حولهما ليعدلوا الكفة فى مقابل ملوك الطوائف فى العراق » ويقوموا بدور الدولة الحاجزة لحماية الحدود وقوافل التجارة من شغب أبناء عمومتهم من بدو الصحاری . ونجح ملوك الحيرة فى القيام بدورهم › ثبت أقدامهم مایروی من أن يزدجرد ملك فارس قد انتم النعمان الأرل ملك الحيرة )۳۸۸ - 4۱۸ م) على تربية ولده بهرام جور فى ظاهر الحيرة » فرباه مع ولده المنذر › وقيل إنه أدبه باداب العرب » وكانت فرصة ذهبية لتقارب البيتين الحاكمين . وازدادت من جرائها سلطة النعمان وزاد جيشه واتسع ثراؤه ونسب إليه إنشاء قصر الخورنق . وزاد فی الوقت نفسه ولاؤه للفرس وشن الغارات باسمهم على حدود أملاك الروم فی بلاد الشام . وإن روی بعض المؤرخین أنه زهد فى نهاية حياته وتنسك وترك لولده المنذر ملکا مکینا . وعندما توفی یزدجرد فی عام ۱٤٤م اراد عظماء الفرس أن يقصوا أولاده عن عرشه » فاستغل المنذر الفرصة وانتصر لبهرام جور وعاونه بفرقته العربية الضاربة «دوسره أو بفرقتین › على بلوغ عرشه »> وحمد بهرام جور له هذه المبادرة وردها إليه مضاعفة وخلع عليه لفبين تشريفيين لابد أنهما اعتبرا مكرمة منه تزيد من سمعة المنذر بين الفرس والعرب (وهما : رام أفزود يزدجرد بمعنی الذی ازاد سرور یزدجرد > ومهشت بمعنى اعظم الخول) : mA
عدد الصفحات ١٥٥الفصل الرابعم عشر ر وأظهر عرب الحيرة كفايتهم فى قتال جيوش الروم وحلفائهم › وحدهم تارة وفى صفوف الفرس تارة أخرى . وكان أشد ملوكهم ضرابا ونجاحا المنذر الثالث (01۲- 04 م) الذى نسبه المؤرخون المسلمون إلى أمه ولقبوه بلقب ابن ماء السماء » ورأى بعض الباحثين أن اسم ماء السماء هذا محرف عن اسم ماوية أو مارية » كما أطلقوا عليه لقب ذى القرنين ريما لأنه كان يرسل ضفيرتين على جانبی رأسه › أو لرغبتهم فی تشبیهه بذی القرنين نظراً لاتساع فتوحه مثله . وتتابعت حروب المنذرعلى فترات منقطعة منذ عام ١١۹ حتى عام م أی خلال ٥ عاما »> ونستطيع أن نتجاوز عن تفاصيلها لنذكر ما یروی من أنه استطاع فى أوائلها أن يكتسح بادية الشام من حدود العراق إلى أنطاكية ء الأمر الذى جعل قيصر الروم يوفد إليه رسله من القساوسة ليفاوضوه فى إطلاق بعض من أسرهم من قادته الكبار أو يقنعوه بقبول الهدنة أو يغروه بالانقلاب على الفرس والانضمام إلى صفوفهم . واتصلت أسباب المودة بين المنذر وبين ذى نواس الحميرى كما أسلفنا فى الفصل العاشر » وابتغى هذا الأخير أن يحالفه › ولكن تصادف أن وصلت رسالته فى حضور قساوسة الروم عند المنذر ففسروها بأنها تمريض منه ضد نصارى الحيرة » وألبوا العالم المسيحى عليه . وعندما احتفل أبرهة الحبشى بانتهاء العمل فى إصلاح سد مأرب أوفد المنذر إليه مندوباً عنه لحضور حفله (فى عام ٠٤١ م( . وهكذا خرج عرب الحيرة بشهرتهم عن نطاق الإقليمية والتبعية . والواقع أنه لم يفسد على دولة الحيرة ة أمرها فى عهد المنذر القالث إلا عداؤها لفريقين من العرب وهم الغساسنة وينو كندة . فقد کان كل منهم أدرى بحرب الآخر »› وكل منهم يعرف عن أسرار الصحراء ودروبها ما يعرفه الآخر . وكان على رأس بنى غسان فيما يعاصر عهد المنذر » الحارث بن جبلة › ولم يكن أقل جرأة واقتداراً منه » فاتصلت الحروب بينهما للأسف أكثر مما اتصلت بين الروم وبين الفرس » وعقد الروم والفرس أكثر من هدنة وصلح › ولكن المنذر والحارث لم يعترفا بهدنة أو صلح »> وكما غزا المدذر أرض الشام غزا الحارث أأرض الجزيرة فى العراق » وهكذا أعمت المطامع بصيرة هذين الزعيمين . وانتهى الأمر بقتل المنذر حوالى عام ٤١٠م فى موقعة حليمة أو موقعة الحيار قرب قنسرين كما سيرد تفصیله بعد قلیل . أما قبائل كندة فقد غدوا حينذاك قوة يخشى بأسها فى قلب شبه الجزيرة العربية كما سنتناول ذلك بعد صفحات » فاستغل الفرس طموحهم لإضعاف شوكة ملك الحيرة بعد أن ارتفع شانه › وتوقعوا ان يؤدى به طموحه إلى الاضرار mî
عدد الصفحات ١٥٦تاريخ شبه الجزيرة العربية س بمصالح دولتهم أو الخروج عن طاعتها » فتركوه يستنفذ قواه ضد الحارث ابن عمرو ملك كندة ثم عزلوه » وولى قباذ ملك فارس الحارث الكندى على الحيرة فى حوالى عام ١۲٠م - ولجأ المنذر إلى بعض القبائل العربية التى بقيت على الولاء له وخرجت عن نفوذ كندة . ثم استرجع حكم دولته بعد اربع سنوات › وظل العداء قائماً بينه وبين كندة بعد فشل الحركة المزدكية . ونعاقب على حكم الحيرة عدة ملوك أشتهر منهم عمرو بن هند ٥٥٤( _ o4 م) الذى ألمح الأعشى فى شعره إلى أن نفوذه امتد ما بين عمان وبين ملج (فى أرض اليمامة من بلاد بنى جعدة) . وكان قد أستغل ضعف كندة فوسع نفوذه على حسابها وتحاربت قواته مع تمیم وطی وتغلب وغیرها . واشتهر كذلك النعمان بن المنذر ٥۸۲( - 1° ٦م( ملقب بلقب أب قابوس › واشتهر أمره عند المؤرخين العرب بأقاصيص كثيرة ووصفوه بفصاحة اللسان على الرغم من دمامة خلقته » وكان بلاطه مجمعاً للشعراء فمدحه المقريون إليه منهم (وأهمهم النابغة الذبيانى) وهجاه المبعدون عئه . وحاول أن يمد نفوذه من البحرين شرقاً إلى جبل طى غرياً . غير أن الحروب التى شنها لم يكتب له التوفيق فى أغلبها سواء ضد الغساسنة » أم ضد القبائل العربية الأخرى . فذكرت الروايات أن جيوشه انهزمت أمام بنى يريوع مرة » وأمام بنى عامر مرة » وأمام تغلب مرة أخرى . وكذلك كان حظه سيئاً مع كسرى ملك الفرس بعد أن أوقع خصومه بينه وبینه » فتمکن کسری منه وسجنه › وتفرق انصاره عنه › ومات فی سجنه . كان النعمان الثانى هو أخر الملوك العظام فى الحيرة › وقد اختلف أولاده على الحكم بعد موته » واستغل كسرى ملك الفرس اختلافهم فولى على الحيرة ملكا من غير أسرتهم وهو إياس بن قبيصة الطائى وکان من کبار عرب العراق الذين أقطعهم الفرس إقطاعيات واسعة » ووثق به كسرى كما و ثق به النعمان نفسه وجعله نائبه » فلم ولى الحيرة فى عام ١٠٠م عاون جيوش الفرس ضد جيوش الروم ليثبت أنه ليس أقل كفاية من المناذرة فى نصرتهم » ولكن التوفيق جانبه فى علاقاته باهل الحيرة وجيرانها بحيث قيل إنه امضى أغلب عهده القصير الذى لم یزد عن تسع سنوات (حتی ۱٤ م) خارجها » وتجرأت القبائل العربية على حدود العراق فى عهده سواء بتحريض أنصار المناذرة أو لاضطراب الأمور فى فارس نفسها . وحدث أن نشبت حينذاك موقعة خالدة بين عرب شبه الجزيرة العربية وبنى أعوان الفرس » وكان إياس هو مندوب كسرى فى قيادة أعوانه من الفرس والعرب الخاضعين له › فانهزم هو وجنوده › وكانت هزيمتهم بمثابة ضربة لسمعة 100
عدد الصفحات ١٥٧الفصل الرابع عشر فارس نفسها » ولعلها كانت من الآيات المبشرة للعرب بأن الاستبسال يمكن أن يعوض قلة العدد فى مقاومة إحدى الدولتين الكبيرتين اللتين حكمتا الشرقين الأدنى والأوسط فى ذلك الحين وهى دولة الفرس . شتهرت واقعة هذه الحرب باسم واقعة ذى قار » وقص المؤرخون المسلمون من أخبارها أن النعمان الثانى حينما تخوف من غدر كسرى به ترك بعض ودائعه من الأموال والأسلحة عند هانىء بن مسعود الشيبانى (أو هو هائىء بن قبيصه بن مسعود فى رواية الطبرى) أحد رجالات ربيعة وبكر بن وائل » فلما مات النعمان فى سجن الفرس كلف كسرى إياسا بن قبيصة عامله على الحيرة بأن يستردها من هانىء فرفض هذا الأخير أن يفرط فيما أُرتمن عليه . فأمر کسری بإعداد جیش من الولايات الفارسية والعربية الحدودية وأمر عليه إياسا بن قبيصة كما ذكرنا . وتلاقى هذا الجيش مع قبائل بكر وحلفائها فى منطقة ذى قار على مبعدة قليلة من الحيرة . واستظهر الفرس وأعوانهم على العرب فى يومهم الأول نظراً لكثرة اعدادهم وما استعانوا به من الفيلة › ولتهيب بعض العرب منهم › ولكنهم مالبثوا حتى جزعوا من شدة الهجير واحتمال تعرضهم للعطش فتقهقروا وكانت بداية النصر للعرب فتبعوهم وشاركت النساء الرجال فى شحذ العزائم » بل وصحت ضمائر بعض القبائل العربية المظاهرة للفرس فاستعدت للتخلى عنهم حين يجد الجد > وفی بطحاء ذی قار توالت أیام ة قليلة وجليلة تحطمت فيها عزائم جيوش الفرس وأتباعهم من شدة هجمات العرب وشدة العطش حتى هزموا هزيمة ملذكرة فی عام تفاوتت آراء المؤرخین فی تحدیده بین ٩ م وام . وعن هذه الموقعة قال الرسول ته «هذا أول يوم انتصفت العرب فيه من العجم وبى نصروا؛ . ولیس مايعرف عن مصير إياس بن قبيصة بعد هذه الموقعة إن كان قد استمر على حكم الحيرة لفترة بعدها أُم عزله كسرى بعد أن خاب أمله فى إخلاص العرب لحكمه . وعلى أية حال فقد حكمت الحيرة ۱۷ عاما أو نحوها ٦٠١( - ۱حم) بحکم فارسی مباشر . ووليها فارسى يدعي آزادبة عجز عن أن يبسط نفوذه علی مافی خارجها كما نافسه فى عامه الأخير شاب من نسل المناذرة يدعي المنذر ويلقب بالمغرور › ثم أتت نهايتهما معا بالفتح الإسلامى فى عام ۲م أو ٣٣م . تلك كانت الخطوط العامة للاتجاهات السياسية والحربية لدرلة الحيرة . أما حياتها الاجتماعية › فأهم مايذكر لها نها جمعت بين تقاليد العرب وبين رفاهة الفرس » فتتوج ملوكها بالتيجان على عادة الأكاسرة » وأمرو! بالحجاب بينهم وبين الناس مثلهم » واتخذوا الروادف أشبه الوزراء أو النواب » وفتحوا بلاطهم للأدباء
عدد الصفحات ١٥٨تاريخ شبه الجزيرة العربية س والشعراء . أما عاصمتهم فاتسعت هى وماحولها لطوائف شتى › من اللخميين أهل الطبقة العليا › والاحلاف الذين لحقوا بهم » وألعباد من النصارى › وجماعات من أهل العراق الأصيلين » وجاليات وموظفين كبار من الفرس » فضلاً على أعراب الضاحية أصحاب المظال ومضارب الشعر والوبر والأخبية الذين لم يسكنوا بيوت المدر فى الحيرة وانتشروا حولها . وتعددت الحرف بتعدد هذه الطوائف بين الزراعة والرعى والتجارة والصناعة ومنها صناعات النسيج المتلوعة » وكان أفخرها يطرز بالقصب وسلوك الذهب » وصناعات الحلى والأسلحة وماعداها . وتعددت المذاهب الدينية بين الوثنية والمجوسية والزرادشتية الفارسية واليهودية والمسيحية . ووجدت المسيحية مجالاً رحباً بين هذه الديانات وأخذت بالمذهب النسطورى أكثر من المذهب اليعقوبى » وأقيمت من أجلها أديرة عدة › وعرف أتباعها باسم العباد أو العباديين ريما نسبة إلى لفظ عبد الذى يربط بين الإنسان وبين ريه أو نسبة إلى كلمة عابد . وکان لموقع الحيرة واتصالاتها التجارية والظروف التى ادت إلى أحتكاك أهلها بغيرهم من الإمارات والجماعات سلما وحربا أثر فى انتفاعها بالثقافات العراقية والآرامية السريانية والفارسية والبيزنطية فضلاً على العربية » وكان فيها كتبة كثيرون يكتبون بالخط الأرامى الشرقى » وكتاتيب تعلم الصبية ويلحق بعضها بالاديرة . ٠ ونسب المؤرخون المسلمون إلى ملوك الحيرة كثيراً من القصور » فنسبوا إلى أحد النعمانين النعمان الأول أو الثانى بناء قصر الخورنق بظاهر الحيرة كما تقدم › بينما رد بعض الباحثين المحدثين تشييده إلى عصر اقدم من عصر استقرار اللخميين فى الحيرة » ثم زاد عليه ملوکهم » وقیل إن بعض أُجزائه وقبابه ظلت قائمة لفترة طويلة فى العصور الإسلامية بعد أن جددت أكثر من مرة . ونسيوا إليهم قصر السدير ويمثل بقبابه الثلاثة المتجاورة نموذجاً لفن البناء الحيرى › ويتألف مجلسه الرئيسى من إيوان يحف به كمان أو قاعتان » ونسبوا إليهم قصوراً كثيرة أخرى تتفق مع ماعلموه عن ثرائهم وتحضرهم › ولم يتركوا قصرا منها دون قصة او اسطورة دارت حوله ومیزته عن غیره . ونسبوا إلى أحد النعمانين قصة سنمار البناء وجزائه المشئوم » وقصة يوم السعد ويوم البؤس »› وتحدثوا عن مقتل عبيد بن الأبرص فى يوم البؤس ونجاة حنظلة الطائى فى اليوم نفسه > وما إلى ذلك مما زخرت به كتب الأدب العربى وعبرت فيه بالشعر والنثر عن كثير من النواحى الطيبة والنواحى السيئة فى الحياة العربية قبل الإسلام . ورووا أن \o¥
عدد الصفحات ١٥٩س الفصل الرابع عشر النعمان الأول تنسك وساح فې الأرض . وأن المنذر بن ماء السماء تنصر ¢ وأن النعمان الثانی ولد من ام ذات صل نهودی ۰ وعلى الجملة ظلت أيام ملوك الحيرة مجالاً خصبا لرواة العرب يمزجون فيها بينالواقع وبين الخيال » نظراً لما تواتر إليهم عن ثرائهم ورفاهيتهم وقوة جيوشهم وقوافلهم › واتصالاتهم بالدولتين الكبيرتين دولة الفرس بالتبعية ودولة الروم بالعداء» وهى صفات لم يكن ينافسهم فيها من ملوك العرب الشماليين أكثر من ملوك بنی غسان . ثانياً - دولة الغخساسنة قام الغساسنة على أطراف جنوب الشام وما يمتد حتى منطقة الجولان جنوبى دمشق بمئل الدور الذى قام به اللخميون المناذرة على اطراف العراق . أى بتكوين دولة حاجزة ووسيطة على أطراف بادية الشام تدين بالولاء لدولة الروم البيزنطية وتنذتة تنتفع منها وتعمل باسمها » وكانوا أحدث عهدا من المناذرة بنحو قرئين من الزمان . كما کان أتباعهم أقل استقرارا في حواضرهم من أهل الحبرة . وریما کانوا اقل تراء وبذخا أيضا من المناذرة » وأخذ المسيحيون منهم بالمذهب المونوفيستى اليعقوبى دون المذهب النسطورى الذى أخذ به أأغلب مسيحيى الحيرة. أطلق المؤرخون المسلمون على القبائل التى انتسب الملوك الغساسنة إليها اسم آل جفنة وآل ثعلبة فضلاً عن آل غسان . وذكروا أن غسان كان اسم ماء نزلوا عليه فسموا باسمه . واضافوا انهم نزلوا فى جنئوب الشام بجوار قبائل عربية قوية تدعى قبائل الضجاعمة » وهى من قضاعة › استخدمها الروم البيزنطيون فى حماية حدود أملاكهم الصحرارية » » فخضع الخساسنة لها حينا وتألبوا عليها حينا حتى أجلوها عن مواضعها فتفرقت وورثوها فى أرضها وفى شهرتها » وحينذاك أقرهم الروم على مكانتهم التى حصلوا عليها بسيوفهم » ليعملوا باسمهم على مناطق الحواف وفى قوافل التجارة . وكانوا يخصصون لهم بعض موارد الشام المالية ليستعينوا بها فى تقوية إمارتهم ونفقات جيشهم . وذكر المؤرخون عدداً كبيراً من الحكام الغساسنة تراوح بين الأحد عشر وبين الاثنين والثلاثين » وخلعوا عليهم ألقاب الملوك . ولكن يذهب الترجيح إلى أن عددا من حكامهم الأوائل لم يكونوا أكثر من مشايخ قبائل كيسار خلع البيزنطيون علیھم لقب ١٥۸٤۲ھارا٣ ہمعنی وال › ولقب ئ بمعنی أب أو بطريق ( ؟( 2]
عدد الصفحات ١٦٠تريخ شبه الجزيرة العربية _ وهكذا كان شأن أواخرهم الذين لم يزد أمرهم عن كونهم امراء أو شيوخا وإن أطلق عليهم الرواة ألقاب الملوك . ولم يتضح شأن الحكام الغساسنة فى المحيط السياسى قبل أوائل القرن المادس الميلادى » وكان أشهر من احتفظت الروايات البيزنطية والعربية بأعماله منهم الحارث (الثانی) بن جبلة › وولده المنذر . طال حكم الحارث الثانى ابن جبلة واحدا وأربعين عاما ٥۲۸( - 1( . عاصر فیها الامبراطور یوستینیانوس (أو جستئيان) فى بيزنطة » والمنذر الثالث ملك الحيرة » وكان كفنا لهذا الأخير طموحا مثله بدأ حروبه معه منذ العام الأول من حكمه (۲۸٥م) ليس فقط كممتلين للدولتين الكبيرتين المتنافستين دولة الروم ودولة الفرس . ولكن للتنافس بينهما كذلك على السيطرة على المناطق التى اطلقت المصادر البيزنطية عليها اسم 5)۲3 وتمتد فيما يرى نولدكه على جانبى الطريق الحربى من دمشق حتى سرجيوس إلى الشمال من تدمر . وتعاقبت الانتصارات والهزائم بين الجانبين وكانت ضاربة عنيفة كما أسلفنا فى الحديث عن تاريخ المناذرة » وبحيث قيل إن المنذر اسر ولدا للحارث فى عام ٤م وذبحه قربانا للعزى » وأسر الحارث ولدين للمنذر فى موقعة أخرى فى العام نفسه - واستمر الحال هكذا حتى قتل المنذر قرب قنسرين عام ٤٥٥م » »> وقتل فى نفس الموقعة ولد آخر للحارث > ومع ما كان فى هذا التنافس من دمار مؤسف للقوتين العربيتين ¢ ازداد سلطان الحارث مؤقتا فى أرضه وامتد نفوذه من جنوب الأردن حتى الرصافة فى شمال بادية الشام » واشتهرت من مدن دولته البلقاء والصفا وحران ولقب نفسه بلقب ملك وقيل إنه تتوج بتاج عوضا عن الإكليل الذى سمح الروم به لاسلافه »> حتى لاتكون لخصومه المناذرة ميزة عليه › وريما أقره الامبراطور البيزنطى على لقبه وتاجه حين زاره فى القسطنطينية عام ۳٠٠م ليستأذنه فى تعيين خليفته المنذر »› ونعلق هذا على الاحتمال لاختلاف المؤرخين بشانه . على أن الواقع ُن العلاقات بين الروم وبين الحارث الغسانى لم تكن خالية من الشوائب دائماً » فهو وإن أخذ وقومه بالمسيحية مهم إلا أنه کان يأخذ بالمذهب المونوفيستى اليعقوبى ويناصرة كما أسلفنا دون المذهب الذى يناصره الروم » وكان فى هذا ما أثار حفيظة بعض قساوسة الروم ضده وشكهم فى ولائه لهم . وقد اتهموه بالخيانة خلال اشتراکه مع جیش بلیزاریوس فی حرب الفرس فی عام ١٤٥م حين تراجع عن صفوف الحملة بعد أن عبر معها نهر دجلة » إما عن أنفة من التبعية له فى الجيش أو نتيجة لخصومة شخصية بين القائدين . وأعقب الحارث ولده المنذر ٥٦۹( - ۸1م( الذى لاندری كيف سماه باسم
عدد الصفحات ١٦١س لفصل الرابععشر _ خصمه - فتوالت حروبه مع النعمان ملك الحيرة وتعاقبت الانتصارات والهزائم بينهما كما حدث فى عهد ابويهما . فانتصر على الخميين فى موقعة عين اباغ قرب الفرات فی عام ۷۰٥م . ولكنه لم يستمتع بنصره طويلاً حيث غدر به الامبراطور بوستينوس (جوستين) الثانى ولم يكن يطمئن إليه فحرض عليه والى سوريا البيزنطى ليعمل على قتله » ولم يكن هذا الوالى أقل حقداً منه عليه » ولكن المنذر استطاع النزوح بجزء من جيشه إلى البادية ورد للروم الصاع صاعين فأقلق حدودهم بإغاراته السريعة . وتشجع المناذرة بغيابه عن الميدان فأغاروا على سورياء الامر الذى جعل الروم يتسامحون مع المنذر فى اواخر عهد يوستينيوس الثانى . وعندما ولى الامبراطور تیبیریوس التانی ٥۷۸( م ۸۲٥م) وزاره المنذر الغسانى فى عاصمته أقره الامبراطور على لقب الملك وسمح له بالتتوج مثل أبيه (فی عام ۸۰٥م) . وظل سوء الظن قائماً بين الطرفين يطل برأسه من حين إلى آخر . فحدث أن اشترك المنذر مع وإلى سوريا فى حملة فاشلة على العراق فرد الروم فشلها إليه » ولکى يثبت براءته مما نسب إليه أغار مع أعوانه العرب وحدهم على الحيرة وألهب فيها الحريق . وإذا کان المنذر قد فعل هذا لیرضی سادته علی حساب بنی عمومته »› فقد اعتبروا نجاحه فى هذه الغارة تحديا لهم ولفشلهم › ونجح أعوان الامبراطور فى هذه المرة فى القبض على المنذر ونفيه إلى صقلية › وقطع المعونة التى كانت بيزنطة تقدمها إلى دولته . وحاول أولاد المنذر الغسانى ن يثأروا له فشبت المناز عات بینهم وبين البيزانطيين . وکان على راسهم أخوهم الاكبر النعمان » الذى سماه ابوه باسم خصمه أيضاً > ولكن محاولاتهم لم تجد و تشتت تشتت شمل أسرتهم الحاكمة مئذ عام OAT أو ٤م ففقدت ملكها الواسع وهبط زعماؤها الكبار إلى مرتبه الإمارة كاية في الروه . وأضعف من آمال الغساسنة فى استرجاع مجدهم استيلاء جيوش افرسں علی باد الام ی ا ولم كن سن ماتظرأن يطمادرا لبهم ددد ساسة الروم ادرکوا أن لا أمان للأطراف الصحراوية وقوافل التجارة البرية إلا إذا عادت الزعامة إلى أهلها من الغساسنةٍ »ومن هنا ظهرت أسماء أمراء جدد عاصروا ظهور الإسلام ومنهم الحارث بن أبى شمر الغسانى أمير مؤتة الذی رل
عدد الصفحات ١٦٢تاريخ شبه الجزيرة العربية -___ الرسول عليه السلام إليه مع شجاع بن وهب فى العام السادس للهجرة بكتاب بقول فيه «بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبى شمر . سلام على من اتبع الهدی وآمن به وصدق . وإنى أدعوك أن تؤمن بالله وحده لاشريك له . يبقى لك ملكك › . وأبى الحارث الإسلام » فسير الرسول عليه السلام حملة ضده بقيادة زيد بن حارئثة الكلبى . ثم جبلة بن الأيهم آخرالأمراء الكبار من الغساسثة > وقد عاصر الفتح الإسلامى للشام . وقيل إنه ألم فى عهد عمر بن الخطاب ثم ارتد عن الإسلام لأسباب اختلفت روايات المؤرخين بشأنها . تنقل الغساسنة فى أيام ازدهار دولتهم بين أكذر من عاصمة »› وذكر امؤرخون المسلمون من عواصمهم جلق (التى قد تكون جلين الحالية أوالكسوة على بعد عشرة أميال جنوبى دمشق) › والجابية فى منطقة الجولان ولازالت البوابة الغربية لدمشق القديمة تسى باسمها . وبعد أن تحضرت جماعات بنى غسان فى بلاد الشام » أولت اهتمامها لمشروعات الرى والزراعة واستفادت منها لاسيما فى إقليم حوران » بحيث ذكر لها نحو ثلاثين قرية . غير أن أمور الحرب وحماية القوافل وتجارة الوساطة ظلت هى الغالبة على أوجه نشاطها . واشتهرت من مدن التجارة الخارجية ومراكز القوافل فى أيامهم مدينة بصرى عاصمة إقليم حوران › وقيل إن الرسول عليه السلام قصدها للتجارة مرتين فى شبابه وقابل فيها بحيرا الراهب . وكانت من مراكز الحضارات الهيلينستية والرومانية القديمة . ثم مدينة الرصافة شمال تدمر . وقد جدد الغساسنة كنائسها وأديرتها واشتهرت بقديسها المسیحی مارسرجیوس الذى خلع اسمه عليها فسميت Sargio-Plois وکان نصاری الشام يتیمنون به وبصورته ویعمدون أبناءهم فی كنيسته . ولازالت أطلال بوابات الرصافة القديمة وصهاريج مياهها قائمة . على الرغم من تخريب جيوش الحيرة لها أكثر من مرة › وفعل توالى الأزمان عليها . وانتفعت حضارة الغساسنة بالحضارات الشامية المحلية والبيزنطية والساسانية فضلاً على ميولها العربية . وكان شأنها فى ذلك شأن الحضارة الأموية فيما بعد حينما استكملت عناصرها المتعددة فى دمشق وما حولها . وترتب على ذلك أن نسب المؤرخون المسلمون آثار كل من الغساسنة والأمويين إلى الآخر . ومن أشهر هذه الآثار قصران : القصر الأبيض بجوار منطقة النمارة . وقصر Ku
عدد الصفحات ١٦٣س الفصل الرابع عشر ٠ المشتى وكان يقوم فى الناحية الشرقية من نهر الأردن حتى نقلت أحجاره إلى متحف برلين وأعيد تركيبها فيه فى أوائل القرن الحالى ٠ ويذهب بعض المستشرقين إلى إرجاع المراحل الأولى فى بناء القصرين إلى ماقبل استقرار الغساسنة فى الشام . وأبقى على دکر الأمراء الغساسنة فی التاريخ المسيحى ما اُسلفثاه من نهم کانوا من أکبر أنصار مذهب الطبيعة الواحدة » أى المذهب المونوفيستى أو المذهب اليعقوبى » وكانوا يئيبون عنهم قساوستهم فى حضور المجامع الدينية الكبيرة ة التى حاولت أن توفق بين المذاهب المسيحية المتذافرة . وخلد ذكر أمراء الغساسنة فى الأدب العربى » شاعران › النابغة الذبيانى الذى قصدهم بعد أن تخاصم مع ملوك الحيرة › فكان من لطيف وصفه لهم قوله : ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ثم حسان بن ثابت الذى يرجع نسبه إليهم › وقد نزل بلاطهم قبل الإسلام وحظى بإناعماتهم › ووصف نعیمهم وترفهم › حتی بعد ان خبا نجمهم › وذکر ان نفوذهم کان لایزال يمتد فى أيامه بين حوران وبين خليج العقبة . *% ¥ xk من المؤلفات المختارة فى دراسات الفصل : خالد العسل : الحيرة وعلاقتها بالجزيرة العربية - مجلة العرب - يونيو ۳ -_ ص ۸۷٤ ۸٥۷ ۰ پوليو ۱۹۷1۳ - ص ٩٩٣١ ۹۲٤ . ديسو (رنيه) : العرب فى سوريا قبل الإسلام - ترجمة عبد الحميد الدواخلى القاهرة 1۹٥۹ . صالح العلى : منطقة الحيرة - مجلة كلية الآداب بجامعة بغداد ۱۹١۲١ . فیلیب حتی : تاریخ العرب - ترجمة بیروت ٠۹۹٩ . نولدکه (تیودور) : أمراء غسان من آل جفنة - ترجمة بیروت ۱۹۳۳ . يوسف رزق الله غنيمة : الحيرة - بغداد ٠۱۹۳۲١ . 3
عدد الصفحات ١٦٤الفصل الخامس عشر ملكة كندة فى جد وما حولها لقبائل كندة تاريخ قديم قد لاتتأخر نشأته عن نشأة تاريخ تدوخ . وقد امتدت أیامها حتی نافست المناذرة والغساسنة فى عنفوان مجدهم . ولكن احاط الغموض بتاريخ كندة أكثر مما أحاط بتاريخ هؤلاء وهوؤلاء . ويرجع هذا الغموض إلى عدة أسباب » أهمها أنه لم تكتشف لجماعات كندة آثار قائمة مهمة أو نصوص وفيرة › وأن وجودهم فى أغلب عهودهم فى قاب البادية أقصاهم إلى حد ما عن معرفة المؤرخين الكلاسيكيين والبيزنطيين فيما خلا إشارات مختصرة ذكرها عنهم كل من بلینی وبطلمیوس وننوسوس وبروکوبیوس › ومالالاس » وثیوفانیس › ویوشع . وهی فى مجملها إشارات تحتمل كثيراً من الجدل . ثم إن أوائل المؤرخين والأدباء المسلمين الذين كتبوا عن كندة وملوكها تأثروا إلى حد ما بميولهم القبلية › ونقلوا قصصها من مصادر متضاربة فخرجت اخبارهم عنها متباينة مختلطة . واستفادت أُغلب روایات المؤرخین والأدباء المسلمين القدامى من مؤلفات هشام بن محمد الكلبى المفقودة الان للأسف وأخصها «کتاب ملوك كندة ؛ وكتاب الكلاب الأول » وكتاب الكلاب الفانى ... إلخ . كما استفادت أغلب الدراسات الحديثة عن كندة مما حققه المستشرق جونار أولندر عن «ملوك كددة او اسرة اکل المرار» فی مؤلفه المنشور فی عام ۱۹۲۷ . ثم نشرت فى الأعوام الأخيرة بضعة نصوص سبأية وحميرية لقت ضوءا جديدا على نشأة كندة وأرجعتها إلى عهود أقدم مما تخيله المؤرخون المسلمون عنها . وسوف نبداً بما أتت به المصادر الإسلامية القديمة ونستعين بما حققه أولندر منها . ثم نعقب أخيرا بما أضافته حديفاً قراءة النصوص الأثرية القديمة إلى المعروف عن تاريخ کندهة . رد أغلب المؤرخين المسلمين كندة إلى أصل قحطانى » ورووا أنها أقامت فى بداية أُمرها فى شرقى اليمن وغربى حضرموت » ثم احتدمت المنازعات بينها 1Y
عدد الصفحات ١٦٥وبين الحضارمة إلى أن تركت موطنها ونزحت إلى الشمال . وتعاقب على كندة رؤساء لقبهم المؤرخون المسلمون بألقاب الملوك ونسبوهم إلى جد أعلى يدعى ثور. واختلفوا فى حقيفَة عددهم وفى مدد حكمهم . وبعد أمد مأ تحالفت كندة مع الحميرين لتكون لهم مثل اللخميين بالنسبة للفرس . فى عهد الملك الحميرى أب کرب أسعد (الملقب بلقب تبع الأكبر) أو ولده حسان (بن تبع) . فولى أحدهما كبيرها حجرا بن عمرو الملقب بأكل المرار على أرض معد فنزل ببطن عاقل : بنجد. وأغار ببكر فانتزع ما کان بأيدى اللخميين من أرض بكر . وكان أب كرب أسعد قد بلغ فى هذه النواحى وادى مأسل الجمح جنوب شرق الدوادمى . وسجل اسمه على صخرة فيه . وانتشرت كندة فى أرض نجد وما فى شمالها وتصادمت مع الضجاعمة وحلفائهم الغساسنة على أطراف الشام »> كما تصادمت مع المناذرة على أطراف العراق . وولی بعد آکل المرار ولده عمرو بن حجر الذى لقب المقصور ريما لهبوط همته ولأن الظروف قصرت حكمه على جزء من ملك أبيه دون ملكه كله . (فاكتفى بمناطق ربيعة ومعد فى نجد وتخلى عن اليمامة لأخيه ) وعوض هذا القصور بصداقاته وولائه لجيرانه الحميريين واللخميين » ومحاولته الإغارة على أملاك الغساسنة . وخلفه ولده الحارث بن عمرو الكندى فى نهاية القرن الخامس الميلادى كما يعتقد أولندر » وکان اشد صلابه منه . وامتد حکمه على قبائل بکر بن وائل التی رغبت فى الاحتماء بسلطانه حين نزحت هى وقبائل تغلب من أرض اليمامة نحو الشمال بعد أن مزقتها حرب البسوس » تريدان النزول فى البحرين والعراق . وسنحت الفرص لعلو شأن الحارث الكندى نتيجة لأمرين › وهما انتقال صيته إلى فارس بعد أن أغار اتباعه البدر على حدود العراق وحوافه الزراعية وفشلت جيوش الحيرة فى إخضاعهم . ثم رغبة الملك الفارسى قباذ فى إيجاد مذافس قوی امام المنذر الثالث ملك الحيرة حتی لاتزید أطماعه بعد انتصاراته الأولية على الغساسنة . ويعد أن وصل إليه رسل قيصر الروم يفاوضونه فى فك أسراهم أو يغرونه بالانضمام إلى صفوفهم أو مهادنة أنصارهم » كما سلف القول من قبل » وريما كتغيير يناسب الحركة المزدكية فى فارس . وذكر المؤرخون المسلمون أن قباذا ملك الفرس أقر الحارث الكندى على ما استولى رجاله عليه من أطراف العراق » وأضافوا أنه استقبله بنفسه عند قنطرة \1٤
عدد الصفحات ١٦٦تاريخ شبه الجزيرة العربية الفيوم (قرب هيت) فى العراق . وبعد ان أطمأن قباذ إليه عزل المنذر الثالث وولى الحارث الكندى على أطراف العراق فحكمها من الحيرة أو من الأنبار » وكان له أولاد كثيرون ولاهم رؤساء على القبائل العربية مئذ أن ذاع صيته فى البادية وخلال حكمه لمملكة الحيرة بوجه خاص » وأسند إلى أكبرهم حجر رياسة قبائل سد وكنانة (أو بنى أسد بن خزيمة وغطفان ) وكانت أسد قبيلة كبيرة تركزت فى جنوب جبلی طى على جانبى وادى الرمة وتوزعت بطونها فيما فيل بين المدينة وبين الفرات . فقبلت رياسته على مضض بحيث فيل إنه لم يكن يقيم فيها وإنما كان يقيم فى تهامة ويبعث رسله ليجمعوا الإتاوة منها PPR رئاسته فشن هجمات خاطفة على حدود الغساسنة › وتجراً أخوه معد يكرب بمثل جرأته وکان یلی فیس عیلان فأغار على حدود فلسطين وأوغل فيها حتى أُوفد قيصر الروم أناستاسيوس وفدا إلى أبيه الحارث ليوقف شره . وهکذا زاد شأُن الحارث الكندى واستمر على حكم الحيرة وماحولها ء ولكن لفترة قليلة تتراوح بين ثلاث وأريع سنوات ( 2م - 0°۲۸ م) ثم مالبقت الاآية أن أنقلبت عليه حين توفى ملك الفرس الذى ولاه وعصضده . وكان المنذرالنالث قد لجاً بعد عزله إلى بعض حلفائه من القبائل واستجمع قواه بينهم ثم عاد ليسترجع ملکه . ووجد التأييد من ملك فارس الجديد كسرى أنو شروان الذى سمح له باستعادة ملك الحيرة » وعزل الحارث الكندى ففر وتبعته جيوش المنذر › واختلفت الروايات العربية فيما إذا كان أفلت منها أُم قتلته وأدت هزيمة الحارث أو قتله إلى أن انقلبت القبائل الخاضعة له ضد آله وبنيه بحيث قيل إن تغلب سلمت ثمانية وأربعين فردا من أسرته إلى المنذر فأمر بضرب رقابهم جميعاً . ونعاهم امرؤ القیس كثيراً فى شعره . وكان شر البلية أن تناحر أبناء الحارث بعضهم مع بعض حتى ذهبت ريحهم فقيل على سبيل المثال إن ولدا للحارث یدعی شرحبیل کان یحکم قبائل بكر بن وائل وما والاھا من قبائل المنطقة الشرقية اختلف مع أخ أصغر » له يدعى مسلمة كان يحكم قبائل تغلب والنمر بن قاسط . وزكى المنذر ملك الحيرة الفرقة بين الأخين » فتقاتلا وأضعف كل منهما هيبة الآخر » فتنمر لهما أتباعهما وحلفاؤهما إلى أن قتل الأول فيما يسمى يوم الكلاب وهو ماء بين البصرة والكوفة › وفر الثانى › فكر المنذر ملك الحيرة عليه بجيشه وقتل من اتباعه خلقا كثيرا . اما أُسد فقد زاد حقدها على ولده حجر »› ولما اشتد وعماله عليها تمكنت من قتله والفتك بأهله فی ظروف اختلف الرواة فى تصويرها . وهكذا تشتت أفراد أسرة آكل المرار وفت فى عضدهم أن ضعف شأن \1o
عدد الصفحات ١٦٧الفصل الخامس عشر حليفتهم حمير واحتل الأحباش المسيحيون اليمن فى عام ١۲٠م » فلم يبق لهم نصير خارجى لا من الفرس ولا من اليمن ولا من الروم ولا من أنفسهم بعد ان فرقت المطامع صفوفهم . وكان لحجر عدة أبناء أصغرهم هو امرؤ القيس الشاعر وکان میالا للهو مع شهرته فى الشعر وكان أبوه فيما ذكرته الروايات العربية قد تبراً منه فی حیاته حتی یقلع عن لهوه وشعره ففارقه وظل على سفره ولهوه حتی أتاه نعیه وهو یشرب ویسمر فی دمون من أرض حضرموت قال جملته المأئورة ضیعنی صغیرا وحملنی دمه کبیرا > لأصحو اليوم ولاسكر غدا » اليوم خمر وغدا أمرء › واستنصر امرؤ القیں قبائل بکر وتغلب على بئی أُسد قاتلی أبیه . فاستعصم بنوأسد ببنى كنانة ثم تركوهم . وتعقبهم امرؤ القيس بحلفائه والتحم معهم فى معركة ضاربة ولكنهم هريوا منه بليل . واكتفت بكر وتغلب بما حدث وتفرقت عنه. وأبى امرؤ القيس إلا المضى فى الانتقام لأبيه » فمضى يستنصر عرب العراق تارة وعرب اليمن تارة أخرى » ثم قاتل بنى أسد مرة أخرى وظفر ببعض بطونهم وقيل إنه مثل بها تمثيلا شديدا » ثم أحل الخمر لذفسه . (ولوأن شاعر بنى سد عبید بن الأبرص نفی فى شعره تمكن امریء القيں من قومه › وأخذ بروايته بعض المؤرخين ) . وکان رؤساء الحیرة لایزالون یکنون البغضاء لکندۃ › فتعقبوا امرؤ القیں وشردوه .... وتشجعت عليه قبائل أسد ومعد › وتفرق عنه أتباعه . ففر بأهله وأسلحته وماله وظل یتدقل بهم والمکائد تلازمه بین بنی یریوع › وإیاد . وطی › وفزارة » ثم ارتحل إلى تيماء ويبدو أنها كانت تحت رئاسة قريب له من كندة یدعی فیس › وان كانت بعض الروايات قد اكتفت من قصته فيها بأنه أودع أهله ودروعه عند السموأل بن عاديا صاحب الحصن الأبلق ورجاه ن يوصی به الحارث بن أبى شمر الغسانى › ثم قصد بلاد الشام ونم شعره عن أنه مر فيها بحوران وبعلبك وحمص وحماة ... ومن هناك أوفده الحارث الغسانى بتزكية منه إلى قيصر الروم فى القسطنطينية » حيث مات فيها مريضا أو مسموما » أو مات أثناء رجوعه منها فى فترة مابين ٠۴١ و ١٤٥م من قبل أن يحقق هدفه › وأضافت الروایات نفسها أن بعض اعدائه أو بعض انصاره عندما تحققوا من وفاته طالبوا السموأل بودائعه فأبى » فحاصروا حصنه وقتلوا ولده › ولكنها اختلفت فيمن طالب السموأل وحاصره » إن كان الحارث بن أبى شمر الغسانى » أو الأبرد ابن عمه »أو الحارث بن ظالم حليف المنذر ملك الحيرة . ونظر بعض المؤرخين المحدثين ومنهم فنكلر ومارجوليوت إلى المشكلة من وجهة نظرأخرى » فقد [
عدد الصفحات ١٦٨تاريخ شبه الجزيرة العربية سے لاحظوا أنه شاع القصة وأشاد بوفاء السموأل مصدر یهودی يتمثل فی دارم بن عقال الذى قيل إِنه كان من نسل السموأل » وسعية بن عريس » وغيرهما من رواة اليهود » ثم الأعشى الشاعر الجاهلى » ورأى فنكلر علامات الشك محتملة فرجح أن تكون قصة السموأل قصة موضوعة استوحاها رواة اليهود هؤلاء من بعض قصص التوراة وأشاعوها تمجيداً لقومهم » ثم رددها بعض الأخباريين بعدهم وأعجبوا بها لما اصطبغت به من روح الوفاء والإباء المحببة إلى العرب . واعتاد الباحثون فى تاريخ كندة أن يقفوا قليلاً عند قصة ذهاب امرىء القیں إلى القسطنطينية ومصيره فيها حيث لم تذكر المصادر البيزنطية شيداً عن امریء القیس هذا ولا عن زیارتہ لعاصمتها من طرف صرح › وإِن أشارت فى مناسبات أخرى متفرقة إلى أن أعوان القيصر كانوا يقربون بين مشايخ العرب وملوکهم الصغار وبين قيصرهم ويشجعونهم على زيارة بلاطه أو يسعون عنده فى أن سمح لهم بزیارته فی عاصمته . ويفهم من بعض هذه المصادر على سبيل المثال أن شيخا من شيوخ العرب الكبار يسى امرا القيس ارتحل من نواحى العراق إلى دومة الجندل واتخذها مركزا لغزو جنوب فلسطين وساحل البحر الأحمر أو ساحل العقبة واستولى على جزيرة فيه . ثم اتصلت الأسباب بينه وبين الأسقف العربى بطرس فأقنعه بمهادنة الروم والسعى إليهم . وسعى له هو عند القيصر ليو حتى دعاء إلى القسطنطينية حوالى عام ۷۳٤م فزاره وتنصر » وأقره على أرضه ولقبه بلقب فيلارخوس . ولیس لامریء القيس هذا صلة بامریء القيس الشاعر وهو يسبق عهده بأكثر من نصف واتصلت الأسباب بين شيخ عربى آخر دعته المصادر البيزنطية أبا كرب وبين القیصر یوستینیانوس (جوستین) › وکان ابو کرب يتزعم قبیلته فی جنوب فلسطين» وله واحة هناك كثيرة النخيل تقرب بها إلى القيصر فقبلها منه ولقبه هو الآخر بلقب فيلارخوس » وجاور أرضه أعراب من معد كانوا يدينون بالولاء للحميريين » مما يحتمل معه أنهم كانوا من كندة . وأراد أن يستعين بالقيصر وذكرت رواية أخرى أن الامبراطور يوستنيانوس أرسل رسولا إلى سميفع إشوع المسیحی عامل الأحباش على الیمن › یدعوہ إلى أن یصفح عن رئیں عربی یدعی قيس ویعاونه على رياسة معد ویتعاون معه على غزوأملاك فارس - وكانت هذه السفارة قبل عام ١۳٥م ولم تحقق غرضها - إما للخوف من فارس أو لأن سميفع لم تكن له سيادة فعلية على معد بحيث يولى قيسا عليها . 1۷
عدد الصفحات ١٦٩