دلائل نبوته 12 وقدَّشفىَّاللهَّبقراء َّالقرآ َّا لو ََّال دمؤلفعَّممنَّأ يبواَّبا مراضَّالع ويعَّوالنفس دديعَّىلىَّمرَِّّ العصوو،َّوئَّييالَّهااَّيُشاهدََُّّويُدماوسََُّّ،َّب َّقدَّ اوَّائستشفاءَّبالقرآ َّمُقرمواَّفيَّبعضَّالعياهاتَّ النفسيع.ََّّ تاسعا: ومنَّوجو َّإىجا َّالقرآ َّ يُددسرَُّ فظ هَّىنَّظهرَّقلبَّلمنَّ أواهَّذل َّ،َّخلافاَّلغة َّمنَّ الكتب،َّفقدَّ ُف ظَّالقرآ َّكاملاَّفيَّ دووَّالملايينَّمنَّالناسَّمناَّىصرَّالنبو َّإلىَّيومناَّهااَّ،َّوم دممنَّ فظهَّمنَّهوَّمنَّالدمكفوفينَّ،َّومنهمَّمنَّهوَّمنَّا ىاجمَّالاينَّيتكلمو َّاللغعَّالعربيعَّإئَّقليلاَّ،َّ فسبحا َّمنَّبهرَّبكتابهَّالعقولَّ،َّوسيستمرَّ فظهَّفيَّ دووَّالناسَّإلىَّنهايعَّالدنيا.َّ وهااَّالوجهَّمنَّوجو َّابىجا َّ َّ –َّولنَّ-َّيحص َّلغة َّمنَّالكتبَّإطلاقا.
عدد الصفحات ٦٥46 فوائد منثورة في موضوع دلائل النبوة هذه فوائد متنوعة في موضوع دلائل النبوة ، أضعها بين يدي القارىء الكريم ، نفع الله بها. كلمة جامعة في دلائل نبوة محمد قال الشيخ عبد الرحمـٰن بن سعدي رحمه الله في تفسير قوله تعا إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالَْْقِّ بَشِيرًا ونذيرا 1: ذَكَ ر تعالى بعضَ آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به، فقال إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالَْْقِّ بَشِيرًا ونذيرا، فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها, وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله, والثاني: في سيرته وهديه ودَ لِّ ــــهِ 2،والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني قد دخلا في قوله إِنَّا أَرْسَلْنَاك،والثالث دخل في قوله بِالَْْق . وبيانالأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد ع لِ م حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والص لبان, وتبديلهم للأديان, حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم, إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا ق ـــبَ ــــيل البعثة. وقد ع لِ م أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى, ولم يتركهم هملا, لأنه حكيم عليم, ق دير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم, يأمرهم بعبادة الرحم ـٰ ن وحده لا شريك له, فبِ مجرد رسالته يعرف العاقل صدقه, وهو آية كبيرة على أنه رسول الله . وأما الثاني؛ فمن عَ رف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة, وعرف سيرته وهديه قبل الب عثة, ونشوءه على أكمل الخصال, ثم من بعد ذلك قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين, 1 سورة البقرة 111 . 2 الـدَّل هو الهدي والسمت والسكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة انظر «النهاية» مادة: دلل
عدد الصفحات ٦٦46 فمن عرفها, وسبر أحواله ؛ عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين, لأن ه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم, والقرآن الكريم, المشتمل على الإخبارات الصادقة, والأوامر الْسنة, والنهي عن كل قبيح, والمعجزات الباهرة . فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة. انتهى كلامه رحمه الله.
عدد الصفحات ٦٧44 أنواع دلائل النبوة بحسب استمراريتها أو انقضائها يمكن تقسيم دلائل النبوة التي أيد الله بها نبيه بحسب استمراريتها أو انقضائها إلى ثلاثة أنواع : الأول: آيات حصلت وانقضت في عهد النبي إذ كان حيا ، كانبعاث الماء من بين أصابعه ، وإشباع العدد الكثير من الطعام القليل ، وحادثة انشقاق القمر ، وتسليم الْجر عليه لما أشار إليه ، وحنين الجذع إليه . الثاني: آية خالدة ، منذ بعث النبي إلى قيام الساعة ، وهي القرآن الكريم وسنته المطهرة ، وهو أعظم الأدلة على نبوته ، وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك قريبا إن شاء ا . الثالث: آيات تأتي تبعا مع مرور الزمن وتنقضي ، وهي ما أخبر به النبي من الغيبيات ، كوقوع بعض الْروب ، وكعلامات الساعة الصغرى والكبرى ، وما يحدث بعد قيام الساعة إلى استقرار الناس في منازلهم ، في الجنة أو في النار. قال ابن تيمية رحمه الله : و الآيات نوعان: منها ما مضى وصار معلوما بالخبر ، كمعجزات موسى وعيسى ، ومنها ما هو باق إلى اليوم ، كالقرآن الذي هو من أعلام نبوة محمد ، وكالعلم والإيمان الذي في أتباعه ، فإنه من أعلام نبوته ، وكشريعته التي أتى بها ، فإنها أيضا من أعلام نبوته ، ووقوع ما أخبر بوقوعه كقوله (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك)1 ، وقوله (لا تقوم الساعة ح تخرج نار من أرض الْجاز تضيء أعناق الإبل بب صرى)2 ، وقد خرجت هذه النار سنة خمس وستين وست مئة ، وشاهد الناس أعناق الإبل ببصرى 3 ،وظهر دينه وملته بالْجة والبرهان واليد والسنان ، ومثل المثلات والعقوبات التي تحيق بأعدائه ، وغير ذلك ، وكنعته الموجود في كتب الأن بياء قبله ، وغير ذلك.4 1 رواه البخاري 2122) ومسلم2112) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، واللفظ للبخاري. 2 رواه البخاري 8112) ومسلم2192) عن أبي هريرة رضي الله عنه 3 انظر«البداية والنهاية»، أحداث سنة454 هـ 4 «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»5/429-421.)
عدد الصفحات ٦٨46 تقسيم آخر لدلائل النبوة يمكن تقسيم دلائل نبوة محمد إلى نوعين ؛ قولية وفعلية ، فالقولية هي القرآن الكريم وما جاء في السنة الشريفة من تشريعات تبهر العقول ، تتضمن الاعتقادات الصحيحة والأحكام التشريعية والأخبار الصادقة والسلوكيات المست قيمة. والآيات الفعلية هي ما حصل على يده من الأمور الخارقة للعادة ، كانشقاق القمر ، وتكثير الطعام بين يديه ، وبصقه في عين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما اشتكى منها فرجعت سليمة ونحو ذلك. تنبيه إلى الفرق بين الآية والمعجزة يحسن هنا التنبيه إلى أن «الآيات» هي التسمية الدقيقة للأمور الخارقة للعادة ، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن لفظ الآية والبَـيِّنة والب ـرهان هو الوارد في الكتاب والسنة ، وذكر جملة من الأمثلة على هذا1 ، وأما لفظ «المعجزة »فلم يرد في القرآن ، ولا يدل على كون المقصود آية أو دليلا إلا إذا ف ـسِّ ر به ، وإن كان كونها معجزة وخرقا للعادة من لوازم وشروط وصفات كونها بينة وآية .2 كما يجدر التنبيه إلى أنه ليست كل الآيات التي أيَّد الله بها أنبياءه من قبيل الإعجاز ، وإنما اخت ص بذلك الآيات التي وردت في سياق التحدي والإعجاز للخصم ، فالقرآن – مثلا - آية على نبوة محمد وفيه تحدٍّ ، فيكون معجزة ، أما حنين الجذع إليه ، وتسليم الـحَجَر عليه فإنه آية على نبوته وليس فيه تحدٍّ ، فلا يوصف بأنه معجزة 3 وقد ذكر القرطبي رحمه الله في مقدمة كتابه «الجامع لأحكام القرآن »، باب: (نكت في إعجاز القرآن ، وشرائط المعجزة و حقيقتها) خمسة شروط للمعجزة ، فليراجعها من أراد التوسع. 1 انظـر (القصـص32) ، و (النسـاء184) ، و (الإســراء 111) ، و (الأنعـام: 124) ، و (الشـعراء 145) ، و (الأعــراف 83 ) ، و (آل عمران 41) ، (الأنعام5 ،25) ، وغيرها 2 انظر كتاب «النبوات»(222) ، و«الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح »5/412-411). 3 انظر«الجواب الصحيح»5/412-411.)
عدد الصفحات ٦٩46 في الآيات التي أوتيها النبي ما هو أظهر في الدلالة على نبوته من آيات غيره من الأنبياء في الآيات التي أوتيها النبي ما هو أظهر في الدلالة على نبوته من آيات غيره ، فتفجير الماء ب أصابعه مثلا أبلغ في خرق العادة من تفجير الْـجر لموسى عليه السلام ، لأن جنس الأحجار مما ينفجر منه الماء ، أما الأصابع فليست من جنس ما ينفجر منه الماء ، فصار انفجار الماء من بين أصابعه أبلغ من انفجار الْجر لموسى عليه السلام. كـذلك فإن عـيسى عليه السـلام أبرأ الأكمه – وهو الذي و لد أعـمى - مع بــقاء عـينـه في مـقرها ، أما رسول الله فردَّ العين بعد أن سالت على الخد ، وهذا أعظم من آية عيسى من وجه الأولى التئامها بعد سيلانها ، والأخرى رد البصر إليها بعد فقده منها. قال الشافعي رحمه الله: حنين الجذع إليه أبلغ 1 ، لأن إحياء الخشبةأبلغ من إحياء الميت. ولو قيل: (كان لموسى فلْ ق البحر) عارضناه بفلق القمر ، وذلك أعجب منه ، لأنه آية سماوية. وإن س ئلت عن انفجار الماء من الْجر عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه ، لأن خروج الماء من الْجر معتاد ، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب. ولو س ئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج. 2 انتهى قلت: ومن لطيف دلائل نبوته أنهنُصِر بالصَّبا ، وهي ريح تهب من جهة المشرق ، ف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال ن صِ رت بالصَّ با وأ هلكت عاد بالدَّ بور3.4 وفي تسخ هذه الريح نكتة ، وهي أنها كانت م سخَّ رة لسليمان عليه السلام تجري بأمره ، أما الصَّ با فإنها م سخَّ رة لنبينا بدون أمره ، بل تأتيه بدون أمر لن صرته ، وهذا أبلغ في الدلالة على نبوته.1 1 أي أبلغ من إحياء الميت ، كما سيأ كلامه. 2 رواه الفخر الرازي في كتابه «مناقب الشافعي»من طريق البيهقي عن الشافعي. نقلا من حاشية كتاب «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم الرازي ، ص 42 ، تحقيق عبد الغني عبد الخالق ، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت. 3 الدبور ريح تقابل الصِّـبا ، أي تأتي من جهة المغرب ، انظر شرح الْديث في «فتح الباري ». 4 رواه البخاري 1935) ومسلم199) عن ابن عباس رضي الله عنه
عدد الصفحات ٧٠46 دواوين أهل السنة التي عُنيت بحفظ دلائل النبوة ودلائل نبوة محمد كثيرة ، كلها تدل على صدق نبوته وأنه رسول من عن د الله حقا ، وقد حفظ علماء السنة رحمهم الله في القرون المتقدمة تلك الدلائل في كتب مفردة ، ورووها بالأسانيد ، وأشهر تلك الكتب أربعة: 1. «دلائل النبوة» ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ، لأبي بكر البيهقي 2. «دلائل النبوة» ، للحافظ أبي بكر الفريا 3. «دلائل النبوة» ، القاسم الأصبهاني. 4. «دلائل النبوة» ، لأبي نعيم الأصبها ثـم جاء علماء متأخرون واختصروا تلك الكتب ، ومن أشهر كتبهم: 5. «أعلام النبوة» ، لعلي بن محمد الماوردي459 هـ 4. «دلائل النبوة» ، لعماد الدين ابن كثير ، ويقع في كتاب «البداية والنهاية». 8. «الصحيح المسند مندلائل النبوة» للشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه ا 1422 هـ 2. «دلائل النبوة» ، لسعيد باشنفر (يحوي أكثر من1499 دليل من دلائل نبوة الأنبياء إنجاء أتباعهم وإهلاك مكذبيهم2 من دلائل نبوة الأنبياء إنجاء أتباعهم وإهلاك مكذبيهم ، وذلك مثل إغراق الله لجميع هل الأرض إلا نوح ومن آمن معه ، فهذا ليس له في العالم نظير. 1 انظر«فتح القدير» للمناوي4/223) ، الناشر: دار الفكر ، ط2 ، سنة1311 هجري 2 تم نقل هذه الفائدة من كتاب «النبوات»(412) لابن تيمية رحمه ا
عدد الصفحات ٧١67 وكذلك إهلاك قوم عاد ، وبلدهم إرَم ، وهذه ليس لها نظير في ذلك الوقت ، كما قال تعاال لم يخلق مثلها في البلاد ، أهلكهم الله بالريح ، فصاروا كأعجاز نخل خاوية ، ونجا الله نبيه هود ومن آمن معه. وكذلك إهلاك ثمود قوم صالح ، أهلكهم الله بالصيحة ، فص عِقوا فماتوا كلهم ، ونجا الله صالح ومن آمن معه بعد أن أنذرهم ثلاثة أيام. وكذلك قوم لوط ، أهلكهم الله بتكذيبهم بنبي الله لوط ، ولاستحلالهم للفاحشة ، فرفع الله مدائنهم إلى السماء ثم قلبت بهم ، ثم اتبِعوا بالْجارة من السماء. وكذلك قوم فرعون ، أغرقهم الله بالماء عن آخرهم. فالشاهد من هذا كله أن المكذبين بالرسل هؤلاء لم يكن بجنس ما يموت به بنو آدم ، فصار هذا من دلائل نبوتهم. من دلائل النبوة ؛ الكعبة1 ومن دلائل نبوة الأنبياء- إبراهيم ومن جاء بعده - الكعبة ، فإنها بيت من حجارة بوادٍ غيرِ ذي زرع ، ليس عندها أحد يحفظها من عدو ، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها ، فليس عندها رغبة ولا رهبة ، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة ، فكل من يأتيها يأتيها خاضعا ذليلا متواضعا ، في غاية التواضع ، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقا من غير باعث دنيوي ، وهي على هذه الْال من ألوف السنين ، وهذا مما لا ي عرف في العالم لِـب ـنـيـةٍ 2 غيرها ، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة ثم ت ـهدم ، لا يرغب أحد في بنائها ، ولا يرهبون من خرابها. وكذلك ما ب ـنيِ للعباد ات قد يتغير حاله على طول الزمان ، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس ، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها ... 1 تم نقل هذه الفائدة من كتاب «النبوات»(519 - 512) ، باختصار وتصرف يس 2 يعني: بناء
عدد الصفحات ٧٢61 وكذلك ما فعله الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها ، قصَدها جيش عظيم ومعهم الفيل ، فهرب أهلها منهم ، فبرك الفيل ، وامتنع من المسير إلى جهتها ، وإذا وجَّهوه إلى غير جهتها توجه ، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل ، أي جماعات في تفرقة ، فوجا بعد فوج ، رمَوا عليهم حصى هلكوا به كلهم ، فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم. حكمة الله في اختيار الآيات من حكمة الله تعالى أن جعل الله كبريات المعجزات من جنس ما بر ز فيه أهل العصر الذي بعث فيه ذلك الرسول , ففي عصر موسى عليه الصلاة والسلام اشتهر قومه بالسحر , فكانت آية موسى من جنس ما ترقَّ ـــوا فيه , لكنها زادت عليه , فكانت حقيقة لا خيالاً . وفي عصر عيسى عليه الصلاة و السلام كان علم الطب مترقياً إلى حد كبير , فجاءت آيته من جنس ما برزوا فيه وزيادة , فإن الطب في وقته لا يستطيع مداواة العمى والبرص , فجعل الله على يد نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام الشفاء من هذين المرضين. وكذلك الأمر بالنسبه لنبينا محمد ، فقد ترقى الناس في عصره في جانب الفصاحة , فكتبت المعلقات الفصيحة ونظمت القوافي البليغة , فجاء القرآن معجزاً لهم على أن يأتوا بمثله , ثم أعجزهم أن يأتوا بسورة مثله , فلم يستطيعوا أن يأتوا ولا بآية واحدة , فالْمد لله على ظهور الْجة. آيات الأنبياء لا تُنال باختيارهم أو باختيار أقوامهم آيات الأنبياء لا تنزل باختيارهم أو باختيار أقوامهم ، بل تنزل بحسب اختيار الله تعالى وحكمته وعدله ومشيئته ورحمته ، وليست بحسب اقتراح الناس ، كما قال تعالى وقالوا لولا نزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين 1. 1 سورة العنكبوت 59 .
عدد الصفحات ٧٣62 واقتراح الآيات على الأنبياء قد أنكره الله تعالى في القرآن العظي م في غير ما آية ، وقد بين الْـق تبـارك وتعالى سبب الإنكار في أمرين: الأول: أنهــــم لــــو آمنــــوا بتلــــك الآيــــة لكــــان إيمــــانهم اضــــطراريا ، في حــــين أن العــــبرة إنمــــا هــــي بالإيمــــان الاختياري وليس بالإيمان الاضطراري. الثااااني: أنهــم مـــع هـــذا الإيمــان الاضـــطراري إن لم يؤمنـــوا بعــد نـــزول الآيـــة فســي نزِل الله علـــيهم العـــذاب بمقتضى سنته التشريعية. قــال الشــيخ الشــنقيطي رحمــه الله في تفســير قولــه تعــالى وقــالوا لــولا نــزل عليــه آيــة مــن ربــه قــل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾: ذَ كَ ر في هذه الآية الكريمة أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها ال كفار على رسوله ، وبيَّــن في موضـع آخر أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أ نزِلت ولم يؤمنوا بها لنزل بهم العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لمـــا اقترحـــوا عليـــه إخـــراج ناقـــة ع شَـــراء1 وبْـــراء 2 جوفـــاء3 مـــن صـــخرة صـــم اء4 ، فأخرجهـــا الله لهـــم منهـــا بقدرتــه ومشـــيئته ، فعقروهــا وقـــالوا يــا صـــالح ائتنــا بمـــا تعــدنا﴾ ، فـــأهلكهم الله دفعــة واحـــدة بعـــذاب استئصــال وذلــك في قولــه ومــا منعنــا أن نرســل بالآيــات إلا أن كــذَّب بهــا الأولــون وآتينــا ثمــود الناقــة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ 5.4 انتهى 1 ناقة ع شَراء أي مضى من حملها عشرة أشهر. انظر«مفردات ألفاظ القرآن »للراغب الأصفهاني ، مادة: عشر 2 وبراء أي كثيرة الوبَر وهو الصوف. انظر«لسان العرب »، مادة: وبر 3 جوفاء أي عظيمة الجوف ، يشير إلى عِظَم خِلقتها. انظر «لسان العرب »، مادة: جوف 4 صماء أي صلبة م صمتة ، ومعنى مصمتة ليس فيها ثقوب. انظر «لسان العرب »، مادة: صمم 5 سورة الإسراء 51 . 4 «أضواء البيان»، باختصار يس وانظر ما قاله ابن كثير رحمه الله في «تفسيره»في تفسير قوله تعامن سورة الإسراء وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كـذَّب بهـا الأولون﴾.
عدد الصفحات ٧٤63 وقـالابـن كثــير رحمـه الله في «تفسـيره»في تفســير قولـه تعـا مــن سـورة الشـعراء إن نشــأ ننـزل علــيهم من السماء آيـة فظلـت أعنـاقهم لهـا خاضـعين﴾: أي لـو نشـاء لأنزلنـا آيـة تضـطرهم إلى الإيمـان قهـرا ، ولكن لا نفعل ذلك ، لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الإختياري. انتهى. وقال ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية نفسها: لا حاجة إلى ذلك1 ولا مصلحة فيه ، فإنه إذ ذاك الوقت يكون الإيمان غير نافع ، وإنما الإيمان النافع الإيمان بالغيب. انتهى. قلت: وقد اقترح المشركون علـى النـبي آيـات كثـيرة فلـم يجـبهم ا لمـا اقترحـوه ، لأنـه لـيس لأحـد أن يملي على الله ما يريده من الآيات ، قال تعالى في سورة الإسرا ء وقالوا لن نؤمن لـك حـتى تفجـر لنـا مــن الأرض ينبوعــا أو تكــون لــك جنــة مــن نخيــل وعنــب فتفجــر الأنهــار خلالهــا تفجــيرا أو ت ســقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخـرف أو ترقـى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ن قرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشـرا رسـولا﴾ ، قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله في «تفسيره» يقـــول تعـــالى ذكـــره لنبيـــه مـــ ـحمد : قـــل يـــا محمـــد لهـــؤلاء المشـــركين مـــن قومـــك ، القـــائلين لـــك هـــذه الأقوال ، تنزيها لله عمـا يصـفونه بـه ، وتعظيمـا لـه مـن أن ي ـؤتى بـه وملائكتـه ، أو يكـون لي سـبيل إلى شـيء ممـا تســألونيه هـل كنــت إلا بشـرا رســولا﴾ ، يقـول: هــل أنـا إلا عبــد مـن عبيــده مـن بــني آدم ، فكيـف أقـدر أن أفعـل مـا ســألتموني مـن هـذه الأمـور ، وإنمـا يقــدر عليهـا خـالقي وخـالقكم ، وإنمـا أنــا رســول أبلغكــم مــا أرســلت بــه إلــيكم ، والــذي ســألتموني أن أفعلــ ه بيــد الله الــذي أنــا وأنــتم عبيــد لــه ؛ لايقدر على ذلك غيره. انتهى. فالْاصل أن الشأن في باب الإيمـان بـدلائل النبـوة لـيس الإيمـان بالآيـات الاقتراحيـة أو الاضـطرارية الـتي يقترحهـا النـاس علـى أنبيـائهم ، بـل الشـأن في الإيمـان بمــا أنـزل الله علـى رسـوله مـن الآيـات الـتي ســاقها على يده بحسب اختيار الله وحكمته . اشتراك بعض الأنبياء في بعض الآيات واختصاصهم ببعض 1 أيإلى الإيمان الاضطراري.
عدد الصفحات ٧٥66 الأنبياء قديختصون ببعض الآيات ، وقد يشتركون ببعض ، فمن الآيات الخاصة آية القرآن لمحمد ، والتوراة لموسى ، والإنجيل لعيسى ، عليهم الصلاة والسلام. ومن الآيات ما يشترك فيه كلهم ، كالإخبار عن الله بما أخبرهم به من الغيبيات. ومن الآيات ما يشترك فيه بعضهم دون بعض كإحياء الموتى ، والعلاج من الأمراض ، فيكون لنبي نظير آية نبي ، فإن إحياء الموتى مشترك بينه وبين وموسى ، قال الله تعافي سياق قصة بني إسرائيل لما قال لهم موسى فقلنا اضربو ه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى . وإحياء الموتىمشترك بينه وبين نبي الله إلياس عليه السلام.1 ومع هذا فقد يجعل الله لنبي في آية معينة ما ليس عند غيره مع اشتراكهما في نفس الآية ، قال ابن تيمية رحمه الله: وأهل الكتاب عندهم في كتبهم أن غير المسيح أحيا الله على يديه الموتى ، وموسى بن عمران من جملة آياته العصا التي انقلبت فصارت ثعبانا مبينا حتى بلعت الْبال والعِ صِ ي التي للسحرة ، وكان غير مرة يلقيها فتصير ثعبانا ثم يمسكها فتعود عصا. ومعلوم أن هذه آية لم تكن لغيره ، وهي أعظم من إحياء الموتى ، فإن الإنسان كانت فيه الْ ياة ، فإذا عاش فقد عاد إلى مثل حاله الأول ، والله تعالى يحيي الموتى بإقامتهم من قبورهم ، وقد أحيا غير واحد من الموتى في الدنيا ، وأما انقلاب خشبة تصير حيوانا ثم تعود خشبة مرة بعد مرة وتبتلع الْبال والعصي فهذا أعجب من حياة الميت. وأيضا فالله قد أخبر أنه أحيا من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائي ل أعظم ممن أحياهم على يد المسيح ، قال تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون2 ،وقال تعالى 1 انظرما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في «الجواب الصحيح» وكتاب «النبوات»(223.) 2 سورة البقرة 55 – 54 .
عدد الصفحات ٧٦66 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى1 ،وقال تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم2. وأيضا فموسى عليه الصلاة والسلام كان يخ رج يده بيضاء من غير سوء ، وهذا أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح عليه السلام ، فإن البرص مرض معتاد ، وإنما العَ جَ ب الإبراء منه ، وأما بياض اليد من غير برص ثم عودها إلى حالها الأول ، ففيه أمران عجيبان لا ي عرف لهما نظير. وأيضا فموسى فلق الله له البحر حتى عبر فيه بنو إسرائيل وغرِ ق فيه فرعون وجنوده ، وهذا أمر باهر فيه من عظمة هذه الآية ومن إهلاك الله لعدو موسى ما لم يكن مثله للمسيح. وأيضا فموسى كان الله ي طعمهم على يده المن والسلوى مع كثرة بني إسرائيل ، ويفجر لهم بضربه للحجر كل يوم اثني عشر عينا يكفيهم ، وهذا أعظم من إنزال المسيح عليه السلام للمائدة ، ومن قلب الماء خمرا ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وس لامه عليهم أجمعين. وكان لموسى في عدوه من القمل والضفادع والدم وسائر الآيات ما لم يكن مثله للمسيح. انتهى كلامه رحمه الله. 3 قلت: وهذا من دلائل تفضيل بعض الأنبياء على بعض أنْ آتى بعضهم من دلائل النبوة ما لم يؤتِ غيره ، قال تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض. الفرق بين النبي والساحر كذَّب المكذبون بآيات الأنبياء ، وادعوا أنها من قبيل السحر ، ولو كان عندهم عقول يعقِ لون بها وقلوب يفقهون بها لعلِموا أنها لا يمكن أن تكون من هذا القبيل ، لأن بين الآيات التي جاء بها الأنبياء وبين ما يأتي به السحرة فروقا كثيرة ، أولها أنه أمر بقتل السحرة فكيف يــــدْ عى ساحرا ؟! 1 سورة البقر ة: 83 . 2 سورة البقرة 243 . 3 انظرما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في «الجواب الصحيح» (4/18 – 11.)
عدد الصفحات ٧٧64 وقدذكر ابن تيمية رحمه الله في كتابه «النبوات»1 فروقا بين آيات الأنبياء وبين السِّ حر والكهانة ، ننقلها هنا باختصار وتصرف: أولاا : أن النبي صادق فيما يخبر به , لا يكْ ذِ ب قط , و أما من خالفهم من السحرة والكها ن فلا ب د أن يكذب. ثانياا : أن الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل وعبادة الله وحده ، ولا تفعل إلا ما يوافق ذلك , وهؤلاء المخالفون لا ب د لهم من ارتكاب الظلم ، و العدوان على الخلق ، بارتكاب الشرك وعبادة الشياطين وفعل الفواحش. ثالثاا : أن العقول والفطر توافق ما أمرت ب ه الأنبياء ، فإن الأنبياء كمَّ لوا الفطرة وبصَّ روا الخلق ، وتعاليمهم – أي الأنبياء - موافقة للعقول لا ت ناقضها ، وأما السحرة والكهان وغيرهم من المخالفين فتعاليمهم وأفعالهم مخالفة للفطرة والعقل والْس ، بل هي م فسِدةٌ للفطرة والعقل والْس ، فأما إفسادهم للحس و العقل فذلك بتخييل أمور للشخص المسحور خلاف ما هي عليه في الواقع ، ورؤية الشيء خلاف ما هو ، كالذين يرون الجن فيظنون أنهم إنس ، أو يرون شيئا على مثالِ مَا هو عليه وهو في الْقيقة بخلافه. وأما لإفسادهم للفِطَر فإن الفِطَر ناشئةٌ على التوحيد ، والسحرة أفسدوا الفِ طَر بارتكاب الشرك وتذويقه للناس. رابعاا : أن السحر والكهانة أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعاداتهم , وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم. خامسا: أن الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه , بخلاف النبوة فإنه لا ينالها أحد باكتسابه. 1 انظر ص 552 ،1984 .
عدد الصفحات ٧٨66 سادسا: أن ما تأتي به السحرة والكهان لا يخرج عن كونه مقدوراً للإنس والجن , وآيات الأنبياء لا يقدر على مثلها لا الإنس ولا الجن , لأنها خارقة للعادة ، كما قال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظ هيراً . سابعا: أن ما تأتي به السحرة والكهان يمكن أن ت عارض بمثلها وأقوى منها , وآيات الأنبياء لا يمكن أحداً أن يعارضها بمثلها ولا بأقوى منها . ثامنا: أن خوارق غير الأنبياء من السحرة والكهان ت نال بأفعالهم من شرك وفجور ، وكذلك خوارق غير الأنبياء من الأولياء ، فإنها ت نال بسعيه ، من دعاء ونحوه ، كأن يقع في مصيبة فيلجأ إلى الله تعالى ، فيخرق الله له العادة فينجيه منها بأسباب غير عادية. أما آيات الأنبياء فلا ت نال إلا من الله بغير اختيار من الأنبياء ، بحسب علمه وحكمته وعدله ومشيئته ورحمته ، وليست تجيء بحسب اقترا ح الناس ، كما قال تعالى وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية 1.2 1 سورة الأنعام 38 . 2 سورة الأنعام 38 .
عدد الصفحات ٧٩66 كرامات الأولياء من جملة آيات الأنبياء الكرامة عند علماء الشريعة أمر خارق للعادة ، ي ظهر ه الله عز وجل على أيدي أوليائه ، وهم القائمون بما أوجب الله ، المنتهون عما حرم الله ، كما قال تعالى في وصفهم ألا إن أولياء ا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون 1. والكرامات من جملة آيات الأنبياء ، لأنها لا تحص ل إلا لمن اتبعهم ، ولأنه لولا الأنبياء لما كان الأولياء أولياء ، لأنهم ما صاروا أولياء إلا باتباعهم للنبي . ولكنكرامات الأولياء تعتبر من الآيات الصغرى ، أما الآيات الكبرى فخاصة بالأنبياء ، لا ي شاركهم فيها أحد غيرهم ، لا الأولياء ولا غيرهم ، وهي كخلق الطين من الطير ، ونزول الكتب ، وفلق البحر ونحو ذلك. وعلة عدم المشاركة أن الله فضَّل الأنبياء على غير هم ، فلا بد أن يمتاز الفاضل بما لا يقدر المفضول على مثله ، إذ لو أتى بمثل ما أتى به الفاضل لكان مثله ، لا دونه.2 كرامات الأولياء لا يُقصد بها التحدي ، بخلاف آيات الأنبياء كرامات الأولياء لا ي قصد بها التحدي إطلاقا ، وإنما ي قصد بها الإكرام وتلبية حاجة ذلك الولي ، بخلاف آيات الأنبياء فقد ي قصد بها التحدي وقد يقصد بها تلبية حاجات الناس ، وعلى كل حال ففيها تنويه بكرامة ذلك النبي. 3 تدوين كرامات الأولياء لا شك أن الكرامات تحصل للأولياء الصادقين ، ولكن لما كان شأنهم إخفاؤها خشية العجب والاغترار بالنفس ؛ فإن الكر امات التي د وِّنت في الكتب قليلة ، وغير معلوم أكثرها للناس. 1 سورة يونس: 42 . 2 انظر كتاب «النبوات»(591 ،292 ،223 ،244.) 3 انظر كتاب «النبوات»1924 - 1925.)
عدد الصفحات ٨٠