ذلك أن التغير الذي أصاب تاريخ الإنسان الجمالي يؤكد أن فناً بدائياً يستحق التقدير والإعجاب لما فيه الراهن.من سمات جمالية تفرض نفسها حتى الزمن وهذه السمات باعتبارها ذات جماليات خاصة بإنسان العصر الحجري قد تجلت بثلاث نقاط أساسية وهي: 1 . الواقعية: لما فيها من دقة الرسم ومحاكاة الشكل الواقعي 2 . التقشف والبساطة: بالاختزال وا لغاء التفاصيل التي لا ضرورة لها "فنياً 3 . مليء بالحياة والحيوية والحركة: إب راز الحيوانات في أوضاعها الحية الطبيعية. الأشكال الفنية التي فيها السمات الجمالية الخاصة بإنسان العصر الحجري تدعونا إلى أن نرى جمالية خاصة لا تنطوي على "الفن للفن"؛ لأن الإنسان في ذلك العصر يمارس فنونه حتى الرقص "رقصة الساحر" دون غايات، فالحافز الذي دفع ا لإنسان آنذاك ليس دافعاً جمالياً محضاً أو تزيينياً بحتاً، فالرسوم ليست إلا في أماكن محددة من الكهف الكبير، وعلى الرغم من وجود مخلفات الإنسان في جميع أنحاء الكهف بشكل واسع إلا أن مكان التصاوير يدفعنا إلى الاعتقاد الرسم، حياة فيها شيء من "السحر" للاستحواذ على الطرائد.بتأثير حياة طقسية خاصة في أثناء عملية فالتقديس للمكان والرسوم يترك تأثيراً فعالاً على نجاح عملية الصيد، وعلى تكثير عدد الطرائد، أو إمكان توافرها، وهذا ما يبرر كثرة الرسوم لهذه الحيوانات مكدسة فوق بعضها في مكان واحد. وم به الشعوب البدائية المتحضرة في بعض القبائل المعاصرة، فقد تمت مراقبتها ويدعم هذه النظرية ما تق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فكانت الصلة كبيرة بين إنتاج الفن والسحر. 22
عدد الصفحات ٣١وكذلك فإن تأمل التماثيل الأنثوية التي نحتها الإنسان الأول "الفنان القديم" يؤكد أن له ا معنى خاصاً، حيث المبالغة بخصائص جسد المرأة من حيث: الصدر الممتلئ والعجز والفخدين، وبشكل واسع في إبراز التفاصيل الواقعية، فربما تكون "تعويذة" تساعد على كثرة الإنجاب، أو الإرضاع للأطفال، فهي تمثل الأم الولود، ويحيلها علماء السيمياء إلى كونها رموزاً ذات دلا لة على الإخصاب والعطاء. إن التأويل الرمزي والتأويل السحري والتأويل النفعي الوظيفي لكل الأشياء "تصاوير وأدوات" في العصر الحجري القديم لا تنفي خاصية جمالية لتلك الأشكال، فالإنسان البدائي –ومما لا شك فيه -أنه كان حسياً لمناطق النشاط الأكثر سمواً في الروحانية، ليأنس بها بأشد الحاجة لأن يمارس داخل ذاته تجييشاً من نفسه من جهة، ومع الحياة البدائية المتوحشة من جهة ثانية، فكانت الحاجة والضرورة والإشباع السحري المثير للضرورة الجمالية. ب- مصر القديمة (الفرعونية): لفن والعقيدة:ا إن جمالية الفن لتبدو لنا هنا واضحة بخلاف العصر الحجري القديم، فقد أصبح الإنسان موجوداً في حالة مجتمعية متطورة في جميع مناحي الحياة: الميتافيزيقية والفيزيقية ( 5)، ومن هنا كان تعبير هيرودوت بأن "مصر هبة النيل"، فالأفكار الماورائية انعكست في فنون منطقة أصبح سكانها مزارعين وعاملين شديدي الارتباط بالأرض والمكان، ويعيشون كجماعات متفاعلة، 23
عدد الصفحات ٣٢فتميزت طبقات من الحكام وطبقات من المزارعين وطبقات من العاملين، فضلا ًعن ظهور كال مختلفة: الهيروغليفية والديموطيقية والهيراطيقية.التدوين بأش إذاً نرانا أمام مجتمع أكثر تطوراً في تاريخ البشرية، وكذلك أمام مرحلة أسلوبية متكاملة تُعد من أهم مراحل التاريخ الفني خصوصية، لها سمات مشبعة بالتفرد والعقائدية الخاصة بفكرة البعث طريق الفن تصويراً ونحتاً وعمارة حدود التعبير الأعلى عن والخلود كوحدة فنية بلغت عن حقائقها الإنسانية والميثولوجية الخاصة. وفيما يختص بالبعث والخلود في عقيدة سادت الفن المصري القديم جعلت الفنانين أمام فكرة قهر الفني. الفناء، والانتصار على الموت، فكان الخلود جوهر الفن، وبالتالي تخليد الموضوع إذاً هو فن يبحث عن الحياة ويهدف إلى تمجيدها، وا عادة الحياة إلى الموتى، "فكانت الروح في العقيدة المصرية لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن فرعون كان من الآلهة، فلقد حرص دائماً على حفظ هراً روحه في قبور ضخمة، ليس بالإمكان شرود النفس منها، فكان حفظها في الأهرامات مظ مادياً لسرمدية الروح الإلهية". قانون المواجهة Frontality : اتسمت الفنون المصرية بفكرة التأبيد والديمومة في كل أنواعها ما جعل حضارة مصر أطول حضارة فنية قومية عرفها التاريخ، إلا أن قانون المواجهة أو المجابهة أثار العلماء والباحثين في تاريخ علم الجمال الفني لما لهذا الأسلوب من خاصية فردية 24
عدد الصفحات ٣٣المصري القديم، حيث نرى في النحت أن جميع الهيئات سواء كانت سادت النحت والتصوير واقفة أم جالسة، سائرة أم ساكنة تبدو مجابهة ومنتصبة، فالانثناء نحو اليمين أو اليسار محظر، والأعمدة الفقرية تظهر قائمة إذا ما كانت الهيئات على قاعدة. لرأس يُرسم من الجانب، أما العين وكذلك في التصوير حيث اتبعت الطريقة الجبهية، فكان ا فكانت مواجهة "جبهية" وكذلك الصدر، أما الفخذان والقدمان فكانا يرسمان جانبياً، وفي الأبنية المعمارية نرى شيئاً مشابهاً حيث رسم المنازل من مساقطها. التجديد الفني في عهد (أخناتون): اقترن اسم أخناتون ( 1365-1348 ق.م) بالتحولات الثقافية الكبرى في تاريخ البشرية، فقد "أحدثت ثورة في الفن المصري كما أحدثت ثورة في العقيدة الدينية". وقد عدَّه وليم بيك بأنه "أول مجدد واع. في الفن، فقد كان أول شخص يحيل نزعة مطابقة الطبيعة الفنانون عنه، إنما كان حباً جديداً إلى برنامج، ومن الواضح أن ما يدين به الفن له، وما تعلمه للحقيقة وحساسية جديدة، ورهافة شعور يؤديان إلى نوع من الانطباعية في الفن المصري"، حيث بدأت معالم المنظور تظهر، والاهتمام بالمناظر الطبيعية، وأحداث الحياة الاجتماعية، كما ظهر ر ومواقف من الحياة اليومية، تسودها أخناتون في التصوير وسط مجموعات من الناس "في مناظ روح إنسانية عميقة تفوق جميع المفاهيم السابقة، ومع ذلك فإنه يظل يتحرك في مسطحات قائمة الزوايا، ويدير مساحة صدره بأكملها نحو المشاهد، ويبلغ حجمه ضعف حجم الناس العاديين". 25
عدد الصفحات ٣٤الوعي الجمالي عند الفنان المصري القديم على الرغم من أن الفنانين المصريين القدماء كانوا مجهولين، فهم لا يقومون بالتوقيع على أعمالهم إلا أن أسماء قليلة من الفنانين معروفة ممن وصلت إلينا ومنها: (دجيهو تيموزي) و(حويا) و(مريري) و(أحموزي)، وتشير بعض الكتابات إلى أن (مريري) موصوف بأنه (أمير ديوان)، وكذلك بعض الفنانين الذين عرفوا ببصيرة عالية وا لمام بكل شيء من العلوم وكاتب والمعارف والأسرار، وهناك قول لأحد هؤلاء الفنانين يقرظ فيه نفسه على الشكل التالي: "إنني أدرك سر الأقوال الربانية، وأصول الشعائر الاحتفالية، لقد مارست كل سحر، فأنا سيد الأسرار، أشاهد (رع) في تجليه، وأنا إلى ذلك فنان ممتاز في فنه، ورجل فوق الرجال في معارفه لا إنني تفوتني خفايا التمثال، ولا براعة رسم المرأة، ولا وقفة عازف القيثار، ولا دهشة الإنسان المستيقظ ة الترصيع من سباته، كما لا تفوتني رفعة ذراع الرامي، ولا انحناءة العدّاء، وأنا أدرك سر صناع الذي لا تأكله نار ولا يذيبه ماء". وبالنتيجة فإننا نلاحظ جمالية خاصة في مصر القديمة جعلتها من أهم المراحل الفنية في تاريخ البشرية، قائمة على وعي لا جدال فيه وفكر. عال. جعل من الفن عملاً متخصصاً ومنهجاً مميزاً عن سواه من الفنون التاريخية. 26
عدد الصفحات ٣٥ج-الإغريق:عند إن ما يتمتع به الفن الإغريقي من قيمة جمالية سامية جعله النموذج الأكمل لفكرة "المثال" حتى نمت المثالية وتطورت وتحايثت مع كل المذاهب الفنية عبر التاريخ فيما بعد، بالرغم من أن الحقبة الزمنية التي ازدهر فيها الفن الإغريقي كانت قصيرة نسبياً حيث امتدت من القرن السابع وحتى الرابع قبل الميلاد. الأعجوبة الجمالية: لطالما تحدث المفكرون الجماليون والعلماء المعاصرون عن الفكر الإغريقي وآدابه وفنونه العالية التطور حتى وصفوه بالمعجزة الإغريقية باعتبارها ظاهرة غريبة تجسدت في أقل جمالياً منذ هيراقليطس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، حتى أن من مئتي عام فكراً فلسفياً وفناً الفن المعاصر لا ينفك يعود إلى الاقتباس من تعاليم الإغريق التي لا مثيل لها من بلوغ الإتقان والكمال. وقد أكد "إيتان سوريو" أنه إلى جانب الأعجوبة التاريخية والثقافية هناك أعجوبة جمالية "تكمن في أن طبيعة الشكل الفني الذي نشأ في تلك الظروف كانت من النوع الذي يستطيع إشباع الحاجات الجمالية لأزمان أخرى وعادات أخرى" فضلاً عن أن هذا الفن قد نما وازدهر في رقعة بشرية صغيرة إلى أقصى حد متمثلة في أعلى درجاتها وسموها الجمالي في أثينا. غريقي:فلاسفة الفكر الجمالي الإ 545-) ق.م يُعَد هيراقليطس فيلسوف التغير باعتبار أن التغيرات والتحولات من أهم الإشكالات التي تَردد صداها في تاريخ التفكير الفلسفي والجمالي، كما يرى أن طبيعة الإنسان والوجود تقوم على جدلية الحقيقة واللاحقيقة، 23 :) "لن يتسنى لهم أن يعرفوا معنى الحق لو كانت الأضداد غير موجودة"، ولا يغرب عن بالنا أن هذه 27
عدد الصفحات ٣٦الجدلية التي تجمع الأضداد في حالة واحدة تُعد من أهم الأسس التي قامت عليها السريالية في جمالياتها "الموت والحياة"، "الوجود والعدم"، وتمثلت أيضاً في الفنون المعاصرة حيث تجتمع ثنائيات غرائبية تشكل السريالية بوجود الخشن إلى جانب الناعم الأملس، والفوضى إلى جانب التنظيم، والجمع بين مخلوقات تمثل الحيوان والإنسان معاً في كائن واحد. يستحيل أن يلمس المادة الفانية وفي الشذرة يقول: "لا يمكن للإنسان أن ينزل في النهر الواحد مرتين، ف نفسها مرتين، لكن من خلال سرعة التغير تتبعثر المياه وتتجمع ثانية، أو بالأحرى لا تجمع حتى ثانية أو فيما بعد، لكن التجمع والانفصال متزامنان، وتتقارب وتنفصل"، فالعالم في حركة دائمة وتغير مستمر مثل ياة، والصيرورة المياه الجارية، فالتغير قانون الح Becoming هي الحاكمة أو الشيء الثابت في عالم هيراقليطس. 575-) ق.م يفسر فيثاغورس الظواهر الطبيعية والجمالية بالتناسق العددي، فالعالم ترتيب عددي وتناسب نغمي وعلاقات رياضية يحكمها الانسجام الدقيق والائتلاف. ها التي تمتد إلى الفنون التكعيبية المعاصرة، فيؤكد "خوان غريس" الذي يعد من وقد تركت هذه الرؤية آثار التكعيبيين "أن الجانب البنائي من التصوير هو الرياضيات أي الجانب التجريدي". ويحسن بنا القول مع كثير من المفكرين الجماليين إن "أصول الحركة التكعيبية ترجع إلى الفنان الفيلسوف يثاغورس الذي رد العالم إلى عدد ونغم، فالطبيعة تكشف لنا عن جمال في تكوينها وتناسق في اليوناني ف بنائها، وهذا التناسق البنائي والجمال التكويني يعبران عن نسب عددية متناغمة، فحين تشريح الطبيعة كونية، هذا من جهة، ورؤية أشكالها وأعماقها البنائية تتبدى لنا أسرار جمالية، وألحان هندسية، وموسيقا ومن جهة أخرى فإن هذا يتيح لنا الوصول إلى (الحقيقة) التي تقف وراء ما هو ظاهري". 475-) ق.م بالرغم من أن الجمالية التي ظهرت عند سقراط ارتبطت بالنفعية والغاية، إلا أن هذه الغاية كانت سامية ، فالفن الجميل هو الذي يسعى بالتربية الجمالية نحو من خلال نفعيتها بالكشف عن الأخلاق والخير مجتمع فاضل. 28
عدد الصفحات ٣٧لذلك نرى أن فيلسوفاً مثل سقراط هو فيلسوف مثالي، والمثالي في الجمال لا يسعى إلى المادة بكونها مجرد مادة نفعية، فهو يدرك أنها زائلة فانية، وأن الجمال يزول بزوال المنفعة. 427-) ق.م نا من أفلاطون هذا الفيلسوف الإغريقي العالِم بكل شيء أنه ترك لنا مجموعة من المؤلفات تُعد من حسب أهم ما ورد في تاريخ الفكر البشري فهو الفيلسوف الذي لم يُعرف أنه ترك شيئاً ولم يتحدث به. أن ملايين سنة وما زالت تُدرّس في أرقى جامعات العالم، مع المؤلفات التي ظهرت بعده قد أصبحت في غياهب النسيان. وتظهر الرؤية المثالية في الجمال عند أفلاطون من خلال محاورة "الفيلفس" حيث جاء على لسان سقراط حديثٌ يوضح معنى تجريدياً لجمال الأشكال الفنية: "فجمال الأشكال ليس بالضبط ما يحسبه من ذلك وا نما أعني به.. الخط المستقيم والمستدير وما ينجم عنهما من مسطحات ومجسمات معظم الناس.. بواسطة الدوائر والمساطر والزوايا، فهي أشياء جميلة بذاتها وتنطوي على ملذات داخلية خاصة، والألوان التي من هذا الطراز أقول عنها بالتأكيد إنها جميلة ومنطوية على ملذات خاصة..". يبحث عنه (سيزان وهذا ما كان Cezan) في التصوير الحديث عندما عمد إلى تبسيط الأشكال الفنية ورؤيتها بهندسة أفلاطونية جديدة من خلال تقاطع خطوط هندسية، فيقول سيزان "انظر إلى الطبيعة بعين ترى فيها الأسطوانة والكرة والمخروط". 344-) ق.م للفنون إلى الأساطير أو المثال الأعلى المفارِق "المثال الأفلاطوني" إنما لا يلجأ أرسطو عند تفسيره يسعى إلى أن يجعل من هذا المثال المتعالي شيئاً يمكن إدراكه بالعقل البشري عن طريق المحسوسات التي هي الطريق إلى المعقولات، والعقل البشري هو الذي يفسر الفنون ويستلهم الجمال من الفنون التي نعتها يد البشر، ويظهر ذلك من خلال ما قاله "إن الفن قد هبط على الإنسان من السماء حين جاء به ص الإله برومثيوس ووهبه للبشر". فالإنسان في مذهب أرسطو هو الذي يملك اليد أقوى الأسلحة التي زودته بها الطبيعة "فهي الأداة التي ول أرسطو بالدراسة والنقد معظم أنواع الفنون في عصره يصنع بها الإنسان ما شاء من فنون"، ولقد تنا 29
عدد الصفحات ٣٨كالخطابة التي أفرد لها مؤلفاً خاصاً الموسيقا، وكذلك الأدب والشعر في مؤلفه الكبير (فن الشعر) الذي تناول نظرية المحاكاة والشعر المسرحي والتراجيديا وتذوقها ونقدها. إن الفن الإغريقي الذي ازدهر في مدة قصيرة، واحتوى أعظم وبناءً على ما تقدم فلا مندوحة لنا إلا القول مفكري فلاسفة التاريخ سقراط وأفلاطون وأرسطو، وكذلك فإن تدخل رجلين عبقريين هما (بريكلس) عميد 465-ق.م، ومستشاره السياسي والفني النحات والمهندس (فيدياس) كل ذلك تينة فكراً وفناً وأسلوباً مثالياً لا ينفك الفن المعاصر من أن يعود إليها.ساهم في إرساء قواعد م د-جماليات عصر النهضة يُعرّف "سوريو" عصرَ النهضة بأنه "مجموع التطور الروحي الذي حققه الغرب خلال القرن الخامس عشر بصورة خاصة"، وهذا التحديد كان بسبب الأحداث الكثيرة التي وقعت في القرن الخامس عشر، ولا يغيب عن بالنا أن التطور لا يكون في لحظة محددة، إنما في سيولة الزمن، فقد كانت بداية النهضة منذ النصف الثاني في القرن الرابع عشر. وكذلك فإن حركة التطور استمرت بعد القرن الخامس عشر والسادس عشر، وكثيراً ما يطلَق على عصر النهضة كلمة "انبعاث" التي حملت في جوهرها "إحياء المعارف اليونانية" للتخلص من الظلمات التي سادت القرون الوسطى. وعلى هذا الأساس فإن العودة إلى الجذور في العقلية اليونانية يعني البحث عن ينابيع الوحي والإلهام سوريو.والمرجعيات الروحية، وهو في الفنون تحوّلٌ في الحاجات الجمالية بتعبير 30
عدد الصفحات ٣٩العلم والتجربة وأيضاً فإن كثيراً من الأحداث والتطورات العلمية قد تركت آثارها في عصر النهضة باعتبار هذه الأحداث أصبحت تشكل مرجعاً ضرورياً لكل تقدم أو تغير ولا سيما أنها تقوم على العلم والتجربة، خطر كعلم الجبر فاتجهت المعارف نحو العلوم التي كانت تُعد ذات شأن –وهو من أصل هندي وعربي -1512 1445 سة فن الرسم، ونظرية التصوير، وقد جاء فيها:وأفكار ليوناردو دافنشي العبقرية في درا "إن العلوم الحقيقية هي التي تلج بها التجربة أبواب الحواس". "من المؤكد أن الطبيعة تنطلق من التفكير لتنتهي بالتجربة، ما همَّ.. يجب علينا أن نأخذ الطريق المعاكس". ولعل "فيكتور هيغو" في كتابه "نوتردام ده باري" لم يكن كلامه عبثاً حينما كتب الفصل الشهير الذي عنوانه (هذا سوف يقتل ذاك)، وهو يشير إلى أن الكتاب المطبوع سوف يقضي على الكاتدرائية بوصفها كتاب المساكين". أما بترارك 1354-) شاعر إيطاليا الأكبر فقد تلقى دروساً باللغة اليونانية، وقد قال في شرون محل ديموستين ويضحي فيرجيل شاعراً بعد هوميروس، ثم لا يبقى شعره: "ماذا؟ أيحلُّ شي بعد العرب من هو قادر على الكتابة". 31
عدد الصفحات ٤٠وظهر كثير من الفنانين الذين ساهموا في تطور الحركة الفنية ولاسيما في العمارة والنحت والتصوير أمثال برامانتي، جيوتو، ليوناردو دافنشي، رافائيل، ومايكل أنجلو، وفي الفن الفلمنكي الأخوان فان أيك، وهوبرت (1366-1426) الذي استحدث الألوان الزيتية في فن التصوير. وكما أن أفلاطون كان ينادي بتهذيب النفوس بالموسيقا والفن ذلك لأن النفس تؤثر في الأبدان بينما العكس غير صحيح، وهذا ليوناردو دافنشي يستنتج قائلاً "إن حقيقة الأشياء هي الغذاء الأسمى للنفوس المرهفة"، ويقول مايكل أنجلو "إن فن الرسم الجيد لهو شيء نبيل مقدس بحد ذاته وهو نسخة لكمالات الله"، وهذا ما يعود بنا إلى الجمالية المثالية الإغريقية التي ترى في ولى في عصر النهضة.الجمال إشارة من علامات الألوهية وكأن التدين للجمال أصبح السمة الأ ومهما يكن فإن عصر النهضة الذي بعث الحياة في الصور والحجر على يد أعظم فنانيه "دافنشي ولوحته الجوكندا" و"مايكل أنجلو –كنيسة السكستين" و"رافائيل -الحورية جالاتيا" فإنه ترك إرثاً حياً في النفوس لايزال قائماً حتى العصر الراهن. ه-فن العربي:جماليات ال عندما نتقصى خط الفن عبر التاريخ فإننا نرى أشكالاً فنية قد نمت وتطورت خارج السياق العام لفنون التاريخ من الناحية الوراثية على الأقل، ذلك أننا نرى من خلال هذا المنظار أن وراثة الأساليب أو بعض لعصور، لكن في الفن العربي نجد عقلية السمات الفنية هي سمة عامة في تاريخ الفن وجمالياته عبر ا خاصة وا حساساً جمالياً منفرداً بعيداً عن التأثر الأجنبي أو التاريخي، ويقول (ريزلر) في هذا الصدد "إنه لما يدعو إلى الاستغراب أن الأدباء العرب لم يتأثروا بالآداب الإغريقية الواسعة" فضلاً عن أن طريقة 32
عدد الصفحات ٤١ونمت بفعل عقلية عربية تجريدية، اختلفت كل الاختلاف عن فنون جديدة في التصوير قد ظهرت الإغريق أو الفراعنة من قبل، وقد تميزت بسمات جمالية خاصة عديدة أهمها: : التجريد والمطلق إن فنون التجريد هي فنون عقلية بامتياز، فالإدراك الجمالي لهذا الفن يكمن في التعبير عن الإلهي، الهندسي، فهو يسعى نحو فكرة جوهرية هي فكرة الله الواحد الأحد.والعقل الرياضي، و ومن هذا المنطلق نجد أن الخط العربي بكل أنواعه واستخداماته المتداخلة مع الأرابيسك Arabesque كنظرية في الفن التجريدي "يعتمد على الحدس المجرد من جميع المعطيات الحية" بتعبير المفكر الجمالي عفيف بهنسي، وفي ذلك يقول بيرابين أيضاً "يعاني الرقش العربي دائماً مشكلة البحث عن الواحد" ويفسر ذلك بما نراه في التكوينات الهندسية الإشعاعية، فالملاحَظ أنها بوقت واحد نابذة وجابذة، وفي كلتا الحالتين فإنها تنطلق من الجوهر الواحد وتعود إلى الجوهر الواحد فضلاً عن التفكير في الثابت والمطلق المتمثل بالنقطة المركزية التي تصدر كل الخطوط والأشكال منها. وعلى الرغم من أن هذه العقلية قد سادت الفن العربي في العصر الإسلامي إلا أنها تنعكس أيضاً في يء ما.. فنون العرب قبل الإسلام ولاسيما في بعض الأنصاب التي لا تمثل شكلاً معروفاً أو شبيهاً لش ويقول المفكر الجمالي فاروق العلوان بهذا الموضوع "إن الفن التجريدي هو الأكثر قدرة للتعبير عن الروح العربية الساعية دائماً نحو الأفكار المطلقة التي لا يمكن تمثيلها بأي شبه". اصة جعلته فناً فريداً إذاً إن جمالية خاصة لا تخلو من لاهوتية مثالية قد أسبغت الفكر العربي بميزات خ روحياً وعقلياً. المنظور الروحي: ترتبط الرؤية البصرية للأشياء بطرائق التفكير والإحساس بالوجود، فالفنون التي تصور الواقع المادي تقتضي أن يكون الإنسان بين الأشياء موجوداً مدركاً بصرياً. بصرياً مباشراً بل كان تحولاً تاماً عن المنظور أما ما تصوّره الفنانون العرب عن الوجود ليس تصوراً البصري نحو منظور روحي متسام. تخلى عن كل القواعد الرياضية والضوئية في رؤية الأشياء البعيدة والقريبة، فالحواس لا تقدم لنا الحقائق بل وقد تكون مخادعة في نسبية الحجوم البعيدة. 33
عدد الصفحات ٤٢المنمنمات وتوزع بعض الأشكال فيها على محاور حلزونية وقد قدم ألكسندر بابا دوبولو دراسات عن "الأسبيرال" التي تشكل منظوراً روحياً، كما أن غياب الظل والتظليل في الرسوم يؤكد أن ثمة وجوداً غير الذي نعيشه بالواقع، وهذا الوجود إنما هو متصوَّر عقلي عند الفنان العربي، وهكذا نرى في الفنون العربية روحياً تخلى عن جميع قواعد المنظور البصري.منظوراً : الجمالية العربية في الفن الحديث إن انتقال المعطيات الفنية البصرية المتمثلة بالفنون التشكيلية من بلد إلى آخر أسهل وأسرع من انتقال الآداب التي تحدها حدود اللغة. شاهد على أثر الجمالية العربية في الفن كما أن ما قاله كثير من فناني الحداثة في أوروبا هو خير الحديث، فكثيراً ما صرح ماتيس مؤكداً "إن زيارتي إلى البلاد العربية ساعدتني على إتمام تحولي الضروري، وسمحت لي أن أتصل من جديد وبصورة جدُّ ضيقة بالطبيعة، ما لم تحققه لي الوحشية إلى الرقش العربي الأرابيسك".ذاتها"، وقال أيضاً "إن البساطة في فني تعود 1478-1823 "ها أنذا أرسم منظراً طبيعياً وهو نتيجة للرؤية الممتدة من الجبال البعيدة في وادي الملوك على أرضنا وا لى أقصى حد استطعته"، وا ذا ما تتبعنا الخصيبة، وقد حافظت على الطباق بين الأرض والسماء لوحات بول كولي لوجدناها خطوطاً وأشكالاً هندسية فكأنها الرقش العربي أو كتابات عربية. : الحروفية العربية إن دراسة الجمالية تقتضي بالضرورة أن نتنبه إلى آثار فنية استجابت لحاجات جمالية جديدة متجددة، فناني الحداثة والمعاصرة حيث عمدوا إلى استلهام (الحرف) أو (الخط) العربي ومنها ما قام به كثير من في لوحات تحمل طابع الكلمات أو الجمل المقروءة حيناً وغير المقروءة أحياناً أخرى، أمثال (شاكر حسن د آل سعيد) في العراق، و(محمد شبرين) في السودان، و(نجا المهداوي) في تونس، و(محمود حماد) و(عب القادر أرناؤوط) و(سامي برهان) في سورية.. وغيرهم. 34
عدد الصفحات ٤٣فقد عمد هؤلاء الفنانون إلى تحويل الحرف العربي إلى صيغة تصويرية، متخلين عن كل الدلالات الأدبية والكتابية في محاولة لإبراز الماهية التجريدية للشكل كأسبقية في العلاقة المنطقية عن كل مادة أو دلالة مفهومية. أن اللغة البصرية هي لغة عالمية مشتركة تتجاوز حدود الدلالة الأدبية للعبارات المكتوبة، فما كان ذلك من هؤلاء الحروفيين إلا أن جعلوا مادتهم الأولى "الحرف العربي" في تحولات الشكل والأسلوب الفني في تيارات الحداثة وما بعدها. 35
عدد الصفحات ٤٤الخلاصة بالتالي فإن مفهوم الفن والإحساسية الجمالية تعددت مفاهيمها بتعدد إن الفن يتطلب كائناً واعياً، و الحضارات على مر العصور، فكان السرور الجمالي والخلق والإبداع أو الجمال الخالص أو التأثير الانفعالي، كذلك فإن مفهوم الفن للفن قد تسامى إلى الجميل بذاته. ية تعينه على الحياة وتذوقها بعيداً عن آلامها ومنغصاتها كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون جمال المادية، فكان الملجأ الروحي عبر العصور منذ إنسان العصر الحجري والفنون المصرية القديمة والإغريقية، ثم ما لبث أن تمازج مع التجربة الموضوعية في عصر النهضة وحتى فنون الحداثة. 36
عدد الصفحات ٤٥التمارين 1-اختر العبارة الصحيحة : A. الفن يتطلب مهارة يدوية. B. الفن يتطلب كائناً واعياً . C. مفهوم الفن عند جميع المفكرين يقوم على كل ما سبق. D. يختلف مفهوم الفن والجمال عند الفلاسفة وفقاً لاختلاف حضاراتهم ومناهجهم على مر العصور. E. الواقعية والتقشف والبساطة والحيوية والحركة من سمات جماليات الفن في عصور ما قبل التاريخ. F. الواقعية والتقشف والسريالية من سمات جماليات الفن في عصور ما قبل التاريخ . G. الواقعيةوالتعبيرية والتكعيبية من سمات جماليات الفن في عصور ما قبل التاريخ . :الصحيحة الإجابة B. الفن يتطلب كائناً واعياً . D. يختلف مفهوم الفن والجمال عند الفلاسفة وفقاً لاختلاف حضاراتهم ومناهجهم على مر العصور. G. الواقعية والتقشف والبساطة والحيوية والحركة من سمات جماليات الفن في عصور ما قبل التاريخ . 37
عدد الصفحات ٤٦