123 استنتج من ذلك قدرة الحرف على التعبير عن الدلالات المختلفة ، إذ "تتغير دلالته بحسب بناء الجملة وطريقة ائتلاف الألفاظ"(1). ذلك أنَّ الاستعمال القرآني يمنح دلالة جديدة للتراكيب والحروف بحسب الحال المقام وسياق النص . من خلال هاتين المسألتين : (مجيء (إنْ) بمعنى (قد) )، و(مجيء (أنْ) للتفسير ) نستنتج أنَّ لعامل السياق أثرا كبيرا في توجيه الخلاف فيهما وترجيح رأي على آخر من الآراء التي اختلف فيها النحويون والمفسرون. 1)) ينظرالخطاب النفسي في القرآن الكريم، أ.د.كريم حسين ناصح الخالدي:27 .
عدد الصفحات ١٣٢ 124 من المسائل الخلافية التي أتناولها وتندرج تحت هذا العنوان ما يأتي: اختلف النحويون والمفسرون في مجيء (هل) بمعنى (قد) فذهب جمهور النحويين البصريين والكوفيين إلى جواز مجيء (هل) بمعنى (قد)(2)، بل ذهب عددٌ من النحويين منهم الزمخشري والرضي(3) إلى أنَّ (هل) أصلها (قد) ومعنى الاستفهام دخيل عليها والاستفهام المفهوم منها إنَّما هو مستفاد من همزة مقدَّرة معها حذفت لكثرة الاستعمال. في حين أنكر عدد من النحويين والمفسرين منهم ابن جني، ومكي، وأبو حيان، وابن هشام وآخرون(4) مجيء(هل) بمعنى (قد) وذهبوا إلى أنَّها على أصلها للاستفهام. واحتجَّ من أثبت مجيء (هل) بمعنى (قد) بعدد من النصوص القرآنية وبكلام العرب فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭾ [الإنسان1.] وغيره من النصوص التي جاء فيها (هل) بمعنى (قد) في القرآن الكريم(5) . 1) )ينظر الخلاف في هذه المسألة:أمالي ابن الشجري 1/323-325، والمساعد 3/211، وهمع الهوام ع: 2/609-610. 2)) ينظر: الكتاب 3/189، ومعاني القرآن،الكسائي 248، ومعاني القرآن،الفرَّاء 3/213، والمقتضب 1/43، 3/289، والأصول 2:206، والمفصل 273، وشرح التسهيل:3/424، وارتشاف الضرب 5/2365، والجنى الداني: 344، وشرح تسهيل الفوائد، المرادي 1/596، ومغني اللبيب 2/16، والمساعد 3/211، وحاشية الدسوقي:2/325 . 3)) ينظر:المفصل273، والكشاف4/512، وشرح المفصل:مج4 :8/78، والمغني اللبيب2/16، وشرح الكافية : 4/415،456، وحاشية الدسوقي2/325 . 4)) ينظر:الخصائص2/464، ومشكل إعراب القرآن 487، وارتشاف الضرب 5/2364-2365، و مغني اللبيب: 2/17 . 5) )من الشواهد القرآنية الأخرى قوله تعالىﭿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭾ[24]ﭿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭾ [89]ﭿ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭾ [17-18] =
عدد الصفحات ١٣٣ 125 أمَّا الشواهد الشعرية التي استندوا إليها فمنها قول زيد الخيل الطائي: سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوْع بِشِدَّتِنِا أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقُ اع ذِي الَْْكَمِ (1). والمعنى: (قد أتى على الإنسان حين من الدهر)، و (أقد رأونا) . على التقرير والتقريب عند الزمخشري، والتقرير هو حمل المخاط ب على الإقرار بما بعد الأداة، والتقرير معناه: التحقيق. أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب - وهو زمن حمله - طائفة من الزمان الطويل الممتد - وهو زمان كونه نطفة في أصلاب الآباء - لم يكن فيه شيئا مذكورا، بل منسيا نطفة من الأصلاب (2) . ذهب الزجاج إلى أنَّ التقدير: ألم يأت على الإنس ان - وحمله على آدم - حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؛ لأنَّه كان ترابا وطينا إلى أنْ ن ف خ فيه الروح ويجوز أنْ يعني بالإنسان الجنس أي جميع الناس أي: إنَّهم كانوا ن ط فا ثمَّ علقا ثمَّ م ضغ ا ، إلى أنْ صاروا شيئا مذكورا(3) ومعنى (هل أتى): قد أتى على الإنسان. وذهب السيرافي(ت368هـ) إلى أنَّها تفيد التوقع، وكأنَّه قيل لقوم يتوقعون الإخبار عمَّا أتى على الإنسان وهو آدم - - أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، والحين زمن كونه طينا ؛ لأنَّ آدم بقي زمانا طينا (4) . وذهب ابنخالويه(ت370هـ) إلى أنَّ كلَّ ما في القرآن من (هل أتاك) بمعنى: التقرير أي: (قد أتاك)(5). وكذا الحال في أغلب كتب معاني القرآن وإعرابه وإعجازه ومجازه وتفسيره التي عنيت بدراسة النص القرآني، فأثبتوا مجيء (هل) بمعنى (قد)(6)، فضلا = وقوله: ﭿﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭾ[1] تأويل مشكل القرآن:484، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم:ق1 :3/417- 418. (1)شعرزيد الخيل : 155. 2)) ينظر: الكشاف4/512- 513، وينظر: حاشية الدسوقي2/326، وروح المعاني29/150 . 3)) ينظر:معاني القرآن وإعرابه5/200 . 4)) ينظر: أمالي ابن الشجري1/325، ومغني اللبيب2/16 . 5)) ينظر: إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم،ابن خالويه:74 . 6)) ينظر:معاني القرآن، الفرَّاء: 2/213، ومجاز القرآن 2/279، وجامع البيان :مج14 :29/246، وتفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين:5/69، وتأويل مشكل القرآن 484، والبيان 2/480، وزاد المسير في علم التفسير: 8/428، والتبيان2/440، ومفاتيح الغيب:مج15 :30/208، والجامع لأحكام القرآن: =
عدد الصفحات ١٣٤ 126 عن الكتب التي عن ي تْ بدراسة حروف المعاني(1 )قال ابن الجوزي(ت597هـ): "وهذا قول المفسرين وأهل اللغة" (2)، ومعنى النص القرآني عندهم: (قد أتى ومرَّ على الإنسان حين من الدَّهر) على إرادة التحقيق - أي: التقرير- أي: (إذا تأمل كلُّ إنسان نفسه علم بأنَّه قد مرَّ حين من الدهر لم يكن فيه شيئا مذكورا)، ونظائره كثيرة في القرآن . وذهب الذين أنكروا مجيء (هل) بمعنى (قد) إلى تأويل النص وهو قوله تعالى: ﭿﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭾ [1] جاءت على بابها من الاستفهام المحض، أي هو ممَّن ي سْ أل عنه لغرابته: أأتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، والجواب: أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة(3). أو جاء للاستفهام التقريري "وهو تقرير لمن أنكر البعث، فلا ب دمن أنْ يقول: نعم قد مضى دهرٌ طويلٌ لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد أنْ لم يكن، وكوَّنه بعد عدمه كيف يمتنع عليه بعثه وإحياؤه بعد موته؟ وهو قوله: ﭿﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﭾ[الواقعة62] أي فهلاَّ تذ كرون فتعلمون أنَّ من أنشأ شيئا بعد أنْ لم يكن على غير مثال قادرٌ على إعادته بعد عدمه وموته" (4). وغير ذلك من تأويلاتهم التي لجؤوا إليها في تفسير النصوص القرآنية التي قد تفسَّر خلاف ما منعوه وأنكروه . = مج10 :19/100، وتفسير الثعالبي 5/527، والبرهان 4/263، ومعترك الأقران 3/253، وحدائق الروح والريحان:30/477، وإعراب القرآن، زكريا الأنصاري 463 . 1)) ينظر:حروف المعاني 2، والصاحبي 295، والأزهية 217، ورصف المباني 470-471 . 2)) زاد المسير في علم التفسير8/428 . 3)) ينظر: البحر المحيط 8/385، والدر المصون 10/589، واللباب في علوم الكتاب 20/4، وفي ظلال القرآن: مج6 :29/3779 . 4)) مشكل إعراب القرآن487، وينظر: وتفسير أبو علي الجبَّائي 479، وأمالي ابن الشجري 1/323، والبيان 2/480، والدر المصون 10/589، والتحرير والتنوير:مج12 :29/371-372 .
عدد الصفحات ١٣٥ 127 أجد أنَّ التعبير القرآني في هذا النص استعمل صيغة مغايرة للإخبار والتحقيق وهو الإخبار بأداة معروف عنها أنَّها للاستفهام وهي (هل) فجاءت (هل) في التعبير القرآني في هذه النصوص بمعنى (قد) لإفادة التحقيق والتقرير الذي هو من معاني قد؛ والذي يدلُّ على أنَّ هل ليست للاستفهام ، أنَّ الاستفهام على الله تعالى محال كما أنَّ السياق العام للآية والآيات التي تليه ا فيه إخبار عن كيفية خلق الإنسان ، وعذاب الكافرين ، ونعيم أهل الجنَّة، وهذه الأشياء لابد من وقوعها وتحقيقها لذلك ناسب ذلك مجيء (هل) بمعنى (قد). اختلف النحويون البصريون والكوفيون في هذه المسألة فذهب الكوفيون وعددٌ من نحاة البصرة(2) إلى جواز مجيء (أو) للإضراب أي بمعنى (بل)، وبمعنى الواو(3). في حين ذهب عددٌ آخر من البصريي ن إلى إنكار ذلك ، وعدم جواز مجيء (أو) بمعنى (بل)، وبمعنى الواو فهي عندهم في أصل وضعها للتخيير أين كانت(4). احتج البصريون فيما ذهبوا إليه بأدل ة عقلية ذلك أنَّ "الأصل في (أو) أنْ تكون لأحد الشيئين في الإبهام، بخلاف الواو و(بل)؛ لأنَّ الواو معناها الجمع بين الشيئين، و(بل) معناها الإضراب، وكلاهما مخالف لمعنى (أو)، والأصل في كل حرف أنْ لا يدلَّ إلاَّ 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: الإنصاف في مسائل الخلاف: م 67:)2/478-481، وائتلاف النصرة:م (10) من الحرف148-149 . 2)) من البصريين الذين جوَّزوا مجيء (أو) بمعنى (بل أبو عبيدة، وأبو علي الفارسي، والهروي، وابن برهان (ت559هـ)، ورضي الدين وآخر ون. ومن الذين جوَّزوا مجيء (أو) بمعنى الواو: الأخفش، والجرمي، وقطرب، وابن قتيبة، والأزهري، والهروي، وابن مالك وغيرهم. ينظر: معاني القرآن،الأخفش: 1/186، وتأويل مشكل القرآن 488، والخصائص 2/462، ا زهية:124، وشرح التسهيل: 221-223، وشرح الكافية الشافية 1/547، وشرح الكافية 4/404، والمساعد 2/457- 459، وارتشاف الضرب4/1990-1991، والجنى الداني229-230، ومغني اللبيب1/56،58، وشرح الأشموني: 2/378،381، وشرح التصريح2/174، وهمع الهوامع3/204 3)) ينظر: معاني القرآن 2/393، ومجالس ثعلب 1/112، والإنصاف في مسائل الخلاف 2/478، وتوجيه اللمع،ابن الخباز: 286، والجنى الداني229-230، وائتلاف النصرة148، وشرح الأشموني2/378 . 4 )) ينظر: المقتضب 3/301، و اللُّ مع:71 ،والخصائص:2/459،واللباب:281،وشرح جمل الزجاجي :1/239، وشرح المفصل مج4 :8/620 .
عدد الصفحات ١٣٦ 128 على ما وض ع له، ولا يدلُّ على معنى حرف آخر، فنحن تمسكنا بالأصل ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل ..."(1). أمَّا الكوفيون، ومن جوَّز المسألة من البصريين ، فاحتجُّوا فيما ذهبوا إليه بما جاء في القرآن الكريم وبكلام العرب من نصوص تؤيد صحة ما ذهبوا إليه، وهي أكثر من أنْ ت حصى، فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭾ[الصافات147.] والمعنى: (بل يزيدون) أو: (ويزيدون). أمَّا من الشواهد الشعرية التي استندوا إليها قول ذي الر مة: بَ دَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِيْ رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُوْرَتُهَا أَوْ أَنْتِ فِيْ الْعَيْنِ أَمْلَحُ (2). والمعنى: (بل أنت في العين أملح)، ومن مجيئه بمعنى الواو قول جرير جاَءَ الْخِلََفَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرَاً كَمَا أَتَى رَبَّهُ مَوْسَى عَلَى قَدَرِ (3). وغيرها كثير من الشواهد القرآنية(4) والشعرية. نجد أنَّ (أو) في قوله: (أوْ ي ز يْد وْن جاءت بمعنى الواو أي: (ويزيدون)، في قول الكوفيين وعدد من البصريين، وقال آخرون منهم أنَّ (أو) بمعنى (بل) أي: (بل يزيدون)، وفي قول ذي الرمَّة: (أو أنت) بمعنى: (بل) أي : بل أنت، وفي قول جرير: (أو كانت) بمعنى الواو أي: وكانت. وهذا 1)) الإنصاف في مسائل الخلاف2/480- 481. 2) )ديوان ذي الرُّ مَّة: 49. 3)) ديوان جرير416 . ورواية البيت في الديوان نَالَ الخِلََفَةَ إذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرَاً كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوْسَى عَلَى قَدَرِ . 4)) ومن النصوص القرآنية الأخرى التي تؤيد صحة مجيء الواو بمعنى (بل) والتي استند إليها الكوفيون قوله تعالى: ﭿﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﭾ[البقرة74]ﭿ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﭾ[النساء77]ﭿ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔﭾ[الإنسان24]، وقوله: ﭿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭾ[النحل77] النصوص القرآنية ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: ق1 :1/570-575.
عدد الصفحات ١٣٧ 129 مذهب الكوفيين وبعض نحا ة البصرة ، قال الفرَّاء في تفسيره للنص القرآني: "(أو) هاهنا في معنى (بل) كذلك في التفسير مع صحته في العربية"(1) . وإنَّما جاز الإضراب في قوله تعالى ﭿﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭾ[الصافات147]؛ "لأنَّه أخبر عنهم بأنَّهم مائة ألف بناء على ما يحزر الناس من غير تعمُّق ، مع كونه تعالى عالما بعددهم وأنَّهم يزيدون، ثم أخذ - تعالى- في التحقيق، فاضرب عمَّا يغلط فيه غيره بناء منهم على ظاهر الحزر، أي أرسلناه إلى جماعة يحزرهم الناس مائة ألف وهم كانوا زائدين على ذلك " (2) . أمَّا جمهور البصريين فكما ذكرت أنَّهم منعوا ذلك وأوَّلوا هذه النصوص بتأويلات متعددة إذ أرجعوها بلطف الصنعة إلى الأصل الذي ذهبوا إليه وعدم إمكان خروج (أو) عن أصل وضعه وإنْ خرج إلى معنى آخر فلا يخلو من الدلالة على التخيير؛ لذلك وجدت في كتبهم مختلف التأويلات لهذا النص القرآني وغيره من النصوص التي جاء معناها خلاف ما ذهبوا إليه فمن تأويلاتهم أنَّ قوله تعالى: (أوْ ي ز يْد وْن ) جاء للتخيير أي: (إذا رآهم الرائي تحيَّر لكثرتهم بين أنْ يقول إ نَّهم مائة ألف أو يقول: هم أكثر من مائة ألف) وهذا ما ذهب إليه المبر د والزمخشري وغيرهما(3 ). قال السهيلي (ت581هـ: "إنَّهم من الكثرة بحيث يقال فيهم: هم مائة ألف أو يزيدون فـ (أو) على بابها دالٌّ على أحد الشيئين، إمَّا (مائة ألف ) بمجردها وإمَّا (مائة ألف ) مع زيادة، والمخبر في كل هذا لا يشكُّ" (4) . وذهب النحاس، وابن جني وآخ رون إلى أنَّها جاءت للشك ، لكن ه شك يرجع إلى المخاطبين لا إلى الله - تعالى - والمعنى: (أرسلناه إلى جمع لو رأيتموه لقلتم فيهم 1)) معاني القرآن3/393، وينظر: مجاز القرآن2/175 . 2)) شرح الكافية4/405، وينظر: شرح المزج362، وحاشية الصبَّان3/158 . 3)) ينظر المقتضب: 3/305، معاني القرآن وإعرابه 4/236، ومع اني القرآن الكريم: 6/61-62، ومعاني الحروف: 89، ومشكل إعراب القرآن 387،والكشاف: 3/695-696، وأمالي ابن الشجري 3/72، ومجمع البيان :8/278، والبيان: 2/308، والتبيان 2/305،واللباب: 281،ومغني اللبيب: 1/58، والدر المصون: 9/332، وشرح المزج 362. 4) ) نتائج الفكر في النحو، السهيلي (ت581هـ:198 .
عدد الصفحات ١٣٨ 130 هؤلاء مائة ألف أو يزيدون (1)، فالرائي إذا رآهم شكَّ في عدتهم ؛ لكثرتهم هل هم مائة ألف أو يزيدون عليها. وذهب عددٌ من النحويين إلى أنَّ (أو) في النص القرآني لأحد الأمرين وهو الإبهام على المخاطبين وهو الأصل في (أو)، فهو - سبحانه - يعلم عددهم ، لكنه أبهم على المخاطبين(2). فالمتكل م غير شاك لكنَّه أراد تشكيك السامع بعددهم فأبهم عليهم بربط النص القرآني بالسياق العام للنص المتمثل بالمقام ودراسة الحا ل المرتبط بقصة يونس - - والظروف الخارجية المتمثلة بالقصَّة نفسها ولمن أرسل بغض النظر عن اختلاف المفسرين في إرساله هل كان لقومه الذين غادرهم مغاضبا أم لقوم آخرين هم أهل نينوى (3)،أجد أنَّ ما يناسب المعنى العام لهذه القصة أنْ تكون (أو) بمعنى (بل)، إذ قال سبحانه: (وأرسلناه إلى مائة ألف) ثمَّ استأنف مخبرا فقال: (بل يزيدون) فكانوا مائة ألف وثلاثين ألف ا ، أو سبعين ألفا ، وفي زيادتهم آراء كثيرة(4). وما يرج ح كونه للإضراب أنَّ المعطوف بـ(أو) كلام مبين غير مفرد فناسب أنْ يكون الحرف للإضراب(5). ولربما يكون القصد من ذلك الإشارة إلى إرساله في الحالين قبل أنْ يلتقمه الحوت وبعده ، إذ ازداد عددهم في الإرسال الثاني* الذي رجع إليهم فيه وإيمانهم به بدليل قوله 1) )ينظر: إعراب القرآن744، ومعاني الحروف:89،والخصائص:2/463، ، وشرح جمل الزجاجي1/239، والإنصاف في مسائل الخلاف: 2/481، والبيان 2/308، والتبيان 2/305، والدر المصون 9/332، والبرهان:4/38. 2)) ينظر:إعراب القرآن744، وحروف المعاني13، معاني الحروف89، وأمالي ابن الشجري3/72، وكشف المشكلات:567، وشرح المف صل مج 4 :8/620، والبسيط في شرح جمل الزجاجي:1/342، ورصف المباني:311، ومغني اللبيب1/58، والبرهان4/133، 3)) ينظر: جامع البيان:مج 12 :23/129، ومجمع البيان 8/278،ومفاتيح الغيب:مج 13 :26/145، وروح المعاني: 23/147، وفي ظلال القرآن:مج5 :23/2999. 4)) ينظر: جامع البيان:مج12 :23/129 . 5)) التحرير والتنوير:مج9 :23/180 . * والمراد بالإرسال الثاني: ما ذكره عدد من المفسرين أنَّ نبي الله يونس - - أ رس ل إلى قومه مرَّتين أحدهما قبل أنْ يلتقمه الحوت ويحدث له ما حدث، إذْ إنَّ قوم ه لم يؤمنوا في الإرسال الأوَّل إلاَّ بعد أنْ فارقهم، وقيل أنَّه أ رس ل إليهم إرسالٌ ثان بعد أنْ خرج من بطن الحوت، وقيل: إنَّ الإرسال الثاني كان إلى قوم آخرين غير قوم ه، ذلك لإيمانهم بعد أنْ فارقهم، وغير ذلك كثير من الآراء في هذين الإرسالين قبل وبعد التفام الحوت له.
عدد الصفحات ١٣٩ 131 في الآية التي بعدهاﭿ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭾ[الصافات148]، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب،" لأنَّ يونس لما أرسل إليهم ودعاهم امتنعوا في أوَّل الأمر فأخبرهم بوعيد هلاكهم بعد أربعين يوما ثمَّ خافوا فآمنوا" (1). والملاحظ أنَّ التعبير القرآني عبر عن الازدياد بالفعل وفي ذلك دلالة على التجدد الذي يدلُّ على أنَّهم كانوا في زيادة مستمرَّة. إنَّ القصد من وراء ذلك هو سر من أسرار التعبير القرآني وقصد من مقاصده الذي مهما حاولنا تفسيره لا يمكننا أنْ نصل إلى الحقيقة المطلقة ونقف عاجزين أمام تفسير نصوص من القرآن الكريم ، وهذا هو أحد الأسباب ال تي أدَّت إلى اختلاف النحويين والمفسرين في مسائل عديدة لعدم القدرة على الجزم بالرأي؛ لاحتمال النص القرآني أكثر من معنى؛ لأنَّ النصَّ وسياق الحال يحتمل مثل هذا الاجتهاد. 1)) التحرير والتنوير:مج9 :23/180 .
عدد الصفحات ١٤٠ 132 من المسائل الخلافية التي سأتناولها في هذا الحقل ما يأتي: اختلف النحويون البصريون والكوفيون في مجيء أسماء الإشارة موصولات بمعنى (الذين) وأخواتها فذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك متمسكين بالأصل، واستصحاب الحال في حين ذهب الكوفيون (2) وتبعهمبعض النحويين والمفسرين * في جواز استعمال أسماء الإشارة موصولات محتج ين فيما ذهبوا إليه بما ورد في القرآن وكلام العرب من نصوص تؤيد صحة ما ذهبوا إليه من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭾ [17.] وغيرها من النصوص القرآنية(3)، أما كلام العرب الذي استندوا إليه، فمنه كلام يزيد ابن م ف ر غ الحميري : عَدَسْ مَا لِعَبَّاد عَلَيْكَ إمَارَةٌ نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِيْنَ طَلِيْقُ (4). أي: ( وما التي بيمينك)، و(الذي تحملينه طليق. 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: الإنصاف في مسائل الخلاف: م 103 :)2/717-721، شرح جمل الزجاجي: 1/169-170، وائتلاف النصرة م(59) من الاسم67-68، وهمع الهوامع:1/328، وغيرهم 2)) ينظر: معاني القرآن، الفراء2/177، وإعراب القرآن، النحاس537،131، وأمالي ابن الشجري2/443، وشرح الكافية:3/107-108، وارتشاف الضرب3/1010، وشرح الأشموني1/146 . * منهم الزجاج والزمخشري وابن عطية وآ خرون ،ينظر: معاني القرآن وإعرابه: 3/288 ،2/83، ومعاني القرآن الكريم :2/186، والكشاف3/139،1/488، والمحرر الوجيز4/40-41 والدر المصون8/23 . 3)) ومن النصوص القرآنية الأخرى التي استند إليها الكوفيون قوله تعالىﭿ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭾ[85 ] وقولهﭿﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭾ[109]ﭿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭾ [66.] 4)) ديوان يزيد بن مفرَّغ 170 .
عدد الصفحات ١٤١ 133 قال الزجَّاج: "تلك اسم مبهم يجري مجرى التي، ويوصل كما توصل التي،المعنى: ما التي بيمينك يا موسى"(1)، على أنْ يكون (بيمينك) صلة الموصول. وأوَّل البصريون هذه النصوص التي استند إليها الكوفيون في إثبات صحة ما ذهبوا إليه بأنَّ (تلك) على بابها من الإشارة في موضع الخبر، و(بيمينك) في موضع الحال والتقدير: (ما تلك كائنة أو ثابتة بيمينك)(2) وكذا (هذا) في الشاهد الشعري، وموضع (تحملين) منصوب على الحال. وإذا درسنا بنية (ما تلك بيمينك يا موسى) في ضوء السياق العام للآية وعلاقته بما قبله والظروف المحيطة بالمخاطب - موسى - وهيأته وحاله نجد أنَّ هذه البنية جاءت قصدا من الباري - - بهذا التركيب؛ ذلك لإخراج موسى- - من الدهشة التي كان فيها لتكلمه - - معه بكلامإلهية فسأله عن العصا وهو ممَّ ا لا يقع الغلط فيه(3). فإذا كانت (تلك) اسم إشارة على الأصل، فالسؤال يكون عن ماهية الشيء أمَّا إذا كان اسما موصولا أي بمعنى (التي) فالسؤال يكون عن وظيفة الشيء، وهو ما أوضحه موسى وذ كر في السياق اللاحق لهذه الآية . ولا يمكن أنْ يكون القصد الإلهي السؤال عن ماهية الشيء بل هو تقرير ضمَّن ه التنبيه؛ لأنَّه سبحانه وتعالى عنده العلم الأزلي وعارف بكل شيء وقد أراد التنبيه إلى قدرته الباهرة وليريه عظمته وعظيم ما يخترعه وإقراره بماهية ما بيمينه لتثبت عليه الحجَّة باعترافه؛ لكونها خشبة ولا ينفر إذا انقلبت حيَّة، فهو لا يشكُّ أنَّ ه يعرفه، لكن لينضمَّ إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه . (1) معاني القرآن وإعرابه3/288، وينظر جامع البيان:مج9 :16/194 . (2) ينظر: أمالي ابن الشجري 2/443، وكشف المشكلات 420، والبيان 2/140، والتبيان 2/136،وشرح المفصل : مج2 :4/171، وشرح التصريح1/165 . 3)) ينظر: مفاتيح الغيب: مج11 :22/22 .
عدد الصفحات ١٤٢ 134 قال الزمخشري: " إنَّما سأله ليريه عظم ما يخترعه- عزَّ وعلا - في الخشبة اليابسة من قلبها حيَّة نضَّ ناضة وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه، وينب هه على قدرته الباهرة "(1) . فقد يخرج الاستفهام عمَّا وضع له إلى غير موضعه لمعنى يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال فخرج الاستفهام هنا إلى التقرير"الذي هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرَّ عند ثبوته أو نفيه لغرض من أغراض السياق " (2) . هذا تفسير النح ويين والمفس رين الذين أي دوا الكوفيين في جواز مجيء ألفاظ الإشارة موصولات. وأقول إنَّ الأدوات والأسماء والحروف عندما توضع أولَّ الأمر توضع؛ للدلالة على شيء معيَّن إلاَّ أنَّ دلالة الألفاظ قد تتَّسع أحيانا وتدخل في حقول دلالية أخرى أو تتقارب المعاني إلى حد كبير في أحيان أخرى ممَّ ا يؤدي إلى التوهم في أنَّ الاسم أو الأداة جاء في موضع غيره وما المانع من كون (تلك) جاءت على الأصل إشارة للعصا وأقول إنَّ هذا الأ مر ربَّ ما يكون تفسيره والغرض منه هو لفت انتباه المخاطب وكون الإشارة للعصا نفسها وذلك لما سيؤول إليه في المستقبل القريب، وأكرر ما ذكرت ه سابقا أنَّ التعبير القرآني قادر على التعبير عن المعاني بشتَّى الطر ائق والوسائل وبدقَّة متناهية وذلك بوضعه كلُّ لفظ ف ي موضعه من النص لأداء المعنى المقصود، في ضوء السياق الذي هو فيه، وبذلك أرى أنَّ دلالة (تلك) على الإشارة على رأي البصريين هو الذي ينبغي أنْ يعتمد عليه استنادا إلى خصوصية النظم القرآني ودلالاته، والتعبير عن المعنى المقصود بالدلالات الحقيقية للألفاظ المذكورة في النص . إنَّ سرَّ التعبير القرآني ومقاصده لا يعلمه إلاَّ هو وطريقة نظمه تبقى معجزة لنا لا يمكننا البت برأي ما دام الأمر يتعلَّق بتعدد المعاني فأسرار النظم القرآني ومقاصده وسبب عدوله عن المعتاد من القواعد والقوانين التي وضعها النحويون لا يعلمه إلا الله. 1)) الكشاف3/139، وينظر: جامع البيان: مج9 :16/195، والجامع لأحكام القرآن:مج6:16 /169، والبحر المحيط:6/219-220، والبرهان : 2/212، واللباب في علوم الكتاب13/209 . 2)) الدلالة السياقية عند اللغويين، أ.د. عواطف كنوش المصطفى123-124 .
عدد الصفحات ١٤٣ 135 اتفق جمهور النحويين على مجيء الفاء للترتيب فهي عندهم حرف يفيد الربط(2) والترتيب مطلقا بلا مهلة وهو ما يسم ى بالتعقيب فهي موضوعة لدخول الثاني فيما دخل فيه الأوَّل متصلا نحو: ( قام زيدٌ فعمرٌو) أي: أنَّ قيام عمرو حصل عقب قيام زيد بلا فاصل وكذل ك نحو: (ضربت زيدا فعمرا ) أي: إنَّ الضرب وقع على عمر و بعد وقوعه على زيد (3). قالالمبر د : " الفاء : وهي توجب أنَّ الثاني بعد الأوَّل، وأنَّ الأمر بينهما ترتيب، نحو قولك: رأيت زيدا فعمرا ، ودخلت مكة فالمدي نة " (4). في حين ذهب الفرَّاء إلى أنَّ الفاء لا تفيد الترتيب مط لقا وهي بمنزلة الواو، ون س ب المنع إلى الكوفيين*؛ ذلك أنَّ ما بعد الفاء قد يكون سابقا إذا كان في الكلام ما يدلُّ عليه (5). واستند فيما ذهب إليهإلى نصوص من القرآن تؤيد صحة ما ذهب إليه من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭾ[الأعراف4.] وقوله تعالى: ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭾ[النحل98]. ففي قوله تعالىﭿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭾ . 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: شرح جمل الزجاجي1/231-232، وارتشاف الضرب4/1985، وشرح التصريح:2/160-161، وهمع الهوامع3/192 . 2)) ينظر: الكتاب4/217، ورصف المباني440 . قال سيبويه : "الفاء تضم الشيء إلى الشيء 3)) ينظر: الكتاب1/429،4/217، والأصول2/55، وشرح الجمل في النحو، الجرجاني282، والمفصل 260، ونتائج الفكر في النحو:196، وشرح جمل الزجاجي1/231، وشرح المفصل:مج3 :8/613، وشرح الكافية:4/392، والمساعد2/448، والبرهان4/182، وشرح الأشموني2/364 . 4) ) المقتضب1/10 . * نسب المالقي المنع إلى الكوفيين ينظر: رصف المباني:440 . 5)) ينظر:معاني القرآن 1/371-372، وشرح جمل الزجاجي 1/231-232، والجامع لأحكام القرآن:مج 4 : 7/143، ارتشاف الضرب4/1985، وشرح التصريح2/161.
عدد الصفحات ١٤٤ 136 جاء البأس بعد الإهلاك، ومجيء البأس في الوجود واقع قبل الإهلاك ولا يكون بعده وقد قدَّم الهلاك على البأس، فليس الفاء عند الفرَّاء للترتيب؛ لأنَّ الهلاك والبأس وقعا معا وهما بمعنى واحد لذلك جاز عطف أحدهما بالفاء على الآخر، وذهب إلى أن ه قد يكون على إضمار كان والمعنى: (وكم من قرية أهلكناها فكان مجيء البأس قبل الإهلاك)، أو قد تكون الفاء بمعنى الواو أي: (أهلكناها وجاءها بأسنا بياتا )(1). هذا الذي ذهب إليه الفرَّاء غير دقيق ؛ لأنَّ أغلب النحويين بحسب اطلاعي يذهبون إلى أنَّ الفاء تفيد الترتيب، فضلا عن الربط ولاسيما من اهتموا بدراسة المعاني من أصحاب كتب معاني الحروف(2) وممن درسوا النص القرآني تفسيره وإعجازه وإعرابه . والجواب على كلام الفرَّاء أنَّ الإهلاك حكمٌ واقعٌ عليهم م ق رَّ قبل مجيء البأس ؛ ذلك أنَّ هذه القرى الظالم أهلها كانت واقعة تحت الإهلاك قبل مجيء الإهلاك بزمن كبير لما كانت عليه من فساد وظلم وضلال وعناد وإفساد للأرض وأنَّ الله - - أمهلهم وبعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين فلم يؤمنوا بهم بل صدُّوا عنه وازدادوا كفراً وعناداً، حتى إذا بلغ الكتاب أجله وجاء بأس الله، فأخذهم بذنوبهم وهم ظالمون(3). فضلا عن ذلك يبدو أنَّ الفرَّاء لم يتنبه على دلالة الفعل؛ ذلك أنَّ العرب يعبرون بالفعل عن أمور كثيرة فضلا عن وقوعه الذي هو الأصل في دلالتها منها: إرادته(4) وهذه هي دلالة الفعل في قوله: (أهْل كْن اه ا) أي: أردنا إهلاكها. كقوله تعالى: ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭾ [النحل98]، والمعنى: ( وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا فهلكت) فيكون البأس قبل الإهلاك على هذا التقدير؛ لأنَّ مجيء البأس 1)) ينظر معاني القرآن1/371-372 . 2) )ينظر: معاني الحروف52-53، ورصف المباني440، والجنىالداني:61، ومغني اللبيب1/140 . 3)) ينظر: دلالات التقديم والتأخير في القرآن الكريم دراسة تحليلية، د. منير محمود المسيري370 . 4)) ينظر: مغني اللبيب2/308 .
عدد الصفحات ١٤٥ 137 مترتب على الإرادة فتكون الفاء حينئذ للترتيب المعنوي وهذا مذهب جمهور النحويين والمفسرين الذين أوَّلوا هذا النص (1) . قال الزمخشري"فإنْ قلت: فما معنى أهلكناه ا فجاءها بأسنا والإهلاك إنَّما هو بعد مجيء البأس؟ قلت: معناه أردنا إهلاك ها كقوله: ﭿ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭾ[6] وإنَّما خ صَّ هذان الوقتان: وقت البيات ووقت القيلولة ؛ لأنَّهما وقت الغفلة والدَّعة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشدَّ وأفظ ع " (2) . فجاء الخطاب القرآني بالفعل الماضي بهذه الصيغة في هذا السياق للتعبير عن إرادة الفعل التي تؤك د عزم الفاعل على القيام بالفعل، عزما لا يتأخر عنه العمل، فالغرض منه تهديد السامعين المعاندين ، وتحذيرهم من أجل أنْ يحلَّ غضب الله عليهم فيريد إهلاكهم، فضيَّ ق عليهم المهلة؛ لئلا يتباطؤوا في تدارك أمرهم والتعجيل بالتوبة(3). وذهب عددٌ من النحويين إلى أنَّه قد يكون للترتيب الذكري، أي أنْ يكون وقوع البأس بعد الهلاك بحسب الذكر لفظا ، لا أنَّ البأس وقع بعد زمان وقوع الهلاك، فيكون من قبيل عطف المجمل على المفصل؛ لأنَّ مجيء البأس في حال البيات أو القيلولة تفصيل للإهلاك المجمل(4) . في حين ذهب الباقولي(ت543هـ) إلى تنزيل الماضي منزلة المستقبل؛ لتحقق وقوعه والمعنى عنده: (وكم من قرية قارب إهلاكنا إيَّاها، أو قاربت الهلاك فجاءها البأس ليلا 1)) ينظر:شرح جمل الزجاجي 1/233، والبسيط في شرح الجمل 1/336، ومسائل الرازي وأجوبتها 92، والجامع لأحكام القرآن:مج 4 :7/143، ورصف المباني: 441، والبحر المحيط 4/269، والجنى الداني 62، والدر المصون: 5/429، ومغني اللبيب 1/140،والبرهان4/182، وشرح المزج 807 ،809، وشرح التصريح:2/160-161، والإتقان1/526 . 2)) الكشاف2/142 . 3)) ينظرالتحرير والتنوير:مج4 :8/20 . 4)) ينظر:شرح الكافية4/392-393، والجنى الداني:64، ومغني اللبيب1/140، وشرح المزج809، وهمع الهوامع: 3/192، وحاشية الصبَّان3/138، والتحرير والتنوير:مج4 :8/21 .
عدد الصفحات ١٤٦ 138 أو نهارا ) فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربتها منه وإحانته إيَّاها(1). وغير ذلك من تأويلات النحويين لهذا النص . وقد يكون الغرض من مجيء الفاء في تركيب هذا السياق بهذه الصورة لمراعاة النص القرآني للمخاطب الذي له أثرٌ كبير في تكوين النص ولما له من أهمية ك برى في حلَّ الخلافات التي حصلت بين النحويين؛ لكونه من الأسس المهمَّة التي اعتمد عليها النحو القرآني(2) في توجيه النصوص وتكوين القواعد الخاصة بالنحو القرآني، وذلك بوساطة تقديم ما يهم المخاطب ويعنيه؛ ذلك لأنَّ التعبير القرآني قدَّم الإهلاك على البأس في اللفظ لما له من اهتمام لدى المتلقي قال السهيلي: "دخلت الفاء لترتيب اللفظ؛ لأنَّ الهلاك يجب تقديمه في الذكر؛ لأنَّ الا هتمام به أولى، وإنْ كان مجيء البأس قبله في الوجود "(3). قال سيبويه كأنهم إنَّ ما ي قد مون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإنْ كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" (4). فالمخاطب والسامع محور العملية الك لامية، والمتكلم يصوغ كلامه على وفق الأحوال السامع ومعارفه، وهذه العلاقة الم نظَّمة بينهما هي التي تقود إلى الكشف عن المعاني وعن مقاصد المتكلمين(5) . لذا برز أثر المخاطب والمتكلم في العملية اللغوية والاتصال الإبلاغي، وع د المخاطب م شار كا للمتكلم في إنتاج الكلام، "فل ما كان المخاطب مشاركا للمتكلم في حال معنى الكلام، إذ الكلام مبدؤه من المتكلم ومنتهاه عند المخاطب، ولولا المخاطب ما كان كلام المتكلم لفظا مسموعا ، ولا احتاج إلى التعبير عنه ..."(6). وهذا يقرب مما 1) )ينظر: إعراب القرآن المنسوب خطأ للزجاج:1/97-98، وكشف المشكلات261، والبرهان4/182. 2)) ينظر: النحو القرآني في ضوء لسانيات النص: 224 وما بعدها 3)) نتائج الفكر في النحو196 . 4)) الكتاب1/34 . 5)) ينظر النحو القرآني في ضوء لسانيات النص: 224. 6)) بدائعالفوائد، ابن قي م الجوزية: 1/176.
عدد الصفحات ١٤٧