107 الغاية كانت من هذه النصوص ، والغرض من مجيء (إنْ) وبعدها (اللام) في هذه النصوص هو التوكيد، فليس المراد من قوله تعالى: ﭿﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ[الصافات167- 168.] في تأويل الكوفيين (وما كانوا إلاَّ يقولون) إخراج قولهم - وهم الكافرون- : (لو أنَّ عندنا)، وإنَّما القصد من وراء ذلك التوكيد باستعمال (إنْ) واللام التي يراد منها التوكيد أيضا ، فأكَّ دوا قولهم بهذا الأسلوب، وقول الكوفيين: إنَّ اللام بمعنى (إلا) ما هو إلاَّ تأكيدٌ لرأي البصريين. وهذا دليل على صحة ما ذهب إليه البصريون من كون (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة و(اللام) هي اللام الفارقة . 1 : اختلفالنحويون في مجي (إلاَّ) بمعنى الواو. فذهب الكوفيون (2) إلى جواز ذلك في حين منع البصريون مجيء (إلاَّ) بمعنى الواو، محتجين بأدلَّة عقلية من ذلك أنَّ كلاَّ من (إلا ) والواو متناقضين في المعنى؛ ذلك أنَّ " (إلاَّ) للاستثناء، والاستثناء يقتضي إخراج الثاني من حكم الأوَّل، والواو للجمع، والجمع يقتضي إدخال الثاني في حكم الأوَّل، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر"(3). واحتجُّوا أيضا بأنَّ لكل حرف مغن ى و ض ع له في الأصل، ولا يأتي حرف بمعنيين؛ لما فيه من الاشتراك الملبس وما صحَّ منه عن العرب يقتصر عليه ولا يقاس(4) . 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: الإنصاف في مسائل الخلاف ،م (35) ،1/269،والتبيين: م(67:)403، وائتلاف النصرة: م (52:)174-175 . (2 )تبعهم في ذلك الأخفش وأبو عبيدة، ينظر:معاني القرآن1/343،ومجاز القرآن1/60،وينظر أيضا شرح التسهيل:3/202-204،2/191،وارتشاف الضرب 3/1497-1498،والمساعد:1/549، وشرح المزج :400 - 401،و همعالهوامع:2/217 . 3)) الإنصاف في مسائل الخلاف1/269، وينظر:إعراب القرآن للنحاس619 . 4) ) ينظر: التبيين ،م67:)403 .
عدد الصفحات ١١٦ 108 واحتج الكوفيون ومن وافقهم فيما ذهبوا إليهبالسماع من القرآن الكريم ومن كلام العرب بما يؤيد صحة ما ذهبوا إليه فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ[البقرة150.] وقولهﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﭾ[النمل10-11]. أي: (ولا الذين ظلموا)، و(ولا من ظلم). وغير ذلك من النصوص القرآنية(1). ومن النصوص الشعرية التي استندوا إليها قول الأعشى: إلََّّ كَخَارِجَةَ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ وابْنَي قَبِيْصَةَ أَنْ أَغِيْبَ وَيَشْهَدَا (2). معناه:(وخارجة ) . ومنه قول عنز بن دجاجة المازني مَنْ كَانَ أَسْرَعَ فِيْ تَفْرَّق فَالِ ج فَـلَبُوْنُهُ جَرِبَتْ مَعَـاً وأغَـدَّتِ إلََّّ كـنـاشرةً الـذي ضيَّـعـتـمُ كالغصنِ في غلوائِهِ المُتَنِبّتِ (3). والمعنى:( وناشرة الذي ضيعتم(4) ومن النصوص الأخرى قول المخبل السعدي : 1) ) ومن النصوص القرآنية الأخرى الذي استشهد بهغ الكوفيون قوله تعالى ﭿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﭾ [106-107]،وقوله تعالى: ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭾ[148]1,1/330 . 2)) شرحديوان الأعشى: 153 . 3)) مجاز القرآن1/61 ، وذهب سيبويهإلى أنَّ الاستثناء منقطع و(إلاَّ) بمعنى لكنَّ ،ينظر:الكتاب: 2/318 . 4)) ودليل ذلك عند أبو عبيدة "أنَّ فالجا الذي في بني سليم وناشرة الذي في بني أسد هما ابنا مازن" مجاز القرآن:1/61 .
عدد الصفحات ١١٧ 109 وَأرَ ى لَ هَ ا دَ اراً بِ أَ غْ دِ رَ ةِ الـ سَ يِّ دَ انِ لَ مْ يَ دْ رُ سْ لَ هَ ا رَ سْ مُ إلََّّ رَ مَ ـادَ اً هـَ امِ ـداً دَ فَ ـَ عـْ ت عَ نْ هُ الرياحَ خوالِدٌ سُ حْ مُ (1). والمعنى:( أرى لها دارا ورمادا ) وغير ذلك من الشواهد والنصوص الشعرية التي استندوا إليها . أشار أصحاب كتب إعجاز القرآن، ومعانيه، وإعرابه، وكتب معاني الحروف(2) إلى هذا المعنى لـ (إلاَّ) وإثبات الكوفيين له ، ولا بد من وجود تفسير لذلك لدى كل من يؤيد مجيء (إلاَّ بمعنى الواو)، أو يعارض لذلك وجد ت أنَّ جمهور النحويين أوَّلوا هذه النصوص القرآنية وغيرها بما يتفق مع دلالة النص على الاستثناء المنقطع بمعنى لكن(3) في قوله تعالىﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭾ[النمل10-11]، وقوله تعالى ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ[البقرة150.] والتقديرأي: (لكن من ظلم) و( لكن الذي ظلموا منهم يحاجونكم فلا تخشوهم)، والاستثناء المنقطع كثير في كلام الله -عزَّ وجل - . ومنهم من أوَّله على الاستثناء المتصل على أنْ يكون المقصود بالناس (عمومٌ في اليهود والعرب وغيرهم) فيكون المعنى حينئذ : (لئلا يكون حج ةٌ لأحد من اليهود إلاَّ المعاندين منهم)(4). 1)) المخبل السعدي حياته وما تبقى من شعره، تح: د. حاتم صالح الضامن130. 2)) ينظر:معاني الحروف134-144،والأزهية في علم الحروف:187،ورصف المباني:177، والجنى الداني: 518، ومغني اللبيب:1/65والبرهان:4 /150، ومعترك الأقران: 2/59،والإتقان:1/481 . 3)) ينظر التبيين:404-405، والجامع لأحكام القرآن:مج2,1/571،ومغني اللبيب1/65،وشرحالمزج:401، وهمع الهوامع:2/271، وغيرها 4)) ومنهم الزمخشري، ينظر: الكشاف:1/189، وشرح المزج402
عدد الصفحات ١١٨ 110 وذهب الزجَّاج إلى أنَّ المعنى: ( لئلا يكوم للناس عليكم حجَّةٌ إلاَّ من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له)(1)، فليس لهم عليه حجَّة إلاَّ من ظلمه - - . قال الزمخشري: "(إلاَّ الذين ظلموا) استثناء من الناس، ومعناه : لئلا يكون لأحد من اليهود إلاَّ للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلاَّ ميلا إلى دين قومه وحبَّا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء... "(2). وذهب ابن عطية إلى أنَّ المعنى ( لا حجَّة لأحد عليكم إلاَّ الحجَّة الداحضة للذين ظلمو ا من اليهود وغيرهم)(3). يؤيد هذا الرأي قراءة ابن عامر وزيد بن علي وابن زيد(4) :(ألا الذين ظلموا منهم) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، على أنَّ (ألا) للتنبيه والاستفتاح. بالوقوف على (حج ة) ثمَّ الاستئناف والابتداء بما بعده منبها على أن الحجَّة تكون على الظالمين فلا تخشوهم. وذهب قطرب (ت206هـإلى أنَّه على الإضمار أي:(لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ إلاَّ على الذين ظلموا) أي (لا يكون للناس على أحد حجَّة إلاَّ الظالم ) (5). كل هذه الآراء وغيرها التي نجدها في كتب التفسير ومعاني القرآن للنحاة والمفسرين جاءت بعد نظرة متعمقة لأصحابها في النص وعلاقة بعضها ببعض بحيث يتوافق مع دلالة النص . وعند دراسة قوله تعالى : ﭿ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﭾ [البقرة150.] ضمن سياقها- ولاسيما أنَّ للسياق أهمية ك برى في تحديد 1) )ينظر معاني القرآن وإعرابه:1/197-198 . 2)) الكشاف1/189 . 3)) المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز،ابن عطية(ت546هـ1/225 . 4)) ينظر مختصر في شواذ القراءات:10، و الكشاف:1/189، والجامع لأحكام القرآن: مج1 :2/571، و البحر المحيط:1/615 . 5)) ينظر:الجامع لعلم القرآن40، والصاحبي95، والبحر المحيط:1/615 .
عدد الصفحات ١١٩ 111 معاني الألفاظ ودلالاتها التي تشير إلى المعنى الكلي للنصفي ضمن علاقته بالسياق - يتضح أنَّ المراد (بالناس): أهل الكتاب، و(بالذين ظلموا): مشركو قريش أو العرب، والحجَّة هي الخصومة والجدال ومعنى الكلام : (لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة) غير مشركي قريش - بقولهم: رجع محمد - - إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا - "وهي الحجَّة التي كانت لقريش على رسول الله - - وأصحابه، ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أنْ يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجَّة"(1) . أم ا حجَّة اليهود على رسول- - وأصحابه على وجه الخصومة هي قولهم يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا، فقطع الله حجتهم بتحويل قبلة نبي ه - - والمؤمنين من قبلة اليهود إلى قبلة نبي ه إبراهيم - - (2). قال الطبري: " قوله (إلاَّ الذين ظلموا منهم)... استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي ثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عمَّا قبلهم،... فكذلك قولهم: ﭿﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭾ نفي عن أنْ يكون لأحد خصومة وجدال ق ب ل رسول الله - - ودعوى باطله عليه وعلى أصحابه بسبب توجههم في صلاتهم قبل الكعبة إلاَّ الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإنَّ لهم قبلهم خصومة ودعوى باطلة...، وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجَّة من أهل التأويل، فبي نٌ خطأ من زعم أنَّ معنى قوله: (إلاَّ الذين ظلموا منهم): ولا الذين ظلموا منهم، وأنَّ (إلاَّ) بمعنى الواو..."(3). 1)) جامع البيان:مج2 :2/45 . 2)) ينظر وجامع البيان: مج2 :2/44، و مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل :10 . 3) )جامع البيان : مج2 :2/46 .
عدد الصفحات ١٢٠ 112 بهذا يتضح أنَّ ما ذهب إليه جمهور النحويين هو الذي يتفق مع سياق النص القرآني وذلك بأنَّ (إلاَّ) جاءت بمعنى الاستثناء ويكون رأيهم هو الأصوب؛ ذلك أنَّنا إذا قلنا أنَّ (إلاَّ) ب معنى (واو) الجمع والتشريك أي: ( لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ ولا الذين ظلموا منهم) فذلك يعني نفي جميع الناس أنْ يكون لهم حجَّة على رسول الله - - وأصحابه في تحوَّلهم نحو الكعبة وسياق الحال وأسباب نزول الآية (1) يكشف لنا أنَّ اليهود من أهل الكتاب بطلت حجتهم على الرسول بتحو يل القبلة فلم يبق إلاَّ المشرك ون في أنْ يحاجُّ وا النبي وبذلك يبطل دعوى إشراك اليهود والمشركين في نفي الحجاج وبذلك يتضح أنَّ المشركين استثنوا من الناس في قوله تعالى ﭿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﭾ فكان لهم ما نفي قبل حرف الاستثناء من الحجاج والخصومة والجدل، وهذا يدحض رأي من قال إنَّ المعنى (ولا الذين ظلموا منهم) وإنَّ(إلاَّ) بمعنى (الواو) . ما اخل ص إليه من دراسة هذه المسائ ل المذكورة آنفا أنَّ للسياق أثر ا كبيرا في دراستها وفي تعيين معنى الحرف بدقَّة متناهية وفي تحديد موقفي من المسألة الخلافية وترجيح الرأي الصائب في ضوئه، فضلا عن السياق و جدت أنَّ المسألة الأخيرة (مجيء إلاَّ بمعنى الواو) اعتمدت على دعامة أخرى من الدعائم التي يقوم عليها البحث في هذه المسائل وهي سياق الحال المتمثل ب أسباب النزول في ترجيح المسألة وم نع مجيء (إلاَّ) بمعنى (الواو) مما يؤك د ذلك أنَّ الحروف والأدوات في القرآن الكريم تأتي للدلالة على معانيها الأصلية التي وضعت لها في الأصل ولا يمكن أنْ ينوب حرفٌ عن آخر في الخطاب القرآني إلاَّ وكان المقصود معنى الحرف المذكور نفسه دون غيره. 1)) سببنزول الآية "لمَّا صرف نبي الله - – نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكَّة :تحيَّر على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنَّكم أهدى منه سبيلا ، ويوشك أن يدخل في دينكم. فانزل الله -جلَّ ثناؤه- فيهم ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ ". أسباب النزول، السيوطي:35، و ينظر: جامع البيان: مج2:2/45-46 ،والاستيعاب في بيان الأسباب،سليم بن عيد الهلالي وآخرون :83-84 .
عدد الصفحات ١٢١ 113 ومن المسائل الخلافية التي سأدرسها في هذا الحقل ما يأتي: اختلف النحويون البصريون والكوفيون في هذه المسألة فذهبالكوفيون٭ إلى جواز مجيء (إنْ ) الشرطية بمعنى (إذْ ) التعليلية في حين أجمع البصريون على عدم جواز ذلك(2) محتجين فيما ذهبوا إليه بأدلَّة عقلية منها: إنَّ " الأصل في (إنْ ) أنْ تكون شرطا ، والأصل في (إذْ ) أنْ تكون ظرفا ، والأصل في كل حرف أنْ يكون دالا على ما وضع له، فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال، ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل ولا دليل لهم يدلُّ على ما ذهبوا إليه "(3). أمَّا الكوفيون فاستندوا فيما ذهبوا إليهإلى كثرة مجيء (إنْ ) بمعنى (إذْ ) في كتاب الله وكلام العرب فمن النصوص القرآنية قوله تعالى(4) : ﭿﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ[الفتح27.] 1) )ينظر الخلاف في هذه المسألة: الإنصاف في مسائل الخلاف :م(88 :)2/632-635، وائتلاف النصرة : م(19) من الحرف154-155، وهمع الهوامع2/549 . ٭ وقيل أبو عبيدة أيضا، ينظر:الجامع لأحكام القرآن:مج8 :26/564، و مجمع البيان9/176 . 2) )نجد هذا الإجماع فيأغلب كتب البصريين من كتب نحوية وكتب معاني الحروف والكتب التي اعتنت بالنص القرآني من الإعراب ومعاني وإعجاز القرآن والتفاسير وكتب علوم القرآن بحسب اطلاع،ي فمن الكتب النحوية ينظر:شرح الكافية: 4/90، وارتشاف الصرب 4/1887، وشرح تسه يل الفوائد،ال مرادي:1/574، والمساعد:3/188، وشرح المزج150، وهمع الهوامع:1/455، وحاشية الصبان4/13، وغيرهاكثيرٌ من الكتب النحوية . 3) )الإنصاف في مسائل الخلاف2 /634 . 4)) ينظرالإنصاف في مسائل الخلاف: 2/632-633، وهمع الهوامع1/455,2/549
عدد الصفحات ١٢٢ 114 وقوله تعالى: ﭿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭾ[البقرة278.] وغيرها من النصوص القرآنية (1) فهي أكثر من أنْ تحصى، واستشهدوا أ يضا بكلام الرسول - - ( :السَلََمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِيْنَ, ..., وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لََّحِقُوْنَ )(2). أمَّا ما احتجُّوا به من كلام العرب فمنه قول الشاعر وَسَمِعْتُ حَلْفَتَهَا الَّتِي حَلَفَتْ إنْ كَانَ سَمْعُكَ غَيْرَ ذِي وَقْرِ (3) . وغيرها من الشواهد الشعرية(4) التي استندوا إليها؛ لتأكيد صحة ما ذهبوا إليه . هذا الذي وجد ته منسوبا إلى الكوفيين على الرغم من كثرة الشواهد التي استندوا إليها إلاَّ أنَّ ني عندما وقفت عند الكتب التي عنيت بدراسة النص القرآني من إعجازه ومعانيه وإعرابه وتفسيره وعلومه وجدت أنَّهم أنكروا مجيء (إنْ ) الشرطية بمعنى (إذْ ) التعليلية قال النحاس (ت338هـ): " هذا قول لا يعرج عليه، ولا يعرف أحدٌ من النحويين (إنْ ) بمعنى إذْ "(5)، وأوَّلوا جميع النصوص التي استند إليها الكوفيون . ولا يخفى على أحد أنَّ الخلاف في هذه المسألة محصور في معنى الأداة ولا يمكن الحكم على صحة أحد المذهبين بسهولة إلاَّ بعد إمعان النظر في تأويلات النحويين والمفسرين وما يتفق مع دلالة النص ؛ ذلك أنَّه " لا يجوز أنْ يحمل كلام الله - عزَّ وجل - ويفسَّر بمجرد الا حتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام ب ه له 1) )من النصوص القرآنية التي استشهد بها الكوفيون أيضا قوله تعالىﭿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭾ [23]ﭿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭾ [139]ﭿ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﭾ [112،57]ﭿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭾ[13.] 2) )صحيح مسلم كتاب الجنائز- باب (ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها): رقم (974 : )323. 3)) الإنصاف في مسائل الخلاف2/633 . (4 )من ذلك قول الفرزدقأَتَغْضَبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا جِهَارَاً وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ خَازِم . شرح ديوان الفرزدق:2/564. 5)) إعراب القرآن861 ، وجاء في المحرر الوجيز5/139: (كون إن بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب
عدد الصفحات ١٢٣ 115 معنى ما، ... ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم، يقطع السامع بأنَّ مراد القرآن غيره، وإنْ احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنَّه لا يلزم أن يحتمله القرآن "(1). فقوله تعالىﭿ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ[الفتح27.] فسَّر النحويون هذه الآية والنصوص الأخرى تفسيرا يختلف عمَّا ذهب إليه الكوفيون فذهبوا إلى أنَّ (إنْ ) في جميع هذه النصوص شرطية وأنَّ المقصود من الاستثناء الذي في قوله: ( إنْ شاء الله ) في هذا النص هو: لتعليم العباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل وتأديبا لهم بأدب الله، أو أنَّه قال ذلك للتبرُّك أو أنَّ ه استثناء فالمعنى: (لتدخ ل نَّ جميعا إنْ شاء الله أنْ لا يموت منكم أحدٌ قبل الدخول)(2)، فالاستثناءيكون قد وقع على دخولهم آمنين إذ كان بين " نزول الآية والدخول مدَّة سنة، وقد مات منهم أ ناس في السنة، فيكون تقديره: لتدخلنَّ كلكم إنْ شاء الله، إذ علم الله أنَّ منهم من يموت قبل السنة أو يمرض فلا يدخلها "(3) وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: (لتدخ ل نَّ المسجد الحرام آمنين إنْ شاء الله)(4)، أوأنَّ ذلك من كلام النبي - - لأصحابه حين أخبرهم بالمنام، أو من كلام الملك الذي أخبره في المنام(5)، وغير ذلك من آراء النحويين والمفسرين في شأن هذه المشيئة. 1) ) بدائع الفوائد، ابن القيم3/27، وينظر من أسرار الجمل الاستئنافية : 318 . 2 )) مغني اللبيب 1/24،وينظر: الجنى الداني: 213-214، والبرهان 4/139،والإتقان:1/490،ومعترك الأقران:2/68. 3)) تفسير أبو علي الجبائي455- 456، وينظر مجمع البيان:9/175-176، وهذا رأيالجبائي . 4)) معاني الحروف:87 . 5)) ينظر: الكشاف4/236، والبحر المحيط8/100، ومغني اللبيب2/24 .
عدد الصفحات ١٢٤ 116 أما سائر الآيات الأخرى التي استند إليه الكوفيون فذهبالنحويون والمفسرون إلى أنَّ (إنْ ) فيها للشرط جيء به للتهييج والإلهاب كما تقول لابنك: إنْ كنت ابني فاطعني، أو لا تفعل كذا(1). إذاقمت بدراسة هذا النص وهو قوله تعالى: ﭿ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ[الفتح27.] في ضوءسياق الحال أو مقامه المتمثل بسبب نزوله، تتضَّح لي حقيقة معنى الأداة، فسبب نزول الآية: أنَّ رسول الله - - رأى في منامه قبل خروجه إلى الحديبية " أنَّه وأصحابه دخلوا مكَّة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقصَّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنَّهم داخلوها في عامهم، وقالوا إنَّ رؤ يا رسول الله - - حقُّ، فلمَّا تأخر ذلك قال عبد الله بن أ ب ي و...: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت"(2). فلما نزلت الآية علم المسلمون أنَّهم سيدخلونها و أطمأنت قلوبهم إنَّ معرفة سبب النزول غالبا ما يمك ن المهتمين بدراسة النصوص من القراءة الصحيحة للنص والمقاربة من اكتشاف دلالة الألفاظ والعبارات وتوجيهها توجيها صحيحا بما يتفق مع قصد الخطاب الإلهي وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها. فمعنى قوله: (لتدخ ل نَّ) تحقيق دخول المسجد الحرام في المستقبل فيعلم منه أنَّ فيه إخبارا بدخول غير معيَّن الزمن، إذن فالحدث متيقن حصوله ، زمنه مبهم على المسلمين ذلك أنَّ (إنْ ) تدخل على المتيقن وجوده إذا أ به م زمانه فهذا دليل على أنَّ (إنْ ) باقية على أصلها (شرطية) ولم تأت بمعنى(إذْ ) كما ادَّ عى الكوفيون وهذا ليس رأيي بل هو ما قاله أصحاب كتب الإعجاز ومعاني القرآن ومعاني الحروف الذين درسوا النصَّ 1)) ينظر : البرهان4/139، و الإتقان1/490،و حاشية الصبان4/13 . 2)) البحر المحيط8/99، وينظر: معاني القرآن وإعرابه5/23، ومعاني القرآن الكريم ، النحاس:6/511-512.
عدد الصفحات ١٢٥ 117 القرآني ومعانيه بدقَّة وكل ما يحيط بالنص وسياقاته والوجوه التي ترد فيه وما تحتمله من معان تتفق مع التعبير القرآني وأسلوبه المتفر د. قال ابن قتيبة: " وقالوا أيضا وتكون بمعنى إذ ... وهي عند أهل اللغة (إنْ ) بعينها، لا يجعلونها في هذه المواضع بمعنى (إذْ )"(1). قال الرماني(ت 384هـ: "والبصريون يأبون ذلك، ويقولون إنْ هاهنا شرطية على بابها"(2). وممَّا تقدَّم استنتجت أنَّ سياق الحال كان الدعامة الأساسية الذي قام عليه البحث في هذه المسألة وفي الوصول إلى المعنى الدقيق للأداة وتعيينه بعد دراسة النصوص القرآنية في ضوئه. أنكر جمهور النحويين والمفسرين مجيء (إنْ) بمعنى (قد) (3)؛ وذلك لتعارض معناهما، إذ إنَّ (إنْ) شرطية تفيد تعلَّق تحقيق الجواب بالشرط وإفادتها الشك والاستحالة، أمَّا (قد) فإنَّ من معانيها التحقيق، تقرير معنى الفعل ونفي الشك عنه(4) . في حين تفرَّد قطرب بين النحويين بتجويزه مجيء (إنْ) بمعنى (قد) (5)،ونقل المرادي (ت749هـ) ذلك عن الكسائي (6) . واحتجَّ قطرب فيما ذهب إليه بما ورد في القرآن الكريم من نصوص من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ[الأعلى8- 10.] 1)) تأويل مشكل القرآن495 . 2)) معاني الحروف87 ، وينظر رصف المباني192، والجنى الداني213 . 3)) ينظر: أمالي ابن الشجري:3/151، إذ قالوهو من الأقوال التي لا ينبغي أن يعرَّج عليها" . وينظر: الجنى الداني:215. 4)) ينظر: شرح التسهيل : 3/423، وشرح الكافية4/90، والنحو الوافي4/326 . 5)) ينظر: الأزهية39، وأمالي ابن الشجري3/151، ومغني اللبيب1/23، والإتقان1/490، وهمع الهوامع 1/455 . 6)) الجنى الداني214. وينظر: معاني القرآن، الكسائي253 .
عدد الصفحات ١٢٦ 118 والمعنى: (فذك ر قد نفعت الذكرى وذهب الفرَّاء والنحَّاس وغيرهما إلى أنَّ التقدير: (فذك ر إنْ نفعت الذكرى وإنْ لم تنفع) فحذف الثاني لدلالة السياق والمعنى عليه، فالتذكير يكون في كل حال؛ لأنَّ النبي - - إنَّما ب ع ث مبل غا للإعذار والإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع (1)، فجواب الشرط محذوف أغنى عن ذكره الفعل المتقدَّم وهو قوله: (فذك ر). وعلى هذا فإن الأمر مشروط بنفع الذكرى، وهذا الشرط إنَّما جيء به توبيخا لقريش وذمهم، والإخبار عن حالهم. أي: إنْ نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى(2) . الفائدة من هذا الشرط هو التنبيه على وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، أو هو تنبيه للنبي - - إلى أنَّه لا تنفعهم الذكرى(3). وذهب بعض النحويين والمفسرين إلى أنَّ سبب ذلك أنَّ التذكير هو تكثير الإنذار وتكريره ولا يجب التذكير إلاَّ فيمن ينفعه (4). أو أنَّ " تقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن رسول الله - - طالما كان يذكرهم، ويستفرغ فيه جهده حرصا على إيمانهم، وكان لا يزيد ذلك بعضهم إلاَّ كفرا وعنادا ، فأمر - - بأنْ يخص التذكير بمدار النفع في الجملة، بأنْ يكون من يذكره كلاَّ أو بعضا ممَّ ن يرجى منه التذكير، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا يزيده التذكير إلاَّ عتوَّا ونفورا من المطبوع على قلوبهم ...، فحرف الشك راجع إلى النبي - - لا إلى الله تعالى"(5). 1) )ينظر: إعراب القرآن1087، والمحرر الوجيز:5/470، ومجمع البيان10/280، والجامع لأحكام القرآن مج10 :20/276، والبحر المحيط 8/454، والدر المصون: 10/763، وشرح المزج: 138، وحدائق الروح والريحان:31/355 . 2)) ينظر: متشابه القرآن ، القاضي عبد الجبار :2/473، والكشاف:4/579، والبحر المحيط 8/454، ومغني اللبيب:1/21، ومعترك الأقران2/68، وحدائق الروح والريحان31/355 . 3)) ينظر: مفاتيح الغيب: مج16 :31/131، واللباب في علوم الكتاب20/282 . 4)) ينظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن 2/874، والكشاف 4/578، وم غني اللبيب: 1/21، وشرح المزج 134. (5) حدائق الروح والريحان:31/354 .
عدد الصفحات ١٢٧ 119 فمجيء التعبير القرآني بهذا التركيب المخالف لما هو معروف في قوا عد النحو العربي الذي وضعه النحويون في ضوء كلام العرب يوض ح خصوصية (النحو القرآني) وتفرده بقواعده وتراكيبه، فالنحو (غير القرآني) ينظر إلى أنَّ أداة الشرط تدلُّ على وجوب تحقق الجواب لتحقيق الشرط ووقوعه، في حين وجدنا أنَّ (النحو القرآني) أكثر توسعا ومرونة في هذا المجال؛ ذلك أنَّ هذ ا الشرط غير ملزم في جميع النصوص في الجملة الشرطية، إذ قد يتحقق الجواب بغض النظر أتحقق الشرط أم لم يتحقق، وهذا النص أحد الأدلَّة على ذلك؛ ذلك أنَّ التذكير قد يكون من غير نفع فإنَّ التذكير جائز وإنْ لم ينفع، ودليلنا على ذلك قول الرازي: "إنَّ المعل ق بإنْ ع لى الشيء لا يلزم أنْ يكون عدما عند عدم ذلك الشيء" (1)، ونظائره كثير ة في القرآن الكريم (2) وأشارعددٌ من النحويين إلى ذلك لكنَّهم لم يصر حوا بجواز تحقيق ال جواب وإنْ لم يتحقق الشرط ولمحت ذلك في مذهب الفرَّاء والنحاس الذي سبق ذكره وتأويلهما للنص. خرجت من هذا كل ه بنتيجة مفادها أنَّ (إنْ) الشرطية قد لا توجب تحقق الجواب ؛ لتحقق الشرط، فقد يقع الجواب سواء أكان الشرط واقعا أم لا، وبهذا فالقول بأنَّ (إن) الشرطية جاءت على معناها الحقيقية وهي إفادة الشرط لا التحقيق هو الرأي الصائب، الذي يتفق مع دلالة النص القرآني بعد بدراسته في ضوء السياق الذي ورد فيه. 1)) مفاتيح الغيب مج16 :31/131 . 2)) من ذلك قوله تعالىﭿ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭾ[101] يوجد خوف. وقولهﭿ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﭾ[33]إن لم يردن تحصنا . وقوله: ﭿ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﭾ[230] الظن. وغيرهاكثير من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك .ينظر: مفاتيح الغيب:مج16 :31/131 .
عدد الصفحات ١٢٨ 120 اختلف النحويون البصريون والكوفيون في مجيء (أنْ) للتفسير ؛ فأثبت البصريون أنَّ من معاني (أنْ) مجيئه ا للتفسير بمعنى (أي)، وذلك إذا وقعت بعد جملة تامَّة المعنى فيها معنى القول غير متعل قة بما قبلها، وهذا مذهب الخليل وجمهور نحويي البصرة(2) . قال سيبويه: "هذا باب ما يكون فيه أنْ بمنزلة أي وذلك قوله عزَّ وجل ﭿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭾ زعم الخليل أنَّه بمنزلة أيْ ، لأنَّك إذا قلت انطلق بنو فلان أن امْ ش وا، فأنت لا تريد أنْ تخبر أنَّهم انطلقوا بالمشي ... ومثل هذا في القرآن كثير"(3). أمَّا الكوفيون فأنكروا (أنْ) التفسيرية مطلقا ، وهي عندهم (أنْ) المصدرية الناصبة للفعل، ووافقهم ابن هشام في ذلك(4). واحتجَّ ابن هشام فيما ذهب إليه موافقا الكوفيين بأدلَّة عقلية فذهب إلى أن قولنا: (كتبت إليه أنْ ق مْ ) لم يكن (ق مْ ) نفس (ك ت بْ ت ) كما كان (الذهب ) نفس (الع سْ ج د ) في قولنا: (هذا ع سْ ج دٌ أي ذ ه بٌ ) فقال: "ولهذا لو جئت بـ (أي) مكان (أنْ) في المثال لم تجده مقبولا في الطبع " (5). وقد وهم ابن هشام؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ ما بعد (أنْ) هو تفسير لنفس ما قبلها ، والصحيح أنَّ مضمون ما بعدها تفسير لمعمول ما قبلها(6). في حين احتج البصريون فيما ذهبوا إليه بالسماع من القرآن الكريم وما جاء فيه من النصوص التي تؤيد صحة مذهبهم وهو في القرآن كثير جدا من ذلك قوله تعالى: 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: همعالهوامع:2/408-409، وشرح التصريح2/363. 2)) ينظر: الكتاب 3/162، والمقتضب:2/362،1/49، والأصول 2/208، وأمالي ابن الشجري 3/159، والتخمير:2/330، وشرح المفصل:مج4 :8/60-61، وارتشاف الضرب4/1691، وشرح تسهيل الفوائد، المرادي:1/521، وشرح الإعراب في قواعد الإعراب354، وهمع الهوامع2/408-409 . 3)) الكتاب3/162 . 4)) ينظر: معاني القرآن2/399الجنى الداني221، ومغني اللبيب1/28، والمساعد3/112، وشرح التصريح : 2/363، وهمع الهوامع: 2/408، وإعراب الجمل وأشباه الجمل :84 . 5)) ينظر: مغني اللبيب1/29 . 6)) ينظر: حاشية الدسوقي1/87، وإعراب الجمل وأشباه الجمل84 .
عدد الصفحات ١٢٩ 121 ﭿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﭾ[الأعراف43.] معناه: (أي تلكمالجنَّة )، فهي تفسير للنداء؛ لأنَّ المناداة من القول، والتقدير قيل لهم: أي تلكم الجنَّة أورثتموها(1). وجاء الخطاب القرآنيبـ (تلك) بهذه الصيغة أي (تلكم)؛ إمَّا لأنَّهم و ع د وا بها في الدنيا أي: تلكم التي و ع دْت م بها فحذف الإشارة القريبة (هذه)، أو قيل لهم ذلك قبل أنْ يدخلوها فقيل لهم إشارة إلى ما يرونه: تلكم الجنَّة (2) . واستدلُّوا أيضا بقوله تعالىﭿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ[ص6.] وغير ذلك كثير من النصوص القرآنية (3) التي جاءت فيها (أنْ) تفسيرية ومعنى قوله: ﭿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭾ: (أي امشوا)، فانطلاقهم قام مقام قولهم امشوا، والمقصود بالانطلاق انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، والمراد بالمشي هو الاستمرار على الشيء(4) وهو الكفر الذي كانوا عليه، أي تكلموا بألسنتهم بكلام هو امشوا . 1)) ينظر: معاني القرآن وإعرابه2/275، الكشاف2/157، والتبيان1/441 . 2)) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/275، ومعاني القرآن الكريم 3/38، والمحرر الوجيز 2/402، والبحر المحيط : 4/302. 3)) من ذلك قوله تعالى: (ﭿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭾ[117]ﭿ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭾ [125]ﭿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭾ [27]ﭿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ [104]ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ[38-39]كثير من النصوص القرآنية التي هي أكثر من أن تحصى . 4)) ينظر مغني اللبيب: 1/29، وشرح المزج 183، وشرح التصريح2/363، والإتقان: 1/392، وحاشية الصبان: 3/418، وحاشية الدسوقي 1/88، وإعراب الجمل وأشباه الجمل : 83 .
عدد الصفحات ١٣٠ 122 أو أنَّ المعنى على تضمين القول أي : وانطلقوا من مجالسهم يومئون، يقول بعضهم لبعض : امشوا واصبروا على آلهتكم (1)؛ ذلك أنَّ القوم بدَّ من أنْ يتحدَّث بعضهم مع بعض في حال الانطلاق، فجاءت (أنْ) لتفسير ذلك القول لدلالة الحال عليه. قال ابن عاشور: "ولمَّا اسند الانطلاق إلى الملأ منهم على أنَّهم ما كانوا لينطلقوا إلاَّ لتدبير في ماذا يصنعون فكان ذلك مقتضيا تحاورا وتقاولا احتيج إلى تفسير بجملة (أن امشوا واصبروا على آلهتكم)"(2). في حينذهب الفرَّاء إلى أنَّ أصل الكلام: (وانطلق الملأ منهم بأن امشوا) فحذف الباء والمصدر المؤول في محل نصب والتقدير: (وانطلقوا مشيا وم ضي ا على دينكم)، أو على أنَّ (أنْ) زائدة لإضمار القول في الني ة (3). وإثبات (أنْ) التفسيرية نجده في كتب معاني ال حروف أي ضا على أنَّه أحد معاني (أنْ) كما أثبتها النحويون والمفسرون ممن درسوا النص القرآني أيضا (4). وربط الآية بالسياق السابق له الذي ذكر فيه قول الكافرين واتهامهم للرسول- - بالسحر والكذب، يدلُّ على أنَّ ما جاء بعده من قولهم أيضا ؛ لأنَّه من تمام الحكاية، وأنَّ (أنْ) جاءت لتفسير جملة مضمنة معنى القول . 1)) ينظر: المقتصد 1/489، المحرر الوجيز: 4/493، إعراب القرآن المنسوب خطأ للزجاج: 3/795، وزاد المسير: 7/103، ومجمع البيان: 8/288، والتخمير: 2/331، ومفاتيح الغيب:مج13 :26/156، وشرح جمل الزجاجي: 2/176، وشرح التسهيل 3/373، وشرح الكافية: 4/447، والدر المصون 9/358. 2) )التحرير والتنوير:مج9 :23/211، وينظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 16/330 . 3) )ينظر: معاني القرآن 2/399 . 4)) من كتب معاني الحروف ينظر:حروف المعاني 58-59، والأزهية 63-64، ورصف المباني 196- 197، والجنى الداني 220-221، ومغني اللبيب 1/28 . أما كتب إعراب القرآن ومعانيه وتفسيره فينظر:مع اني القرآن،الأخفش: 2/159،293، وإعراب القران،النحاس : 303،342، ومشكل إعراب القرآن 155، والكشاف 2/76،157،إعراب ال قرآن المنسوب خطأ للزجاج : 3/795-799، وكشف المشكلات: 225،والمحرر الوجيز 4/493، والتبيان : 1/441، والبحر المحيط 4/302، والبرهان 4/142-143، ومعترك الأقران 2/69، وإعراب القرآن، زكريا الأنصاري: 148 .
عدد الصفحات ١٣١