المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخلاف النحوي في بنية النص القرآني

شيماء رشيد محمد زنكنة

صفحة ١٠ من ٢٢

 139 يذهب إليه النظر اللغوي الحديث في تحديد نظرية التلقي رؤية جديدة ومفهوما جديدا لفعل الفهم وتجعل المتلقي شريكا في إنتاج المعنى وبنائه . وقد أكد علماء العربية على التفاعل بين المتكلم والمخاطب والنص ، وهو وجه من أوجه التماسك النص ي الدلالي الذي هو محور الدراسات النص ية الحديثة، فالمتكلم يراعي حال المخاطب من حيث العلم والجهل به ، ويكون أساسا في ترتيب الكلام وبناء أجزائه (1) . بهذااتفق مع جمهور البصريين في إفادة الفاء للترتيب مطلقا وصحة مذهبهم ؛ لاتفاقه مع (النحو القرآني) المبني عل ى أسس معنوية ينبغي الاحتكام إليها لترجيح الآراء عند حصول الخلاف بين النحويين في المسائل النحوية . ومن هنا استنتج أنَّ الأساس الذي ب ن ي عليه في البحث في هاتين المسألتين والدعامة الأساسية لها كانت سياق الحال المتمثل بمراعاة المخاطب الذي كان له أثر كبير في ترجيح أحد الآراء من الآراء المختلف فيها، فضلا عن السياق العام للآية ودلالة الألفاظ فيه؛ وذلك لمجيء دلالة الفعل على الإرادة، والسياق العام للآية الذي يتناسب ودلالة الفعل. 1)) ينظر: مراعاة المخاطب في الأحكام النحوية في كتاب سيبويه( بحث) ، د. كريم حسين : 23 .

عدد الصفحات ١٤٨

 140  اختلف النحويون الكوفيون والبصريون في إفادة لعلَّ معنى ا لاستفهام فذهب البصريون إلى أنَّ لعلَّ تأتي للتوقُّع وهو الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه(2) . في حين جوَّز الكوفيون ذلك ، وأثبتوا مجيء لعلَّ للاستفهام وتبعهم في جواز ذلك ابن مالك(3) مستندين فيما ذهبوا إليهإلى ما جاء من نصوص في القرآن الكريم أوُّلوها على مجيء لعلَّ بمعنى الاستفهام من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭾ [عبس1-4.] وقولهﭿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ[الطلاق1.] واستندوا أيضا إلى الحديث النبوي في إثبات ما ذهبوا إليه منه قول رسول-  - لبعض الأنصار- رضي الله عنهم - وقد خرج إليهم مستعجلاَّ: ( لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ )(4). فـ (لعلَّ) ها هنا للاستفهام، والمعنى: (ما يدريك جواب أ يزَّكَّى) و (لا تدري جواب أ الله يحدث بعد ذلك أمرا). أوَّل البصريون هذه النصوص فذهبوا إلى أنَّ لعلَّ في الآيات للترجي والحديث للإشفاق(5). والمعنى(لا تدري ما هو مترج منه من تزكية أو تذكُّر)(6)، أو أنَّ معناه: 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: ائتلاف النصرة: م27) من الحرف158، وهمع الهوامع1/488 . 2) )ينظر: المقتضب3/73، وشرح الكافية3/335، ورصف المباني:434-435، وارتشاف الضرب3/1240، والمساعد:1/306، وشرح الأشموني1/297، وشرح التصريح1/295 . 3)) ينظر: حر وف المعاني: 30،الصاحبي:267، والأزهية 1/227، وشرح التسهيل 1/389، وشرح الكافية الشافية:2/130-131، وشرح تسهيل الفوائد،المرادي1/502، والجنىالداني:580، ومغني اللبيب1/250، والمساعد:3/89، ومعترك الأقران2/291 . 4) )صحيحالبخاري: كتاب الوضوء - باب (من لم ير الوضوء إلاَّ المخرجين الق ب ل والُّ د بر): رقم(180 : )47- 48 ، وصحيح مسلم: كتاب الحيض- باب (إنَّما الماء من الماء): رقم (345 : )131. 5)) ينظر الجنى الداني580-581 ، 6) )البحر المحيط8/419.

عدد الصفحات ١٤٩

 141 (وما يطلعك على أمره وعاقبة حاله) ثم ابتدأ القول : (لعلَّه يزكى) أي: تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه)(1). استند الكوفيون في تعضيد ما ذهبوا إليه إلى قراءة عاصم(2) في نصب (ف ت نْف ع ه ) في قوله تعالى: (و م ا ي دْر يْك ل ع لَّه ي زَّ كَّى • أوْ ي ذَّكَّر ف ت نْف ع ه الذ كْر ى) على أنَّه منصوب بأنْ مضمرة بعد الفاء في جواب الاستفهام أو التمني(3) - الذي دلَّ عليه لعل- والتقدير: وما يدريك لعلَّه يكون منه تذكُّر فانتفاع . قال الفرَّاء: "وقد اجتمع القرَّاء على (ف ت نْف ع ه ) بالرفع، ولو كان نصبا على جواب الفاء للعلَّ كان صوابا "(4). وذهب ابن عطية إلى أن ه منصوب في جواب التمني، ويدلُّ له ما قاله العكبري بأنَّه منصوب على جواب التمني في المعنى(5). وعلى قول الكوفيين يكون المعنى: وما تدري سبب مجيئه أ يزَّكَّى - يتطهر-، أو يذكَّر- يتعظ - فتنفعه موعظتك. تأتي أهمية الاستفهام في هذا التركيب في القرآن الكريم المتكون من (ما) وفعل الدراية للتنبيه على ما غ ف ل عنه ثمَّ تأتي بعده الجملة للتوضيح أي أنَّه ي سْت عم ل لقصد الإجمال ثمَّ التفصيل(6). أقول على الرغم من أنني وجدت أنَّ أغلب من درس الإعجاز وعلوم القرآن ومعاني الحروف(7) ذكروا هذا المعنى لـ (لعلواستندوا إلى نصوص في القرآن الكريم لإثبات 1)) المحرر الوجيز5/437، و ينظر: البحر المحيط8/419، والدر المصون10/686 . 2)) ينظر: معاني القراءات528، والحجة في علل القراءات السبع4/519، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها:2/461 ، وهيأيضا قراءة الأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني، ينظر البحر المحيط:8/419. في حين قرأ باقي القرَّاء السبعة بالرفع (ف ت نْف ع ه . 3)) ينظر: الحجَّة في علل القراءات السبع4/519، ومشكل إعراب القرآن449 . 4)) معاني القرآن3/235، وينظر أيضا جامع البيان:مج15 :30/67، ومعاني القرآن وإعرابه5/220 . 5)) ينظر: المحرر الوجيز5/437، والتبيان2/450، والدر المصون10/686 . 6)) التحرير والتنوير:مج12 :30/105-106 . 7)) ينظر: حروف المعاني 30، والأزهية 1/227، والجنى الداني 580، ومغني اللبيب 1/250، والبرهان 4/240 ،ومعترك الأقران:2/291 .

عدد الصفحات ١٥٠

 142 هذا المعنى لـ (لعلإلاَّ أنَّني أقول وكما سأؤكد ذلك في بحثي للنيابة في الفصل القادم إنَّ لكل حرف وأداة معنى واستعمالا خاصا به وليست (لعلَّ) من أدوات الاستفهام وليس فيها معنى الاستفهام البتة إلاَّ أنَّ المعاني قد تقترب أحيانا بعضها من بعض، فتوهَّ م بأنَّ هذا مكان ذاك ممَّ ا جعل النحويين والمفس رين ي قولون: إ نَّ هذه الأداة أو الحرف جاء بمعنى ذلك الحرف، وإلاَّ ما سرُّ مجيء الخطاب القرآني بهذا الحرف، ول م لم يأت بالحرف الذي يزعمون أنَّه جاء بمعناه، وهل الخطاب القرآني عاجز عن التعبير عن المعنى المقصود بتلك الأداة أو الحرف المفترض أن يكون ناب عنه؟ إلاَّ إذا كان الحرف المذكور والأداة المذكورة هي المقصودة بمعناها ودلالتها التي وضعت لها. إلاَّ أنَّ المعاني قد تتقارب بحكم السياق الذي يرد فيه الحرف أو الأداة، فلعلَّ في هذا النص جاءت على المعني الأصلي الذي وضع لها وهو الترجي في المحبوب أو المكروه، أو التوقع الذي عبَّر عنه عددٌ من النحويين. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الرجاء أو الإشفاق في الخطاب القرآني لا يكون من الله -  - وإناما هو من المخاطبين فهو لحمل المخاطب أنْ يرجو وأنْ يشفق ؛ لتحقيق الغرض من الخطاب، أو تحقيق مضمون النص . هذا الذي ذهبت إليه لا يقتصر على لعلَّ وإنَّما هو يشمل بصوره عامة في جميع الحروف والأدوات التي ذكروا لها معاني أخرى غير معناها الذي ع ر ف تْ به، وجاء في القرآن في مواقع فسَّر فيها النحويون والمفسرون معاني مخالفة لمقصد الخطاب الإلهي وذلك كما ذكرت ؛ لتقارب المعاني، ويكون المقام أو الحال الذي يرد فيه الحكم الفصل في دلالة هذه الأدوات والحروف فهو الذي يمكن أنْ يعي ن المعنى الدقيق لهذه الأدوات والحروف بدقة في ضوئه.

عدد الصفحات ١٥١

 143 من الموضوعات المهمَّة التي شغلت الفكر النحوي قديماً وحديثاً مسألة الزمن ودلالاته وكيفيته. إذ اختلف النحويون القدماء والمحدثون في آليات التعبير عن الزمن والحديث يطول عن هذه المسألة, وهي إحدى الجوانب التي اعتمد عليها بعض الباحثين المستشرقين منهم (موسكاتي) وعدد من الباحثين غير المنصفين في الطعن بالنحو العربي واتهامه بقلَّة صيغه المعبرة عن الزمن أو عدم امتلاكها صيغ زمنية وغير ذلك من المغالطات في هذا الجانب, يقول موسكاتي: وللغات السامية ومنها العربية نظام في تصريف الفعل يختلف عن اللغات الهندية – الأوربية اختلافا تاماَ, فليس فيها اطلاقاً صيغ زمنية بالمعنى الصحيح, أي صيغ خاصَّة تدلُّ على حدوث الفعل في الحاضر أو الماضي أو المستقبل... (1). والحقيقة خلاف ذلك فإنَّ للعربية القدرة على التعبير عن مختلف الأزمان بمختلف الوسائل والطر ائق, وللسياق كما سأ ذكر أثر كبير في تحديد الزمن في النص . إذ إنَّ السياقَ قد يعطي للصيغة الصرفية مفهوماً زمنياً أكثر غير ما تدلُّ عليه, فللماضي صيغ شاملة لأبعاد الماضي, وصيغ أخرى متدرجة للتعبير عن الماضي القريب للحاضر إلى الماضي البعيد جداً, وهنالك من الصيغ ما يعب ر عن الماضي البسيط, والماضي المركب والحال نفسه مع زمن الحال والاستقبال(2) في وجود صيغ متنوعة للدلالة على تنويعات الزمن المختلفة" فالعربية في الحقيقة لا 1) )ينظرالحضارات السامية القديمة, سبتينو موسكاتي, تر: د. السيد يعقوب بكر: 46 . 2)) ينظر: الدلالة الزمنية في الجملة العربية60-137 .

عدد الصفحات ١٥٢

 144 تنقصها هذه الظواهر... غير أنَّ البحث والتتبع والتقعيد لها بعد لم يصل إلى المستوى الذي يزيل هذا الوهم عنها"(1). قسَّم النحويون الفعل على ثلاثة أقسام: (الماضي والمضارع والأمر), وربطوا الزمن بصيغة الفعل, فالماضي عبَّرُوا عنه بصيغة (فَعَلَ , و فَعُ لَ , و فَع لَ ), والحاضر والمستقبل اللذان عبَّرُوا عنهما بصيغة (يَف عَلُ , وَيَف عُ لُ , وَيَف ع لُ ) أمَّا الأمر الذي هو طلب يطلب حصوله في المستقبل فعبَّرُوا عنه بصيغة (اف عَل,و اف عُ ل,و اف ع ل) وهذا ما يسمى بالزمان الصرفي (الذي هو: وظيفة صيغة الفعل مفردة خارج السياق), أمَّا الزمن النحوي الذي يمكن الوصول إليه عن طريق السياق فهو: (وظيفة في السياق يؤديها الفعل أو الصفة وغيرهما من أقسام الكلم التي نقل إلى معناها كالمصادر وغيرها) (2), إذن فالسياق هو الذي يحدد الزمن ولا يمكن الوصول إلى الزمن الصحيح من خلال الصيغة لاختلاف الأزمان واختلاف طرائق التعبير عنها وهذا كان مدار حديث الباحثين المحدثين في دراستهم للزمن إذ لم يقتصروا على ما قدَّ مه القدماء من آراء في هذا الجانب وإنَّما توجهوا في دراستهم للزمن النحوي إلى السياق ومحاولة معر فة الصيغ الزمنية واستنباطها منه, إذ اقترنت عندهم فكرة الزمن بفكرة الجهة التي تقوم بوظيفة تخصيص دلالة الفعل, من حيث الزمن بجهة معيَّنة. من أوائل الباحثين العرب في هذا الجانب د. مهدي المخزومي, ود. تمَّام حسَّان, وغيرهما, إذ بنى د. مهدي المخزومي تقسيمه للزمن في ضوء الاستعمال الذي يأتيه من خلال الأدوات والحروف التي تدخل على الأفعال فت زيد ع ليها معنى الزمن بحسب السياق الذي يرد فيه وقسَّم الزمن في ضوء ذلك على (عشرين) قسماً يستفاد من الصيغ (فعل, يفعل, فاعل) بحسب الاستعمال, ذلك أنَّ الماضي يأتي على ثلاث صيغٍ هي (فعل, قد فعل, وكان يفعل) وتعبر هذه الصيغ بحسب 1)) الدلالة الزمنية في الجملة العربية41 . 2)) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها:240-241, والخلاصة النحوية61 .

عدد الصفحات ١٥٣

 145 الاستعمال عن سبعة أزمنة مختلفة, والماضي والحاضر يأتيان على صيغتين هما (يفعل, وكان يفعل) وتتفرَّع إلى ثماني ة أنواع من الزمن بحسب الاستعمال والسياق الذي يرد فيه, أمَّا الدائم (الذي هو عبارة عن الدلالة على استمرار الحدث مطلقاً أو استمراره في الزمن الماضي بلا انقطاع, أو وقوع الحدث في الماضي أو في المستقبل) فيأتي بأربع صيغ هي( فاعل, وفاعلُ كذا, وفاعل كذا, وكان فاعلاً) وتأتي هذه الصيغ للتعبير عن أربع ة أزمانٍ مختلفةٍ بحسب السياق والاستعمال, وبذلك يكون مجموع أنواع الزمن الذي يستنبط من الصيغ الثلاث (فعل, يفعل, فاعل) عند د. المخزومي عشرين زمناً بحسب الاستعمال فضلاً عن الأدوات والحروف التي تخلص الصيغ الزمنية إلى زمن معين مثل (السين, وسوف, ولم, ولن, و...إلخ)(1). ومن الباح ثين المحدثين من درس الزمن باعتبار الجهة التي ت أتي من استعمال الأدوات الدالَّة على الجهة سواء أكانت حرفية أم كانت فعلية مثل(قد, لم, لما, ليس, كان, كاد...) التي تعمل على تخصيص زمن الفعل أو تحديده وبيان جهة الزمن فيه, فالزمن وظيفة في السياق لا ترتبط بصيغة معيَّنة دائماً " وإنَّما تختار الصيغة التي تتوافر لها الضمائم والقرائن التي تعين على تحميلها معنى الزمن المعيَّن المراد في السياق"(2). ومن هؤلاء د. تمَّام حسَّان الذي درس الزمن وتوصل إلى أنَّ الأزمنة في الل غة العربية تتفرَّع إلى ستة عشر زمناً باعتبار الجهة؛ وذلك أنَّ الاختلاف بين زمن وزمن لا يعود إلى الصيغة وإنَّما هو نتيجة اختلاف الجهة, وتأتي تعبيرات الجهة التي تتفرَّع على أساسها الأزمنة إلى ستة عشر فرعاً بواسطة زيادة الأدوات الحرفية إلى الأفعال والأسماء (قد, السين, سوف, اللام, إنَّ وأخواتها, كان وأخواتها,...إلخ) فهذه كلها عناصر لإفادة الجهة المحددة لمعنى الزمن, وكذلك 1)) ينظر: في النحو العربي نقد وتوجيه154-160 . 2)) دراسات في الأدوات النحوية, د. مصطفى النحاس 65, و41- 64.

عدد الصفحات ١٥٤

 146 الظروف الزمانية, وما بمعناها فهي تخصص الزمن النحوي, عن طريق الاحتواء للحدث الواحد, أو معنى الاختلاف للحدثين, وذلك عندما يعبر بالصيغة الواحدة عن أزمنة مختلفة كالحال والاستقبال ال لذين يُ عَ بَّر عنه ما بـ (يفعل) فيدلُّ (الآن) على زمن الحال, ويدلُّ (غداً) على زمن الاستقبال(1 ) وغيرها كثير من الدراسات التي قدَّمها المحدثون عن الزمن في اللغة العربية وهناك دراسة حديثة لأحد الباحثين درس فيها البنيات الزمنية في اللغة العربية وذلك من خلال دراسته لـ ( الزمن والجهة والوجه) التي تمثل السلسلة الزمنية للجملة فالجهة والوجه كيانان زماني ان يحددان الدلالة الزمنية للجملة, وخلص إلى نتيجة في آلية حساب الإحالة الزمنية للجملة في اللغة العربية وهي : أنَّ الوجه والموجهات لها أثر بارز في تحديد الإحالة الزمنية في اللغة العربية(2). يرىبرجشتر آسر أنَّ اللغة العربية من أكثر اللغات من حيث أنواع الزمن الذي يحويه الفعل حتى أكثر من الفعل اليوناني والغربي؛ وذلك لما يحويه من أدوات مثل قد والسين ولن و..., فضلاً عن تقديم صيغة كان قد فعل, وكان يفعل, وسيكون قد فعل, و... وهذا هو الذي يسهم في تنويع معاني الفعل وأزمنته أكثر مما يوجد في سائر أخواتها من اللغات الساميَّة(3). في هذا الذي تمَّ عرضه شيء من الرد علىمن اتَّهم النحو العربي بقلَّة صيغه الزمنية واقتصارها على ثلاث صيغ وثلاث ة أزمان هي (الماضي, والحاضر(الحال), والمستقبل). بعد هذه المقد مة سأناقش المسائل التي اختلف فيها النحويون في دلالة أداة أو حرف على زمن معيَّن نتيجة تعارض ما وضعوه من أصول مع (النحو القرآني) الذي يشتمل على دلالات زمنية تفوق ما ذكره النحويون, واختلاف النحويين في 1) )ينظر:اللغة العربية معناها ومبناها 256 . (2) ينظر: الزمن في اللغةالعربية بنياته التركيبية والدلالية, امحمد الملاخ: 451 ,493 . 3)) ينظرالتطور النحوي للغة العربية, برجشتر آسر, تر: د. رمضان عبد التوَّاب : 89-90 .

عدد الصفحات ١٥٥

 147 أزمنة بعض الأدوات دليل قوي على ظاهرة الامتداد الزمني لبعض الأدوات التي تأتي؛ للدلالة على مطلق الزمان بحسب السياق الذي يرد فيه وبحسب الاستعمال . وأقوم بتوزيع المسائل الخلافية التي دارت بين النحويين والمفسرين في دلالة الأدوات والحروف على الزمن على ما تفيده الأدوات أو الحروف موضوع الخلاف من زمن جاعلةً حقلاً لزمن الماضي, وثانياً للمستقبل, وثالثاً للغاية الزمانية.

عدد الصفحات ١٥٦

 148 ومن المسائل الخلافية التي تدرج في هذا الحقل ما يأتي  اتفقالنحويون على أنَّ (إذا) ظرف للمستقبل ولا تأتي للماضي وهذا مذهب سيبويه وجمهور النحويين(2). خلافاَ لابن مالك(3) الذي يُعَدُّ أوَّلَ من تنبَّه ونبَّه إلى مجيء (إذا) للماضي مستدلاًَّ بما جاء في القرآن الكريم من نصوص تؤيد صحة ما ذهب إليه فضلاً عن استشهاده بكلام العرب فمن النصوص القرآنية التي استند إليها قوله تعالى : ﭿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ[الجمعة11.] وقوله تعالى: ﭿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭾ[التوبة92.] وغير ذلككثير من النصوص القرآنية(4), أمَّا من السماع الذي احتجَّ به ابن مالك على صحة مجيء (إذا) للماضي قول الكميت بن زيد: 1)) ينظر هذه المسألة في: الجنى الداني371, وهمع الهوامع2/179,و النحويون والقرآن د.خليل بنيان: 55- 58 . (2) ينظر الكتاب: 4/232, والمسائل المنثورة, أبو علي الفارسي: 182, والمقتصد : 2/1096, وشرح الكافية : 3/266, وارتشاف الضرب: 3/1408, والجنى الداني :370, والمساعد 1/505 . 3)) ينظر شرح التسهيل:2/140,و شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح: 63 . 4)) من ذلك قوله تعالىﭿ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏﭾ [96]ﭿ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﭾ [96]ﭿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭾ[93]ﭿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭾ[156] بذكر اسم السورة ورقم الآية[الكهف71 ,74 ,77 ,86 ,90] .

عدد الصفحات ١٥٧

 149 مَا ذاق بُؤْسَ عِيْ شَةٍ وَنَعِيْمِ هَا فِيْمَا مَضَى أَحَدٌ إذَا لَمْ يَعْشَقِ (1). وقول الشاعر حَلَلْتُ بِهَا وَتَرِي وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي إذا مَا تَنَاسَى ذَحْلَهُ كُلُّ غَيْهَبِ (2). لا بد لي من وقفةٍ أمام هذه النصوص القرآنية لمعرفة مدى صحة رأي ابن مالك ذلك أن دلالة (إذ ا) على المضي لم يقل به ا أحد قبله ووجدت له صدى عند الزركشي في (البرهان) (3), والسيوطي في كتابيه (الإتقان ومعترك الأقران) (4) . قال الزركشي: "وقد تستعمل للماضي من الزمان كـ (إذ ) كما في قوله تعالى: ﭿﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭾ [ عمران156] قالوا ماض ٍ فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلاً "(5). أمَّا كتب معاني القرآن فلم تُ ش ر من قريب ولا بعيد إلى دلالة (إذا) في هذه النصوص . وكذا الحال لدى النحويين إذ لم يلتفتوا إلى هذه النصوص واكتفوا ببعض الإشارات ال يسيرة محاولة منهم التمسك بأصولهم وتأويل ما صادفتهم من هذه النصوص(6) لذلك لا بد لي من وقفةٍ أمام هذه النصوص القرآنية. من القرائن المهمة في استنباط معاني الآيات القرآنية ومعرفة مقاصد الخطاب الإلهي سياق الحال, ويتجلى هذا النمط من السياق بما يعرف بأسباب النزول التي تعدُّ من القرائن المهمَّة التي تعين على فهم النص وتوج ه معناه ال ذي ربما يكون 1)) ديوان الكميت بن زيد الأسدي: 246. 2) )شرح التسهيل2/140 .البيت للشويعر في لسان العرب مادة(عهب 3)) 4/121 . 4)) ينظرمعترك الأقران:2/50 ,والإتقان:1/471 . 5)) البرهان4/121 . 6)) إذ أوَّل ناظر الجيش أحد شر اح التسهيل قوله: (إذا رأوا تجارةً...) بأنها جاءت لحكاية حالهم وما هو شأنهم وديدنهم ذلك أنَّهم إذا رأوا تجارةً أو لهواً كان منهم ما ذكر, وأوَّله الدماميني على أن المراد الأخبار عن أمرٍ وقع منهم على سبيل الندرة. ينظر: شرح المزج: 504 .

عدد الصفحات ١٥٨

 150 غير مفهوم من ظاهرالنص أو الخطاب(1). فـ "معرفة أسباب النزول ضابط مهم في الوصول إلى الم عنى المقصود؛ ذلك أنَّ السياق القرآني جاء معالجاً لوقائع وقعت فلا بُدَّ من معرفة سياق الحال لمعرفة سياق المقال"(2). فلسياق الحال الذي يسمى سبب النزولفي قوله تعالى: ﭿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭾ[الجمعة11.] أثر كبير في حسم الخلاف ومعرفة دلالة (إذا) وزمانه في هذا النص إنَّها بلا شك جاءت للماضي؛ لأنَّ الرؤية والانفضاض واقع في الزمن الماضي قال السيوطي: " وقد تخرج عن الاستقبال فترد ... وللماضي, نحو: (إذَا رَأَوا تجارةً أو لهواً انفَضُّوا إليها) فإنَّ الآية نزلت بعد الرؤية والانفضاض)(3). قيل في سبب نزول الآية " كان النبي-  - يخطبُ يومَ الجُ مُ عَ ة إذ أقبلت ع ير قد قدمت من الشام فخرجوا إليها حتى لم يبقَ معه إلاَّ اثنا عشر رجلاً, فأنزل الله – تبارك وتعالى - : ﭿﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭾ"(4). ففي هذه الآية إخبار بقضية العير التي قدمت المدينة من الشام وقد مضت هذه الواقعة قبل نزول الآية, فتكون (إذا) فيها للماضي. "إذا ظرف للزمان الماضي مجرد من معنى الشرط؛ لأنَّ هذا الانفضاض مضى" (5). فالمدلول الزمني للكلمة وهي خارج السياق ومدلولها في داخل السياق شيء آخر أي أنَّ السياق هو الذي يحدد الدلالة الزمنية للأدوات وللنص بصورة عامَّة. يلاحظ في هذا النص مسألة مرجعية الضمير في قوله: (تجارةً أو لهواً انفَضُّوا إليها) وهي من وسائل تماسك النص وترابطه إذ جاء التعبير القرآني بإعادة 1)) ينظر: التأويل اللغوي في القرآن الكريمد.حسين حامد الصالح: 129-130 . 2)) نظرية السياق القرآني, د.المثنى عبد الفتاح محمود144 . 3)) معترك الأقران2/50 . 4)) أسباب نزول القرآن,الواحدي : 448, وينظر أسباب النزول: 382, والمحرر الوجيز: 5/309, ومفاتيح الغيب: مج15 :30/10 . 5)) التحرير والتنوير: مج11 :28/229 .

عدد الصفحات ١٥٩

 151 الضمير إلى (التجارة) دون (اللهو) و في ذلك مقصدُ من المقاصد الإلهية فسياق الآية يفترض أن يعود الضمير على (اللهو)؛ لأنَّ "الأصلَ في عوده على أقرب مذكورٍ" (1), وقد خص - سبحانه وتعالى - (التجارة) وأعاد الضمير عليها دون (اللهو) وللعلماء في كتب معاني القرآن وإعجازه وتفسيره وعلومه في تفسير ذلك أقوال منها: إنَّ (التجارة) كانت سبب انفضاض الصحابة حول رسول الله -  - لذلك خصَّ بإعادة الضمير عليها, فناسب تقديم ما كان سبباً على ما جاء تبعاً ؛ أو لأن التجارة قد تشغل عن العبادة ما لا يشغله اللهو أو لأنَّ المشتغلين بالتجارة أكثر منه في اللهو(2) ,اهتماماً بالأهم لأ نَّ التجارة سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها(3) . ولذلكاختار الفرَّاء هذه القراءة دون غيرها, ويلاحظ أنَّ سبب إيثار التجارة على اللهو وإعادة الضمير عليها يحدده سياق الحال - مراعاةً لحال المخاطب - والمقام المحيط بالنص , قال الفرَّاء: " وإنَّما اختير انفضوا إليها في قراءتنا وقراءة عبد الله؛ لأنَّ التجارة كانت أهمُّ إليهم, وهم بها أسرُّ منهم بضرب الطبل ..." (4). قال ابن عطية: " تأمل إن قُد مت التجارة على اللهو في الرؤية؛ لأنَّها أهمُّ وأُخ رت مع التفضيل؛ لتقعَ النفسُ أوَّلاً على الأبين" (5). وهنا يبرز أثر المخاطب وأهميته في تكوين النص وترتيبه وربط بعضه ببعض . وكذا الحال فيما يتعلق بالنص الآخر في قوله تعالى: ﭿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭾ [92.] 1) )معترك الأقران3/465 . 2)) ينظر: البرهان3/83-84 ,و نظرات لغوية في القرآن الكريم278-279. 3) )ينظر: المحرر الوجيز5/310 . 4)) معاني القرآن3/157 , وينظر: مجمع البيان:10/13, والتحرير والتنوير: مج11 :28/228. 5)) المحرر الوجيز5/310 .

عدد الصفحات ١٦٠

 152 إذ يمكننا الاستدلال بدلالة (إذا) على المضي فيه من خلال سياق الحال أي سبب النزول(1). فقوله: (ولا على الذين إذا ما أَتَو كَ ل تَح م لَهُم) مقول فيما مضى قبل نزول الآية أما النصوص الأخرى* فقد جاءت فيها (إذا) ظرف لما مضى من الزمان والسياق العام لسورة العنكبوت - التي منها أغلب النصوص- خير دليل على ذلك, ذلك أنَّ الأجواء العامة لهذه السورة هي القصص وفيه ا أخبار عن الأمم السابقة(2), وهذا مما لا يمكن الإغفال عنه. يمكنني القول في ضوء ما تقدَّم أنَّ (إذا) ظرف تستعمل للمستقبل ولما مضى في سياقات معينه يحد ده المعنى و القصد.  اختلف النحويون في جواز دخول (إن ) الشرطية على الفعل الماضي - إذا كان فعل الشرط - فذهب جمهور النحويين إلى عدم جواز دخول (إن ) على فعلٍ ماضٍ لفظاً أو معنًى؛ ذلك أنَّ أداة الشرط (إن ) لا تدخل إلاَّ على المستقبل من الأفعال و إذا دخلت على الفعل الماضي قلبت دلالته إلى الاستقبال, نحو: (إن قمتَ قمتُ) أي: (إن تقم أقم ) (3), وخالفهم المبر د ومن تبعه من النحويين منهم مكي بن أبي طالب ورضي الدين الاسترأباذي في (كان) الذي يبقى على مضيه وأنَّ (إن ) لا تقلب دلالته إلى المستقبل وذلك لتمكن (كان) وقوَّتها في الدلالة على المضي فهو يبقى 1) )الآية نزلت في القوم الذين جاؤوا للمشاركة في الجهاد مع النبي–  – وطلبوا منه أن يحمله معهم فأجابهم بأنه لا يملك ما يحمله عليهم فولُّوا باكين فنزلت الآية . ينظر: أسباب النزول: 200, ومفاتيح الغيب: مج8 :16/129, و التحرير والتنوير مج5 :10/296 . * ( هامش4 ص148 ) . 2)) منها قصة أصحاب الكهف , وقصة الجنتين ,وآدم- - وإبليس ,وقصة موسى مع العبد الصالح,و قصة ذي القرنين . ينظر: في ظلال القرآن: مج4 :15/2256 . 3)) ينظر:الأصول2/190- 191, والمقتصد2/1095, والأنموذج في النحو, الزمخشري: 34, وشرح المفصل:مج4 :8/82, والأمالي النح وية:1/109, وشرح التسهيل :3/409, والبحر المحيط 1/243 , وشرح تسهيل الفوائد,المرادي1/572, والمساعد3/186, والبرهان 2/220, وشرحالمزج: 125 .

عدد الصفحات ١٦١

 153 محافظاً على زمانه الماضي لفظاً ومعنىً ولا تؤثر (إن فيه في شيء (1). قال رضي الدين: "وإنَّما اختصَّ ذلك بكان؛ لأنَّ الفائدة التي يستفاد منها في الكلام الذي هو فيه: الزمن الماضي فقط؛ وذلك لأن ها تدلُّ على الزمن الماضي ومطلق الحدوث الذي تخصيصه يعلم من الخبر... ومع النص على المضي لا يمكن استفادة الاستقبال, وهذا من خصائص كان"(2). واحتجَّ المجيزون بما جاء من نصوص في القرآن تؤيد صحَّة ما ذهبوا إليه من دخول (إن ) الشرطية على الفعل الماضي (كان) من غير قلب دلالته إلى الاستقبال وبقائه على دلالته على المضي من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﭾ[المائدة116.] وقولهﭿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭾ[يوسف26- 27.] وغيرهاكثير من النصوص التي استندوا إليها؛ لإثبات صحة ما ذهبوا إليه وهو كثير في القرآن(3)؛ لأنَّ ما جاء في هذه النصوص خلاف ما ذهب إليه الجمهور أوَّلوا هذه النصوص ؛ ذلك أنَّ أدوات الشرط عندهم لا تدخل إلاَّ على الفعل المستقبل وما جاء ظاهره خلاف ذلك أوَّلوه , فذهب المازني وابن السراج وأغلب النحويين البصريين إلى أنَّ التقدير في هذين النص ين: (إن أكن كنت قلته أو إن أقل كنت قلته), و(إن يكن كان قميصه قُدَّ) أي أنَّه متعل ق بفعل مستقبل هو الشرط حذف (1 )ينظر رأي المبرد في الأصول: 2/190, والتخمير 2/346 ,والجامع لأحكام القرآن مج5 :9/159 , وارتشاف الضرب 4/1887, والمساعد : 3/187, وينظر:مشكل إعراب القرآن 248, وشرح الكافية: 4/119- 120. 2)) شرح الكافية 4/119 . (3 )ومن النصوص القرآنية الأخرى التي استدلُّوا بها قوله تعالىﭿ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭾ [23]ﭿ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭾ[35]

عدد الصفحات ١٦٢

 154 واستغني عنه لدلالة المعنى عليه, أو أنَّ التقدير: (إن ثبت ذلك, أي كان قميصه أو إن ي كنت قلته) أو: (إن يت بيَّن أنَّي كنت قلته) (1). وغير ذلك من تأويلاتهم التي حاولوا فيها إرجاع النص بلطف الصنعة والتكلف إلى أسسهم وأصولهم. وذهب الزجاج إلى أنَّ كان في معنى الاستقبال في قوله تعالى: ﭿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭾ, والمعنى: "(إن يكن قميصه قُدَّ) أي: إن يُع لَم قميصُه قُدَّ من قُبلٍ فالعلم ما وقع بعد , فكذلك الكون لا يكون لأنَّه مؤدٍ عن العلم"(2), والمعنى: (إن يُع لَم إن كان قميصه قُد بدراسة هذه النصوص في ضوء الحال والمقام الذي يحيط بالنص يتضحُّ لي أنَّ ما ذهب إليه المبرد هو الأصح وإنَّ (كان) يظل معناه على المضي ولا يقلب إلى الاستقبال ذلك أنَّ أغلب المفسرين ذهبوا إلى أنَّ المقالة في قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم أَأَن تَ قُل تَ ل ل نَاس اتَّخ ذُو ن ي وَأُم ي إلَهَي ن م ن دُو ن الله ) إنَّما يقوله الله له يوم القيامة يوم يجمع الرسل وليس مما قاله له في الدنيا بدليل السياق ذلك أنَّه جاء قبل هذا النص قوله: (يوم يجمع الله الرسل109] ﭿﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭾ [المائدة119]؛ ولأنَّ عبادة عيسى حصلت بعد رفعه, وهذا دليل أنَّ هذه المقالة حاصلة يوم القيامة, وبهذا يكون (إذ ) بمعنى (إذا) جاء للاستقبال(3). 1)) ينظر الأصول: 2/291, وإعرابالقرآن, النحاس: 303, وشرح المفصل مج4 :8/82, والأمالي النحوية: 1/109, وشرح التسهيل 3/409, والبحر المحيط 1/243, والدر المصون 4/513, وشرح شذور الذهب: 353, والمساعد: 3/186, والبرهان 4/82 ,137 ,2/220, وشرح التصريح 2/404. 2) )معاني القرآن وإعرابه 3/84, وينظر: إعراب القرآن, النحاس: 445, والكشاف 2/460, والتبيان 1/375. 3)) ينظر جامع البيان: مج5 :6/176-177, والمحرر الوجيز 2/262, ومجمع البيان3/417 , ومفاتيح الغيب: مج6 :1/111, والجامع لأحكام القرآن:مج3 :7/696, والتحرير والتنوير:مج3 :7/112 .

عدد الصفحات ١٦٣