المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخلاف النحوي في بنية النص القرآني

شيماء رشيد محمد زنكنة

صفحة ٤ من ٢٢

 42 أم ا أبو حيان و ابن هشام(1) فذهبا إلى أن الفاعلا ضميرٌ عائدٌ على (الس ج ن) المفهوم من قوله (لاياس جُنُن هُ) بدليل قوله: ﭿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭾ [33]، فالتقدير على هذا الرأي: (ثُم بدا لهُم مِّ ن بعد ما رأوُا الآياتِّ هو، أي: ساج ناهُ مقسمين لاياس جُنُن هُ)(2). والقول نفسه في اختلاف النحويين والمفسرين في تفسير قوله تعالى: ﭿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭾ [طه128] قرأ الجمهور (يهدِّ)، وقرأ ابن عباس وزيد والسلمي (نهدِّ) بالنون(3 )وفيه وب خ الله تعالى المشركين وذك رهم العبر بمن تقد مهم من القرون وهذه الآية من المتشابه مع قوله تعالى: ﭿ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﭾ[السجدة26.] إذافتتح آية (طه) بالفاء(أفلم) في حين افتتح آية (السجدة) بالواو(أولم) والله أعلم؛ وذلك أن النص في سورة (طه) مرتبط ومتعلق بما قبله، فلا يتمُّ المعنى إلا بذكر ما قبله. أم ا قوله (أولم) في السجدة فلأن (الواو) حرف استئناف منقط ع عما قبلة تم الكلام الذي قبله فاستأنف بجملة جديدة، فذكر في سورة (طه) العقوبات في الدنيا فضلاً عن ذكره عقوبة الآخرة ، أم ا في سورة (السجدة) فإن ه أخ ر الأمر إلى يوم القيامة (4). وأم ا تفسير دخول (مِّنفي (السجدة) وحذفها من (طه) فهو "إن القائل إذا قال (كم أهلكنا قبلهم) فكأن ه قال في الزمن المتقد م على زمانهم، وإذا قال: (مِّن قبلهم) فكأن ه قال من مبتدأ الزمان الذي قبل زمانهم، والزمان من أو له لآخره ظرف للإهلاك لا يختصُّ به بعضه دون بعض ...ولم ا جاء بالواو ولم يكن من شرطها 1)) ينظر: البحر المحيط5 /306-307 ، و شرح شذور الذهب: 197 . 2)) ينظر: التذييل والتكميل: 1/57 . 3) )ينظر: مختصر في شواذ القراءات، ابن خالويه (ت370هـ: 118، وإعراب القراءات الشواذ، أبو البقاء العكبري: 2/96،والبحر المحيط: 6/267، و مجمع البيان في تفسير القرآن 8/95 . 4) ) ينظر: التعبير القرآني، د.فاضل السامرائي: 198 .

عدد الصفحات ٥١

 43 تركيب جملتين يكونان كلاماً واحداً فخف، وأدخل عليه (من) التي حذفت من الآية الأولى؛ لتحد ابتداء الزمان فيكون ابلغ في الاستيعاب "(1). من هذا يتبي ن دق ة التعبير القرآني في استعمال الحروف، ووضعها في أماكنها بحسب معنى النص القرآني والسياق الذي هو فيه . وفي هذا النص خلاف بين النحويين كما أشرتُ في مجيء الفاعل جملة في قوله: ﭿﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭾ، إذ ذهب الكوفيون إلى أن فاعل (يهد) الجملة وه ي (كم أهلكنا) قال الفر اء: الجملة مرفوعة في المعنى (2). ووافقهم الزمخشري ، إذ قال "فاعل لم يهدِّ الجملة بعده يريد: ألم يهدِّ لهم هذا بمعناه، ومضمونه "(3) . في حين منع البصريون ذلك وأو لوا ما ظاهره ذلك من نصوص فذهبوا – ومنهم الزجاج -إلى أن فاعل (يهد) ضمير عائد على الله بدليل قراءة (نهد) بالنون، والمعنى (أفلم يبي ن الله لهم)(4) وهو اختيار أبي حي ان(5). وذهب المبرد كما نقلوا عنه، ومن تبعه إلى أن الفاعل مضمر وهو المصدر يدلُّ عليه الفعل تقديره:( أفلم يهد الهدى لهم)(6). وذهب الزج اج إلى أن الفاعل مضمر تقديره: (الأمر) أي:( أفلم يهد الأمر لهم كم أهلكنا)(7). 1)) در ة التنزيل و غر ة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز ، للخطيب الإسكافي : 163- 164، وينظر: أسرار التكرار في القرآن، الكرماني: 140 . 2)) ينظر: معاني القرآن: 2/333 ،195 . 3)) الكشاف3/173 . 4)) ينظر معاني القرآن وإعرابه: 4/161، والكشاف 3/173، و التبيان: 2/151 . 5)) ينظر البحر المحيط 6/267 . 6)) ينظر : إعراب القرآن للنحاس 549، وم من تبعوه مكي بن أبي طالب، وأبو البركات الأنباري ينظر: مشكل إعراب القرآن: 303، والبيان: 2/154، وهو اختيار ابن عطية ينظر: البحر المحيط: 6/267 . 7)) ينظر: إعراب القرآن للنحاس 549، و مشكل إعراب القرآن 303 ، والجامع لأحكام القرآن: 6/236 .

عدد الصفحات ٥٢

 44 والمعنى عنده:(أفلم يبي ن لهم الأمر بإهلاك من قبلهم من القرون(1) . أم ا أبو البقاء العكبري فذهب إلى أن فاعل (يهد) ما دل عليه (أهلكنا)؛أي: (إهلاكنا) والجملة مفسرة له(2). ووجدتُ صدى هذا الرأي لدى رضي الدين الأستربادي الذي ذهب إلى أن الجملة قد تأتي في مقام الفاعل والنائب عن الفاعل إذا كانت مؤو لة بالاسم الذي تضمنه، فتقدير الفاعل عنده:( أولم يهدِّ لهم إهلاكنا )(3) . ويرى د.أحمد عبد الستار الجواري أن للفعل قو ة الاسم فهو يقع في العبارة القرآنية في موقع الفاعل؛ ذلك أن الفعل والاسم في العربية فرعان من أصلٍ واحد، ولا يمنع معنى الزمن الموجود في الفعل استعماله استعمال الاسم فهو يقع صفة أو حالاً أو خبراً (4)، وبهذا لا يمانع مجيء الفاعل جملة وهذا ما أراه أيضاً كما سأوضحه لاحقاً . ولم يقتصر الأمر على د. الجواري من أصحاب التيسير في جواز مجيء الفاعل والنائب عن الفاعل جملة، وإن ما وجدتُ أن لجنةا مجمع اللغة العربية بالقاهرة أجازت مجيء بنية الفاعل فعلاً أيضاً، لكن على قل ةٍ في سبيل تيسير النحو وإصلاحه والغالب مجيؤه اسماً ظاهراً ، أو ضميراً، أو مصدراً منسبكاً (5). لم يكن النحويون فيما حاولوا مخطئين، غير أن هم حاولوا أن يجعلوا كل الجمل تسير على نمط واحد فما دامت الظاهرة مطردة وهي أن الفاعل لا يأتي جملة فليس عليهم من بأسٍ أن تأتي بعض الأمثلة خارجة على هذا النسق الذي اعتادوه، ولا بد أن يكون خروجها عن هذا النمط المطرد له ما يسو غه في النظام اللغوي. إن الجملة عندما تكون على النسق المعروف المألوف لا تلفت الانتباه ولا تثير التأمل في حين أن ها لو خرجت عن نسقها المألوف إلى أسلوب آخر حينئذٍ تسترعي 1)) معاني القرآن وإعرابه 3/309 . 2)) ينظر: التبيان: 2/151, وينظر البحر المحيط: 6/267 . 3)) ينظر: شرحالكافية: 1/191 , ومجمع البيان: 8/96 . (4) ينظر نحو القرآند. أحمد عبد الستار الجواري: 30 . 5)) ينظر: تحرير النحو العربي: 160.

عدد الصفحات ٥٣

 45 الانتباه ،لقد كان بوسع التعبير القرآني أن يقول:( ثُم بدا لهم سجنه حت ى حين)، لكنه عدل عن هذا التعبير إلى ما اختاره هو، ولا بد من ربط هذا النص بسياقه لمعرفة سر هذا الخروج عن المألوف ففي قوله تعالى: ﭿﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭾ [يوسف35] يكشف السياق أن يو سف -عليه السلام- قد هُ د ِّ دا من لدن امرأة العزيز بالسجن إذا لم يرضخ لما أمرته من مراودتها عن نفسه فهو بين أمرين إم ا أن يستجيب لمراودتها، أو أن يكون مصيره السجن؛ لأن ه خالف إرادة سيدته، وهذا هو مصير العبد الذي لا ينصاع لأوامر سادته ولاسيما بعد ما رآه في المجلس الذي عقدته امرأة العزيز لنسوة مصر الفاتنات اللاتي فُ تِّ ن وبُ هِّ ر نا بجماله وقط عنا أيديهن بالمُد ي فيُنااجي رب هُ ويدعوه بأن يصرف عنه كيدهن فاستجاب له ،فصرف عنه كيدهن (1)، وهنا يكشف التركيب (ثُم بدا لهُم) أن هم كانوا في إضراب في البت ِّ في القضية ذلك أن البداء في الرأي هو التلو ن فيه والظهور بعد الخفاء، أو هو التغير في الرأي عم ا كان عليه في الأو لِّ (2)، وقد طال بهم التردد والاضطراب ، وفي دلالة (ثم ) على الترتيب مع تراخٍ " يشي بطول مد ة التردد ، والفعل بدا يكشف عن ظهور الأمر بعد خفاءٍ وحيرةٍ وهنا تتوقف الجملة فلا يذكر الفاعل على الوجه المألوف في التركيب، بل تأتي جملة ( ل ي س ج ن نَه) ...ليحسم ما كان من حيرة واضطراب وكأن ها جملة جديدة بعد ( ثم بدا لهم)... وبذلك صو ر هذا التركيب الخارج عن النظام النحوي هذا الموقف المعقد في جملةٍ ختام ية لمرحلة قاسية من حياة يوسف - - "(3) . وأرى أن ما ذهب إل يه الكوفيون ، ومن تابعهم من النح ويين في جواز مجيء الفاعل والنائب عن الفاعل جملة هو الصواب، ولاسيما أن ها مشفوع بنصوص من 1)) ينظر نظم الدرر: 10/77-78, وفي ظل القرآن, سي ِّد قطب: 4/1984-1985. 2)) ينظر مفاتيح الغيب: مج9 ،18/106 . 3)) بناء الجملة العربية: 47 .

عدد الصفحات ٥٤

 46 القرآن الكريم، ومن كلام العرب، والقرآن الكريم قادر على أن يأتي بالجملة على ما هو مألوف بين الناس لكنه عدل عن ذلك لمقاصدٍ إلهية وغايات أسلوبية لا ي مكن تحقيقها إلا بهذا النسق الجديد من التعبير. وعن طريق ربط دلالة كلٍ من الاسم والفعل بسياق الآية الكريمة يتوضح لي أن القصد من وراء ذلك وسبب عدول التعبير القرآني عن الاسم ومجيئه بالفعل مردُّه إلى أن دلالة الفعل على الحدوث والتغيير والتجدد يتناسب مع الحالة التي كانوا عليها من الحيرة وعدم الاستقرار في حين أن الاسم يدلُّ على الثبوت والدوام والاستقرار لذلك آثر التعبير القرآني استخدام الفعل على الاسم في هذا التركيب . ومم ا تقد م اخلُصُ إلى أن الدعامة الأساسية التي قام ت عليها دراسة هذه المسألة هي (السياق)؛ وذلك من خلال دراسة نصوص هذه المسألة في ضوء سياقها، ودلالة ما قبلها وما بعدها من نصوص ؛ للوصول إلى الرأي الراجح من آراء النحويين المختلفين، وإن السبب الرئيسي لعدول التعبير القرآني عن المجيء بالاسم إلى الفعل لما؛ لدلالة الفعل على الحدوث والتغيير والتجدد الذي يتناسب ودلالة النص القرآني فحال المتحدث عنهم وصفتهم التي تتناسب وذكر الفعل في الخطاب القرآني بدلاً من الاسم. لذلك كانت دراسة دلالة الفعل في هذه النصوص من الدعائم والر كائز الأساسية التي اعتمد عليها البحث في هذه المسألة.

عدد الصفحات ٥٥

 47  اختلف النح ويون البصريون والكوفيون في جواز نيابة غير المفعول به من مصدرٍ ومجرورٍ وظرف زمانٍ وظرف مكانٍ عن الفاعلِّ مع وجودِّ المفعولِّ به الصريح في ثلاثةِّ مذاهبا : الأو ل: المنع المطلق وهو قول سيبويه(2) وجمهور البصريين(3)، والثاني: الجواز مطلقاً وهو مذهب الكوفيين (4)، وتابعهم ابن مالك (5) من المتأخري ن البصريين والمذهب الثالث: التفصيل وهو مذهب الأخفش (6) من البصريين إذ أجاز نيابة المصدر والجار والمجرور وال ظرف عن الفاعل مع وجود المفعول به الحقيقي بشرط أن يتقد م النائب عن الفاعل أم ا إذا تأخروا عنه لم يجز أن يقام إلا المفعول به فأجاز القول: (ضُرِّبا الضربُ الشديدُ زيداً )، و (ضُرِّبا مكانك زيداً )، و (ضُرِّبا اليومان ِّزيداً )(7). استدل البصريون على منع نيابة غير المفعول به عن الفاعل مع وجود المفعول به الحقيقي بأدل ة عقلية منها أن المفعول الصحيح أشبه بالفاعل فلذلك يقام مقام الفاعل 1) )ينظر الخلاف في هذه المسألة: التبيين عن مذ اهب النحويين البصريين والكو فيين، أبو البقاء العكبري: م(38): 286،واللباب: 119- 120،والمساعد: 1/399، وائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة، الزبيدي: م(78)من الاسم: 77، وهمع الهوامع1/585 2)) مذهب سيبويه ومن تابعه أن ه لا يجوز نيابة غير المفعول به عن الفاعل مع وجوده .ينظر: شرح المفصل: مج3 :7/328، وشرح ابن الناظم: 170، وشرح الأشموني1/421، والجملة الفعلية، د.علي أبو المكارم 124 . 3) )ينظر: المقتضب 4/51، والأصول 1/202، والمقتصد في شرح الإيضاح، الجرجاني : 1/352، والتخمير في شرح المفصل، الخوارزمي: 1/176، وشرح المفصل مج3 : 7/328، شرح جمل الزجاجي 1/547-548، و البسيط في شرح الجمل: 2/974 . 4) )ينظر :معاني القرآن، الفراء: 2/21-،3/46، وشرح التسهيل2/59،وشرح الكافية1/194، وشرح ابن الناظم: 170، وشرح التصريح1/429، وممن تابعهم أبو عبيد ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها: 2/217، وارتشاف الضرب: 3/1338، والتذييل والتكميل: 6/243 . 5)) ينظر:شرح التسهيل2/59، وهمع الهوامع1/585 6)) ينظر : الخصائص، ابن جني: 1/389. 7)) ينظر: الخصائص 1/397، وارتشاف الضرب 2/1338،والتذييل والتكميل: 6/245، والمساعد 1/398،وشرح الأشموني: 1/421،وهمع الهوامع: 1/585، والجملة الفعلية: 125-126.

عدد الصفحات ٥٦

 48 إذا بُنِّ يا الفعلُ للمجهول(1)، أولكون الفعل حديثاً عن المفعول به في الأصل فمتى ظفر به وكان موجوداً في الكلام لم يقم مقام الفاعل سواه"(2). وغير ذلك من العلل التي نجدها في كتبهم. أم ا الكوفيون ومن تابعهم في جواز نيابة المصدر والمجرور والظرف عن الفاعل مع وجود المفعول به ف احتجُّوا فيما ذهبوا إليه بالقياس والسماع فمن القياس أن الظرف والمجرور يعمل فيهما الفعل ويجعلان مفعولا ً عل ى السعة وكما جاز أن ينوب المفعول به عن الفاعل كذلك هذه الأشياء(3) . أما السماع الذي استندوا إليه فمنه ما ورد في القرآن الكريم من نصوص وما سمع من العرب من أشعارٍ تؤيد صحة ما ذهبوا إليه فمن النصوص القرآني ة قوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭾ[الجاثية14.] في قراءة أب ي جعفر وشيبة (4) ( :ل ي ج ز ى ق و م اً ب م ا كاانُوا ياك سِّبُو نا ) بضم الياء وفتح الزاي مبني ـً ا للمجهول على إقامة الجار والمجرور( بما) مقام الفاعل مع وجود المفعول به الصريح وهو(قوماً)، أو على أن يكون الفعل بُ نِّ يا للمصدر أي: (لِّيُج زاى الجزاءُ قوماً ) (5) . 1) )التبيين: 628-629 . 2)) شرح المفصل : مج3 :7/328 . 3)) التبيين: 629 . 4)) النشر في القراءات العشر، ابن الجوزي :278، وينظر: البحر المحيط8/45 . 5)) ينظر: شرح التسهيل: 2/59، وائتلاف النصرة :78، وشرح التصريح: 1/429 .

عدد الصفحات ٥٧

 49 وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بالنون أ ي: (ول ناج زِّيا ق وماً) على معنى الإخبار من الله - عز ِّ وجل - عن نفسه بالجزاء وقرأ سائر القر اء بالياء (لِّياج زِّيا) إخباراً من الرسول - - عن رب ِّه ،أي: (ليجزي الله قوماً)(1) . وغير ذلك من الآيات القرآنية(2) التي استندوا إليها ومن كلام العرب الذي احتجُّوا به قول جرير: و ل و و ل د ت ق ف ي ر ة ج ر و ك ل بٍ ل س بَ ب ذ ل ك ال ج ر و الك لَ ب ا (3) . فأقام الجار والمجرور(بذلك) مقامالفاعل، ونصب الكلاب، وهو: مفعول به. وغير ذلك من الشواهد الشعرية (4) التي استندوا إليها في صحة جواز ما ذهبوا إليه لم يحتج البصريون بالقراءات القرآنية إلا في القليل النادر وذلك إذا ما اتفق مع أصولهم وقواعدهم وما يتناسق مع مقاييسهم، في حين لم يتحفظ الكوفيون في مجال القراءات كما تحفظ البصريون؛ لأن هم يرون القراءات سندها الرواية ومجال الاستشهاد بها أقوى من الاستشهاد بالشعر وغيره وكانت مصدراً مهم اً من مصادر تقعيدهم(5). 1)) ينظر:الحج ة في القراءات السبع، ابن خالويه: 212، ومعاني القراءات445، والحج ة في علل القراءات السبع: 4/333، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها :2/369، والتيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني: 186 . )2) ومن النصوص القرآنية الأخرى قوله تعالى: ﭿ ﮬ ﮭ ﮮ ﭾ[88] (ن جَي ال م ؤ م ن ي ن ) أي: نج ِّي النجاءُ المؤمنين .ينظر:معاني القرآن: 2/210، ومعاني القراءات310، والحج ة في علل القراءات السبع:3/552، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها:2/216، والموضح في وجوه القراءات وعللها، ابن أبي مريم (ت565هـ532. وقوله تعالىﭿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭾ[13] جعفر وابن عباس ومجاهد( ي خ ر ج له يوم القيامة كتاباً ) على البناء للمجهول على أن (له) نائب عن الفاعل مع وجود المفعول (كتاباً) . ينظر: مختصر في شواذ القراءات: 75،وإعراب القراءات الشواذ : 1/779، والنشر في القراءات العشر: 230 . 3)) البيت غير موجود في ديوانه ، ينظر: خزانة الأدب1/337 . )4) ومن الشواهد الشعرية الأخرى قول رؤبة : لامي ع ن ب ال ع ل ي اء إلَّ س ي د اً و لّ ش ف ى ذ ا ال غ ي إلَّ ذ و ال ه د ى ينظر: ملحق ديوانه : 173 ، وقول الشاعر إنَم ا ي ر ض ى ا ل م ن ي ب ر بَه م ا د ام م ع ن يَا ب ذ ك رٍ ق ل ب ه ينظر: شرح التسهيل:2/60 وغيرهاكثير من الشواهد الشعرية . 5)) ينظر: القراءات القرآنية وأثرها في الدراسات النحوية، د. عبد العال سالم مكرم: 109-110 .

عدد الصفحات ٥٨

 50 لذلك وجدتُ البصريين يوج هُ ون النصوص التي احتج بها الكوفيون على صحة نيابة المصدر والمجرور والظرف عن الفاعل مع وجود المفعول الصحيح بالل حن والشذوذ والقل ة(1)، والأبيات الشعريةبالضرورة . وذهبوا إلى أن التقدير في قراءة أبي جعفر في قوله تعالى: ( لِّيُج زاى قاو مااً بِّماا كاانُوا ياك سِّبُو نا): (ليجزى هو) أي: الجزاء، أي أن النائب عن الفاعل ضم ير المصدر الدال عليه الفعل، ويكون ( قوماً) منصوباً بفعلٍ محذوف تقديره: يجزيه قوماً (2). أو يكون التقدير: ( ليُجزىالخي رُ قوماً) ، و(الخير) مفعولٌ به وهذا الفعل يتعداى إلى مفعولين، ف أضمر الأو ل لدلالة الكلام عليه ، أي أن نائب الفاعل ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السياق تقديره: (لِّيُج زاى هو أي: الخيرُ قوماً) (3). أو يكون النائب عن الفاعل في الآية ضميراً مستتراً في الفعل عائداً على (الغفران) المفهوم من قوله: (ليغفروا)، أي: (لِّيُج زاي الغفرانُ قوماً) (4) . القراءات القرآنية رافد كبير من روافد الاستشهاد والتقعيد النحوي فضلاً عن أن رواتها ثُ قاةٌ ، ورواياتهم متواترة وصحيحة وقارئ مثل أبي جعفر لا يُستهان به ولا يمكن أن تُراد قراءته بسهولة لمجرد أن ه خالف قواعد النحويين فضلا عن أن أسلوب قراءته مشفوع بنصوص من كلام العرب توافق قراءته وتسنده ، فالنحو يجب أن توضع أسسه في ضوء القرآن الكريم وقراءاته لا أن نُ خ ضِّ ع النصوص القرآنية لقواعد النحو العربي التي وضعت في ضوء كلام العرب، ولاسيما أن الاستقراء لم يكن استقراءً تاماً شاملا لجميع لغة العرب، إذن لابد لنا من الوقوف مع القراءات القرآنية في الاستدلال، وبذلك أتفق مع ما ذهب إليه الكوفيون، ومن وافقهم في جواز 1)) ينظر: إعراب القرآن، النحاس: 831،559، وشرح المفصل: مج3 :7/329،والجامع لأحكام القرآن: مج8 :25 /462. 2)) ينظر البيان: 2/164، وشرح جمل الزجاجي: 1/548، و البحر المحيط 8/46، والدر المصون 9/645 . 3)) ينظر: كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن علل القراءات، الباقولي: 611،والتبيان: 2/353، والتذييل والتكميل6/246، والدر المصون 9/645، ومجمع البيان 9/104 . 4)) ينظر: شرح التصريح: 1/430، وحاشية الصبان2/97 .

عدد الصفحات ٥٩

 51 نيابة غير المفعول به عن الفاعل مع وجود المفعول الحقيقي لما يسنده من نصوص من القرآن وكلام العرب . فهذا الأسلوب نجده مستعملا في القرآن الكريم بقراءاته وفي كلام العرب، قال ابن مالك: " أجاز هو – أي الأخفش - والكوفيون نيابة غير المفعول به مع وجوده، وبقولهم أقول، إذ لا مانع من ذلك مع أن ه وارد عن العرب، ومنه قراءة أبي جعفر... "(1) . وللمعنى وقصد المتكلم ومراعاة المخاطب أثرٌ كبير في ترجيح أحد الآراء في الخلاف بين النح ويين وفي توجيه النصوص الوجه الصحيح؛ ذلك أن مراعا ة المخاطب أساس مهم من أسس الفكر النحوي، "فمراعاته و مراعاة مقامه، وجلب انتباهه مم ا يؤثر في تركيب الجمل وحشر مكوناتها على وفق ترتيب معي ن، و...، وقد بدا ذلك واضحاً في أحكام النحاة ... ، وتعليلهم لتلك ا لأحكام وفي توجيههم لمسائل الخلاف النحوي وتقويمها "(2). فضلاً عن أن مراعاة المخاطب يع دُّ عنصراً مهم اً من العناصر التي أسهمت في تفسير كثير من إشكالات الخطاب اللغوي كما بُنِّيات في ضوء مراعاته كثير من قواعد اللغة؛ لذلك أخذت حي زاً واسعاً في الدراسات اللسانية عربية وغير عربية(3) . فقد يكون المصدر أو مجرور أو الظرف أهمُّ للمخاطب من المفعول به ؛ لذلك تنوب هذه الأشياء عن الفاعل مع وجود المفعول به؛ للتنبيه على ذلك وللاهتمام به. ودليل ذلك ما جاء في حاشية الصبان: " والحقُّ أن ه إذا كان الغير أهمُّ في الكلام كان أولى بالنيابة من المفعول به مثلاً إذ ا كان المقصود الأصلي وقوع الضرب أمام الأمير أقيم ظرف المكان مقام الفاعل مع وجود المفعول به "(4) . 1)) شرح التسهيل2/59 . 2)) سياق الحال في كتاب سيبويه، د. أسعد خلف العوادي76-77 . 3)) ينظر: مراعاة المخاطب في النحو العربي، د.بان الخفاجي17. 4)) حاشية الصبان2/97-98 .

عدد الصفحات ٦٠

 52 ولذلك وجدنا أنالله سبحانه وتعالى نك ر (قوماً ) مع أن المراد بهم (المؤمنون) المذكرون في السياق السابق له، وهم معرفة فالمهم لدى المخاطب نوع الجزاء لذلك بي نه في الآية التي بعدها قال: ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ...). فالغرض من تنكير (قوماً) ما ذكر ه المفسرون هو المدح والثناء والتعظيم للمؤمنين؛ لصبرهم وتجاوزهم عن السيئات، قال الرازي: " التنكير يدلُّ على تعظيم شأنهم كأن ه قيل: ليجزى قوماً وأيُّ قومٍ من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتاحامُّل الوحشة وتجرُّع المكروه" (1) . إذاً فالأساس الذي قام عليه البحث في هذه المسألة هو سياق الحال المتمثل بمراعاة المخاطب وقصد المتكلم، اللذين لهما أثرُ كبير في توجيه النصوص الوجه الصحيح. فضلاً عن اعتماده على الجانب اللهجي المتمثل بالقراءات القرآنية الذي يعدُّ رافداً كبيراً من روافد الاستشهاد والتقعيد النحوي. إذاً فأساس الدراسة بعد عرض المسألة الخلافية قامت على هذه الدعائم في دراسة النصوص المختلف عليها التي تعين للوصول إلى الرأي الأرجح من آراء أصحاب المذاهب المختلفين. 1) )مفاتيح الغيب مج14 :27/226، وينظر: الكشاف: 4/189، والبحر المحيط8/45، واللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي: 17/356، والتحرير والتنوير مج10 :25/342 . .

عدد الصفحات ٦١

 53  : اختلف النحويون البصريون والكوفيون في هذه المسألة فذهب البصريون إلى أن عطف البيان لا يأتي إلا في المعارف (2)، في حين ذهب الكوفيون وتابعهم أبو علي الفارسي(ت377هـ)، وابن جني(ت 392هـ) والزمخ شري وغيرهم من البصريين في جواز مجيء عطف البيان من النكرات(3) . استند البصريون فيما ذهبوا إليه في منعهم مجيء عطف البيان من النكرة إلى أن " الغرض في عطف البيان تبيين الاسم المتبوع وإيضاحه، والنكرة لا يصحُّ أن يبي ن بها غيرها؛ لأن ها مجهولة ولا يبي ن مجهولٌ بمجهولٍ "(4) . أم ا الكوفيون ومن تبعهم فاستندوا فيما ذهبوا إليهإلى ما ورد من نصوص قرآنية تؤيد صحة مذهبهم من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭾ[المائدة95.] وقولهﭿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭾ[النور35.] وقولهﭿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ[إبراهيم16.] 1)) ينظر الخلاف في ه ذه المسألة: ائتلاف النصرة: 101، وشرح الأشموني 2/357، وشرح التصريح 2/148. 2) )ينظر: البحر المحيط 4/24 ،5/402،6/420، ومغني اللبيب 2/204، وأوضح المسالك 3/32-33، والمساعد: 2/424، وأسرار النحو، ابن كمال باشا: 168. 3)) وممن تابعوهم: ابن عصفور، وابن مالك، وابن الناظم، والزركشي، والسيوطي وغيرهم. ينظر: الكشاف: 2/63 ،531، وشرح جمل الزجاجي 1/300، وشرح التسهيل 3/186-187،وشرح ابن الناظم: 367، البرهان في علوم القرآن، الزركشي: 2/285، وشرح التصريح 2/148، وهمع الهوامع 3/160 . 4)) همع الهوامع 3/160 .

عدد الصفحات ٦٢

 54 فقوله تعالى: (طعامُ ) عطف بي انٍ لقوله (كف ارةٌ)؛ لأن الطعام هو الكف ارة ، وكذلك قوله: (زيتونة) عطف بيان من ( شجرةٍ)، وقوله: ( صديد) عطف بيان من ( ماءٍ). قال الزمخشري: "قال ويسقى من ماءٍ، فأبهمه إبهاماً ثم بي نه بقوله: صديد، وهو ما يسيل من جلود أهل النار"(1). أو ل البصريون هذه النصوص ؛ لأن عطف البيان لا يكون إلا في المعارف عندهم وذهبوا إلى أن قوله : (كف ارة) مبتدأ ، خبره محذوف تقديره: (عليه كفارةٌ) و(طعام) بدل من كفارة، أو خبر لمبتدأ محذوف أي: (كفارةٌ هي طعامُ)(2). واستندوا في صحة ذلك إلى قراءة نافع وابن عامر(3) بدون تنوين وإضافة كفارة إلى الطعام أي: ( أو كف ارةُ طعامِّ مساكين) وهي إضافة تخصيص ، إذ الكف ارة قد تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، فكأن ه قال: كفارة طعام لا هدي ولا صيام(4) . رفضا النحويون البصريون ومن درس النص القرآني في كتب الإعراب والتفسير والمعاني مجيء عطف البيان من النكرة وأو لوا الن صوص المذكورة على البدل كما ذكرتُ ذلك وأغفلوا مسألة مهم ة وهي مم ا ناقضوا فيها أنفسهم، وهي أن عطف البيان هو نفسه البدل (بدل الكل من الكل) وخص صُ وا في كتبهم مساحةً كبيرةً وأهدروا كثير من الوقت؛ لبيان الفرق بين البدل وعطف البيان ولم يتنب ه على ذلك إلا عددٌ منهم ومن أولئك رضي الدين الأسترباذي الذي تنب ه على انتفاء وجود فرق واضح بين عطف البيان والبدل وإن ما هما شيء واحد قال: "وأنا إلى الآن لم يظهر 1)) الكشاف 2/531 . 2)) ينظر: معاني القرآن، الأخفش 2/477، وإعراب القرآن، النحاس 297، والبيان 1/305، والتبيان 1/363-365، والبحر المحيط: 4/24، والدر المصون 4/425، وإعراب القرآن ، زكريا الأنصاري 114 . 3) ) ينظر معاني القراءات: 145، والحج ة في علل القراءات السبع2/438، والموضح في وجوه القراءات وعللها :285. 4)) ينظر: المحرر الوجيز2/239، والدر المصون 4/425 .

عدد الصفحات ٦٣

 55 لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان، بل لا أرىعطف البيان إلا البدل"(1). وهذا ما أثبتته الدراسات النحوية الحديثة التي تمسكت بدراسة الجانب المعنوي من النحو وأغفلت نظرية العامل التي شغلت الفكر النحوي لمد ة من الزمن، إذ يمكن إعادة دراسة التوابع مجر دة من العامل ، وفكرة التبعية للعامل ، وهجر هذه الفك رة والنظر إلى الجانب المشرق من النحو وهو إعادة دراسة التوابع في ضوء المعنى؛ ذلك بأن تكون التبعية للمعنى لا للعامل وإعادة تبويب التوابع تبويبا جديداً بناءً على دراسة معانيها - وهذا لا يعني أن نحاتنا لم يولوا المعنى أهمية في دراستهم للتوابع فقد ذكروا معنى كل واحدٍ منها في بابه لكنهم درسوا التبعية في ضوء العامل – (2). فإذن لم يبقا ثم ة شكٌ لدي بجواز مجيء عطف البيان من النكرة؛ لأن عطف البيان يأتي تكميلاً لمعنى المتبوع توضيحاً وتخصيصاً والنكرة تخص ص بنكرة، ولاسيما أن مجيء التعبير القرآني بهذا الأسلوب يقطع الشك باليقين مم ا يجعلني مطمئنة في حكمي على جواز المسألة. ومم ا تقد م اخلُصُ إلى أن المعنى والبناء الأسلوبي للقرآن الكريم كان لهما أثرٌ بارز وكانتا الدعامة الأساسية التي اعتمد عليها الخلاف في هذه المسألة فأسلوب القرآن الكريم هو الأجدر أن يؤ خذ به في دراسة الموضوعات النحوية وأن يعتمد عليه في صياغة القواعد النحوية وأن يكون (النحو القرآني) وأسلوب القرآن الكريم مصدرين أساسيين لدراسة موضوعات الخلاف وترجيح الرأي الذي يستند إليه، كما أن مراعاة المعنى ودراسة الموضوعات النحوية في ضوئ ه يعدُّ المخرج من هذه الخلافات التي وصلت إلى مرحلة التقاطع في الآراء بين النحويين نتيجة التعصب للمذهب النحوي وغيره من الأسباب التي أد ت إلى توسيع رقعة الخلاف والابتعاد 1)) شرح الكافية: 2/393 2)) ينظر: نظرية المعنى في الدراسات النحوية: أ.د. كريم حسين ناصح الخالدي 247-251 .

عدد الصفحات ٦٤

 56 عن الجانب المعنوي في الدراسة النحوية التي تعدُّ من أهم ِّ المقومات الأساسية للنحو العربي. إذاً فهاتان الدعامتان هما اللتان بني عليهما البحث في هذه المسألة.  اختلف النحويون في مجيء الحال من الفعل الماضي فذهب البصريون وتبعهم الفر اء (2) إلى أن ه لا يجوز أن يقع الفعل الماضي حالاً إلا أن تكون معه (قد) ظاهرةً أو مقد ر ةً، في حين جو ز الكوفيون أن يقع الفعل الماضي حالا مطلقاً وإليه ذهب الأخفش(3) من البصريين وغيرهم من النحويين الذين اتبعوهم فيما ذهبوا إليه . احتج البصريون، ومن تبعهم لما ذهبوا إليه من عدم جواز وقوع الفعل الماضي حالاً بأدل ِّة عقلية؛ منها أن دلالة الحال تتقاطع مع دلالة الماضي فالحال "ما كان موجوداً وقت الإخبار، أو محكيةً كقولك: هذا زيدٌ قائما، أًي: في هذه الحال، والحكاية كقولك: جاء زيدٌ راكباً، فالمجيء ماضٍ و(راكباً) حكايةُ حالِّ هِّ وقتا المجيء، والماضي قد انقضى، وما كان قد انقضى وانقطع لا يكون هيئةً للاسم وقت وقوع الاسم منه أو به ..."(4). أم ا الكوفيون فاستدلُّوالما ذهبوا إليه في جواز المسألة بالقياس والسماع. 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: الإنصاف في مسائل الخلافم(32 :)1/252، والتبيين386، وائتلاف النصرة:م (10) من الفعل124 . 2)) ينظر: معاني القرآن 1/24,282، ومن البصريين: المبر ِّد ، ينظر: المقتضب: 4/123-124، وابن السراج، ينظر: الأصول: 1/254، وأبي علي الفارسي، ينظر: الإيضاح العضدي،: 217،والزمخشري، ينظر: المفصل: 56، والجزولي، وابن عصفور، والآبذي، وغيرهم ينظر:، ارتشاف الضرب: 3/1610، وهمع الهوامع: 2/326 . 3)) ينظر معاني القرآن: 1/452، ونسب هذا الرأي للجمهور، المساعد: 2/47، ومن النحويين الذين اتبعوا جواز وقوع الفعل الماضي حالا: ابن مالك، ينظر: شرح التسهيل: 2/285-286، أبو حي ان، ينظر: ارتشاف الضرب: 3/1610 ،وابن عقيل ، ينظر: المساعد: 2/47،والأشموني وغيرهم ، ينظر: شرح الأشموني: 2/41 . 4)) التبيين386، وينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف1/254، والمقتصد: 2/914، واللباب: 202.

عدد الصفحات ٦٥

 57 أم ا القياس فذهبوا إلى أن كل ما جاز أن يقع صفةً للن كرة جاز أن يقع حالاً من المعرفة، وأن الفعل الماضي يقع موضع المستقبل ، وإذا جاز له ذلك جاز أن يقع موقع الحال(1). أما السماع فاستندوا فيما ذهبوا إليه إلى نصوصٍ من القرآن الكريم، وإلى كلام العرب فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭾ[النساء90.] قوله: (حصرت) فعل ماضٍ في موض ع الحال، وتقديره: حصرةً صدورهم والدليل على صحة هذا التقدير قراءة الحسن البصري ويعقوب الحضرمي(2): (أاو جااؤُو كُم حاصِّراةً صُدُو رُهُم ) . وبقوله: ﭿ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭾ[يوسف65]. وغيرها من النصوص القرآنية التي جاء فيها الفعل الماضي حالاً من دون قد(3) أم ا ما استندوا إليه من كلام العرب فمنه قول أبي صخر الهذلي: وإن ي ل ت ع ر و ن ي ل ذ ك ر اك ن ف ض ةٌ ك م ا ان ت ف ض ال ع ص ف و ر ب لَل ه ال ق ط ر (4). وغيرهاكثيرٌ من الشواهد الشعرية التي تؤيد استعمال العرب لهذا النمط من التركيب الذ ي منعه البصريون وغ يرهم من النح ويين ذاهبين إلى تأويل هذه 1)) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/253-254، والتبيين 288، وشرح المفصل مج1:2/398، وائتلاف النصرة: 124. 2)) ينظرمختصر في شواذ القراءات: 28، ومعانيالقراءات: 131، والنشر189، ونسب إلى قتادة أيضاً في البحر المحيط: 3/330 . 3)) من النصوص القرآنية التي جاء وقع فيها الفعل الماضي حالاً من غير قد قوله تعالىﭿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭾ[16]ﭿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭾ [28] النصوص القرآنية . 4)) شرح أشعار الهذليين2/957. وروايته فيه: إذا ذُكِّ ر تُ يا ر تا احُ قا ل بِّ ي لِّ ذِّ ك رِّ ها ا كا ما ا ان تا فا ضا ال عُ ص فُ ورُ با ل لا هُ ال قا ط رُ

عدد الصفحات ٦٦