26 منزلة المصدر من غير ما يسبكه أي مصدر مت صي د من الفعل لعدم إمكان تقدير حرف مصدري والتقدير: (ومن آياته إراء ت ه إيَّاكم البرق ) (1) . في حين ذهب الزمخشري إلى أنَّ (يريكم) واقع موقع المفرد في المعنى (2). وفي هذا إشارة إلى وقوع الجملة موقع المبتدأ وإنْ لم يصر ح بذلك ، لذلك وجدنا أنَّ ابن هشام ذكره من ضمن الجمل التي لها محلٌ من الإعراب؛ ذلك أنَّ الجملة يكون لها موضع من الإعراب إذا قامت مقام مفرد . وذهب العكبري (ت616هـ وآخرون إلى أنَّ ( من آياته) في محل نصب حال من (البرق)، أي: (يريكم البرق كائنا من آياته) (3). وغير ذلك من تأويلات النح ويين والمفسرين4. إذن فجميع الكتب التي عنيت بدراسة النص القرآني أوَّلوا هذا النص والنصوص الأخرى بما يتفق مع أسسهم وقواعدهم بحيث يستحيل في هذا النص أنْ يكون في قوله تعالى: (ومن آياته يريكم) دليل على مجيء المبتدأ جملة . كل هذه التأويلات جاءت لتفسير النص القرآني في ضوء قواعده م وأسسهم مع أنَّ هذا الأسلوب ( مجيئ المبتدأ جملة) الذي منعه النحويون والمفسرون وأنكروه ورد في القرآن الكريم، وعند دراسة هذا النص في ضوء السياق نجد أنَّ سياق هذه الآية يقتضي أنْ يكون التعبير عن المبتدأ بالفعل ؛ لذلك عدل التعبير القرآني عن مجيء المبتدأ في هذا النص بالصورة المألوفة إلى صورة أخرى ، وآثر الصيغة الفعلية في موضع المسند إليه لغايات أسلوبية يقتضيها السياق؛ ذلك أنَّ سياق هذه الآية يتطلب مجيء المبتدأ في هذا التركيب من النص جملة فعلية وذلك لإرادة معنى 1)) ينظر: البحر المحيط 7/163، وشرح التصريح 1/189 . 2)) ينظر: الكشاف 3/506 . 3)) ينظر: التبيان2/259. 4)) ينظرالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، سمين الحلبي: 9/38،وإعراب القرآن، زكريا الأنصاري :338،والتحرير والتنوير، ابن عاشور: مج8 :21/79.
عدد الصفحات ٣٥ 27 التغيير والتجدد والحركة التي تتحقق باستعمال الفعل دون الاسم في هذه الآية - التي تتحدَّث عن قدرة الله وحججه وتنبيه العبد على توحيد الله - بذكره ظاهرة البرق وما يصطحبه من تساقط الأ مطار وإحياء الأرض فهذه الأمور الدالَّة على التغيير والتجديد في كل زمان ومكان تتناسب ودلالة الفعل على الحدوث والتغيير والتجدد. خلاف سائر الآيات الأخرى السابقة لهذه الآية واللاحقة لها في السياق نفسه التي تتحدَّ ث عن أمور ثابتة ومستقرة وغير قابلة للتغيير من نحو: ( خلق الله الإنسان من تراب، وخلقه للسموات والأرض، وتقدير الساعات والأوقات والنوم بالليل والحركة بالنهار طلبا للرزق، وقيام الساعة ) فذكر هذه الأمور تتناسب مع دلالة الاسم على الثبوت والاستقرار لذلك نرى أنَّ المبتدأ فيها جاء اسما ، أو ما في تقديره ولهذا غاير التعبير القرآني في هذا النص النمط التركيبي المعتاد لإرادة الحركة المتجددة والتغيير فجاء في هذا الأسلوب المبتدأ جملة فعلية؛ ليتناسب مع السياق الذي جاء فيه. "فالتعبير القرآني آثر الصيغة الفعلية في موضع المسند إليه، لينقل المخاطبين إلى جو الحركة المتجددة"(1) . قال الرازي(ت604هـ): "المستقبل ينبئ عن التجدد، وفي البرق لما كان ذلك من الأمور التي تجدد في زمان دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه شيئا من الحروف المصدرية" (2) .فقال (يريكم البرق) أي " علي هيئات وكيفيات طالما شاهدتموها تارة تأتي بما تضر وتارة بما يسر "(3). وقال ابن عاشور(ت1393هـ: "تغي ر الأسلوب؛ لأنَّ مناط هذه الآية هو تقرير الناس بها، إذ هي غير متَّصلةٍ بذواتهم فليس، حظ هم منها سوى مشاهدتها والإقرار بأنَّها آيةٌ بي نةٌ "(4) . 1)) بناء الجملة العربية، د. محمد حماسة عبد اللطيف: 53 . 2)) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي: مج 13 :25/101 . 3)) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي 15/73 . 4)) التحرير والتنوير: مج8 :21/79 .
عدد الصفحات ٣٦ 28 وأجازت لجنة مجمع اللغة العربية بالقاهرة مجيء بنية المبتدأ فع، لكن على القلَّة في سبيل تيسير النحو وإصلاحه والغالب مجيؤ ه اسما ظاهرا ، أو ضميرا ، أو مصدرا منسبكا (1). وقد يكون مجيء المبتدأ جملة إحدى الصور القديمة التي هجرها الاستعمال اللغوي في البيئة العربية وجاء هذا التركيب في القرآن الكريم؛ لإحياء هذه الصور والتنبيه عليها، ولا يمكنني البتَّ بهذه المسألة إلا بعد دراسة هذا التركيب في ضوء لهجات شبه الجزيرة العربية؛ لكون هذة اللهجات واللغة العربية من أرومة واحدة، فإذا ثبت مجيء المبتدأ في هذه اللهج ات جملة فسيكون ذلك دليلا قاطعا فضلا عن النص القرآني بصحة هذا الأسلو ب وكونه من صور المبتدأ التي هجر ها الاستعمال اللغوي. اختلف النحويون في جواز تعدد الخبر لفظا ومعن ى لمبتدأ واحد فذهب جمهور البصريين(3) إلى جواز ذلك مطلقا سواء أكان الخبر مفردا أم جملة أم مركبا منهما؛ لأنَّ الخبر كالنعت يجوز تعدده. في حين ذهب ابن عصفور إلى منع تعدد الخبر لفظا ومعن ى لمبتدأ واحد إلاَّ إذا كان الخبران فصاعدا في معنى خبرٍ واحد(4) . 1)) ينظر: تحرير النحو العربي، قواعد النحو مع التيسير الذي قرَّره مجمع العربية بالقاهرة، إبراهيم مصطفى وآخرون: 156. 2)) ينظر الخلاف في هذه المسألة: التذييل والتكميل: /89، وشرح التصريح1/231، وهمع الهوامع فيشرح جمع الجوامع، السيوطي: 1/301-302 . 3)) ينظر المقتضب، المبر د : 4/308، والمفصل في علم العربية، الزمخشري 25، وكفاية النحو في علم الإعراب، الخوارزمي:45، شرح المفصل، ابن يعيش: مج1 :1/193، والإيضاح في شرح المفصل، ابن الحاجب: 1/202-203،وشرح التسهيل: 1/309، وشرحالكافية: 1/135، وشرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك :90، والمساعد على تسهيل الفوائد، ابن عقيل : 1/242، وغير ذل ك من المصادر، ومن كتب المتأخرين: شرح الأشموني: 1/213، وحاشية الصبان1/350 . 4)) ينظر :شرح جمل الزجاجي، ابن عصفور: 1/336، والمقرَّب 32-33 .وينظر أيضا : شرح التصريح 1/231، وهمع الهوامع 1/302 .
عدد الصفحات ٣٧ 29 واستند جمهور النحويين في جواز ذلك إلى ما ورد من نصوص في القرآن الكريم وشواهد شعرية تؤيد صحة تعدد الخبر لفظا ومعن ى لمبتدأ واحد من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭾ[البروج14-16.] ومن الشواهد الشعرية قول رؤبة بن العجَّاج: م ن ي كُ ذ ا ب ت ٍّ ف ه ذ ا ب ت ِّي مُق ي ِّظٌ مُص ي ِّفٌ مُش ت ِّي (1). وغير ذلك من الشواهد الشعرية التي استندوا إليها(2)، وهذا الضرب من الأخبار يجوز فيه عطف الخبر الثاني، وما بعده على الخبر الأوَّل وترك العطف كما يصلح في هذه الأخبار أنْ تكون نعتا للخبر الأوَّل (3) . ومن منع تعدد الخبر أوَّل هذه النصوص ، وقدَّر ل ما عدا الخبر الأوَّل مبتدآت، أي: هو الودود، وهو ذو العرش(4) . وجواز تعدد الخبر لمبتدأ واحد لفظا و معن ى هو الصواب وهذا ما أكَّد ته كتب إعراب ال قرآن و معانيه وتفسيره عند تناول مؤلفيها هذا النص القرآني بالدراسة موجهين قوله: ( الغفور، والودود، وذو العرش، والمجيد، وفعَّال) على أنَّها خبر بعد خبر وذهبوا إلى جواز كون (المجيد) صفة لله (5). قال مكي بن أبي طالب (ت437هـ): " قوله: (ذو العرش المجيد ) ...من رفع ه جعل ه نعتا لذو، أ و خبرا بعد خبر. قوله: (فعَّال لما يريد): رفعٌ على إضمار هو، أو على أنَّه خبر بعد خبر"(6) . 1)) ديوانملحق رؤبة بن العجاج: 191 . 2)) واحتج وا أيضا بقول حميد بن ثور ي ن امُ بِّإح د ى مُق ل ت ي هِّ و ي تَّقِّ ي بِّأُخ ر ى ال م ن اي ا ف هُو ي ق ظ انُ ه اجِّعُ . ينظر: ديوان حميد بن ثور: 105 . 3)) ينظر:شرح التسهيل1/310، وشرح الأشموني 1/214، والنحو الوافي، عباس حسن: 1/434-435 . 4)) ينظرشرح قطر الندى وبل الصدى، ابن هشام: 130 . 5)) ينظر: معاني القرآن، الفرَّ اء: 3/254، ومعاني القرآن وإعرابه : 5/238، وإعراب القرآن، النحاس 1082-1083، ومشكل إعراب القرآن، مكي بن أبي طالب : 503-504، والبيان 2/505، والتبيان 2/458، والبحر المحيط8/445، والدر المصون 10/748 . 6)) مشكل إعراب القرآن: 503-504 .
عدد الصفحات ٣٨ 30 ويتضح ذلك بربطالنص بالمعنى العام له في ضوء معنى ما قبله وما بعده من النصوص ف بعد أنْ أخبر - سبحانه وتعالى – عن بطشه بالكافرين وشدَّة عق ابه وعذابه لهم أخبر عن مغفرته وود ه لمن آمن وتاب إليه، وأنَّه "غفَّار لذنوب من شاء من عباده إذا تاب وأناب منها، معاقب من أصرَّ عليها، وأقام، لا يمنعه مانع من فعلٍ أراد أنْ يفعله، ولا يحول بينه وبين ذلك حائل؛ لأنَّ له ملك السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم "(1). وقوله سبحانه وتعالىﭿ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭾ جملة معطوفة على قوله : ﭿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭾ[12]، وجاء بها ليقابل هذا النص فبعد أنَّ ذكر وتوعَّد بع ذاب الكافرين ناسب ذلك أنْ يذكر مغفرته للذين تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات وهو يحب التوَّابين ويود هم (2) . إنَّ ما أثبتته الدراسات النحوية الحديثة استنادا إلى آراء القدماء تؤك د صحة تعدد الخبر لمبتدأ واحد ذلك أنَّ الخبر وصفٌ للمبتدأ في المعنى أو هو هو * فإذا كان وصفا جاز تعدده لجواز تعدد الصفة؛ ولهذا نجد أنَّ المحدثين الذين درسوا النحو في ضوء المعنى ومنهم إبراهيم مصطفى ود.مهدي المخزومي عد وا الخبر من التوابع ورفعه لأنَّه؛ وصف للمبتدأ لا بالعامل اللفظي أو المعنوي كما ذهب القدماء(3). ومن الدراسات النحوية الحديثة ما طرحه (د.تم ام حس ٍان ) في نظريته (نظر ية القرائن - اللفظية والمعنوية) ال تي عرضها بديلا لنظرية العامل التي شغل بها القدماء، وجعلوا النحو يدور في فلكه ا، فالقرائن الكاشفة عن المعنى قسَّمه ا على 1)) جامع البيان: مج15: 30/174، 2)) ينظر: التحرير والتنوير مج 12 :30/249 . * وهذا مذهب سيبويه وجميع النحويين : الكتاب 2/127، والمقتضب 4/128، والأصول ، ابن السرَّاج : 1/68. 3)) ينظر: إحياء النحو، إبراهيم مصطفى: 126-127، وفي النحو العربي قواعد وتطبيق على المنهج العلمي الحديث، د.مهدي المخزومي: 196-197 .
عدد الصفحات ٣٩ 31 قسمين (لفظية ومعنوية) ومن القرائن اللفظية عنده قرينة (التضام) فقد عدَّ مسألة تعدد الخبر لمبتدأ واحد شكلا من أشكال التضام في باب المبتدأ والخبر وتوضيح معنى الجملة الاسمية (1)، ممَّا يؤدي إلى اتساق النص وترابطه وهذا ما أكَّدته الدراسات النص ية الحديثة . واخل ص ممَّا تقدَّم أ نَّ الأساس الذي اعتمد عليه البحث في هاتين المسألتين : (مجيء المبتدأ جملة )، و (تعدد الخبر لمبتدأ واحد) هو السياق العام لنصوص هذه المسائل المختلف فيها، إذ كان لدراسة النصوص في ضوء السياق أثرٌ بالغ في الوقوف على صحةَّ أحد الآراء في المسائل المختلف فيها وترجيحها على سائر الآراء وعدَّها دعامة أساسية من دعائم البحث في هذه المسائل، وذلك بعد دراسة النصوص في ضوء ما قبلها وما بعدها من نصوص ودراسة دلالتها والوصول إلى رأي يتفق ودلالة النص القرآني العام الذي يحقق القصد الإلهي من و راء هذه العدولات عن قواعد النحويين المعيارية. وفضلا عن السياق فقد اعتمدت المسألة الثانية (تعدد الخبر لمبتدأ واحد ) على دعامة أساسية أخرى لدراسة النص في ضوئها وهي ترابط النص وانسجامه؛ وذلك لكون (تع دد الخبر) شكلا من أشكال التضام الذي يتحقق عن طريق دراسة آراء المحدثين، والذي تجسَّد برأي د.تمَّام حسَّان الذي يتفق مع الدراسات النص ي ة الحديثة. 1)) ينظر: الخلاصة النحوية، د.تمَّام حسَّان:108.
عدد الصفحات ٤٠ 32 هذه المسألة من المسائل الخلافية التي تفرَّد ب منعها نحوي واحد وهو أبو العباس ثعلب (ت291هـإذ اتفق جميع النحويين على جواز مجيء جملة القسم خبرا للمبتدأ وخالفهم ثعلب إذ منع مجيء جملة القسم خبرا (2) . قال أبو حيَّان(ت745هـ): "والجملة اسمية وفعلية،... ويجوز أنْ تكون قسمية خلافا لثعلب، نحو: زيد أ قس م بالله لأضْر ب نَّه ، والمتفق عليه وقوعه خبرا من الجمل" (3) . احتجثعلب بأدلَّة عقلية جدلية في منعه لهذه المسألة نجدها في مغني اللبيب ورد ابن هشام عليه(4). أمَّا جمهور النحويين فاستندوا في جواز مجيء جملة القسم خبرا إلى عددٍ من النصوص القرآنية وفضلاٍ عن كلام العرب، فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﭾ[النحل41]. وقوله تعالى: ﭿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﭾ[العنكبوت58]. وقوله تعالى: ﭿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﭾ[العنكبوت69]. 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة : ارتشاف الضرب 3/1115، و مغني اللبيب: 2/62، وهمع الهوامع 1/368، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم، محمد عبد الخالق عضيمة: مج3 :1/204 . 2)) ينظر: شرح التسهيل: 1/296، وشرح الكافية1/208، والتذييل والتكميل 4/26، المساعد 1/230، وإعراب الجمل وأشباه الجمل: 93-94،ونسب ابن مالك المنع إلى الفرَّاء ، ينظر: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، ابن مالك: 221 . 3)) ارتشاف الضرب 3/1115 . 4)) ينظر: مغني اللبيب: 2/62-63 .
عدد الصفحات ٤١ 33 قوله تعالى: (ل ن ب و ئ نَّه مْ)و(ل ن هْد يْنَّه مْ) جواب قسمٍ محذوف، دلَّ عليه اللام والنون، وجملة القسم في محل رفع خبر المبتدأ (الذين). وغيرها من النصوص القرآنية(1) التي جاء فيها الخبر جملة قسمية أمَّا ما احتج وا به من كلام العرب فقول الشاعر: ج ش أ ت ف قُل تُ الَّل ذ خ شِّي تِّ ل ي أ تِّي ن و إذ ا أ ت اكِّ ف لَ ت حِّي ن م ن اصِّ (2) . وجدت في الكتب التي درست النص القرآني تأكيدهم جواز مجيء جملة القسم خبرا ، وعد وا القسم المحذوف في هذه النصوص وجوابه خبر المبتدأ (الذين)(3). وإنَّ الغرض من مجيء الخبر جملة قسمية مؤكَّدة في قوله تعالى: ﭿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭾ [41]؛لبيان عظمة الهجرة التي بسببها ظهرت قوَّة الإسلام وقويت شوكته بنصر هم على المشركين(4) . وفي هذا النص قراءة قرآنية إذ قرأ كلٌ من حمزة(ت156هـ والكسائي (ت189هـ(5) قولهل ن ب و ئ نَّه مْ ): (ل ن ثْو يْنَّه مْ) والقراءتان ب معن ى واحد وهي: (الإقامة والإنزال) إلاَّ أنَّ العبارة القرآنية آثرت استعمال (ل ن ب و ئ نَّه مْ) على( ل ن ثْو يْنَّه مْ) ولا بدَّ أنْ يكون من وراء ذلك قصدٌ وخصوصية لأحدهما على الآخر ، ويرى 1)) من النصوص القرآنية الأخرى التي استندوا إليها قوله تعالىﭿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭾ [9]ﭿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭾ[195]اسات لأسلوب القرآن:مج3 : 1/204 . 2)) شرح التسهيل1/296 . 3)) ينظر إعراب القرآن ،النحاس: 479، والتبيان 2/62 ،252،255،261، والبحر المحيط 3/152- 153،5/478،7/155، والدر المصون 7/221،9/10،28، وإعراب القرآن، زكريا الأنصاري: 246،333 . 4)) ينظر البحرالمحيط: 5/478 . 5)) ينظر معاني القراءات، الأزهري: 371، والحجَّة في علل القراءات السبع: أبو علي الفارسي: 4/145، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب القيسي : 2/284 .
عدد الصفحات ٤٢ 34 الطبري(ت310هـ أنَّ القا رئ بأي القراءتين قرأ فهو مصيب(1) وكأنَّهلم يتنبَّ ه على دقة التعبير القرآني في استعمال الكلمات ووضعها في أماكنها من التركيب فنظرة إلى السياق العام للآيات التي وردت فيها كلٌّ من اللفظتين نجد أنَّ التعبير القرآني وضع الكلم ة في موضعها التي تستحقه ا من النص ؛ ذلك أنَّ لفظة (ل ن ب و ئ نَّه مْ) ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم في سياق آيات النعيم والجنَّة وما أنعمه على أنبيائه(2)، أما لفظة (ثوى) ومشتقاتها، فنجدها في القرآن الكريم في سياق الحديث عن مثوى الكافرين أو المتكبرين و هو جهنَّ م(3)، وبهذا يتوضح سبب اختيار التعبير القرآني للفظة (ل ن ب و ئ نَّه م) في هذا الموضع؛ لمناسبتها مع السياق العام الذي استعملت فيه في القرآن الكريم . ولابن هشام رأي تفرَّد به في خبر المبتدأ في هذه النصوص إذ يرى أ نَّ في المبتدأ معنى الشرط وخبره منزَّل منزلة جواب الشرط فإذا جاء قبله قسم فالجواب للقسم والخبر محذوف استغناء بجواب القسم المقدَّر عليه(4) . وهذا الأمر إنما يكون عند اجتماع الشرط والقسم نحو: (والله إنْ قام زيدٌ لأكرم نَّ ه ) أو (إنْ قام زيدٌ والله أكرمْ ه ) ففي مثل هذا الموضع يكون التوجيه الذي ذكره ابن هشام فالجواب هنا عند أغلب النح ويين للقسم إنْ كان القسم هو المتقد م، فالجواب 1)) ينظر جامع البيان: مج11 :21/16 2)) من الآيات التي وردت فيها لفظة (بوَّأ) ومشتقاتها في سياق النعيم قوله تعالى: ﭿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭾ[74]ﭿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﭾ[56] وقولهﭿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ[93] المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد عبد الباقي: مادة: ( ب و أ ) . 3)) من الآيات التي وردت فيها لفظة (ثوى) ومشتقاتها في سياق جهنم قوله تعالىﭿ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭾ [151) ، وقولهﭿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ[68]ﭿ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭾ[76] المعجم المفهرس مادة: ( ث و ي ). 4)) ينظر: مغني اللبيب 2/63 .
عدد الصفحات ٤٣ 35 يكون للمتقد م منهما، و هذه مسألة خلافية أخرى بين النحويين، هل الاعتبار يكون للشرط أو للقسم؟(1) استنادا إلى ما ورد من نصوص ق رآنية جاء فيه ا الخبر جملة قس مية صريحة ولكون هذا الأسلوب أحد أساليب القرآن في التعبير لتأكيد مضمون الخبر بالجملة القسمية اتفق مع م نْ جوَّ ز مجيء خبر المبتدأ جملة قسمية. اختلف النحويون البصريون والكوفيون في مجيء خبر كان وأخواتها - أصبح، وأمسى، وأضحى، وظلَّ، وبات - فعلا ماضيا ، في ثلاثة مذاهب فذهب البصريون إلى جواز ذلك مطلقا ، في حين ذهب الكوفيون إلى منع ذلك ما لم يكن الفعل الماضي مقترنا بـ (قد) ظاهرة أو مقدَّرة ، أمَّا ابن درستويه (ت 347هـفذهب إلى إنَّه لا يجوز أنْ يقع خبر كان وأخواتها فعلا ماضيا مطلقا (2). احتجالبصريون فيما ذهبوا إليه بأد لَّة عقلية ونقلية، فالدليل العقلي أنَّ دخول كان وأخواتها على ما كان خبره فعلا ماضيا ي زيد على النص معن ى لا يكون له هذا المعنى من دونه فقولنا: (أصبح زيدٌ خرج) و (أمسى زيد قام) دلَّ على أنَّ الخروج كان في وقت الصباح والقيام في وقت المساء، وكذلك سائر أخوات كان إلاَّ أنَّ (كان) تفيد التوكيد في كلامهم كثيرا (3). أمَّا ما استندوا إليه من السماع فهو كثير كثرة توجب القياس فاستدل وا بنصوص من القرآن الكريم ومن كلام العرب فمن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭾ[إبراهيم44.] 1)) ينظر الخلاف فيه في: ارتشاف الضرب 4/783، وهمع الهوامع 2/491، والخلاف النحوي في ترتيب الجملة: 237-245 . 2)) ينظر: شرح الكافية: 2/173، وارتشاف الضرب 3/1167، والمساعد 1/255، وهمع الهوامع 1/417. 3)) ينظر: شرح جمل الزجاجي1/388، والتذييل والتكميل 4/151 .
عدد الصفحات ٤٤ 36 وقوله تعالى: ﭿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﭾ [الأحزاب15.] وغير ذلككثيرٌ من النصوص القرآنية(1)، أمَّا ما استندوا إليه من كلام العرب فقول النابغة: أم س ت خ لَ ءً, و أم س ى أ ه لُه ا اح ت م لُوا أ خ ن ى ع ل ي ه ا الذي أ خ ن ى ع ل ى لُب دِّ (2) . وغير ذلك من الشواهد الشعرية (3) التي احتج وا بها في جواز مجيء خبر كان وأخواتها فعلا ماضيا كثرة توجب القياس عليها، ومن كلام العرب من النثر ما حكاه الكسائي عن العرب: " أصبحتْ نظرتْ إلى ذات التنانير " (4) فجاء خبر كان وأخواتها في هذه النصوص فعلا ماضيا من غير (قد) . يقول الرضي(ت686هـ: " إذ لا مانع من قيام شيئين يفيدان معنى المضي "(5) . أمَّا الكوفيون فقد منعوا مجيء خبرها ماضيا ما لم يقترن بـ (قد) ظاهرة أو مقدرة؛ وعللًّوا ذلك بأنَّ كان وأخواتها " إنما دخلت على الجملة؛ لتدلَّ على الزمان، فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يحتج إليها، وكان ذكرها فضلا ؛ ألا ترى أنَّك إذا 1)) من النصوص القرآنية الأخرى قوله تعالىﭿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﭾ[116]ﭿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭾ [1]ﭿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭾ[84]، وقولهﭿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭾ [يونس71] ﭿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭾ[الأنعام158] ﭿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭾ[الأعراف:106] وغيرهاكثير من النصوص القرآنية ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: ق3 :1/289. 2)) ديوان النابغة الذبياني16 . 3)) من الشواهد الشعرية الأخرى قول امرئ القيس و أص ب ح تُ و دَّع تُ الص ِّ ب ا غ ي ر أنَّنِّي أُر اقِّبُ خ لََّتٍّ مِّن ال ع ي شِّ أ ر ب ع ا. ديوان امرئ القيس:240، ومن الشواهد الشعرية الأخرى قول زهير بن أبي سلمى: و ك ان ط و ى ك ش ح اً ع ل ى مُس ت كِّنَّةٍّ ف لَ هُو أب د اه ا, و ل م ي ت ق دَّمِّ . ديوان زهير:68 ، وغيرها كثير من الشواهد الشعرية . 4)) شرح جمل الزجاجي1/389 . 5)) شرح الكافية2/175
عدد الصفحات ٤٥ 37 قلت: زيد قام، كان المفهوم منه ومن: كان زيدٌ قام واحدا ، فإنْ جاء شيء من ذلك فهو على إضمار قد؛ لأنَّها تقرب الماضي من الحال"(1). وتأتي أهمية الت عبير عن خبر كان بصيغة الماضي في قوله تعالى: ﭿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭾ[إبراهيم44]؛ لتأكيد الحدث في الزمن الماضي الذي يتوضح من خلال سياق الآية التي جيء بها؛ للتعبير عن حال المشركين في يوم الحساب، وتوبيخ الله لهم، وتذكيره لهم بما أقسموا به في الدنيا من إنكارهم للبعث بعد الموت(2)، فجاء بالخبر ماضيا وأكَّد زمنه بـ (كان) الذي يدل على الزمن الماضي لفظا و معن ى، ونجد في النص إشارة ثالثة إلى الزمن الماضي المستفاد من وجود (لم) الذي يفيد قلب زمن الفعل المضارع من المستقبل إلى الماضي، وهناك إشارة رابعة إلى الزمن الماضي في النص وذلك في قوله: (من قبل ) " لمَّا لم يكن وقت إقسامهم مستغرقا للزمن قال: (من قبل ) "(3) . ونجد أنَّ النحويين القدماء والمحدثون تنبهوا على مسألة مهمَّة جدا وهي الزمن الذي يمكن أنْ يتكون من صيغة الفعل الماضي وكان معا (كان+ فعل) الذي يأتي للتعبير عن الماضي البعيد وهذا ما تنبَّه عليه سيبويه(4)، ومن المحدثين د. مهدي المخزومي(5) وآخرون وهو أسلوب من أساليب العرب غير مقتصر على كلام الله بدليل الشواهد الشعرية ال مذكورة سابقا ، وهذا يدل على أنَّ دلالة الزمن في اللغة العربية غير مقتصرة على الماضي والحال والمستقبل وإنَّما هو أكثر من ذلك، لكن النحويين انشغلوا بنظرية العامل عن مسألة الزمن في العربية، وغيرها؛ لذلك تجنبوا 1)) شرح جمل الزجاجي1/388، وينظر: التذييل والتكميل 4/151، وهمع الهوامع 1/418 . (2) ينظر: جامع البيان مج8 :13/303، والبحر المحيط 5/424-425 . (3 ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور:10/435 . 4)) ينظر: الكتاب: (5) ينظر: في النحو العربي نقد وتوجيه ، د. مهدي المخزومي : 149، و الدلالة الزمنية في الجملة العربية، د.علي جابر المنصوري: 57 .
عدد الصفحات ٤٦ 38 الخوض فيها وفي غيرها، وإنْ كنا نجد إشارات لهم في كتب هم في حين توَّسع المحدثون كما سأذكر ذلك لاحقا في مسألة الزمن في العربية. ونخلص مما تقدَّم أنَّ الدعا مة الأساسية التي قامت عليها هاتان المسألتان ( مجيء جملة القسم خبرا ) و( مجيء خبر كان وأخواتها فعلا ماضيا ) في ترجيح أحد الآراء على الأخرى هو البناء الأس لوبي فالأسلوب القرآني هو الذي كان له الفضل في توجيه المسائل المختلف فيها، ف لكون هاتين المسألتين تتفقان مع أسلوب القرآن الكريم، وكونه من أساليب العرب في حديثهم، وخطاباتهم من هنا كان وجه ترجيح المسألة على رأي جمهور الن حويين البصريين في المسألتين وما يرجح رأي هم ويعضَّده في هاتين المسألتين كونها جاء ت على أسلوب القرآن الكريم ونظمه ، وأسلوب العرب.
عدد الصفحات ٤٧ 39 سأدرس في هذا المبحث المسائل الخلافية المتعل ِّقة بالجملة الفعلية، ومتعلقاته، ومن المسائل الخلافية التي سنتناولها بالدراسة المسائل الخلافية الآتية: من المسائل الخ فية المعروفة بين النح ويين، ولاسيما البصريون والكوفي ون مجيء الفاعل ، والنائب عن الفاعل جملةً ويمكن أن أجمل الخلاف فيه في ثلاثة مذاهب: الأول: وهو مذهب جمهور البصريين إذ ذهبوا إلى أن ه لا يجوز مجيء الفاعل والنائب عن الفاعل جملة(2) . الثاني: وهو مذهب الفر اء وجماعة من النحويين (3) وفيه تفصيل، إذ جو ز مجيء الفاعل والنائب عن الفاعل جملةً مع أفعال القلوب بشرط كونه معل قا بأداة من أدوات التعليق(4). والثالث: وهو مذهب هشام الضرير(ت209هـ) وثعلب وجماعة من الكوفيين، إذ ذهبوا إلى جواز ذلك مطلقاً (5). 1)) ينظر الخلاف في هذه المسألة في التذييل والتكميل 1/55-56، وارتشاف الضرب: 3/1325، ومغني اللبيب: 2/82، وهمع الهوامع: 1/589-590، وإعراب الجمل وأشباه الجمل: 158-159 . 2)) وهو اختيار العكبري، ينظر: اللباب في علل البناء والإعراب: 115، وأبو حيان الأندلسي، ينظر : التذييل والتكميل :6/173، وابن هشام الأنصاري في شرح شذور الذهب من معرفة كلام العرب: 196،والسيوطي، ينظر: همع الهوامع : 1/589، والأشباه والنظائر2/20، وغيرهم. 3)) ونُسِّب هذا الرأي لسيبويه في مغني اللبيب 2/82، وينظر الكتاب: 3/110، وتبعه ابن ولا د في ذلك ينظر: الانتصار لسيبويه على المبر ِّد، ابن ولااد: 187. 4)) وصحح ابن هشام مذهب الفر اء وذلك بأن يكون التعليق بالاستفهام خاصة دون سائر المعلقات وأن يكون الإسناد إلى مضاف محذوف لا إلى الجملة، وتبعه الدماميني في ذلك ،ينظر : مغني اللبيب : 2/59 ،و حاشية الصبان: 2/60 . 5)) ينظر: مغني اللبيب : 2/59 ،و حاشية الصبان: 2/60 .
عدد الصفحات ٤٨ 40 استند الكوفيون في جواز مجيء الفاعل والنائب عن الفاعل جملة إلى طائفةٍ من النصوص القرآنية ومن كلام العرب من الشعر ؛ لإثبات صحة ما ذهبوا إليه فمن النصوص القرآنية التي جاء فيها الفاعل جملة قوله تعالى(1): ﭿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭾ [يوسف35] . ﭿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭾ [طه128] ومن النصوص القرآنية التي جاء فيها النائب عن الفاعل جملة٭ قوله تعالى: ﭿ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ [البقرة11.] كما احتجوا بصحة مجيء الفاعل جملة بكلام العرب من ذلك قول معاوية بن خليل النصري: وما راعني إلَّ يسير بش رطةٍ و ع ه د ي ب ه ق ي ن اً ي ف شُّ ب ك ير (2). وقول الفرزدق م ا ض رَ ت غ ل ب و ائ لٍ أهج وت ه ا أ م ب ل ت ح ي ث ت ن اط ح ال ب ح ر ان (3). ونظراً إلى أن النحويين حاولوا المحافظة على سلامة القاعدة التي وضعوها ، وعدم خرقها وهي أن (الفاعل اسم ظاهر أو مضمر أسند إليه الفعل ولا يأتي جملة ) نجد أن جهوداهُم ات جهت إلى تأويل النصوص التي ورد فيها الفاعل أو نائبه جملةً ، 1)) ينظرمغني اللبيب : 2/59 ،و حاشية الصبان: 2/60، و دراسات لأسلوب القرآن الكريم : ق3, ج1/363 - 364. ٭ ومن الشواهد الأخرى على مجيء النائب عن الفاعل جملة قوله تعالى ﭿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭾ [حل:24] ﭿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭾ[65] ﭿ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭾ[11-12] النصوص القرآنية . ينظر :دراسات لأسلوب القرآن الكريم : ق3، ج1/606-609. 2)) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، البغدادي : 8/584-585 ، وينظر مغني اللبيب: 2/82 . 3)) شرح ديوان الفرزدق 2/593 .
عدد الصفحات ٤٩ 41 وإخضاعها للقاعدة وإرجاعها للأصل الذي وضع وه من دون الالتفات إلى خصوصية النص القرآني ونحوه الخاص (النحو القرآني). وسأحاول إجمال آرائهم في النصوص التي تعارضت مع القاعدة التي وضعوها وتأويلهم لها. اختلفت آراء جمهور النحويين والمفسرين في تأويل قوله تعالى : ﭿ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭾ [يوسف35] . فذهب سيبويه (ت180هـ على ما نقله عنه النح اس إلى أن فاعلا (بدا) محذوفٌ قام مقامه جملة (لاياس جُنُن هُ) والمعنى أي:(ظهر لهم أن يسجنوه)(1) . وذهب المبر ِّد (ت285هـ ومن وافقه (2) إلى أن فاعل (بدا) ضمير مستتر فيه راجع إلى المصدر المفهوم منه وهو (البداء)، والتقدير:(ثم بدا لهم بداءٌ). والمعنى (ظهر أو بدا لهم بداءُ ليسجننه)، وجملة (لاياس جُنُن هُ) جواب لقسم مقدر، والقسم وجوابه تفسير لذلك الضمير المفهوم من (البداء) ، والمعنى هو : (سجنه -عليه الصلا ة والسلام - فهذا هو البداء الذي بدا لهم )(3). في حينذهب الزجاج (ت 311هـوغيره(4) إلى أن الفعل استغنى عن الفاعل ، فلم يذكر الفاعل مع أن ه مراد لدلالة الكلام عليه، وفس ره بأن (العزيزا) بدا له رأيٌ وهو أن يعرض - يوسف - عن الأمر فقط، ثم تغي ر رأيه عن ذلك إلى رأيِّ أخر، ثُ م بي ن الذي بدا لهم فقال : (لاياس جُنُن هُ حت ى حين)(5). 1)) الرأي غير مذكور في الكتاب، ينظر: إعراب القرآن ، النحاس: 477، ومشكل إعراب القرآن 249، والبيان : 2/41، والتبيان: 2/12 . 2)) ممن وافقه أبو علي الفارسي في أحد رأييه ينظر: المسائل العضديات :110، و الرماني في تفسيره الجامع لعلم القرآن: 129 وغيرهما. 3)) لم أجد هذا الرأي في المقتضب، ينظر: الانتصار لسيبويه على المبر ِّد: 187، ومغني اللبيب : 2/58،وحاشية الصبان: 2/50 ،ومن أسرار الجمل الاستئنافية دراسة لغوية قرآنية، د. أيمن عبد الرزاق الشو ا : 393 4)) منهم أبو علي الفارسي، ينظر: المسائل العضديات 111 . 5)) ينظر: معاني القرآن وإعرابه3/84-85، وينظر: إعراب القرآن، النحاس: 477، ومعاني القرآن الكريم، النحاس: 3/425، والتبيان: 2/12، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور،: 10/77-78 .
عدد الصفحات ٥٠