283 من العباراتالتي استخدمها القدامى من النحويين التي تدل على النهج التوزيعي في التحليل النحوي ودراستهم للأبواب النحوية : الإنابة أو النيابة ، والتعويض، والاستعارة، يقوم مقام، بمنزلة، وقع موقع، جرى مجرى، في معنى(1). ومن الأعمال التوز يعية التي قام بها النحويون تقسيمهم الكل م على ثلاثة أقسام وبيان منزلة كل قسم من هذه الأقسام واختصاصه ، وما يندرج تحت كل قسم من عناصر، واحتمال وضع بعض هذه الأقسام موضع بعضه الآخر، "فعيَّنوا موضع كل قسمٍ في بابه، وبيَّنوا اختصاصه بذلك الباب، إلاَّ أنَّهم كانوا يذكرون في كل بابٍ ما يحتمل أنْ يكون في موضعه ، أو يقع في غير موضعه"(2). فدراسةالنحويين للاستبدال نجدها في جميع الأبواب النحوية، إذ درسوا مجيء القسم الواحد من أقسام الكلم في مواضع عدَّة أي مجيء الاسم في مواقع أخرى نائبة عن الموقع المفترض، أو بدلاً منه ، وبطبيعة الحال اختلفوا في بعض الأبواب والموضوعات أو المواقع الإعرابية هل يأتي بعضها موضع البعض الأخر؟ إنَّ الاستبدال أو الإنابة في اصطلاح النحويين باب واسع من أبواب العربية إذ قد يوضع عنصر موضع عنصر آخر، في شغل مكانه ويقوم بوظيفته النحوية، ويتحقَّق ذلك إمَّا بحذف العنصر الأوَّل وإحلال الثاني محلَّه مثل نيابة المفعول به أو الظرف أو الجار والمجرور عن الفاعل، أو يكون باستبدال العنصر الثاني بالأوَّل كنيابة أسماء المصادر وأسماء الفاعلين عن المصادر أو إنابة الاسم الظاهر عن المضمر، وفي هذين النوعين من الاستبدال تخرج البنية الأصلية عن استعمالها الأصلي إلى استعمال آخر غير مذكور في ضمن تقسيم الكلم لها ولهذا أثر في تعدد المعنى الوظيفي لهذه العناصر، وقد يكون الاستبدال بإبقاء العنصر المحوَّل في القسم الكلامي نفسه لكن 1) ) ينظر: الإنابة في الدرس النحوي، د.مصطفى شعبان المصري: 64-77، و آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر: 214. 2)) نظرات في الجملة العربية148.
عدد الصفحات ٢٩٢ 284 يتغيَّر معناه الوظيفيويتحقَّق ذلك بالنيابة (1) ( نيابة حروف الجر بعضها عن بعض وهو ما قال به الكوفيون وبعض البصريين المتأخرين، أو بالتضمين الذي قال به البصريون. فمن الاستبدال الذي سأدرسه من النوع الثاني موضوع النيابة في حروف الجر، والضمير في لولاه ولولاي ولولاك، واستبدال النكرة بالمعرفة (مجيء الحال والتمييز معرفة) أمَّا من الاستبدال الذي من النوع الأوَّل وهو إحلال عنصر موضع عنصر آخر، والذي يؤدي إلى أنْ يحتلَّ مكانه ويقوم بوظيفته النحوية فقد درست وناقشت كثيراً من المسائل الخلافية التي يمكن أنْ أ عدَّ ها من هذا النوع من الاستبدال في الفصل الأوَّل في مكونات النص إلاَّ أنَّني سأ كتفي بدراسة بعض المسائل الخلافية التي من النوع الأوَّل من الاستبدال في بيان الخلاف في توزيع عناصر التركيب، ومكو نات النص لدى القدامى، وبيان الاستبدال الحاصل فيه في ضوء النظرية التوزيعية . 1)) ينظر: الإنابة في الدرس النحوي: 33-37.
عدد الصفحات ٢٩٣ 285 استبدال الحرف بغيره ظاهره شائعة في اللغة العربية يطلق عليها النحويون مصطلحات عديدة منها النيابة أو التضمين. فظاهرة النيابة في النحو العربي إحدى الظواهر التي حظيت بالدراسة والبحث من لدن النحويين قديماً والباحثين المحدثين ومحاولتهم تفسيرها، والخروج بنتيجة تتوافق وروح العربية والاستعمال القرآني، وهي إحدى الظواهر التي يمكن أن ندرسها في ضمن آراء ال مدرسة التوزيعية في الاستبدال ؛ ذلك أنَّ إحدى وسائل الاستبدال في العربية هي النيابة أو التناوب بين حروف الجر. يعد التناوب في حروف الجر من المسائل الخلافية بين النحويين البصريين والكوفيين، فالبصريون يرون أنَّ حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض؛ ذلك أنَّ الحروف عندهم إنَّما وضعت في الأصل لمعنىً فلا يغادر الحرف معناه الذي وضع له، وما ورد موهماً بذلك فهو على التأويل بما يقبله اللفظ أو على تضمين الفعل معنى فعلٍ آخر يتعدى بذلك الحرف، وإذا لم يتو افر هذا ولا ذاك فعلى جواز الإنابة على الشذوذ، أمَّا الكوفيون والأخفش والمبر د وعدد من البصريين ولاسيما المتأخرون ذهبوا إلى جواز نيابة حروف الجر بعضها عن بعض(1) . والجدير بالذكر أنَّ أصحاب كتب م عاني الحروف كالمالقي، وابن هشام، والمرادي وغيرهم ذكروا المعاني المختلفة التي يمكن أنْ تؤديها حروف الجر ، لكن من منطلق الترادف في المعنى لا من منطلق النيابة أي نيابة حرف عن حرف. إنَّ صورَ الاستبدال في موضوع النيابة في حروف الجر كثيرة جداً والحروف النائبة بعضها عن بعض وتنوعاتها كثيرة وشواهدها من النصوص القرآنية أكثر من 1)) ينظر: معاني القرآن، الأخفش: 1/239-140،والكامل في اللغة والأدب: 2/82، الجنى الداني46،249، 289،480، ومغني اللبيب: 1/150- 151، والإنابة في الدرس النحوي: 346- 348،
عدد الصفحات ٢٩٤ 286 أنْ تحصى لذلك سأ كتفي ببعض النصوص القرآنية المتنوَّعة؛ ذلك أنَّه ليس الهدف من هذا المبحث إحصاء صور الاستبدال في الحروف قدر الإشارة والا لتفات إلى هذا الموضوع ودراسته في ضوء النظرية التوزيعية القائمة على الاستبدال، ومن النيابة في حروف الجر: - نيابة (إلى) عن (الباء) أي استبدال (الباء) بـ (إلى) : ومن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ [البقرة٧٨] إذ ذهب البصريون إلى أنَّ ( الرفث) تضمن معنى فعل آخر وهو (أفضى) فجاء مع حرفه، أمَّا الكوفيون فقد قالوا بالنيابة، فالحرف (إلى) ناب عن (الباء)(1)، وفي كلا الحالتين ففي النص استبدال فعلي مرَّة، وأخرى حرفي. وقوله تعالى: ﭿ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭾ[البقرة14.] قيل إنَّ (إلى) في النص الكريم جاء بمعنى الباء، فاستبدل الحرف (الباء) بحرف الجر (إلى)2. - نيابة (إلى) عن (مع)، أي: استبدال (مع) بـ (إلى ومن النصوص القرآنية قوله تعالى: ﭿﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ[النساء2.] 1)) ينظرالجامع لأحكام القرآن: مج1 :2/692- 692، والبحر المحيط2 /55. 2)) ينظر: الجامع لأحكام القرآن مج1 :1 /201.
عدد الصفحات ٢٩٥ 287 قالوا إ نَّ( إلى) جاء بمعنى (مع) وهذا قول الكوفيين، أمَّا البصريون فيرون أنَّ الفعل (تأكلوا) ضم ن معنى (تضم وا)(1). أي إمَّا أنالصحيح عندهم: (لا تأكلوا أموالكم مع أموالهم)، أو (لا تضم وا أموالكم إلى أموالهم) ففي كلا الحالتين استبدال عنصر بعنصر لغوي آخر في النص الكريم. - نيابة (الباء) عن (في)، أي: استبدال (في) بـ (الباء) ومن النصوص القرآنية الأخرى قوله تعالى: ﭿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﭾ [البقرة٦٩] فقيل أنَّ الباء بمعنى (في) أي: (فمن كان منكم مريضاً أو فيه أذىً ، فاستبدل حرف الجر (في) بحرف آخر هو (الباء) على رأي الكوفيين في النص الكريم. - استبدال (على) بـ (في) في قوله تعالى:ﭿ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭾ [طه1.] - استبدال (في) بـ (على) في قوله تعالى ﭿﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭾ[القصص15.] - استبدالإلى) بـ (على) في قوله تعالى: ﭿﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭾ[النمل٨] 1)) ينظرالجامع لأحكام القرآن: مج3 :4/15، والبحر المحيط3 /268- 269.
عدد الصفحات ٢٩٦ 288 وغير ذلكعشرات من صور الاستبدال في حروف الجر مؤيدة بالنصوص القرآنية إلاَّ أنَّني اكتفي بهذا القدر. وفي أمثال هذه النصوص خلافاتٌ كبيرةٌ بين النحويين كل ها تدور في التفسير والتأويل وتوجيه الإعراب وفيه "آراء مضطربة في كون هذه المعاني أصلية وفرعية أو الأصل والعدول عنه وتناوب معاني الحروف بعضها عن بعض وأكثرها تأويلات وخلافات في التفسير والتقدير"(1). فحروف الجر في هذه النصوص نائبة عن حروف أخرى تمَّ استبدالها بهذه الحروف المذكورة في النصوص السابقة، وأجد في هذه النصوص اتفاقاً بين النظرية التوزيعية والمذهب الكوفي، ومن قالوا بالنيابة من البصريين، وحتى التضمين الذي قال به البصريون في تفسيرهم لهذه النصوص، فهو أيضا صورة من صور الاستبدال في النص القرآني. وبذلك فالنيابة تبدو مقبولة في ضوء هذه النظرية اللسانية الحديثة. كما أنَّ عدداً من الباحثين المحدثين من أصحاب التيسير وافقوا الكوفيين وعدداً من البصريين في صحَّة النيابة في حروف الجر ومنهم: إبراهيم مصطفى، ود. شوقي ضيف، والأستاذ عباس حسن وآخرون(2). لابدَّ لي من أنْ أ حلل بعضاً من هذه النصوص لمعرفة مدى صحة ظاهرة النيابة في حروف الجر وهل يمكن أنْ نقول في التعبير القرآني : إنَّ هذا الحرفَ جاء بمعنى حرفٍ آخرٍ ، وإذا كان ذلك صحيحاً فهل يعقل أنَّ التعبيرَ القرآني عاجزٌ ع ن أنْ يأتي بالحرف الآخر في هذا الموضع، أو أنْ يعب ر عن المعنى الذي يقصده، ولاسيما أنَّ لكل لفظةٍ في القرآن الكريم مكانها الذي لا يؤديه أي حرفٍ سواه، فهل يمكن أنْ تأتي حروف الجر في الخطاب القرآني بمعنى حروفٍ أ خَ ر؟ وهل القول بهذه الظاهرة متَّفق 1)) الإعجاز القرآني في أسلوب العدول عن النظام التركيبي النحوي والبلاغي 78. 2)) ينظر: إحياء النحو: 76-77، وتيسيرات لغوية: 86،92 ، والنحو الوافي: 2/542، والنيابة النحوية في القرآن الكريم وأنماطها ودلالاتها، د.هادي نهر: 74، ومجال الفعل الدلالي ومعنى حرف الجر المصاحب، د. إبراهيم الدسوقي: 9- 56.
عدد الصفحات ٢٩٧ 289 مع روح اللغة؟ وهل من الصحة القول بأنَّ لكل حرف من حروف الجر عدَّة معانٍ؟ وأنَّ الحروفَ تنوب بعضها عن بعض ؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه من خلال دراسة بعض هذه النصوص دراسة معنوية. ففي قوله تعالى: ﭿﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ[النساء2.] الذي قاله الكوفيون: إنَّ (إلى) حرفٌ نائب عن (مع)، أو بعبارة أخرى إنَّ حرف الجر (مع) استبدل بحرف آخر في النص وهو (إلى)، في حين ذهب البصريون إلى أن (تأكلوا) ض م نَ معنى (تضموا). إنَّ حرف الجر (إلى) جاء في النص على أصل معناه وهو (انتهاء الغاية) ولم يأت كما ادَّ عوا بمعنى (مع)، أو أنَّ الفعل ضم ن معنى (تضموا) ، أي: (لا تضم وا أموالكم إلى أموالهم)؛ ذلك أنَّ معنى النص القرآني خلاف ما ذهبوا إليه فـ (إلى) هنا جيء به للدلالة على النهي عن أكل أموال اليتامى منتهية إلى أموال أوصيائهم وكأنَّها جزء منها، وهذا المعنى لا يتحقق باستعمال (مع)؛ إذ لو كانت الآية: (لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم)؛ لفهم منه النهي عن الجمع بين الأموال المأكولة (أموال اليتامى وأموال الأوصياء)، وهذا ممَّا يجيز أكل أموال اليتامى معزولة عن أموال الأوصياء وهذا خلاف دلالة الآية والقصد إلالهي. قال ابن عربي (ت543هـ) بعد أن ذكر رأي البصريين في تضمين (تأكلوا) معنى (تضم وا): "والمعنى الذي يسلم معه اللفظ ما قلنا: ن هوا أنْ يعتقدوا أنَّ أموال اليتامى كأموالهم، ويتسلَّطون عليها بالأكل والانتفاع"(1). 1)) أحكام القرآن: 1 /403.
عدد الصفحات ٢٩٨ 290 وذكر ابن عطية مجيء إلى على بابها وهي انتهاء الغاية قائلاً: "وقال الح ذَّاق: إلى هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير: (لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل)"(1). فحرف الجر في هذا النص جاء بالمعنى الذي حدَّده له النص القرآني، واستعماله بمعناه الأصلي أبلغ من أن يستبدل بحرف آخر يخالف قصد الآية. إذ إنَّ لكل لفظةٍ في القرآن الكريم مكانها الذي لا يؤديه أيَّ حرفٍ سواه. وفي قوله تعالى: ﭿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﭾ [البقرة٦٩] يرى الكوفيون أنَّ الباء بمعنى (في) أي: (من كان منكم مريضاً أو فيه أذىً)، وعند النظر إلى الآية وتدبرها نجد أنًّ الباء جاء ت على أصل معناها وهو: الإلصاق، وليس بمعنى (في) الظرفية كما ذكروا؛ ذلك أنَّ الأذى كما ورد في الكشاف المقصود من ه الجراحة والقمل، وكلاهما يلاصق الرأس وقد يكونان محوجين للحلق(2). ولو استعمل التعبير القرآني حرف الظرفية (في) لتغيرت دلالة النص ، ذلك أنَّ الأذى إذا كان في الرأس لاشتمل لكل أنواع الأذى داخل الرأس حتى الصداع، وهذا النوع لا يستوجب الحلق ولا تقصده الآية فإذاً مجيء (الباء) بمعنى (في) خلاف معنى الآية الكريمة. وقوله تعالى: ﭿﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭾ[القصص15.] إذ قال الكوفيون أيضاً: إنَّ ( في) استبدل بـ (على) في هذا النص ، أي أنَّ (على) بعبارة النحويين ناب عن حرف الجر (في)، والصحيح أنَّ (على) جاء في النص على معناه الأصلي وهو الاستعلاء؛ ذلك أنَّ دخولهم كان من فوق " أشبه شيء بالانقضاض 1)) المحرَّر الوجيز 2/٦. 2)) ينظر: الكشاف: 1/219 .
عدد الصفحات ٢٩٩ 291 ومعنى الاستعلاء هنا يشعر بالمفاجأة والمباغتة(1)، فلو استعمل حرف الظرفية لَ ما كان له أنْ يؤدي هذا المعن ى؛ ذلك أنَّ ألفاظ القرآن كما يقول مصطفى صادق الرافعي "بائنةٌ بنفس ها، متميَّزة من جنسها فحيثما وجد منها تركيب في نسقٍ من الكلام دلَّ على نفسه وأومأت محاسنه إليه ورأيته قد وشحَ هذا الكلامَ وزيَّن ه ، وحرَّكَ النفسَ إلى موضع ه منه "(2). إذاً فمسألة النيابة والتضمين ليست شكلية وإنَّما بيانية فنيَّة إبداعية خاص ة بالنص والسياق، لها صلة بالمعنى والمقام أو الحال(3). إنالمتأملَ في هذه الآيات التي ذ ك رَتْ بعد ا لنظر إلى تفسيرها يجد أنَّ "أغلب الحروف وردت على معانيها الحقيقية ومعنى هذا أنْ لا نغرق في التأويل، ونضمن كل الأفعال التي وردت في القرآن متعدية بغير حروفها الأصلية، أو نتسع في معنى الحرف نفسه" (4)، فالعبارة القرآنية تتصرف بحروف الجر تصرفاً لا ي وافق قواعد النحو والنحويين المعيارية التي اصطنعوها؛ لذلك لم تتصف بالدقَّة في وصف المعاني على الوجه الذي أدَّا ه الخطاب القرآني (5)،لذا التجأت إلى القول بظاهرتي النيابة والتضمين. ومن ينعم النظر في كلام النحويين عن حروف الجر "يتبيَّن له أنَّهم معنيون بجانب الإعراب قبل كلَّ شيء، أمَّا جانب المعنى فأمره ه يَّن، إذ يقع الحرف عندهم موقع حرفٍ آخرَ ، أو ي ضَ مَّن الفعل معنى فعلٍ قريب من معناه، وهذا يدل بوضوح على تجاهل الجانب اللغوي وانعزال قواعد النحو ومسائله عنه كأنَّ التركيب مؤلف من مفردات تجرَّدت من مدلولاتها اللغوية" (٦). 1)) نحو القرآن57. 2)) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادقالرافعي: ٨٧. 3)) ينظر: الإعجاز القرآني في أسلوب العدول عن النظام التركيبي النحوي والبلاغي 80. (4) الإنابة في الدرس النحوي349. 5)) ينظر: نحو القرآن 56. 6) )المصدر نفسه: 60.
عدد الصفحات ٣٠٠ 292 وهذا هو المذهب الحق كما يقول أستاذنا الدكتور ڴاصد ياسر الزيدي – رحمه الله – "إذ ليس ثمَّة ضرورة في تأويلات الفريقين سواء منهم الكوفيون في تأويلهم الحرف بالحرف، أم البصريون في تضمينهم الفعل معنى فعل آخر؛ ذلك أنَّنا إذا ولجنا النحو القرآني لنستدلَّ به على هذا المنهج، ألفينا بقاء الحرف على معناه أدل وأقوى للمعنى"(1). لا بدَّ لي من أنْ أشير إلى أنَّ الذي دعا النحويين إلى القول بهاتين الظاهرتين (النيابة والتضمين ) في حقيقة الأمر مسألة مهمَّة وهي التي كانت وراء كثيرٍ من الأبواب النحوية ومنها هذان البابان هي (العامل)؛ فالقضية في النيابة والتضمين غير كامنة في الحرف، وإنَّما كامنة في (العامل)، فلمَّا اختلف معنى العامل جيء بالحرف المناسب له في المعنى؛ ذلك أنَّهم يرون أنَّ حروف الجر تتعلَّق بفعلٍ أو ما أشبهه الذي دعاهم إلى القول بذلك أصلاً قولهم بالتعدي واللزوم في الأفعال، فالأفعال اللازمة عندهم تتعدَّى بهذه الحروف فهي كالواسطة التي تنقل معنى الفعل أو الاسم إلى ما بعده ومن خلال هذه الفكرة توصَّلوا إلى القول بالنيابة والتض مين، وتوسعوا فيهما التوسع الذي نجده في تأويلهم للنصوص ولاسيما القرآنية منها. وفي الحقيقة أنَّ هذين الموضوعين ظاهرة أسلوب ية واحدة اختلف النحويون في تفسيرها وتوجيهها وفي اصطلاحها. إنَّ القول بالتضمين كما يقول د.الجواري ممَّا لا تقبله روح الاستعمال اللغوي وفيه ما فيه "من إخلالٍ بدقَّة المعنى وعبث بالمدلول اللغوي لكل لفظٍ من الألفاظ"(2) . خلص دمحمد حسن عوَّاد إلى نتيجة بعد أنْ قام بتجربة وضع فيه ا حروفٍ مكان حروفاً أ خَر وتوصَّل إلى أنَّ "الحرف لا يقع موقع غيره من الحروف، إلاَّ إذا أردنا 1)) دراسات نقدية في اللغة والنحو، د ڴاصد ياسر الزيدي: ٨٩-٩٩. 2) )نحو القرآن 57.
عدد الصفحات ٣٠١ 293 معنى ذلك الحرف الأخير، وإلاَّ صار الأ مر ضرباً من الع جْمة وعدم البيان وفوضى في التعبير لا حدَّ لها"(1). يرى أحد الباحثين المحدثين أنَّنا إذا أرجعنا الحرف إلى وظيفته الأساسية في الجملة التي هي إيصال معنى الفعل أو الاسم إلى ما دخل عليه ونفينا أنْ يكون للحرف أكثر من معنى نكون قد أبقينا على دلالة الحرف الأصلي ومعاني الأفعال دون الحاجة إلى القول بالتضمين(2) والنيابة أيضاً، فإنَّ مسألة النيابة والتضمين لا أساس له ا؛ لأنَّه "لا دليل عليها، ولا حجَّة لأصحابها ... وإنَّ ما اندرج تحتها من شواهد يؤول إلى جهةٍ من جهتين: إمَّا أنْ تكون هذه الشواهد مقحمة في باب التضمين إقحاماً، وإمَّا أنْ تندرج تحت مبحث دلالات الألفاظ ... فالنيابة ترجع إلى التركيب لا الحروف، والتضمين يرجع إلى مبحث دلالات الألفاظ"(3). لكي نتأكد من صحَّة وجود النيابة والتضمين لا بدَّ من تعق ب تاريخ ا لألفاظ ومعاني حروف الجر من أقدم نص وصل إلينا حتَّى يومنا هذا، ولا بدَّ من وجود معجم تاريخي بحسب أزمنة الألفاظ لمعرفة ما إذا كان هذا المعنى لهذا الحرف أصلياً وذاك فرعياً وقد ناب عنه أو استبدل به، ومثل هذا الجهد لا يتم بليلة وضحاها وإنَّما هذا عمل المجامع اللغوية التي ينبغي أنْ تتصدَّى لها للجزم بصحَّة من ادعى بنيابة حروف الجر بعضها عن بعض. 1)) تناوب حروف الجر في لغة القرآن الكريم، د.محمد حسن عوَّاد 17. 2)) ينظر: الإنابة في الدرس النحوي368. 3)) تناوب حروف الجر في لغة القرآن الكريم 58، و 8.
عدد الصفحات ٣٠٢ 294 استبدال ضمير الرفع المنفصل بالمتصل المنصوب أو المجرور في (لو والقول (لولاي) و(لولاك) و(لولاه) بدل من (لولا أنا) و (لولا أنت) و(لولا هو) من المسائل التي اختلف فيها نحاة البصرة والكوفة، فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أنَّ وقوع الضمير المنفصل هو القياس ، ويجوز أنْ يأتي بعدها الضمير المت صل فـ(لولا) في نحو: (لولاي) و(لولاك) و(لولاه) حرف جر والضمائر في موضع الجر، والقياس أنْ يأتيَ بعد ه ضمير الرفع المنفصل مرفوعاً على الابتداء(1)، وذهب المبرد إلى أنَّ (لولا) لا يأتي بعده إلاَّ الضمير المنفصل المرفوع (2) أي لا يقال إلاَّ(لولا أنا) و (لولا أنت) و(لولا هو)، منكراً استبدال الضمير المنفصل بالمتصل، مستدلاَّ فيما ذهب إليه بنصٍ من القرآن الكريم وهو النص الوحيد الذي جاء فيه الضمير بعد لولا ضمير رفع منفصل وهو قوله تعالى: ﭿ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭾ[سبأ31.] أمَّا الكوفيون والأخفش فذهبوا إلى جواز استبدال الضمير المرفوع المنفصل بعد (لولا) بالضمير المتصل المنصوب أو المجرور، وهو ليس بحرف جر والضمائر في موضع الرفع عندهم لقيامه ا مقام ضمائر الرفع المنفصل ة، وتابعهم أبو البركات الأنباري (ت ٧٧هـ) وعبد ال لطيف الشرجي(ت02هـ) وغيرهم (3)؛مستدلين فيما ذهبوا إليه بما ورد من نصوص من كلام العرب تؤيد صحَّة وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل كما في قول يزيد بن حكم الثقفي: 1) )ينظر: الكتاب2/373- 376، والإنصاف في مسائل الخلاف:م (97 :)2/687، وارتشاف الضرب 4 / 1904،والجنى الداني: 605، والنكت في شرح كتاب سيبويه، الأعلم الشنتمري(ت476هـ: 1/664. 2)) ينظر: المقتضب3/73،77، والكامل في اللغةوالأدب: 3/345-346، والأمالي الشجرية1/181. 3)) ينظر معاني القرآن، الفرَّ اء: 2/85،والإنصاف في مسائل الخلاف: 2/687،689، والجنىالداني: 604، وائتلاف النصرة، م (55) من الاسم65-66، والجر بعد الحرف في النحو العربي، د.صادق حسين كنيج 80-86، ونظرية النحو العربي في ضوء تعدد أوجه التحليل النحوي، د.وليد حسين 277-278.
عدد الصفحات ٣٠٣ 295 وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلََيَ طِحْتَ كَمَا هَوَى بِأَجْرَامِهِ مِنْ ق ن ةِ الن ِيْقِ م نْهَوِي(1). فالضمير (الياء) قام مقام ضمير الرفع (أنا) واحتج وا أيضاً بقول عمرو بن العاص: أَ يطْ مِ ع فِ يْ نَ ا مَ نْ أَ رَ اقَ دِمَاءَنَا وَلَوْلََكَ لَ مْ يَعْرِضْ لَِِحْسَابِنَا حَسَ نْ (2). فقد استبدل الشاعر ضمير الرفع المنفصل ( أنت) بعد لولا بالضمير المنفصل (الكاف). ولم يرد نص في القرآن بالضمير المتصل بعد (لولا)، فهذا لا يدلَّ على عدم صحة إمكان استبدال الضمائر المنفصلة بالضمائر المتصلة كما يرى الكوفيون. وقد رجَّح مذهب الأخفش والكوفيين بعض أصحاب التيسير منهم د.شوقي ضيف، والأستاذ عباس حسن(3) لما فيه من السهولة واليسر. فعلى الرغم من أنَّ جانب اً من الخلاف في هذه المسألة قائم على مسألة العمل والعامل إلاَّ أنَّ ذلك لا يهم ني فالمهم لديَّ هو ما قالوه في استبدال الضمير المنفصل بعد (لولا) بالضمير المتصل المرفوع. وفي ضوء آراء الكوفيين والأخفش ومن تبعهم نجد أنَّ الضمير المنفصل بعد (لولا) قد يستبدل بضميرٍ متصل منصوب أو مجرور، والنصوص قد أوضحت جواز مثل هذا الأسلوب في العربية، وقد خلا القرآن الكريم من حكاية هذا الأسلوب ولم يرد سوى نص واحدٌ في القرآن جاء فيه الضمير بعد (لولا) ضميراً منفصلاً مرفوعاً إلاَّ أنَّ شواهد المستبدل به (الضمير المتصل) ورد على لسان العرب، فبنية (لولا أنا) يستبدل بـ (لولاي) ، و(لولا أنت) يستبدل بـ (لولاك)، و(لولا هو) يستبدل بـ (لولاه) فهو من باب إنابة الضمير عن الضمير اللذين ينتميان إلى القسم نفسه من أقسام الكلام وهذا ما أكَّدته النظرية التوزيعية الحديثة في ضوء الاستبدال وهو كما موضح في المخطط: 1)) الكتاب2/374 . 2)) معاني القرآن،الفرَّاء: 2/85، وينظر: الجر بعد الحرف في النحو العربي: 83. 3)) ينظر: تجديد النحو 139، النحو الوافي1/241، والإنابة في الدرس النحوي151- 152.
عدد الصفحات ٣٠٤ 296 البنية الأصلية (لولا أنا لولا أنت لولا هو ) . بإجراء حذف على البنية لولا ... لولا ... لولا ... . بعد استعمال قاعدة الاستبدال لولاي لولاك لولاه . بذلك تكون الضمائر المتصلة نابت مناب الضمائر المنفصلة، وبهذا يكون الاستبدال الذي اعتمدته نظريتان لسانيتان حديثتان وهما التوزيعية والتوليدية التحويلية بتطبيقها على هذه البنية متَّ فقاً مع ما ذهب إليه علماء المذهب الكوفي والأخفش.
عدد الصفحات ٣٠٥ 297 إنَّ الأصل في بنيت ي الحال والتميز أنْ يكونا نكرتين في تركيب الجملة أو النص ، فنقول: (جاء زيد راكباً ) ، و( تصبَّب عمروٌ عرقاً) فبنية كل ٍ من الحال والتميز جاءت على الأصل نكرة، وهذا مذهب جمهور النحويين، أمَّا الكوفيون ويونس والبغداديون فجوَّزوا مجي ء بنية الحال النكرة معرفة(1)، وجواز الكوفيين مشروط بتضمن الحال معنى الشرط، وجوَّز الكوفيون وابن طراوة مجيء بنية التمييز معرفة(2)، أي أنْ يستبدل بنية النكرة ببنية أخرى معرفة نائبة عنها. مستدلين فيما ذهبوا إليه من جواز هذا الاستبدال بما ورد في القرآن من نصوص ومنه قوله تعالى: ﭿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭾ[المنافقون٨] في قراءة بعض القرَّاء (3): (لَ يَخْر جَنَّ الأعز منها الأذلَّ ) أي: لَيَخْر جَنَّ العزيز منها ذليلاً وقوله تعالى في مجيء التمييز معرفة: ﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭾ[القصص٨] فقوله: (معيشتها) تمييز، وقد جاء معرفةً وهذا خلاف ما ذهب إليه البصريون، والنص القرآني جاء ليؤكد جواز مجيء التمييز معرفة، فاستبدل النكرة في النص بالمعرفة. كما احتج وا بمجيء الحال معرفة بما ورد من نصوص شعرية من ذلك قول لبيد: 1)) ينظر الأمالي الشجرية: 3/20-21، والبسيط في شرح الجمل 1/516، وارتشاف الضرب 3/1562- 1563، والمساعد 2/11 ، وشرح الأشموني2/8، وهمعالهوامع: 2/301-302. 2)) ينظر معاني القرآن، الفرَّ اء: 2/308،1/79، وشرح جمل الزجاجي: 2/288، والبسيط في شرح الجمل 1/1083، وارتشاف الضرب 4/1633، و شرح التصريح 1/616،وهمع الهوامع 2 /344-345. 3)) ينظر: مختصر في شواذالقراءات: 157، والبحر المحيط8/270.
عدد الصفحات ٣٠٦ 298 فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذ دْهَا وَلَمْ ي شْفِقْ علَىَ نَغَصِ الد ِخَالِ (1) . فقوله: (العراك) حال وقد جاء معرفة،واستندوا إلى مجيء التمييز معرفة بقول راشد ابن شهاب اليشكري: رَأَيْ ت كَ لَم ا أَنْ عَرِفْتَ و ج وْهَ نَ ا صَدَدْتَ وَطِبْتَ الن فْسَ يَا قَيْس بنْ عَ مْ رِ و(2). موطن الاستشهاد قوله وَط بْتَ النَّفْسَ )، والشاهد في مجيء التمييز معرفة، والأصل: وطبت نفساً ، لآنَّ الأصل في التمييز التنكير، فاستبدل الشاعر النكرة (نفساً) بالمعرفة (النفس)، واستندوا أيضا إلى وقول الشاعر: عَلََمَ م لِئْتَ الرُّعْبَ وَ اْلَحْر ب لَمْ تَقِدْ لَظَاهَا وَلَمْ تَسْتَعْمَلِ الْبِيْض وَالسُّمْر (3). فقوله: (ملئت الرعبَ) فيه ناب الاسم المعرفة مناب النكرة وبهذا يكون التمييز معرفة وجوَّز بعض أصحاب التيسير مجيء الحال والتمييز معرفة ومنهم د.شوقي ضيف (4). فالأصل في بنيتي الحال والتمييز أنْ يأتيا نكرتين وقد يستبدلان بالمعرفة فيأتي كل منهما معرفة فموقع الحال والتمييز مخصص بالإتيان باسم نكرة وقد استبدل في بعض الأساليب باسم معرفة، وهذا النوع من الاستبدال في النظرية التوزيعية من استبدال اسم بآخر في القسم نفسه من أقسام الكلام. إذن ممَّ ا تقدَّم نقول: إنَّ المنهج التوزيع ي يمكن أنْ ت درَ س في ضوئه جميع المسائل والموضوعات التي اختلف النحويون القدامى في توزيعها وفي بيان الاستبدال الحاصل فيه ا إلاَّ أنَّه من غير اللازم أن نأخذ بجميع نتائجه في توزيع العناصر 1)) ديوان لبيد بن ربيعة العامري 86، وروايته في الديوان : فَأَوْرَدَهَا العِرَاكَ . 2)) الدرر اللوامع في شرح همع الهوامع، الشنقيطي(ت1331هـ: 1/138، و532. 3)) شرح التسهيل2/299. 4)) ينظر: تجديد النحو193.
عدد الصفحات ٣٠٧