267 إنَّ مصطلح الَّعتراض يستعمل في البحث النحوي ويراد منه: "أن يكون الفاصل بين الأجزاء المترابطة التي يجب تعاقبها ليس جزءاً واحداً أو متعدداً، وإنَّما جملةً كاملة"(1). إنالفصل بين عناصر النص عن طريق الَّعتراض من الموضوعات التي عنيت الدراسات النحوية الحديثة بها من ذلك (النحو الوظيفي) الذي هو من التطبيقات الحديثة على المنهج الوظيفي. فالجملة المعترضة أو العبارة المعترضة في (النحو الوظيفي) عند الوظيفيين تعد من العناصر الخارجية المكوَّنة لل جملة أي أنَّها من المكونات التي لَّ تنتمي إلى الجملة التي تتضمن ها دلَّلياً (2). يرى الوظيفيون أنَّ الفعل الخطابي الذي يكون معترضاً يقوم بوظائف متعد ِّدة هي التعليق على فحوى الخطاب، والتوجيه، والحفاظ على استمرار التواصل. من سمات التوجيه الذي وجدت ه عند نحاة العربية قولهم: إنَّ الجملة الَّعتراضية تفيد الكلام توكيداً وتسديداً، فإفادة التوكيد سمة من سمات التوجيه الذي يمكن أنْ تحققه العبارة أو الجملة المعترضة(3). إذاً فالجملة المعترضة هي: "جملة تعترض بين كلامين، تفيد زيادةً في معنى غرض المتكلم"(4). 1)) أصول التفكير النحوي294. 2)) ينظر: مسائلالنحو العربي في قضايا نحو الخطاب الوظيفي، د. أحمد المتوكل: 54. 3)) ينظر: المصدر نفسه54- 55. 4) )الجمل التي لا محل لها من الإعراب، د. طلال يحيى الطويبخي105، وينظر: إعراب الجمل وأشباه الجمل: 67.
عدد الصفحات ٢٧٦ 268 لذلك كان من الضروري أنأتناول بالدراسة هذا الموضوع المهم والمؤثر في بنية النص ولكن تناولي إيَّاه في الجانب الخلافي منه وما وجدت ه من مسائل اختلف فيها النحويون ومن هذه المسائل: (الاختلاف في الاعتراض بأكثر من جملة) هذه المسألة من المسائل التي خالف فيها نحوي واحد جمهور النحويين كما نقل لنا القدماء الخلاف في هذه المسألة إذ ذهب جمهور النحويين إلى جواز الَّعتراض بأكثر من ج ملة، خلافاً لأبي علي الفارسي الذي منع الَّعتراض بأكثر من جملة(1)،ولم يذكر النحويون الذين ذكروا هذه المسألة حجَّة أبي علي الفارسي في سبب منعه الَّعتراض بأكثر من جملة، سوى ما ذكره ابن هشام عن اعتراض أبي علي على الَّعتراض بأكثر من جملة في قول الشاعر: أَ رَ انِ ي وَ لاَ كُ فْ رَ انَ لِِِ آيَّةً لِنَفْسِي قَدْ طَالَبْتُ غَيرَ مُنِيْلِ (2). ذلك بأنَّ أبا علي ذهب إلى أنَّ "آية وهي مصدر (أويت له) إذا رَحِّمْتَه وَرَفَقْتَ به لَّ ينتصب به (أويت) محذوفة؛ لئلا يلزم الَّعتراض بجملتين، قال وإنَّما انتصاب ه باسم (لَّ)، أي: ولَّ أكفر الله رحمةً مني لنفسي"(3). واستند الجمهور إلى عدد كبيرمن النصوص القرآنية والشواهد الْ شعرية من ذلك قوله تعالى: ﭿﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﭾ[لقمان14.] 1)) ينظر: شرح التسهيل2 /292، وارتشاف الضرب: 3/1617، ومغني اللبيب: 2/53، والإعراب عن قواعد الإعراب: 45. 2)) مغني اللبيب2 /53 . 3) ) مغني اللبيب2 /53، وينظر: شرح الإعراب في قواعد الإعراب 185.
عدد الصفحات ٢٧٧ 269 فاعترض في هذاالنص بقوله: ﭿ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭾ، بين ﭿﭶﭾ والمفس ِّر لهذه الوصية ﭿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭾ ، وفائدة هذا الَّعتراض تخصيص أحد المذكورين بمزيد من العناية والَّهتمام به؛ إذ جاء الَّعتراض هنا تذكيراً الولد بأم ِّه وبحقها، بما كابد ته من المشقَّة في حمله وفصاله "فذكر الحمل والفصال يفيد زيادة التوصية بالأم ِّ، لتحم لها من المشاق والمتاعب في حمل الولد ما لَّ يتكلفه الولد"(1) . وقوله تعالى:ﭿ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭾ [الواقعة75 – 77 .] ففيالنص اعتراضان الأوَّل: بين القسم (أقسم بمواقع النجوم)، وجوابه (إنَّه لقرآن كريم) بجملة (وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم). والآخر اعتراض بين الموصوف وهو قوله: (قسم ) وصفته (عظيم) بجملة (لو تعلمون). وقوله تعالى:ﭿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ [آل عمران36.] وقد اعترض في هذاالنص بجملتين بين (إني وضعتها أنثى) وقوله: (وإنَّي سميتها مريم)، وهما: (والله اعلم بما ضعت) ، و (وليس الذكر كالأنثى). 1) ) البرهان3/40.
عدد الصفحات ٢٧٨ 270 وقوله تعالى: ﭿ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭾ [الأعراف95 – 97.] إذ يلاحظ في هذاالنص أنَّه أعترض بين المعطوف عليه وهو قوله تعالى: ﭿﰈ ﰉﭾ، وقوله تعالى:ﭿﭤ ﭥ ﭦ ﭾ بسبع جملٍ على ما رواه ابن مالك عن الزمخشري(1) والجمل المعترضة هي: (أنَّ أهل القرى)، ،(آمنوا)، و(اتقوا)، و(فتحنا)، و(لكن كذبوا)، و(أخذناهم)، و(بما كانوا يكسبون)، وزاد ابن هشام جملة أخرى وهي جملة: (وهم لَّ يشعرون)، وذهب إلى إمكان عدَّ الجمل المعترضة ثلاث جملٍ فقط وهي جملة (لو) وما في حيزها بعد ِّها كل ِّها جملةً واحدةً، وجملة (ولكن كذبوا)، وجملة (فأخذناهم بما كانوا يكسبون) كل ه جملة(2). وغير ذلككثير من النصوص القرآنية، أمَّا من الشواهد الشعرية قول زهير بن أبي سلمى: لَعَ مْرُ أَبِيْكَ وَالَْْنْبَاءُ تَ نْمِي وَفِي طُوْلِ الْ مُعَاشَرَةِ التَّقَالِي لَقَدْ بَالَيْتُ مَظْعَنَ أُم ِ أَوْفَى وَلَ ـكِ ـنْ أُمُّ أَوْفَ ـى لاَ تُ ـبَ ـالِ ـي(3). 1) ) لم يحدد الزمخشري في الكشاف عدد الجمل التي اعترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه مكتفياً بالإشارة إلى الَّعتراض، ينظر: الكشاف: 2/181، وشرح التسهيل: 2/292، ومغني اللبيب: 2/36-37. 2)) ينظر: مغني اللبيب2 /36-37. 3) )ديوان زهير بن أبي سلمى56- 57،. ورواية البيت في الديوان: ل ع م ر ك و الخ ط و ب م غ ي ر ات و ف ي ط و ل ال م ع اش ر ة الت ق ال ي .
عدد الصفحات ٢٧٩ 271 ففي الشاهد الشعري اعتراض بأكثر من جملةٍبين القسم (لعمر أبيك) وجوابه (لقد باليت وما بعده) بجملتين هما: (والأنباء تنمي)، و(في طول المعاشرة التَّقَالِّي). وغيرها كثير ممَّا ورد على لسان العرب. فالَّعتراض أسلوب من أساليب العرب وسننها في كلامها فهو "في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن ودال على فصاحة المتكلم وقوَّة نفسه، وامتداد نفسه" (1)؛ لذلك نلحظ ور وده في القرآن كثيراً فهو سمة من سمات أسلوب القرآن الكريم أيضاً "فالجملة المعترضة في القرآن ذات أثر دلَّلي ولفظي عميق، لَّ يمكن الَّستغناء عنها، شأنها في ذلك شأن أي جملة أو مفردة قرآنية"(2). لم أجد آراءً لأصحاب التيسير في هذا الموضوع ذلك أنَّ الَّعتراض ممَّ ا لَّ يمكن الشك في صحَّة جوازه أمام هذه الكثرة الوفيرة من النصوص القرآنية وكلام العرب وكون الَّعتراض أسلوباً من أساليب الخطاب القرآني ومن أساليب العرب الفصيحة. 1) )الصاحبي: 247. 2)) الجمل التي لا محل لها من الإعراب113.
عدد الصفحات ٢٨٠ 272 التقديم والتأخيرمن الموضوعات الحيوية للدراسة في النحو العربي التي لها أثر كبير في بنية النص ل م ا فيه من تقديم بعض عناصره على بعض لأهداف وغايات دلالية . إذ ينبغي ألاَ غغل أََّ جاغباً كبيراً من آراء غحويينا القدامى في التقديم والتأخير بُن ي في ضوء مراعاة المخاطب والعناية به. وإََّ دراسة التقديم والتأخير تُ بْن ى أساساً على الرتبة في اللغة العربية فالرتبة في العربية بحسب ما قال عنها النحويوَّ العرب من الموضوعات التي أثَرت في كثير من الأحكام النحوية التي تخصُّ مكوغات الجملتين الاسمية واللعلية لذا وضعوا أصولاً لبناء ك جملة ومكاَّ ك عنصر فيها، والرتبة في اللغة العربية من غوع (ف فا مف1 مف2 )إذ إََّ ف فعل ، فا فاعل مف1 مفعول أول، مف2 مفعول ثان أثبت د. عبد القادر اللاسي اللهري أََّ الرتبة في اللغة العربية من هذا النوع (1 )بعد أَّْ أغكر جومسكي وجود لغات من هذا النوع، الذي يرى أََّ ك اللغات من غمط (فا ف مف). 1) )هذا هو الترتيب الأساسي لعناصر الجملة في اللغة العربية والذي اعتمده د. ميشال زكريا في دراسته للألسنية التوليدية التحويلية في اللغة العربية والتي يمكن أن تجري التحويلات الممكنة الأصولية (الصحيحة لغوياً) عليه، ينظر: الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية (الجملة البسيطة)، د.ميشال زكريا :28- 29 .
عدد الصفحات ٢٨١ 273 إََّ الرتبة في العربية يمكن أَّْ تتغيَّر وتصبح على نمط (فا ف مف ) كما هي حال الرتبة في اللغات الأخرى كالإنكليزية مثلاً (1)، فاللغة العربية تمتا ز بحريَّة النظم فالكلمة فيها يتغيَّر موقعها مع بقائها محافظة على معناها النحوي، فضلا عن زيادتها معاني جديدة للنص ِّ أو الجملة. درس التوليديون التقديم والتأخير عنصراً من عناصر التحويل في الجملة (2)، فالترتيب الذي يعدُّ من عناصر التحويل في الجملة عند التحويليين هو الذي يتمُّ فيه إجراء تغيير يقع على ترتيب عناصر الجملة بالتقديم والتأخير كتقديم الفاعل على الفعل، والمفعول به على الفعل والفاعل، ومن نحو تقديم الخبر على المبتدأ وهكذا سائر العناصر الأخرى المكو ِّنة للجملة بغية إحداث تغيير في المعنى، فالتقديم والتأخير عنصر تحويلي مرتبط بالبنية العميقة الذي يرتبط بالمعنى الذي في ذهن مستعمل اللغة، ويتمُّ بتقديم ما حقُّه التأخير للتعبير عن المعنى الذي في ذهنه ونقله إلى المخاطب(3). إنأغراض التقديم والتأخير كثيرة تناولها القدامى ولاسيما البلاغيون بالتفصيل في مؤلفاتهم ودرسها النحويون في كتبهم، فمن أهم أغراض التقديم والتأخير هو: مراعاة المخاطب وجلب عنايته واهتمامه بالحدث، وهذا ما أشار إليه إمام الصناعة النحوية إذ قال: "كأنَّهم إنَّما يقد ِّمون الذي بيانه أهمُّ لهم وهُم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم" (4). وأشار إلى هذا الأمر من جاء بعده من النحويين، ودرسه دراسة معنوية مستفيضة عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) الذي قام بدراسة التقديم والتأخير في ضوء المخاطب وعلمه والعناية والاهتمام به، ولم يقتصر في دراسته للتقديم والتأخير على ذلك فقط، وإنَّما هناك غايات أخرى 1)) ينظر اللسانيات واللغة العربية: د. عبد القادر فاسي الفهري: 1/105، واللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، د. حافظ إسماعيلي علوي: 285- 286. 2)) ينظر قواعد تحويلية للغة العربية، د. محمد خير الحلواغي: 24. 3)) ينظر: التحويل في النحو العربي73، والجملة الوظيفية في القرآن الكريم 25. 4)) الكتاب1/34.
عدد الصفحات ٢٨٢ 274 للتقديم والتأخير وهي الكشف عن ال معنى الدقيق في الجملة عند التقديم والتأخير، وضبط الدلالة (1)، كالتخصيص والتنبيه والتوكيد أو التحقيق وغير ذلك من الأغراض التي ذكرها. من ذلك نذكر مثلا قوله: "إذا قلت: ما فعلت، كنت نفيت عنك فعلاً لم يثبت أنَّه مفعول، وإذا قلت: ما أنا فعلت، كنت نفيت عنك فعلاً ثبت أنَّه مفعول. تفسير ذلك: أنَّك إذا قلت: ما قلت هذا، كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك، وكنت نوظرت في شيء لم يثبت أنَّه مقول، وإذا قلت: ما أنا قلت هذا، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة في شيء ثبت أنَّه مقول" (2). فالغرض من التقديم هنا كان التخصيص، فالمتكلم يخصُّ نفسه بنفي الفعل عنه، ويثبت في الوقت ذاته لغيره، وهذا يدلُّ على أنَّ الفعل واقع لا محالة، غير أنَّ الفاعل مشكوك فيه لذلك ينظم التعبير بهذا التركيب؛ لإزالة هذا الشك(3). والحديث عنهذه المسألة عند عبد القاهر تطول وحسبنا الإشارة فقط إلى ذلك. ومراعاة المخاطب وعلم المخاطب من أهم مبادئ التداولية وهو ما أطلقوا عليه مصطلح (الافتراض المسبق Presupposition، وهم يعنون به أنَّ المتكلمين يفترضون أنَّ المخاطبين يعرفون بعض المعلومات التي يريد الإخبار عنها (4) فهو مرتبط عندهم بالمتكلم ومراعاته للمخاطب وعلمه أثناء العملية الخطابية، وهذا ما أطلق عليه التداوليون متأخراً مبدأ (الغرض) أو ( القصد) (5 )، وهذا المبدأ يكون ألصق بالمتكلم أي: بالقصد والغاية اللذين يريد أن يحققهما . ومراعاة المخاطب أيضاً مبدأ تداولي مهم وهو ما أطلقوا عليه أيضاً (مبدأ الإفادة) "وهي الفائدة التي يجنيها المخاطَب من الخطاب"(6). 1)) ينظرالتراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر، د. عبد اللتاح لاشين: 143. 2)) دلائ الإعجاز124. 3)) ينظر: الثنائيات المتغايرة في كتاب دلائ الإعجاز، د. دلخوش جار الله حسن86. 4) )ينظر: التداولية، جورج يول، تر: د. قصي العتَّابي: 51، والتداوليات43. 5)) ينظر: التداولية عند العلماء العرب، د. مسعود صحراوي 185- 186 . 6) )المصدر نفسه: 185.
عدد الصفحات ٢٨٣ 275 من اللافت للانتباه أنَّ هذين المبدأين لم يغفله ما نحاة العربية وإنَّما درسوا التقديم والتأخير في ضوئهما، ولاسيما البلاغيون كما نوَّهتُ سابقاً، فالتقديم والتأخي ر مرهونان بالأغراض والأحوال التي تخص المخاطب والسياق الذي يرد فيه النص . فهذا بإيجاز جانب من الدراسات اللسانية الحديثة للتقديم والتأخير، وأهم مبادئها في هذا الموضوع وسأذكر بعض المسائل الخلافية التي اختلف فيها النحويون العرب القدامى في جوانب من التقديم والتأخير وأحاول من خلال هذه المقاربة معرفة أي الآراء أقرب إلى الصواب في ضوء دلالة النص القرآني وأسلوبه، وهل الدرس اللساني الحديث يتفق مع مبادئ أصحاب أحد الرأيين المختلفين، لترجيح أحد الرأيين إذا كان متفقاً مع أصول النحو القرآني، أو أنَّ ها تتقاطع وخصوصية الأسلوب القرآني ونحوه؟. من المسائل الخلافية بين النحويين في قضية الرتبة التي بنيت على النص القرآني،ما يأتي: الخلاف في تقديم خبر كان إذا كان جملة عليها أو على اسمها. الخلاف في تقديم خبر ليس عليها. الخلاف في تقديم الحال على عامله المتصرف. الخلاف في تقديم معمول الصفة على الموصوف. الخلاف في تقديم معمول المضاف إليه لـ ( غير) على غير. الخلاف في تقديم معمول اسم الفعل عليها. الخلاف في تقديم الظرف أو الحار والمجرور المتعل ِّق بالصلة على الموصول. الخلاف في تقديم الحال على الجملة إذا كان عامله الظرف أو الجار والمجرور.
عدد الصفحات ٢٨٤ 276 الخلاف في تقديم جواب لولا عليها الخلاف في تقديم ما بعد لام القسم عليها. وبطبيعة الحال وكما انتهجتُ في الموضوعات السابقة لن أتناول كل هذه المسائل بالدراسة لكثرة دراستها في مظانها، وإنَّما سأدرس منها المسألتين الآتيتين: أ- الخلاف في تقديم خبر كاَّ إذا كاَّ جملة عليها أو على اسمها. ب- الخلاف في تقديم الحال على عامله المتصرف. اختلف النحويوَّ البصريوَّ والكوفي وَّ في جواز تقديم خبر كاَّ وأخواتها عليها أو على اسمها ملرداً كاَّ أو جملة فذهب البصريوَّ إلى جواز ذلك، ﭿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭾ[الحديد4] وقوله تعالى: ﭿ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭾ[الأنعام11]. 1) ) ينظر الخلاف في هذه المسألة بتفاصيلها : الخلاف النحوي في ترتيب الجملة: 45- 50،74- 83. 2)) ينظر: اللباب: 124، وشرح جمل الزجاجي: 1 /394 ، والمغني في النحو: 3 /68 ، وٱرتشاف الضرب 3 /1169، ، وهمع الهوامع: 1/428- 429.
عدد الصفحات ٢٨٥ 277 قوله (كيف) خبر كان وقد تقدَّم عليه وقوله تعالى: ﭿ ﯲ ﯳ ﯴ ﭾ[الأعراف:177]. فقولهوأغْلسهم " معمول خبر كاَّ الذي هو : " يظلموَّ " وقد تقد م عليه ﭿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ [الروم47]. فقوله تعالى: (حق اً) خبر كاَّ وقد تقد م على ٱسمه: (غصرُ المؤمنين) واستدلُّوا أيضاً بقوله تعالى: ﭿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭾ [البقرة177.] فقوله: (البرَّ) خبر ليس وقد تقدَّم على اسمه ا الذي هو قوله: (أن تولُّوا)، وهو حجَّة من جوَّز تقديم خبر (كان وأخواتها) على اسمها، وغيرها من النصوص القرآنية التي ورد فيها تقديم خبر كان وأخواتها عليها وعلى اسمها(1). 1)) ومننن النصنننوص الأخنننرى قولننه تعنننالى: ﭿ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭾ [سنننبأ40] ﭿﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭾ [التوبة65.]فالباء في قوله " بالله " متعلقة بـ " تستهزئوَّ " وقد قدد م معمدول خبر كاَّ عليها ، فدل على جواز تقديم خبر كاَّ ، ومدن الودواهد الأخدرى لتقدديم خبدر كداَّ علدى اسدمها: قولده تعالى: ﭿ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭾ [يونس2]فقوله: (عجباً) خبر كاَّ مقد م على ٱسمه وهو المصدددر ال مدددؤو ل مددن أَّْ واللعددد (أَّْ أوحيندددا) أي: وحينددا ، ينظنننر: دراسنننات لأسننلوب القنننرآن الكنننريم: ق3 :1/297-305.
عدد الصفحات ٢٨٦ 278 ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭾ[القمر7.] ومن النصوص الأخرى التياستندوا إليها قول العرب في المث : ((ش تَى ت ؤُوْبُ الْح ل ب ة ))(3). فــ (ش تَى) حال مقد مة على اللع العام فيها وهو (ت ؤُوْبُ ) مع ٱلاسم الظاهر، ومن الوواهد الوعرية قول اللرزدق : مُسْتَقْبِلِيْنَ شَمَالُ الشَّأْمِ تَضْرِبُنَا بِحَاصِبٍ كَنَدِيْفِ الْقُطْنِ مَنْثُوْرِ (4). وغيره من الوواهد الوعرية التي استندوا إليها. فلي النصوص المذكورة سابقاً تقديم وتأخير اختلف النحويوَّ في إجازته ومنعه إلاَ أََّ هذه النصوص جاءت دليلاً لمن جوَز التقديم في المسائ ال مذكورة آغلاً . ومن القرائن المهمَة التي يمكنني الاستناد إليها في تقويم الخلاف في هذه المسألة وترجيح الرأي الأصوب قرينة مراعاة المخاطب وحاله وهي من القرائن المهمَة في وضع الأحكام النحوية التي غظَر لها المحدثوَّ تحت غظرية التلقي، إذ من خلال النظر إلى 1) ) ينظر: الخلاف في هذه المسألة بتفاصيلها : الخلاف النحوي في ترتيب الجملة: 143- 157. 2) ) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف:م (31:)1/250، والتبيين: م (62 :)383،واللباب: 200،وٱرتشناف الضَرَب : 3/1582 ، وائتلاف النصرة: م (12) من الاسم37، وهمع الهوامع2/309 . (3) 4)) شرح ديواَّ اللرزدق: 1/360 .
عدد الصفحات ٢٨٧ 279 آراءالنحويين واعتمادهم على المخاطب وعلمه في تجويزهم لهذه المسألة يتوضَح لنا مدى صحَة هذا الرأي، فالنحويوَّ اشترطوا لجواز تقدَم الحال على عامله علم السامع أو المخاطب بالمتقد م وعدم ملابسته بغيره، وهذا التلسير أق رب إلى الواقع اللغوي وهو الذي يلترض أَّْ يعمَ م على جميع الموضوعات ومعالجتها وتلسيرها تلسيرات يقر بها من الجواغب النص ي ة اللغوية المعتمدة على السياق والمقام والمخاطب، إذَّ فالضابط هنا في جواز تقديم الحال على عامله هو علم المخاطب وأمن اللبس، وهذا ما أشار إليه ابن السرَاج في قوله: "فإذا كاَّ العام غير فع ولكن شيء في مع ناه لم تُ ق د م الحال على العام ؛ لأََّ هذا لا يعم مثله في الملعول، وذلك قولك: (زيد في الدار قائماً)، لا تقول: (زيد قائماً في الدا ر )، وتقول: (هذا قائماً حسن )، و لا تقول: (قائماً هذا حسن )، وتقول : (رأيتُ زيدا ضارباً عمراً)، وأغت تريدُ رؤية العين ثمَ تقد م الحال فتقول: (شاتماً أخاه أقب عبد الله)، وقوم يجيزوَّ: (ضربتُ يقوم زيداً)، ولا يجيزوَّ: (ضربتُ قائماً زيداً) إلاَ و(قائم) حال من التاء؛ لأََّ (قائماً) يلبس ولا يعلم أهو الحال من التاء أم من (زيد) واللع يبين فيه لمن الحال والإلباس متى وقع لم يجز؛ لأََّ الكلام وضع لإبباغة، إلاَ أََّ هذه المسألة إَّْ علم السامع من القائم جاز التقديم كما ذكرغا فيما تقدَم غقول: (جاءغي زيد فرسك راكباً)، و( جاءغي زيد فيك راغباً )"(1) . فكلام ابن السرَاج يوير إلى أََّ جواز تقديم الحال يكوَّ في حال علم المخاطب بالمتقدم وعدم لبسه عليه، وهذا الرأي أصوب من القول بجواز تقديم الحال على عامله بحجَة تصرفه؛ وذلك لأََّ هذه العلَة غابعة من الواقع اللغوي محيطة بالظروف التي تحيط ب النص القرآغي واللغوي، فالمخاطب هو الأساس الذي يبني المتكلم من أجله غصوصه، ومراعاة المخاطب هي المؤثر في طريقة غظم العبارات وصياغتها. فالتقديم في قوله تعالى : ﭿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭾ [الروم:47.] 1)) الأصول 1 /218- 219.
عدد الصفحات ٢٨٨ 280 ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭾ[القمر7 ] فنلحظ في هذا التقديم ملمحاً تداولياً، إذإََّ تقديم الحال كاَّ لمراعاة حال المخاطب وإثارة اغتباهه لأََّ "خووع الأبصار كناية عن الذلَة وهي في العيوَّ أظهر منها في سائر الجوارح"(2)، وهذا ما أطلقوا عليه مبدأ (الإفادة). فهذه النصوص تؤك د مدى حرية النظم في العربية فالتراكيب ليست عبارة عن قوالب جامدة لا يمكن اختراق رتبتها أو مخاللتها، وإغَما قد يحدث تغيير في رتبة الجملة أو التركيب بصورة عامة بحسب حال المتكلم أو المخاطب أو لأداء معاَّ لا يمكن أداؤها بالتركيب الأصلي في الجملة، وهذا ما يؤدي إلى إضلاء معاَّ جديدة على النصوص، فضلاً عن معاغيها الأصلية. وهذا ما يتلق مع اتجاه التوليديين التحويليين الذين يعدُّوَّ التقديم والتأخير من عناص ر التحوي المهمَة في الجملة التي ت ؤدي إلى توليد جم جديدة. وهذا ما يؤدي إلى زيادة صور جديدة من الأحكام والأصول النحوية فضلاً عن الأحكام والقواعد الرئيسة التي وضعها النحويوَّ القدامى في بنية الجم . فبنية الجملة اللعلية مثلاً تتكوَّ من (ف فا حا)، فعن طريق التقديم والتأخير تتكوَّ صورة جديدة لهذه البنية إذا ما قد م الحال على اللع كالآتي: (حا ف فا)، إذ إََّ (حا) أ عني به 1)) البحر المحيط7 /173. 2)) البحر المحيط8/174، وينظر: الكشاف4/308.
عدد الصفحات ٢٨٩ 281 (الحال)، وقس على ذلك سائر التراكيب التي جوَز فيها النحويوَّ تقديم بعض عناصرها على بعضها استناداً إلى النصوص القرآغية. فالدراسات اللساغية الحديثة سواء أكاغت التوليدية أم التداولية أولت التقديم والتأخير عناية كبيرة من خلال تأكيدها على مبدأين مهمَين وهما القصد أو الغرض، ومبدأ الإفادة، اللذاَّ يوك لاَّ أهم غايات التقديم والتأخير ال لذين درسهما القدامى وأقاموا عليهما دراستهم بتأكيدهم على مراعاة المخاطب وأهميته والعناية به، وبنوا على ذلك أحكامهم في جواز التقديم والتأخير. فجاءت هذه الدراسات مساغدة لدراسة القدامى ومعضدة لهم فيما ذكروه من آراء وأفكار في التقديم والتأخير وأغراضه. من ذلك اخل صُ أََّ الدرس اللساغي الحديث جاء متَلقاً مع آراء البصريين وغيرهم من النحويين في تجويزهم للتقديم في المسألتين اللتين تناولتهما في البحث بالدراسة والتحلي ، - وغيرهما من المسائ التي لم أتناولها بالدراسة وإغما اكتليت بالإشارة إليها -، فالتقديم والتأخير من سنن العرب في كلامهم وأسلوب مهم من أساليب الخطاب اللصيح كما أََّ (النحو القرآغي) زاخر بصوره فلا ينبغي منعه ما دام الذوق يتقبله، فالقرآَّ الكريم لم يخالف الأص الذي افترضه النحوي، ب إََّ النحوي تغاضى عن النظام اللغوي، ومنه الترتيب، فالترتيب القرآغي هو الأص (1)، وهو الذي يلترض الأخذ به وتصحيح القواعد والأساليب في ضوئه. 1) )ينظرغظام القرآَّ مقدَمة في المنهج الللظي، عالم سُب يْط النيلي: 7.
عدد الصفحات ٢٩٠ 282 إنالمنهجَ التوزيعي منهجٌ في التحليل اللغوي اتخذ ته مدارسَ النظر اللغوي الأمريكي الحديثة أساساً لتحليل بنية الجملة . فعرَّف هاريس التوزيع (Distribution) بقوله: "أيًّ توزيع لغوي هو مجموع كل السياقات التي يرد فيها، أي مجموع المواقع التي يقع فيها العنصر اللغوي بالقياس إلى العناصر الأخرى"(1). يعتمد المنهج التوزيعي على فكرة الاستبدال Substitution) أساساً في توزيع العناصر وتحديد مواقعها بمعرفة العناصر التي يمكن أنْ يحلَّ بعضها مكان بعض(2). فالاستبدال عند التوزيعيين إحلال عنصر لغوي محل عنصر آخر في سياق لغوي واحد، والتي تعين على تحديد القسم الذي تنتسب إليه هذه العناصر من أقسام اللغة(3). فالتحليل التوزيعي إذاً يقوم على عدم اعتباطية العلاقة بين العناصراللغوية في النصوص فكل عنصرٍ يقع مواقعَ معينةً قياساً إلى العناصر الأخرى إلاَّ أنَّ هناك قيود اً تركيبيةً ت حَ د د توزيعَ العنصر(4). فالمنهج التوزيعي يعمل على توزيع الوحدة التركيبية إلى أجزائها ومكوناتها الصغرى؛ ذلك أنَّ "استبدال مكوَّن نحوي بآخر داخل التركيب وسيلة تصنيفية للتحليل النحوي، والكشف عن الوظيفة الدلالية للمكوَّنات الأساسية، والوقوف على العلاقات المسموح بها للمكونات داخل البناء"(5). 1) ) آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر، د.محمود أحمد نحلة 210 . 2) ) ينظر: مدخل إلى دراسة الجملة31، والاتجاهات المعاصرة في الدراسات اللسانية:192، وعلم اللسانيات الحديثة، د. عبد القادر عبد الجليل: 262. 3) ) ينظر: نظرية النحو العربي، د.نهاد الموسى32. 4)) ينظر: آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر 210 . 5) ) وجوه الاستبدال في القرآن الكريم، د.عزالدين محمد الگردي: 38.
عدد الصفحات ٢٩١