المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخلاف النحوي في بنية النص القرآني

شيماء رشيد محمد زنكنة

صفحة ١٤ من ٢٢

 203 اختلف النحويون في مسالة حذف الفاعل فذهب جمهور النحويين إلى أنَّ الفاعل يجب ذكره في الكلام ولا يجوز حذفه ما لم يكن في المواضع التي اتفقوا على جواز حذف الفاعل فيها، في حين ذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل إذا دلَّ عليه دليل، ورجَّح هذا المذهب السهيلي، وابن مضاء(1). واستند الكسائي فيما ذهب إليه في جواز حذف الفاعل إلى ما ج اء في القرآن من نصوص تؤيد صحَّة ما ذهب إليه نحو ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭾ[القيامة26.] وقوله تعالى: ﭿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭾ[الواقعة83.] وقوله تعالى: ﭿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭾ[ص32.] وقوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭾ[عبس1 – 2.] وغير ذلك من النصوص القرآنية(2) التي ورد فيها الفعل من غير فاعل وهي ظاهرة شائعة في القرآن الكريم . 1)) ينظر: شرح الكافية الشافية 1/268، وارتشاف الضرب 3/1323-1324، والمساعد 1/396، والبرهان: 3/94، وهمع الهوامع 1/576-577، والتأويل النحوي في القرآن الكريم، د.عبد الفتَّاح أحمد الحمُّوز: 1/233. 2)) منالنصوص القرآنية الأخرى التي جاء فيه الفعل من غير فاعل مستغنياً عن الفاعل قوله تعالى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓﭾ [النمل36] :ﭿﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭾ [الصافات177]: العذاب ، وقوله: ﭿﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭾ[القيامة:36-39]وغيرها منالنصوص القرآنية ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: ق3 :1/429-440 .

عدد الصفحات ٢١٢

 204 فذهب الكسائي إلى أنَّ الفاعلَ في هذه النصوص محذوف لدلالة سياق الكلام عليه، في حين ذهبَ جمهور النحويين والمفسرين إلى تأويل هذه النصوص ومثيلاتها التي ورد فيها الفعل من غير فاعل على أنَّ الفاع ل مضمر غير مذكور في الكلام أصلاً؛ لدلالة السياق عليه وعلم المخاطب به . فالفاعل في النص الأوَّل تقديره: (إذا بلغت النفس أو الروح التراقي)(1)، قال الزمخشري: "والضمير في (بلغت) للنفس وإن لم يجرِّ لها ذكر ؛ لأنَّ الكلامَ الذي وقعت فيه يدلُّ عليها"(2). التقدير في قوله تعالى ﭿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭾ: (فهلا بلغت النفس أو الروح الحلقوم)(3)،والأمر نفسه فيما يتعلَّق بتأويل الفاعل في سائر النصوص الأخر . ففي قوله تعالى: ﭿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭾ[القيامة26.] ورد الخطاب القرآني بفعل ومفعول من غير فاعل، فالفعل (بلغ) لا فاعل له لا ظاهراً ، ولا مضمراً ، ولا مستتراً ولم يتقدَّم في الكلام ما يعود عليه ، بل ورد معه المفعول فقط ولا يخفى على أحد جمال التعبير ووضوح المعنى وتأثيره في نفس المخاطب، فالفاعل غير محذوف في هذه النصوص وإنَّما استغني عن ذكره؛ لأنَّه مفهوم من سياق الكلام، "فليست اللغة إشارات صمَّاء، ولكنها نظام من الإشارات الصوتية أنتج ه العقل البشري لأداء حاجات معينة. فإذا فهمت الحاجة ببعض الإشارة كان الباقي مفهوماً لا من تلقاء نفسه ولكن من الإشارة في بعض المنطوق"(4). إذاً فالجملة الفعلية قد تكون مؤلفة من ركن واحد أو من فعل ومفعول من دون فاعل إذا توافرت القرائن والم وحيات التي توحي بالمعنى المقصود، إذ قد يرد الخطاب القرآني بفعل من غير فاعل مستغنيا عن الفاعل لدلالة السياق أو الحال أو 1)) الجامع لأحكام القرآن: مج10 :19/94، وينظر التحرير والتنوير: مج:12 :29/357. 2)) الكشاف4/510. 3) )الجامع لأحكام القرآن: مج9 :17/191،ومعترك الأقران: 3/109. 4)) بناء الجملة العربية132.

عدد الصفحات ٢١٣

 205 الموحيات والقرائن عليه ، وهذا الأسلوب شائع في القرآن الكريم . وهو أحد أنماط التعبير الذي تمتاز به اللغة العربية التي تراعي حال المخاطب وذكاءه لعلمه فيأتي الخطاب مراعياً هذه الأمور في التعبير عن المعنى المراد. قول المفسرين إنَّ الضمير في الفعل يعود على غير مذكور في الكلام، لكنَّه مفهوم من السياق(1) نجد صداه عندالنص يين كما ذكرناه من آرائهم في الإحالة النص ية المقامية. والبصريون وإن لم يقولو ا بالاستغناء وإنَّما كانوا مشغولين بتفسير سبب عدم مجيء الفاعل في هذه النصوص - التي اصطدموا بها، لمخالفتها مبادئهم الأساسية التي وضعوها – كانوا يعرفون أنَّ هذا النمط غير النمط الذي أقرُّوه من وجوب ملازمة الفاعل للفعل وصرَّ حوا أنَّ الفاعل لم يجرِّ له ذكر لدلالة السياق عليه ولعلم المخاطب به، وعلى الرغم من ذلك يتَّفق رأي المعاصرين من النحويين الذين نادوا بالاستغناء في تفسير هذه النصوص مع رأي البصريين. اختلف النحويون في حذف مفعولي (ظنَّ وأخواتها) اقتصاراً، وكانوا على أربعة مذاهب: الأوَّل: مذهب الأخفش ، والجرمي(ت225هـ)، وآخرين وهو المنع مطلقاً، والثاني: مذهب ابن السرَّاج والسيرافي وجمهور النحويين وهو الجواز مطلقاً، والمذهب الثالث : مذهب أبي العلا إدريس (ت630هـ إذ ذهب إلى منع ذلك قياساً والجواز في بعضها سماعاً (2).والمذهب الرابع والأخير التفصيل: وهو مذهب سيبويه وتبعه في ذلك الأعلم (ت476هـ) إذ جوَّز حذف المفعولين في ظنَّ وما في معناها ومنع ذلك في علم وما في معناها(3). 1)) ينظر:الكشاف 4/510،والتبيان: 2/311، و التحرير والتنوير مج:12 :29/357 2)) ينظر: شرح جمل الزجاجي 1/317- 318، وشرح التسهيل 2/4-5، وارتشاف الضرب 4/2097، وهمع الهوامع: 1/549-550، والتأويل النحوي في القرآن الكريم1/306.. 3)) ينظر: الكتاب1/39 41، وارتشاف الضرب4/2097.

عدد الصفحات ٢١٤

 206 قال ابن مالك في بيان سبب منع حذف مفعولي ظنَّ وأخواتها اقتصاراً: "وقد يحذفان إن وجد ت فائدة... فلو لم تقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة لم يجز الحذف، كاقتصارك على أظنُّ، من قولك: أظنُّ زيداً منطلقاً، فإنَّه غير جائز، فإنَّ غرضك الإعلام بأنَّ إدراكك لمضمون الجملة بظن لا بيقين ... ولأنَّ قائل: أظنُّ أو أعلم دون قرينة تدلُّ على تحدد ظنَّ أو علم، بمنزلة قائل: النار حارة، في عدم الفائدة، إذ لا يخلو إنسان من ظن ما، ولا عِّل م ما" (1). ومن النصوص القرآنية التي تؤيد صحة ما ذهب إليه الجمهور من جواز حذف مفعولي ظنَّ وأخواتها قوله تعالى : ﭿ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ[النجم35.] أي: يعلم وقوله تعالى: ﭿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭾ[الفتح12 .] وقوله تعالى: ﭿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭾ[القصص62.] وغيرها منالنصوص القرآنية(2). والتقدير فيالنص الأوَّل وهو قوله: ﭿ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ: (فهو ير الغائبَ حاضراً )(3). 1) )شرح التسهيل2/4-5، وينظر: شرح الكافية4 /152. 2)) منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالىﭿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭾ [البقرة78] ﭿﮒ ﮓ ﮔﭾ [الأحزاب10] ﭿﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭾ [النجم40] ﭿﮜ ﮝ ﮞ ﮟﭾ[الفتح6] ﭿﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭾ [الإسراء56]النصوص القرآنية للمزيد ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: ق3 :2/445- 447. 3)) البرهان3/112، وينظرإعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج: 2/432، والبيان2/399.

عدد الصفحات ٢١٥

 207 قال أبو علي: "المفعولان محذوفان؛ فكأنَّه قال: فهو ير الغائبَ حاضراً (1)،وقال الزمخشري: "(فهو ير ) فهو يعلم أنَّ ما قال له أخوه من احتمالِّ أوزاره حقٌّ" (2)، وقيل: يعلم حاله في الآخرة، وقيل: (فهو ير ) أنَّ ما سمعه من القرآن باطل(3)، وغير ذلك من تأويل النحويين لهذه الآية وغيرها من النصوص القرآنية التي ورد فيها حذف المفعولين. في حين ير ابن خروف(ت609هـ أنَّه من باب حذف المفعولين لدليل؛ لأنَّ المعنى دالٌّ على المفعولين أي: (فهو يعلم ما يفعله و يعتقده حقَّاً وصواباً) (4) ولا فائدة في الآية مع الاقتصار؛ لأنَّه لا ي علم منه المراد . يكثر في القرآن الكريم حذف المفعولات أو إحداها اقتصاراً والاستغناء عن ذكرها كل ِّها أحياناً؛ ذلك أنَّ غرض المتكل ِّم التعبير عن معان أساس ية هي المقصودة فيستغني بها المخاطَ ب والمتكل ِّم عن ذكر الفضلات التي لا تعنيهم قدر عنايتهم بالحدث الأساسي دون الاهتمام مَّ من وقع أو على من وقع، فهذا الأسلوب أسلوب مختلف ليس فيه حذف وإنَّما است غنِّي ع ن بعض العناصر لدلالة السياق عليه فـ "الدليل جزء ممَّا يوحي بالمعنى"(5). وهذا الأمر أشار إليه ابن هشام، إذ قال: "والتحقيق أن يقال: إنَّه تارة يتعل ق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه أو من أ وقِّعَ عليه ... ولا يسمَّى محذوفاً ؛ لأنَّ الفعل ينزَّ ل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له"(6). 1)) البرهان 3/112. 2)) الكشاف4 /304. 3)) ينظر: البحر المحيط8/164. 4)) البرهان: 3/112. 5)) البديل المعنوي من ظاهرة الحذف66. 6)) مغني اللبيب2/239.

عدد الصفحات ٢١٦

 208 اختلف النحويون في مسألة حذف الموصول الاسمي إذا علم في ثلاثة مذاهب المذهب الأوَّل: الجوا ز وهو مذهب الأخفش، والكوفيي ن، والبغدادي ين، وابن مالك، ورضي الدين، والثاني: المنع مطلقاً وعليه البصريون، والتفصيل فالجواز إذا ع طِّف على مثله، والمنع إن لم ي ع طَف عليه وهذا هو المذهب الثالث (1) . واستند المجيزون فيما ذهبوا إلى ما ورد في القرآن الكريم من نصوص تؤيد صحَّة مذهبهم من ذلك قوله تعالى: ﭿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭾ [العنكبوت46] قال ابن مالك: "والأصل: بالذي أ ن زِّلَ إلينا وبالذي أ ن زِّلَ إليكم؛ لأنَّ الذي أ ن زِّلَ إلينا ليس هو الذي أ ن زِّلَ إلى من قبلنا" (2). عند اتجاهي إلى دراسة الحذف في الألسنية الحديثة وجدت أنَّها ظاهرة مستساغة فيها، كما هي عند نحاة العربية القدامى، إذ ير علماء النص أنَّ الحذفَ ظاهرة نصي ِّة لها أثر كبير في تماسك النص وانسجامه فهو أحد الوسائل التي تناولوها في دراسة التماسك النص ي، وهذا ما أكَّده عالما النص (هاليداي ورقية حسن) في بحثهم عن التماسك النص ي في كتابهما (التماسك في الانكليزية Cohesion in English)، وفان دايك، وروبرت دي بو جراند، وغيرهم من علماء النص . وإذا كان الحذف في الجملة ي راعَ ى فيه المقام والسياق والقرائن المعنوية، فنحو النص أكثر اعتماداً عليه ذلك أنَّه يعدُّ السياق والمقام من أساسيات الحذف؛ ذلك عندما تكون الجمل المحذوفة أساساً للربط بين أجزاء النص (3). يتحقق التماسك النص ي بالحذف عن طريق الإحالة ع لى السابق في النص الذي يتحقق من خلال المذكور والمحذوف معاً ذلك أنَّ في المحذوف إحالة على ما سبق 1)) ينظر: شرح التسهيل1/229، وشرح الكافية3/152-153، وارتشاف الضرب2/1045، وهمع الهوامع: 1/343-344. 2)) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح134. 3)) ينظر: نحوالنصّ ، د. أحمد عفيفي: 125 .

عدد الصفحات ٢١٧

 209 ذكره فيالنص (1)، فضلاً عمَّا للمذكور والمحذوف من أثر كبير في توضيح مهمَّة المخاطب في تحقيق نصيَّة النص ، فالحذف بطبيعته علاقة إحالية سابقة تتحقق عن طريق وجود الدليل الذي يسهم في تقدير المحذوف فوجود الدليل شرط من شروط تحقق التماسك بين جمل النص المتعددة وأهمية هذا الدليل عند علماء النص هي تحقيق الإحالة بين المذكور والمحذوف في أكثر من جملة ممَّ ا يؤدي إلى استمرارية النص (2). وتجنُّب التكرار، أي تكرار الكلمات والجمل التي قد تفقدالنص توازنه، إذ يتحقَّق نوع من التوازن والانسجام في النص من خلال التواصل بين المتكلم والمخاطب الذي يعي المقصود من الكلام من خلال القرائن الموجودة في النص أو الجملة، ولطريقة نسج معاني النص من خلال تقدير المحذوف من لدن المخاطَب(3) . ويتضح أيضاً أثر الحذف في تحقيق التماسكالنص ي عند علماء النص ؛ ذلك أنَّ الحذف (إبدال من الصفر) Substitution by zero). إذ إنَّ موقع الكلمة المبدل منه لا يعوَّض عنه بشيء وإنَّما يبقى فارغاً لا يشغله شيء، فالمكان أو الموقع الخالي يعدُّ من وجهة نظر علماء النص صفراً، فالحذف لا أثر له إلاَّ الدلالة، فلا يحلُّ شيء محلَّ المحذوف (4). وما تجدر إليه الإشارة أنَّ العلاقة بين الحذف والإحالة هي من الجوانب التي تسهم في تحقيق التماسك النص ي "ونظراً لوجود دليل مذكور يسهم في تقدير المحذوف، هذا يجعلنا نقول إنَّ ال حذف بطبيعته علاقة مرجعية – يقصد إحالية - لما سبق"(5)، وهذا يعني أنَّ العلاقة الإحالية الموجودة في الحذف التي قد تكون سابقة أو لاحقة هي التي تسهم في تحقيق التماسك النص ي للخطاب. 1)) ينظر:علم اللغة النصّ ي: 2/193، والنصّ والخطاب قراءة في علوم القرآن، د.محمد عبد الباسط عيد: 183. 2) ) ينظر: نظرية علم النصّ: 88- 89. 3) ) ينظر: مفاهيم لسانياتالنص في دلائل الإعجاز، سميرة إبرير: 192، 4)) ينظر: لسانياتالنصّ ، محمد الخطابي: 21، وعلم اللغةالنصّ ي: 2/199، ونحوالنصّ ، د. أحمد عفيفي: 126، ونحوالنصّ بين الأصالة والحداثة: 130 . 5) ) علم اللغة النصّي: 2/201.

عدد الصفحات ٢١٨

 210 من هنا نجد أنَّ الدراساتالنص ية تتفق مع الدراسات النحوية القديمة لعلماء العربية في قولهم بالحذف وكونها ظاهرة موجودة في الكلام وأثرها في تحقيق التماسك سواء أكان على مستو الجملة أم على مستو النص . أمَّا إذا اتجهت إلى دراسة ظاهرة الحذف في الدراسات الحديثة للباحثين العرب من أصحاب ال تيسير النحوي وغيرهم فسأ جد أنَّ موقفَ هم مغاير تماماً لموقف اللسانيات الحديثة - التي ب نِّ يت على لغاتهم والبون الموجود في الظواهر اللغوية وطبيعتها بين العربية وغيرها من اللغات – ومغاير أيضاً لدراسة القدماء للحذف، وما تجدر إليه الإشارة أنَّ ظاهرة الحذف في ال عربية مرتبطة بظاهرة أخر هي (التقدير) فهما متلازمان. قبل أن أ تناول آراءَ المحدثين من أصحاب التيسير في ظاهرة الحذف لا بدَّ لي من أن أذكر باقتضاب ما يتعلق بمصطلح الحذف والمصطلحات الأخر التي تقترب منها، إذ إنَّ للمصطلحات التي يستعان بها على تسمية الظاهرة اللغوية المعيَّنة أثراً في ضبط المفاهيم التي تقوم عليها ولقرب الصلة بين الحذف والمصطلحات التي أطلقت على هذه الظاهرة أو على جزئياتها، وجدت في بطون الكتب كثيراً من المصطلحات لظاهرة الحذف إذ شاعت في الدرس النحوي مصطلحات كثيرة اقتضتها ظاهرة التعليم منها الحذف ، والإضمار، والتقدير، والتأويل، والاختصار، والاتساع، والاختزال(1)، والاكتفاء (2)، والاقتطاع، والاحتباك (3)، والتخفيف (4)، والاستغناء (5 ) 1)) ينظر: الحذف والتقدير في النحو العربي، د. علي أبو المكارم 201-205، والحذف والتقديرفي النحو العربي محاولة الفهم، أ. بو شعيب برامو، (بحث): 45، وأصول تحليل الخطاب ، محمد الشاوش : 2 /1133- 1135، الإعجاز القرآني في أسلوب العدول عن النظام التركيبي النحوي والبلاغي، د.حسن منديل حسن العكيلي: 104. 2) ) ينظر: نحو المعاني، د.أحمد عبد الستار الجواري:67، ودلالة الاكتفاء في الجملة القرآنية، أ.م د.علي عبد الفتاح محيي. 3)) ينظر: دلالة الاكتفاء في الجملة القرآنية26،31. 4)) ينظر: ظاهرة التخفيف في النحو العربي، د. أحمد عفيفي، والحذف والتقدير في النحو العربي محاولة الفهم: 45. 5)) ينظر ظاهرة الاستغناء في النحو العربي، عبد الله صالح عمر بابعير(رسالة ماجستير)، والبديل المعنوي من ظاهرة الحذف، أ.د. كريم حسين ناصح الخالدي.

عدد الصفحات ٢١٩

 211 لتعبر عن حالات افتراضية غير موجودة في الأساليب العربية الفصيحة؛ لذا افترض العلماء ولاسيما المتأخرون من النحويين وجود أفعال غير مستعمل إظهارها (متروك إظهارها)، كما افترضوا وجود جملة فعلية أو اسمية قدَّروها جواباً للشرط أو للقسم، أو أخباراً لمبتدآت أو غير ذلك من التأويلات التي اضطرتهم إلى القول بها (نظرية العامل)، وقضية (التلازم) بين ركني الجملة الرئيسين، فإن افتقدت الجملة ركناً من أركانها لج ؤوا إلى تقديره لتعويض النقص الذي يظنونه موجود اً في بناء الجملة؛ نتيجة سيطرة هاتين الفكرتين عليهم، وكثير من التقديرات جاءت متفقةً تطبيقاً لمبادئ اتفقوا على صحتها في نظرية العامل منها قولهم: لا ب دَّ لكل ِّ معمول من عامل ، ولابدَّ لكل ِّ ع امل من معمول ظاهر أو مقدَّر ، فإن خلا الكلام من أحدهما اضطرَّ النحويون إلى تقديره وهذا ما أثقل الفكر النحوي فهي "واضحة الأثر في تعقيد النحو، وإفساد الأساليب البيانية الفصيحة"(1). فلا يمكن الحديث عن الحذف ما لم نتطرق إلى التقدير فهما متلازمان، كما أنَّهما مظهران من مظاهر التأويل ممَّا أدَّ إلى اتساع التقدير في جميع الأبواب النحوية استناداً إلى هذه المبادئ التي هيمنت على الفكر النحوي زمناً طويلاً ولاسيما لد المتأخرين من النحويين. نتيجة لما ذكرت تباينت مواقف المحدثين من أصحاب التيسير النحوي وإصلاحه وغيرهم من الباحثين المعاصرين من ظاهرة الحذف بين داع إلى إلغائه وبين ناقد له ولما خلَّ فه من آثار سلبية للنحو العربي، إذ أشار عدد من النحويين إلى خطل هذا التفكير، مؤاخذين النحويين القدماء بما ذهبوا إليه ؛ لكونها فكرة خاطئة قادهم إليها منطقهم الفلسفي ولاسيما عند المتأخرين ، ومن هؤلاء: إبراهيم مصطفى (2)، وأحمد عبد الستار الجواري(3)، وعبَّاس حسن(4)، ود. محمد حماسه عبد اللطيف(5)، ود. نعمة 1) ) اللغة والنحو بين القديم والحديث، عباس حسن186. 2)) ينظر: إحياء النحو 34. 3)) ينظر: نحو القرآن18- 37 . 4)) ينظر: واللغة والنحو بين القديم والحديث: 207. (5) ينظر: والعلامة الإعرابية بين القديم والحديث، د. محمد حماسة عبد اللطيف188.

عدد الصفحات ٢٢٠

 212 رحيم العزاوي(1)، ود. مصطفى حميدة(2)، وغيرهم من الباحثين الذين لا يكفي المقام لذكرهم كلهم . ودعا عدد من الباحثين و النحويين من أصحاب التيسير قديما وحديثاً إلى إلغاء ظاهرة الحذف والتقدير؛ ذلك أنَّ " فكرة الحذف وهم من الأوهام لا يصحُّ القول به في اللغة العربية لأنَّه يفسد الذوق اللغوي ويخلُّ بوصف اللغة العربية ويحم ِّلها ما ليس فيها..."(3). وأوَّل من دعا إلى ذلك رائد حركة التيسير ابن مضاء القرطبي (ت 592هـ(4)، ومن المحدثين نجد عدداً كبيراً من الباحثين الذين دعوا الدعوة نفسها نذكر منهم: د. علي أبو المكارم، و أ.د. كريم حسين ناصح الخالدي(5)، وآخرين ممن جاؤوا قبلهما وبعدهما. وتعدَّ دعوة د. كريم حسين ناصح الخالدي هي الدعو ة الأجرأ والأكثر إصراراً ؛ لإلغاء ظاهرة (الحذف والتقدير) في النحو العربي، ذلك أنَّه قدَّم المنهج البديل في تفسير هذه الظاهرة وهو القول بالاستغناء بما موجود في النص من إشارات أو علامات أو م وحيات أو قرائن سياقية أو حالية أغنت عن ذكر بعض عناصر الجملة. توالت الدراسات بعد ذلك في الدعوة إلى إلغاء ظاهرة (الحذف والتقدير) من ذلك دعوة أحد الباحثين إلى إلغاء فكرة الحذف في القرآن الكريم والقول بـ(الاكتفاء)(6) . والاستغناء غير الحذف؛ ذلك أنَّ الاستغناء تعبير عن أسلوب قائم برأسه، إذ قد يستغني عن ذكر شيء بشيء إذ ا كان هناك موحيات أو إشارات أو قرائن تدلُّ عليها، (1) ينظر: الجملة العربية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة(بحث)، د. نعمة رحيم العزاوي، مجلة المورد، ع:10، ج 3،4:159، وينظر أيضاً: أسلوب الحذف في القرآن الكريم وأثره في المع اني والإعجاز، د.مصطفى شاهر خلوف: 35- 36 . (2) ينظر: نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية29 -30. 3) ) البديل المعنوي من ظاهرة الحذف: 194، و196. 4)) ينظر: الرد على النحاة، ابن مضاء القرطبي، تح: د.شوقي ضيف: 79 . (5) ينظر: الحذف والتقدير في النحو العربي353، والبديل المعنوي منظاهرة الحذف: 22-23،27، 197 . 6)) ينظر: دلالة الاكتفاء في الجملة القرآنية194- 195.

عدد الصفحات ٢٢١

 213 أمَّا الحذف فهو افتراض وجود شيء غير موجود في استعمال أو تركيب ما يضطر النحوي إلى تقديره(1). فالاستغناء هو: "عدم الاحتياج عند الاستخدام إلى بعض العناصر المكوَّنة لأسلوب ما من أساليب العربية، استغناءً عنه بغيره"(2). لا بدَّ لي عند دراسة بنية الحذف الإشارة إلى أهمية علم المخاطب وأثره في عملية الحذف، فهو من الموضوعات المهمَّة التي درسها المحدثون تحت مصطلح (المتلقي)؛ لما له من أثر بالغ في العملية الخطابية، فلعلم المخاطب أهمية كبيرة، ويمث ِّل جانباً مهمَّاً من جوانب عملية التكلم وعناصره (المتكل ِّم، والكلام، والمخاطب أو المتلقي)، وهو مبدأ أساسي من مبادئ التداولية الحديثة التي أولت المخاطب وعلمه، والمتكلم، وما يحيط به من ظروف خارجية من مقام وسياق عنايةً خاصةً انطلاقاً من الاعتقاد بأنَّ الخطاب يتوجَّه من أحد الطرفين إلى الآخر(3). علماً أنَّ هذا الأمر لم يكن غائبا عن أنظار النحويين الأوائل(4) إذ لم ينقطع حديثهم عن المخاطب وعلمه بالمحذوف عند دراستهم للحذف بعدَّه الأساس الذي يرتكز عليه الحذف والإضمار. يعدُّ البحث التداولي المعاصر الاختصار قانوناً أساسياً من قوانين الخطاب الذي يقضي أن يضمر المتكلم بعض العبارات ؛ لدلالة القرائن السياقية والحالية عليها 1)) ينظر: البديل المعنوي من ظاهرة الحذف122 . 2)) ظاهرة الاستغناء في النحو العربي 20. 3)) ينظر: الأسس الإبستمولوجية والتداولية للنظر النحوي عند سيبويه، د. إدريس مقبول330، والخطاب القرآني دراسة في البعد التداولي: 54. (4 ) نذكر على سبيل المثال لا الحصر عنايةالنحويين بعلم المخاطب وأهميته في الحذف وبيان المحذوف من ذلك قول سيبويه " وأضمر لعلم المخاطب بما يعني" الكتاب: 1/47، وقول المبرد: "لم يأت بالخبر لعلم المخاطب ومثل هذا في الكلام كثير" المقتضب: 1/81 وغيرها من النصوص التي نلمس منه أهميه المخاطب وعلمه لدى النحويين العرب القدامى في إحداث الحذف وعدم ذكر بعض أركان الجملة لعلم المخاطب.

عدد الصفحات ٢٢٢

 214 اعتماداً على قدرة المخاطب في استحضار ما أضمر من الكلام (1)، فللمخاطب أثر مركزي في عملية الحذف فهو الذي يوجهها ويتحكم فيها إذ "لا قوام للحذف إلاَّ بالمخاطب ... فالمتكلم لا يحذف إلاَّ ما كان معلوماً غير ملبس عند المخاطب، ومتى علم المخاطب ما يعني"(2). إذاً فالمخاطب هو الذي يحكم علىالنص ، من حيث تماسكه وعدمه؛ ذلك أنَّ النص القرآني - خاصَّة - وبقيَّة النصوص - عامَّة - موجَّه إلى المخاطب، فهو الذي يفكُّ شفرة النص ويستخرج ما فيه، ويملأ الفراغات بين عناصر ذلك النص ولاسيما العناصر المحذوفة في النص وهنا تبرز أهمية المخاطب في عملية التحليل النص ي(3) . إذاً فبنية الحذف من أهمًّ وسائل التماسكالنص ي التي تبرز أهمية علم المخاطب . ممَّ ا سبق ذكره وجدت أنَّ جميع الدراسات الحديثة من لسانية وغيرها فضلاً عن نحاتنا القدماء أكَّدوا أثر السياق والمقام والمخاطب وعلمه في إحداث الحذف إذ لا يمكن للمتكلم أن يحذف شيئاً من الجملة أو النص من غير وجود دليل على المحذوف من علم مخاطب أو غيره وهذا إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ على صحة ما ذهب إليه المحدثون في دعوتهم إلى إلغاء فكرة الحذف في بنية الجملة، فهي فكرة خيالية غير موجودة في بال العربي الفصيح أثناء العملية الخطابية، فهو عندما يحذف شيئاً كما يدَّعون يترك دليلاً على المحذوف! وهذا كلام لا يعقله أحد فلا يدور في خلد العربي الفصيح هذه العملية المعقَّدة فالعربي الفصيح لا يحذف شيئاً من أركان الجملة، إذ لم يحدث الحذف أصلاً لكي نقوم بتقدير المحذوف، فلِّ مَ نجد النحويين مصر ِّ ين على هذه الفكرة، ولِّ مَ لا نقول: إنَّ أساليب العربية متعددة في التعبير عن ال معنى الواحد، فكلُّ ما في الأمر إنَّ المتكلم قد يستغني عن بعض أركان الجملة أو النص لوجود موحيات وقرائن تغني عنه تؤدي وتوصل المعنى المراد. 1)) ينظرالتداوليات علم استعمال اللغة، حافظ إسماعيل علوي: 43، والخطاب القرآني دراسة في البعد التداولي: 54. 2)) أصول تحليلالخطاب: 2/1136، و1175، وينظرالنصّ والخطاب والإجراء: 185. 3)) ينظر: علم اللغةالنصّ ي: 2 /213- 217.

عدد الصفحات ٢٢٣

 215 لمَ لا نقول بما قاله الباحثون العرب المحدثون المستوعبون أساليب العربية وطرائقها في نظم الكلام الذين يذهبون إلى أنَّه ليس من اللازم أن تتألف الجملة من مسند ومسند إليه ومن عناصرها المكملة لها كالمفاعيل والحال و... ، وإنَّما قد تتألف الجملة من جميع ذلك، أو قد تتألف من بعضها، أو قد تتألف من كلمة واحدة كالفعل، أو الفعل والمفعول به أو المبتدأ فقط، أو الخبر فقط، ويكون المعنى تاماً واضحاً للمخاطب بحيث لا يحتاج إلى ذكر بقيَّة العناصر لوجود موحيات وإشارات توحي بالمعنى المطلوب، وتغني عن ذكر بعض عناصر الجملة(1).فلا حاجة إلى حذف أو إضمار حينئذ؛ لأنَّ المعنى إذا صار واضحاً في ذهن المخاطب يكون بذلك قد أوصل المعنى المراد بما ذكره من الكلام وليس بما يفترض أن يقوله في ضوء العامل وفلسفته، وبهذا يمكن الاستغناء عن فكرة الحذف عن طريق إعادة وصف الجملة العربية . أر أنَّه من الأجدر أن تدرس هذه المسائل ومثيلاتها التي درسها القدماء ضمن ما أسموه بـ(الحذف والتقدير) في ضوء دراسة الاستغناء لا الحذف؛ ذلك لما في الاستغناء من موحيات وإشارات أو علامات وقرائن تربط النص بعضه ببعض وهكذا نكون قد عملنا مقاربة بين دراسة علماء النص وأصحاب التيسير وكون الحذف كما يسمونه والاستغناء باختيارنا واصطلاح أصحاب التيسير من الباحثين العرب من الوسائل التي تؤدي إلي ترابط النص وتماسكه لما في الإيحاء والعلامة أو الإشارة أو القرائن،... أثر كبير في الإيحاء أو الإحالة إلى المعنى المراد من النص . من خلال ما سبق ذك ره أ قول: إ نَّ الحذف في النظريات الألسنية الحديثة من العناصر التي تحدث تأثيراً في بنية الجملة أو النص بأكمله، فهو أمر مستساغ عندهم فهي وإن كانت تتفق مع الدرس اللغوي القديم في بعض الجوانب أو تخالفه إلاَّ أنَّها لم تقد ِّم تفسيراً جديداً أو وصفاً مختلفاً لظاهرة الحذف وإنَّما تناولت دراسة الحذف من 1)) ينظر: نحو القرآن 25،الجملة العربية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة : 159، ونظرات في الجملة العربية، أ.د. كريم حسين ناصح الخالدي: 55، والبديل المعنوي من ظاهرة الحذف 15.

عدد الصفحات ٢٢٤

 216 زوايا مختلفة كما وجدت علماء النص في بحثهم عن التماسك وعد ِّهم الحذف إحد الوسائل التي تحقق التماسك النص ي، والتوليديين التحويليين الذين نظروا إلى الحذف وسيلة من وسائل التحويل في الجملة وهي لا تختلف عن نظرة القدماء للحذف من حيث عدم جواز ظهور المحذوف المقدَّر في البنية السطحية في اصطلاح التحويليين . لذلك نخلص بنتيجة مفادها أنَّ دراسة أصحاب التي سير من الباحثين العرب المعاصرين كانت مثمرةً وأكثرَ قرباً من الواقع اللغوي وأسلوب القرآن الكريم الذي ينماز بتعدد أنماط التعبير فيه، فضلا عن تقديم المنهج البديل لتفسير ظاهرة الحذف في ضوء أسلوب القرآن الكريم وما يتناسب مع الواقع اللغوي العربي . واستطيع القول: إنَّه لا يوجد حذف في القرآن الكريم؛ لأنَّ ذلك لا يليق بالقرآن الذي هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لقوله تعالى: ﭿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭾ [فصلت42] لما في الكلام من موحيات وقرائن تربط النص وتوجب الاستغناء وتوحي بالمعنى المطلوب، فقدرة كل من الع لامات، والحروف، والألفاظ، والجمل، والأساليب، والسياق، والقرائن الحالية والمقامية على الإيحاء بالمعنى المطلوب يجعل المتكلم يستغني عن ذكر بعض عناصر النص لوجود ما تغني عنها . فالنحو القرآني أس س اتجاهاً جديداً في بناء الجملة يختلف عن نظام (التلازم)، وهو اتجاه الاستغناء عن أحد أركان الجملة. إذا دلَّت القرائن والسياق على المعنى المقصود دون الحاجة إلى الركن الآخر، إذ يصح التعبير عن المعنى المقصود إذا كان التركيب يوحي بتمام المعنى بركن واحد، من غير الاحتياج إلى ذكر الركن الآخر.

عدد الصفحات ٢٢٥

 217 من أبرز ابواب النحوية التي تبرز الفكر النحوي العربي بثوبه القشيب، المتعلق بالتماسك من خلال التوابع هو باب (الفصل والوصل)، وهو من الموضوعات المثيرة للجدل التي عني بدراستها النحويون قديماً وحديثاً والتي وجَّه إليه ا الاهتمام علماء البلاغة والمفسرون في بحثهم عن مواضع الفصل والوصل: متى تتصل العبارتان أو لا تت صل؟ ومتى تنفصل؟ أو لا يجوز الاتصال في حين درسه النحويون في باب التوابع التي هي: (العطف، والصفة، والبدل، والتوكيد، وعطف البيان)، لكن دراستهم

عدد الصفحات ٢٢٦

 218 كانت في ضوء (نظرية العامل ) التي بنو ا النحو عليها دون التفات للمعنى إلاَّ من خلال إضاءات متفرقة هنا وهناك تاركين دراسة الجوانب المعنوية فيه لعلماء البلاغة، إذ قدَّموا أروع دراسة معنوية في هذا الموضوع تفوق كل الدراسات القديمة والحديثة على الإطلاق بدءاً برائد الدراسات المعنوية النص ية (عبد القاهر الجرجاني). فمن وسائل اتساق النص وتماسكه عند علماء النص موضوع (الفصل والوصل) أو التوابع بتعبير النحويين إذ تكتسب التوابع أهميتها في تحقيق التماسك النص ي من مصطلح التابع نفسه؛ ذلك أنَّ التابع يتبع ما قبله في أمور كثيرة حتَّى عدَّ بعض أنواع التوابع مع متبوعه كالكلمة الواحدة لشدَّة ارتباطهما بعضهما ببعض، ولذلك يعدُّ التابع امتداداً نصيَّاً للمتبوع؛ وذلك بظهور صد المتبوع في التابع(1). سأعرض المسائل الخلافية التي اختلف فيها النحويون في التوابع ومد صحَّة هذا الرأي أو ذاك في ضوء الدراسات اللسانية الحديثة، وآراء هم في تحقيق التماسك النص ي من خلال التوابع (الفصل والوصل) عند علماء النص وفي عدد من النظريات الحديثة، ومن التوابع التي سأدرسها والتي تسهم في تحقيق التماسك النص ي: العطف، والبدل، والصفة، ولم يذكر علماء النص من وسائل التماسك النص ي من التوابع سو العطف والإبدال. وما تجدر إليه الإشارة ما نجده من فرق بين البدل المعروف في العربية بوصفه تابعاً من التوابع، وبين الإبدال أو الاستبدال عند علماء النص بوصفه إحد وسائل التماسك النص ي والذي يعنون به إحلال كلمة مكان كلمة أخر . وهذا لا يمنع من أن يكون البدل بوصفه تابعاً يسهم في تحقيق التماسك كما سأذكر، وأن أ عدَّ ه من وسائل التماسك النص ي في اللغة العربية وإن كان على مستو الجملة الواحدة. 1)) ينظر: علم اللغةالنصّ ي: 1/243.

عدد الصفحات ٢٢٧