المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الخلاف النحوي في بنية النص القرآني

شيماء رشيد محمد زنكنة

صفحة ١٣ من ٢٢

 187 الشكلي والدلالي؛ وذلك لكونها تحيل على عناصر سبق ذكرها في النص ، فالضمائر مع غيرها من وسائل تماسك النص تحقق نسيجاً نصيَّاً عالياً فهي لا تشير إلى أشياء أو أ ناس فقط، بل تحيل إلى فقرات أو جمل أو كلمات مذكورة سابقاً ممَّ ا يؤدي إلى تحقيق التماسك والإيجاز في التعبير بعدم تكرار ما سبق ذكره وهنا تكمن أهمية الضمائر في تحقيق التماسك في النص (1) . إنالإحالةَ في هذه الحالة تقتضي العودة إلى الوراء لتحديد مرجع الإحالة، إذذكر المحال عليه، وفي هذا نوع من الربط القبلي بين أجزاء النص ، وإلى ذلك أشار روبرت دي بوجراند بقوله: " رجوع اللفظ الكنائي (2) إلى متقد ِّم عليه يهيئ مركز ضبط أن تضاف إليه المادة المتعل ِّقة باللفظ الكنائي"(3)،فالمتلقي يتمكن مباشرة من إعادة أي إحالة الضمير إلى المحيل إليه الذي سبقه في النص ومن هنا يكمن أثر المتلقي أيضا في إسهامه في عملية التماسك النص ي. أكَّد علماء النص أنَّه " يمكن للأد وات المحيلة أن تصدق على شيء واحد، كما يمكن لها أن تصدق على أكثر من شيء، والذي يحد ِّد ذلك كل ه النص بما يحمله من دلالات ومفاهيم وسياقه هو الذي يساعد على ذلك"(4). فإنَّ احتمال عودة الضمائر على أكثر من شيء واحد في رأي علماء النص يظهر التماسك الدلالي للنص، وهذا الأمر في رأيهم يعتمد على الاختلاف في فهم النصوص والذي هو من عمل المخاطب(5)، وللسياق في هذه الحالة أثر كبير في معرفة عود الضمير ومعرفة العنصر المحال عليه . 1) ) ينظر: علم اللغةالنصّ ي: 1/161-163 . 2)) المراد من الألفاظ الكنائية أي عناصر الإحالة التي هي الضمائر، وأسماء الإشارة وغيرها . 3)) النص والخطاب والإجراء: 92. (4) الإحالة في نحوالنصّ : 54. 5)) ينظر: علم اللغةالنصّ ي: 1/151.

عدد الصفحات ١٩٦

 188 إذن فاللسانيات النص ية الحديثة تتفق مع ما وجدته لد نحاة العربية والمفسرين في إشارتهم إلى الوظيفة الأساسية التي يؤديها الضمير في تحقيق ربط عناصر الجملة بعضها ببعض وتحقيق التماسك النص ي المنشود الذي أكَّده علماء النص المحدثون. من الموضوعات التي من يمكن أن أدرسها ضمن وسائل التماسك النص ي ضمن الإحالة (ضمير الفصل أو العماد)؛ وذلك لأهميته والمهمَّة التي ي ؤديها في ترابط الجملة بربطه بين المبتدأ والخبر أو ما أصله المبتدأ والخبر، ولكونه من وسائل الربط الأخر بين المبتدأ والخبر؛ كان توجهي لدراسته من ضمن وسائل التماسك النص ي. حدَّ النحويون ضميرَ الفصل بأنَّه: ضمير على صيغة المرفوع المنفصل يطابق ما قبله في التكلُّم والخطاب والغيبة(1) . وسم ِّي الضمير فصلاً لك ونه يفصل أنَّ ما بعده خبر لا نعت، ولإزالته وهم المخاطب(2)، أي أنَّه يحكم أنَّ ما بعده خبر لا صفة ، وهذا هو المراد بالفصل أي : الحكم والبتُّ بالأمرِّ، وهذه فائدة الربط في ضمير الفصل فهو يحد ِّد الخبر ولا يجعله يحتمل كون الاسم بعده نعتاً . ومن فوائده الأخرى: التوكيد في المعنى عند البصريين فقولنا: (زيدٌ هو القائم ) بمعنى: (زيدٌ نفس ه القائم )(3)، وهو كذلك عند الكوفيين توكيدٌ لما قبله، وعلى هذا سمَّاه 1)) ينظر: شرح الكافية3/63، وارتشاف الضرب: 2/951. 2) )ينظر شرح الكافية: 3/63، ومغني اللبيب2/139، ونظام الربط والارتباط في تركيب الجملة العربية 200 . 3)) ينظرشرح الكافية: 3/63.

عدد الصفحات ١٩٧

 189 بعض الكوفيين دعامة؛ لأنَّه ي د ع م به الكلام أي: يقوي ويؤكد(1)، ويفيد أيضاً الحصر والاختصاص(2) . فيتسمية ضمير ال فصل خلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، فذهب البصريون إلى أ نَّ الضميرَ بين المبتدأ والخبر يسمى فصلاً لأنَّه يفصل بين الخبر والنعت، في حين ذهب الكوفيون إلى أنَّه عماد ؛ لأنَّه يعتمد عليه معنى الكلام(3)،أو لكونه حافظاً لما بعده من أن يسقط عن الخبرية(4). ومنالنصوص القرآنية التي ورد فيها ضمير الفصل : قوله تعالى: ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [البقرة5.] وقوله تعالى ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ[البقرة254.] وقوله تعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭼ[آل عمران62.] وقوله تعالى: ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭼ[المائدة117]. وقوله تعالى ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﭼ[الصافات165]. وغيرها منالنصوص القرآنية . فالضمير في قوله: ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ[البقرة254] النصوص القرآنية ي فيد التوكيد إذ إنَّ الكلام مع ذكره أبلغ فلو قلنا: (والكافرون ظالمون) بدون الضمير لما كان له الوقع نفسه علينا لو كان التوكيد موجوداً لما فيه 1)) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف2/207 ،ومغني اللبيب2/139. 2)) ينظر: مغني اللبيب2/139، ومعاني النحو: د.فاضل صالح السامرائي1/43-46 وما بعدها 3)) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: مسألة (100 :)2/706، ومغني اللبيب2/139. 4)) ينظر: شرح الكافية3/63 .

عدد الصفحات ١٩٨

 190 من حشد معنوي لا يمكن أن يكون للنص من دون الضمير، وفضلاً عن دلالة التوكيد فيه دلالة الاختصاص أيضاً "لأنَّه إذا قال: (والكافرون هم الظالمون) فإنَّما جاء بالضمير ليدلَّ على أنَّهم لكفرهم اختصوا بمزيد الظلم الفاحش"(1). قال الزمخشري في قوله تعالى ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [البقرة5] وفائدته الدلالة على أنَّ الوارد بعده خبر لا صفة ، والتوكيد ، وإيجاب أنَّ فائدةَ المسندِّ ثابتة للمسندِّ إليه دون خبره"(2)،فضمير الفصل يفيد أنَّ ما بعده خبر لا نعت، ولولا وجوده لاحتمل أن يكون ما بعده تابعاً و في حال كون (المفلحون) صفة فالخبر محذوف . وتتضحُّ لنا من خلال دراسة القدماء لهذه البنية الإحالية، الصلة الوثيقة التي يعقدها ضمير الفصل بين الجزأين الواقع بينهما إذ تكون الإحالة فيه قبلية، وهي إحالة معنوية وهو ما يفس ِّر التوكيد المعنوي الذي هو اعتماد المتأخر عليه في المعنى في بيان وظيفته النحوية فدلالة الضمير في لفظة (نفسه) في: (زيد نفسه القائم) هي التي تفيد التوكيد المعنوي. ير د. سعيد بحيري الذي درس (البنية الإحالية لضمير الفصل) أنَّ اتجاه الإحالة في ضمير الفصل يتض ِّح من خلال تفسير مصطلحي الفصل والعماد ال لذين أ طلِّقا على هذا الضمير إذ يقول: " فالتوكيد يتحقَّق عند البصريين للعنصرين معاً، أو للجملة بأكملها، أو للكلام كما يقولون، ولم يح ل ذلك دون فهم الإشارة الموجودة في قولهم (فصل الاسم الأوَّل عمَّا بعده) بأنَّها تلك الصلة المعنوية القائمة بينهما؛ إذ ي راد من ضمير الفصل أن يبقي الركن الثاني في معنى الركن الأوَّل، وهو معنى الابتداء، وأن يزيل عنه أي معنًى آخر، أمَّا التوكيد عند الكوفيين فيتحقَّق للعنصر الأوَّل فقط، والحقُّ 1) ) بناء الجملة العربية120. 2) ) الكشاف1/46 .

عدد الصفحات ١٩٩

 191 إنَّهم أصابوا في إثبات الصلة الوثيقة بين (ضمير الفصل) والاسم المحيل إليه، وإن كان التوكيد يتحقَّق للجملة كل ِّها كما ذهب إليه البصريون"(1). إذن فضمير الفصل يحق ِّق نوعاً من التوكيد المعنوي وهذا هو الذي يجعل البنية الإحالية لضمير الفصل (إحالة قبلية) لما سبقها ، وخرج د. سعيد بحيري بنتيجة استقاها من رأي البصريين مفادها: إنَّ التوكيد في ضمير الفصل توكيد معنوي للركن الأوَّل أو الثاني أو لكليهما معاً ، فمجيء ضمير الفصل يحق ِّق صلة قوية بين المتقد ِّم عليه والمتأخر عنه ، وهو ما أطلق عليه بـ ( التوكيد المعنوي) لأداء هذا المعنى المتمي ِّز(2). ومن خلال دراسته لبنية (ضمير الفصل) وصل إلى أنَّ لهذا الضمير دلالة كليَّة يمكن الوصول إليها من خلال السياقات التي ورد فيها، فهو يشير إلى النتيجة الحاصلة لما قبله من أحداث نحو قوله تعالى: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ [5] وقولهﭽﯙ ﯚ ﯛ ﭼ [البقرة27] أو يشير إلى تمث ِّل حكم قاطع كقوله تعالى: ﭽﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ [التوبة40]، وقوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭼ[آل عمران62]و للإشارة إلى صفة يختصُّ به ا الله وحده في الغالب نحو قوله تعالى: ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [الذاريات58]و غيرها من الأمور التي لا يرقى إليها الشك كقوله تعالى: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ [الصافات60](3). 1) ) دراسات لغوية وتطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة137- 138، وينظر: السبك في العربية المعاصرة 44. 2)) ينظر: دراسات لغوية وتطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة142. 3)) ينظر: دراسات لغوية وتطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة142- 143 .

عدد الصفحات ٢٠٠

 192 من خلال ما سبق ذكره تتض ِّح وظيفة ضمير الفصل بوصفه إحد وسائل الإحالة في ربط النص وإسهامه في تحقيق التماسك النص ي من خلال بنيته الإحالية التي اتضح أنَّ إحالتها هي إحالة نصي ِّة قبلية أي سابقة. من هنا نجد أنَّ ما جاء في الدراسات الحديثة ولاسيما النص ية يتفق مع ما ذهب إليه البصريون، وذلك من خلال تأكيد النص يين على أهمية الضمير في تماسك النص ؛ ذلك إنَّ إحالة (ضمير الفصل) على قول ال بصريين إحالة نصية سابقة أي قبلية، ممَّ ا يؤدي إلى ترابط النص وتحقيق التماسك على مستو الجملة الواحدة التي هي نواة النص كما يقول النص يون. فضلاً عمَّا لهذا الضمير من أهمية بارزة في ترابط النص واتساقه، وجدنا أنَّ النحويين الأوائل ومنهم الخليل(ت175هـ) وسيبويه أقاموا دراسة ضمير الفصل على ترقب حال المخاطب وتوقعه، إذ فسَّروا تسمية ضمير الفصل بهذا الاسم بناءً على حال المخاطب، فما يكون عليه المخاطب من انتظار وترقب هو الأساس في صياغة هذا المصطلح (1)،إذ يقول الخليل: "فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، إعلاماً بأنَّه قد فصلَ الاسمَ ، وأنَّه فيما ينتظر المحد ِّث ويتوقَّ ع ه منه، ممَّ ا لابدَّ له من أن يذكره للمحدَّ ث ... فكأنَّه ذكر (هو)؛ ليستدلَّ المحدَّ ث أنَّ ما بعد الاسم ما ي خ رِّ ج ه ممَّا وجبَ عليه، وأنَّ ما بعد الاسم ليس منه" (2)، فمراعاة أحوال المخاطب وعلمه كانت مدعاة لتوجيه الكلام وصياغة الأحكام الأساسية فيه، وهذه الشذرات والالتفاتات التي نجدها عند النحويين القدماء يمكن أن تعدَّ الأساس للنظريات اللسانية الحديثة ولاسيما التداولية التي اعتمدت على المخاطب وحاله وعلمه أحد أهم عناصر نظريتها اللسانية. 1)) ينظر: مراعاة المخاطب في كتاب سيبويه ( بحث) :22. 2)) الكتاب2/389.

عدد الصفحات ٢٠١

 193 ير التوليديون أنَّ الضمير جاء في التركيب الجملي الظاهر أي في البنية السطحية فقط، ولا أثر له في البنية العميقة ومجيء ضمير الفصل عند التوليديين هنا من الزيادات التي تأتي للتحسين في البنية السطحية وليس لها أيُّ أثر في البنية العميقة(1). هذا خلاف ما ذكرت ه وأثبته من فوائد هذا الضمير، إذ مجيؤه لم يكن كما يرون للتحسين، وإنَّما لتحقيق غايات ومقاصد دلالية لا يمكن أن تتحقق من دون وجود الضمير. أسماء الإشارة من وسائل الإحالة المهمَّة التي تسهم في اتساق النص وتماسكه ذلك أنَّها تقوم بوظيفة الربط القبلي والبعدي عن طريق إحالتها إلى عناصر سابقة أو لاحقة في النص ، ومن ثمَّ تساهم في ربط النص أي الخطاب وتماسكه واتساقه. " إذ إنَّه يستعمل استعمال الروابط، فينقل معنى ما يسبقه إلى ما يلحقه، ويكون بديلاً عن مفرد أو جملة أو عن نص ِّ" (2) . لم تقتصر دراسة الإحالة على المحدثين فقط، بل وجدت لد نحاة العربية والمفسرين الذين درسوا النص القرآني وإعجازه ومعانيه مباحث عميقة في عود الضمير، ولطبيعة البحث الذي يدور في مسائل الخلاف لا بدَّ لي من أن أ ذكر بعض النصوص القرآنية التي اختلف المفسرون والنحويون في توجيه إحالتها ودراستها في ضوء آراء علماء النص لمعرفة مد توافق نظريتهم مع دلالات النص القرآني وما يحتمله النص القرآني من دلالات في ضوء فهم المخاطب أو المتلقي لهذه النصوص ودلالاته. 1)) ينظر: المسافة بين التنظير النحويوالتطبيق اللغوي، أ.د. خليل أحمد عمايرة: 260-261. 2) )دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة145 .

عدد الصفحات ٢٠٢

 194 فمنالنصوص القرآنية قوله تعالى: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ[البقرة74.] وقوله تعالىﭽﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﭼ[البقرة176]النصوص القرآنية. أختلف المفسرون في عودة اسم الإشارة في قوله تعالى: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﭼ[البقرة74.] فذهب الزجاج إلى إنَّه يعود على جميع ما سبق ذكره من الآيات من مسخهم قردة وخنازير ورفع الجبل وانبجاس الماء وإحياء القتيل (1)، وذهب غيره إلى أنَّ اسم الإشارة (ذلك) يشير إلى إحياء القتيل (إحياء الموتى)، فيكون الخطاب موجَّهاً إلى جميع بني إسرائيل، في حين ذهب آخرون إلى أنَّه يعود على كلام القتيل فيكون الخطاب للقاتل(2). ففي قولهم إنَّ الإشارة إلى (القتيل) نكون أمام إحالة عنصر إلى عنصر آخر سابق له وهي إحالة نصية سابقة، وفي الإشارة إلى جميع ما سبق ذكره من الآيات نكون أمام إحالة إلى خطاب بأكمله سابق له مكوَّن من عدَّة آيات وهذا ما يسمى عند علماء النصّ (الإحالة ذات المدى البعيد) وهي التي تكون المسافة الفاصلة بين الأداة وما تحيل إليه في جمل متباعدة من النصّ نفسه(3). 1)) ينظر: معاني القرآن وإعرابه1/140 . 2)) ينظرالكشاف: 1/145، وزاد المسير1 /102-103، والبحر المحيط1/428. 3)) ينظر: الإحالة في نحوالنصّ : 53.

عدد الصفحات ٢٠٣

 195 لكي يقفَ المخاطب على الإحالة وعود اسم الإشارة على المحيل عليه المقصود بعينه عليه أن يربط النص بالسياق، وأن يأخذ ب الحسبان السياق الكامل الذي قيل فيه الكلام، وكذلك القرينة المناسبة والقضية الأساسية التي يجب على المخاطب الانكباب عليها، والتي تتعلَّق بموضوع الخطاب وهو ما يطلق عليه بالبعد التداولي للنص. فالخطاب في هذا النص كان موجهاً إلى بني إسرائيل ذلك أنَّهم بعد كل الآيات والأدلَّة التي جاء بها عيسى () لم يصد ِّقوا به وكذَّبوه، يقول سي ِّد قطب: "وتعقيباً على هذا المشهد الأخير من القصَّة الذي كان من شأنه أن يستجيش في قلوب بني إسرائيل الحساسية والخشية والتقو ، وتعقيباً على كل ِّ ما سلف من المشاهد والأحداث والعبر والعظات، تجيء هذه الخاتمة المخالفة لكل ِّ ما كان يتوقع ويرتقب ﭽﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﭼ "(1). فجاءالنص مشيراً إلى هذا الأمر رابطاً بالإشارة هذا النص بما قبله إحالة نصي ِّ ة قبلية لما سبق ذكره من الآيات، وهذا ما يرجح رأي الزجاج ومن تبعه في إحالة الضمير وكونه إحالة نصية سابقة من المد البعيد. على الرغم من اختلاف المفسرين في عودة اسم الإشارة وإحالته فإنَّه لا يمس المبدأ الذي ينضوي تحته الإشارة وهو جعل الخطاب متماسكاً من خلال استحضار عنصر متقد ِّم أو خطاب بأكمله وهذا ما أكَّ دته الدراسات التداولية والنص ية الحديثة. وفي قوله تعالى: ﭽﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﭼ[البقرة176.] 1) )في ظلال القرآن: 1/80 .

عدد الصفحات ٢٠٤

 196 اختلفوا في إحالة اسم الإشارة (ذلك) على ما يعود عليه فذهب عدد من النحويين والمفسرين منهم الزجاج، إلى أنَّ الإشارة تعود على ما سبق ذكره من الوعيد جزاء كتمانهم الإيمان(1)، وذهب الزمخشري إلى أنَّه يعود على العذاب(2)، وذهب الحسن البصري والقرطبي إلى أنَّ (ذلك) إشارة إلى الحكم عليهم بأنَّهم من أهل الخلود في النار(3)، وذهب ابن عطية إلى أنَّه عائد على الاشتراء - اشترائهم الضلالة بالهد (4)، وذهب آخرون إلى أنَّه يعود على ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمره وكتمانهم ما أنزله(5). قال ابن عاشور: "وجيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علَّة "(6). هذا الكلام هو ما ذهب إليه النص يون وهو إفادة اسم الإشارة الربط بين الكلام لتحقيق التماسك النص ي ذلك أنَّ وظيفة الإشارة هي الربط بين النصوص، بغض النظر عما تحيل أو تعود عليه وهذا ما ركَّز عليه علم النص ذلك أنَّ تحديدَ المحال إليه يختلف باختلاف فهم المتلقي للنص وهو الجدير بالأخذ به لتجنب كل هذه الخلافات الحاصلة بينهم في تحديد العنصر المحال إليه ذلك أنَّ الأهم هو الوظيفة التي تؤديها (الإشارة) في تحقيق التماسك النص ي . فتشير الباحثة (رقيَّة حسن) إلى أنَّ أسماء الإشارة لا تقلُّ أثراً في الإحالة عن تأثير وسائل الإحالة الأخر ( الضمائر، وأل التعريف) في إسهامها في الاتساق والتماسك النص ي، إذ تقوم بوظيفة الربط بين جملتين ممَّا يساعد المخاطب أي المتلقي على 1)) ينظر: البحر المحيط 1/669 . 2)) ينظر: الكشاف1/198. 3)) ينظر: الجامع لأحكام القرآن مج1 :2/628، والبحر المحيط 1/669. 4)) ينظر: المحرر الوجيز1/242 . 5)) ينظر: مفاتيح الغيب: مج3 :5/28-29. 6)) التحرير والتنوير: مج1 :2/126.

عدد الصفحات ٢٠٥

 197 إدراك الصلة بين المشار إليه في الجملة وما كان قد سلف الحديث عنه، أو التنبيه عليه في جمل سابقة(1). ولا يخفى ال مهمَّة الت ي تقوم به ا الإحالة الإشارية في ربط أجزاء النص بعضه ببعض لذلك نجد أنَّ بعض الباحثين يعدُّون اسم الإشارة من (الضمائر) وي ط لِّق ونَ عليه (الضمير الإشاري)؛ وذلك للمهمَّة التي يؤديها (اسم الإشارة) في ربط أجزاء النص بعضها ببعض عن طريق ربطه المبتدأ بالخبر ولا يمكن الاستغناء عنه والربط بغيره من الأدوات الرابطة بين المبتدأ والخبر لما في الربط الإشاري من معنًى لا يتحقق بغيره؛ لما يكشفه استعماله في موضعه عن ضرب من التوكيد والإحاطة والحصر لا يمكن تحقيقه في استعمال غيره من أدوات الربط كالضمائر مثلاً (2). من الباحثين الذين صنَّفوا اسم الإشارةفي ضمن الضمائر د. تمَّام حسَّان، إذ جعل مصطلح الضمير شاملاً لكل من (ضمائر الأشخاص، والإشارات، والموصولات)(3)، في أثناء اقتراحه التقسيم الجديد للكلم في العربية. إنَّ إحالة اسم الإشارة في الغالب كالضمائر (إحالة نصيَّة قبلية) وهذا ما يؤدي إلى ترابط النص وتماسكه، ذلك أ نَّ الإحالة من العناصر والوسائل المؤثرة في تماسك النص كما ذكرنا ذلك. بعد كل الذي تمَّ عرضه ومناقشته أقول: إنَّ وظيفة الضمائر (الذات، والفصل، والإشارة) واضحةٌ في إحكام بنية النصّ وتماسكها، فقد كانت الإحالة من خلالها على ما قبلها و ما بعدها عاملاً قويّ اً يسهم فضلاً عن غيره من العوامل في ربط أجزاء النصّ و في تحقيق التماسك النصّ ي. 1)) ينظر: في اللسانيات ونحوالنصّ : 194، وينظر أيضاًلسانيات النصّ، د. ليندة قيَّاس : 18. 2)) ينظر: بناء الجملة العربية 111 . 3)) ينظراللغة العربية معناها ومبناها: 108- 113، وخواطر من تأمل لغة القرآن الكريم، د. تمَّام حسَّان: 35.

عدد الصفحات ٢٠٦

 198 من عناصر الإحالة عند علماء النص التي تسهم في تحقيق التماسك النص ي الإحالة بـ (أل التعريف)، إذ تستعمل للإحالة على شيء معيَّن معروف لد المخاطب قد سبق الحديث عنه(1)،فتؤدي (أل التعريف) وظيفة الربط القبلي، فتكون الإحالة فيه إحالة نصي ِّة قبلية على عنصر سابق له في النص . ومن المسائل الخلافية بين النحويين البصريين والكوفيين في هذه الأداة مسألة: (الخلاف في نيابة أل عن الضمير المضاف إليه) : إذ ذهب البصريون إلى منع نيابة (أل) عن الضمير المضاف إليه، في حين ذهب الكوفيون وبعض من تابع البصريين منهم ابن مالك (2)، وكثير من المتأخرين إلى جواز نيابة (أل) عن الضمير(3) . واستند الكوفيون فيما ذهبوا إليه إلى ما جاء في القرآن الكريم من نصوص تؤيد صحَّة ما ذهبوا إليه من ذلك قوله تعالى: ﭽ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ[النازعات37 –41 .] وقولهﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭼ[ص50.] 1)) ينظر: في اللسانيات ونحوالنصّ : 193. 2)) ينظر: معاني القرآن، الفراء:2/408، وشرح التسهيل 1/154 3)) ينظر: الجنى الداني 199، ومغني اللبيب 1/48، وائتلاف النصّ رة ، مسألة(25) من الحرف 157، وشرح الأشموني: 1/84، وهمع الهوامع1/311.

عدد الصفحات ٢٠٧

 199 فالمبتدأ والخبر لا بدَّ لهما من رابط يربط بينهما، فذهب الكوفيون إلى أنَّ (أل) هي الرابط بين المبتدأ (مَ ن ) والخبر جملة ( فإنَّ الجنَّة هي المأو ، و فإنَّ الجحيم هي المأو )، فجعلوا (أل) نائبة عن الضمير العائد إليه، والأصل عندهم (فإنَّ الجنَّة هي مأواه، وإنَّ الجحيم هي مأواه، ومفتَّحة لهم أبوابها)، في حين إنَّ العائد على (مَن ) مِّنَ الخبر محذوف على رأي البصريين و التقدير عندهم: هي ال مأو له، و مفتَّحة لهم الأبواب منها أو لها(1). إن مسألة إفادة (أل) التعريف الربط بين عناصر الجملة والنص بأكمله ليس جديداً بل وجدت الكوفي ِّ ين وبعضَ نحاةِّ البصرةِّ قالوا بذلك كما وجدت الدراسات الحديثة تؤكَّد هذه الخاصي ِّة الترابطية لـ (أل) التعريف. ومن الباحثين العرب الذين درسوا هذه الخاصي ِّة د. مصطفى حميدة(2) ود. تمَّام حسَّان الذي أكَّد أنَّ الربطَ قد يحدث في بعض الأحيان بوساطة (أل) التعريف إذ تربط إذا كانت موصولة أو للجنس النسبي أو للعهد الذكري إذ إنَّ (أل) التعريف في هذه ا لحالات الثلاث بقوَّة الضمير في الربط (3 ) . فتكون إحالتها في هذه الحالة إحالة نصي ِّة سابقة أو لاحقة أر في هذه المقاربة بين القديم والحديث في هذه المسألة الخلافية أنَّ رأي النص يين يتفق مع ما ذهب إليه الكوفي ِّون في إفادة (أل) التعريف الربط بين أجزاء الجملة أو عناصر النص ،وهذا الاتفاق الذي وجدت ه بين الدراسة النص ية ور أي الكوفيين المشفوع بنصوص من القرآن الكريم يجعل البتَّ في هذه المسألة لرأي الكوفيين وهذا إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ على امتلاك علماء العربية وسائل التحليل النص ي وإدراكهم لها لكنَّ هم كانوا يفتقرون إلى التنظير والمصطلحات. 1)) ينظر: شرج جملالزجاجي: 1/358، الجنى الداني199، و شرح المزج304- 305، وينظر من كتب الإعراب والتفسير: إعراب القرآن، النحاس: 1061، ومشكل إعراب القرآن 498، والبيان 2/493، والتبيان: 2/449، والبحر المحيط 8/415. 2)) ينظر: نظام الارتباط و الربط في تركيب الجملة العربية200. 3)) ينظر: البيان في روائع القرآن1/146- 149 .

عدد الصفحات ٢٠٨

 200 من الدراسات الحديثة للباحثين العرب ما نجده عند الأستاذ علي نجدي ناصف من رأي تفرَّد به فذهب إلى كون الربط بـ (أل التعريف) هو الأصل في العربية مستدلاَّ بالنصوص القرآنية التي سبق ذكرها، إذ ذهب إلى أنَّ الضمير وسيلة من وسائل الربط استحدثتها العربية بعد مراحل م ن التطور ؛ ليقوم بوظيفة الربط فضلاً عن وظائفه الأخر التي يقوم بها من الخطاب، والتكلُّم، والغيبة، إذ كانت العربية تستعمل في مراحل متقد ِّمة إعادة اللفظ، أو (أل التعريف) وسيلة من وسائل الربط بدلاً من الضمير إذ قال: إنَّ الربط بـ (أل) نيابة عن الضمير "قد تكون بقيَّ ةً من أساليب اللغة في العصر الذي نزعم فيه خلواً من الضمير"(1). إنَّ البحثَ في هذه المسألة ممَّا ينتمي إلى البحث عن نشأة اللغة وهو ممَّ ا لا يلاقي قبولاً عند أغلب الباحثين لذلك لن أقوم بمناقشة هذا الرأي والحكم عليه. والذي يعنيني هنا مسألة الربط بالضمير وبـ (أل التعريف) وكونه من الوسائل التي اعتمدتها اللغة في ربط أجزائها بعضها ببعض وإسهامها في التماسك النص ي عن طريق إحالتها إلى عناصر موجودة في داخل النص وإسهامها في تحقيق التماسك النص ي لد القدماء والمحدثين من اللسانيين النص يين وغيرهم. 1)) بناء الجملة العربية107، نقلاً عن فلسفة الضمير، علي نجدي ناصف، مجلَّة المجمع اللغوي

عدد الصفحات ٢٠٩

 201 لقي الحذف عناية كبيرة من لدن علماء اللغة قديماً وحديثاً فهي ظاهرة لغوية تشترك فيها اللغات الإنسانية، إذ يميل الناطقون إلى حذف ما قد يمكن للسامع فهمه اعتماداً على القرائن المصاحبة، فهي واحدة من القضايا التي تناولتها البحوث النحوية والأسلوبية والبلاغية بوصفها انحرافاً أو عدولاً عن المستو الطبيعي للغة . وأجازت العربية كغيرها من اللغات حذف أحد العناصر من التركيب عند استخدامها " وذلك لا يتمَّ إلاَّ إذا كان الباقي في بناء الجملة بعد الحذف مغنياً في الدلالة، كافياً في أداء المعنى، وقد يحذف أحد العناصر؛ لأنَّ هنا ك قرائن معنوية، أو مقالية تومئ إليه و تدلُّ عليه، ويكون في حذفه معنًى لا يكون في ذكره" (1). وهذا مذهب علماء العربية القدماء الذين قالوا بظاهرة الحذف في النحو العربي وبالغوا في دراستهم للحذف وتوسعوا فيه أيَّما توسع . أمَّا في الدراسات الحديثة فنجد تبايناً في الآراء بين من درسه وعد ه من وسائل تماسك النص ، أو من وسائل التحويل في الجملة، أو من طرائق التواصل بين المتكلم والمخاطب، ومن عارض ورفض ظاهرة الحذف كما سأوضَّح ذلك . لطبيعة بحثي في الخلاف النحوي لا بدَّ لي من ذكر عدد من المسائل الخلافية في حذف جزء من بنية الجملة ومد توافق آراء القدماء وقولهم بالحذف مع توجه الدراسات الحديثة وآراء أصحاب التيسير الذي سأذكرها لاحقاً. أمَّا المسائل الخلافية في بنية الجملة الفعلية ومتعلقاتها فهي كثيرة منها: حذف الفاعل. حذف مفعولي ظنَّ وأخواتها أو أحدهما اقتصاراً. 1) ) بناء الجملة العربية: 259 .

عدد الصفحات ٢١٠

 202 حذفحرف النداء مع اسم الإشارة. حذف المناد وإبقاء حرف النداء. حذف لام الأمر. حذف الفاء ومتبوعها. حذف جواب القسم لدلالة معموله عليه. ومن المسائل الخلافية في حذف جزء من بنية الجملة المشتركة بين الاسمية والفعلية: حذف الموصول الاسمي إذا علم. حذف المبدل منه وإبقاء البدل. والمسائل التي سأتناولها بالدراسة هي مسائل : (حذف الفاعل)، و(حذف مفعولي ظنَّ وأخواتها أو أحدهما اقتصاراً)، و(حذف الموصول الاسمي إذا علم).

عدد الصفحات ٢١١