هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ولنتوقف سريع ا مع الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان لصاحب الملكوت . فأولها : أنه يأتي بعده ، فلا يمكن أن يكون هذا الآتي بعده هو المسيح الذي أتى في أيام يوحنا المعمدان . وثانيها : أنه قوي ، وقوته تفوق قوة يوحنا المعمدان ، ومثل هذا الوصف لا ينطبق على المسيح الذي يزعم النصارى مصرعه على الصليب قريب ا مما جرى ليوحنا المعمدان ، وأنى هذا من غلبة رسول الله على سائر أعدائه ! ثم بلغ من القوة أنه طهر الأرض من رجس الوثنية بالروح والنار أي بدعوته العظيمة وقوته القاهرة ، وكل ما تقدم لا ينطبق على أحد سوى رسول الله . وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة باقتراب الملكوت ، « ابتدأ يسوع يكرز ويقول : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات » ( متى 4 :17 ) ، « وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ، ويكرز ببشارة الملكوت » ( متى 4 :23 ) ، « كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت ا ، ومعه الإثنا عشر » ( لوقا8 :1 ) . وقد اعتبر المسيح البشارة بالملكوت مهمته الأولى ، بل الوحيدة ، فقال : « فقال لهم : إنه ين بغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضً ا بملكوت الله ، لأني لهذا قد أرسلت » ( لوقا4 :34 ) . وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال : « اكرزوا قا لين : إنه قد فقد أخطأ المعمدان في حساباته وأوصافه عن مسيا الآتي الأقوى منه ، ومعروف كيف أن المعمدان كان شخصية حديدية نارية أرعب الكتبة والفريسيين .. فنظر وإذا المسيح أه دأ من نسيم الصباح » . الإنجيل بحسب القديس متى ، الأب متى المسكين ، ص (381. )
عدد الصفحات ٩٨هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ اقترب ملكوت السماوات » ( متى 10 :7 ) . ثم علم المسيح تلاميذه أن يقولوا في صلاتهم تلك العبارة التي ما يزال النصارى يرددونها إلى اليوم « أبانا الذي في السماوات .. ليأت ملكوتك » ( لوقا 10 :2 ) . ومن خلال هذا كله نستطيع أن نقول بأن رسالة عيسى كانت بشارة بالملكوت الذي بشر به يوحنا المعمدان ، ووصفا بعض ما يكتنفه ، وهذا الملكوت هو بعد المسيح في أمة تعمل أثماره ، ولا تضيعه كما أضاعه اليهود . يجيب النصارى بأن الملكوت « شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول المسيح » ، وفسره آخرون بأنه انتصار الكنيسة على الملحدينن وفسره آخرون بأنه البشارة بالخلاص بدم المسيح ، يقول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى : « فإن الملكوت الذي أعلنه السيد المسيح هو ( بشارة الملكوت ) أو ( إنجيل الملكوت ) .. تعبر عن أخبار الخلاص المفرحة التي قدمها لنا الله في ابنه يسوع » . ويعجب المسلمون لانصراف النصارى عن معنى الملكوت وتعلقهم بما لا طائل وراءه ، فلقد انتصرت الكنيسة وحكمت أوربا قرون ا عدة ، ولم نر ما يستحق أن يكون أمر ا يبشر به المعمدان والمسيح والتلاميذ . وكذلك فإن أخبار الخلاص المزعوم لا يمكن أن تكـون هـي البشـارة التـي كـان المسيح يطوف مبشر ا بها في المدن والقرى ، فأقرب تلاميـذه لـم يفهمـوا هـذا المعنـى ، ومــنهم التلميــذان المنطلقــان لعمــواس بعــد حادثــة الصــلب ، فقــد كانــا يبكيــان لفــوات الخلاص بموت المسيح «فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان بيه وأنتميا ماشييان عابسين... كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنيا لقضياء الميوت وصيلبوه ، ونحين كنيا
عدد الصفحات ٩٩هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرا يل ، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك » (لوقا24 :17-21 ) . لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسـيح ، فهما يبحثان عن خلاص آخر ، وهو الخلاص الدنيوي الذي ينتظره بنو إسرائيل . وأيض ا جهلـت الجمـوع المؤمنـة التـي شـهدت الصـلب أن الصـلب هـو البشـارة المفرحة التي كان يبشـر بهـا المسـيح فرجعـوا وهـم يبكـون وينوحـون « وكيل الجميوع الييذين كييانوا مجتمعييين لهييذا المنظيير لمييا أبصييروا مييا كييان ، رجعييوا وهييم يقرعييون صدورهم» ( لوقا23 :48-49 ) . ولا يمكن أن يكون الملكوت الموعود هو الخلاص بدم المسيح لأن النصوص ذكرت أمور ا تحدث قبل مجيء الملكوت ، فهي علامات تتحقق قبل حلول الملكوت ، ومن بينها قيام أمة جديدة ومملكة جديدة ، وهو ما لم يتحقق قبل انتشار المسيحية في العالم ، ولا حين صلب المسيح ، يقول متى : « فسألوه قا لين : يا معلّم متى يكون هذا ؟ وما هي العلامة عندما يصير هذا ؟ فقال : انظروا لا تضلوا ، فإن كثيرين سيأتون باسمي قا لين : إني أنا هو ، والزمان قد قرب ، فلا تذهبوا وراءهم ، فإذا سمعتم بحروب وقلاقل فلا تجزعوا ، لأنه لا بد أن يكون هذا أولاً ، ولكن لا يكون المنتهى سريعً ا . ثم قال لهم : تقوم أمة على أمة ، ومملكة على مملكة ، وتكون زلازل عظيمة في أماكن ومجاعات وأوب ة ، وتكون مخاوف وعلامات عظيمة من السماء .. وقال لهم مثلاً : انظروا إلى شجرة التين وكل الأشجار ، متى أفرخت تنظرون وتعلمون من أنفسكم أن الصيف قد قرب ، هكذا أنتم أيضً ا ، متى رأيتم هذه الأشياء صا رة ، فاعلموا أن ملكوت الله قريب ..
عدد الصفحات ١٠٠هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ الحق أقول لكم : إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل ، السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ، فاحترزوا لأنفسكم ل لا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة ، فيصادفكم ذلك اليوم بغتة ، لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض ، اسهروا إذً ا وتضرعوا في كل حين ، لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون ، وتقفوا قدام ابن الإنسان » ( لوقا 21 :6-36 ) . و قوله : « وتقفوا قدام ابن الإنسان » ما يربط الملكوت بشخص ابن الإنسان القادم ، فهو لا يتحدث عن انتشار المسيحية ، بل يتحدث عن ظهور النبي الخاتم ابن الإنسان ، ويدعوهم للاستعداد للقائه . فالملكوت هو أمة تعمل وفق إرادة ورضاء صاحب الملكوت جل جلاله . يقول وليم باركل ي في تفسيره لسف ر الأعمال : « الملكوت هو مجتمع على الأرض ، ت نف ذ فيه إرادة الله تمام ا كما في السماء » . و أحد تشبيهات المسيح للملكوت أبان لتلاميذه عن سبب انتقاله عن بني إسرائيل فقال : « اسمعوا مثلاً آخر ، كان إنسان رب بيت ، غرس كرمً ا ، وأحاطه بسياج ، وحفر فيه معصرة وبنى برجً ا ، وسلمه إلى كرامين وسافر . ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره ، فأخذ الكرامون عبيده ، وجلدوا بعضً ا وقتلوا بعضً ا ورجموا بعضً ا ، ثم أرسل إليهم أيضً ا عبيدً ا آخرين أكثر من الأولين ، ففعلوا بهم كذلك . فأخيرً ا أرسل إليهم ابنه قا لاً : يهابون ابني ، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم : هذا هو الوارث ، هلموا نقتله ونأخذ ميراثه ، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم ، وقتلوه .
عدد الصفحات ١٠١هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأول ك الكرامين ؟ قالوا له : أول ك الأردياء يهلكهم هلاكً ا رديً ا ، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطون الأثمار في أوقاتها . قال لهم يسوع : أما قرأتم قط في الكتب : الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا ، لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره ، ومن سقط على هذا الحجر يترضض ، ومن سقط هو عليه يسحقه . ولميييا سيييمع رؤسييياء الكهنييية والفريسييييون أمثاليييه عرفيييوا أنيييه تكليييم علييييهم » (متى 21 :33-45) ، (وانظر لوقا 20 :9-19 ) ، فمن تراه تكون الأمة العظيمة التـي إذا غزت أمة سحقتها ، وإذا أرادتها أمة نكصت على عقبيهـا ؟ لا ريـب أنهـا الأمـة التـي هزمت أعظـم دولتـين في عصـرها : الـروم والفـرس ، وانسـاحت في الأرض ، وملكـت خلال قرن واحد ما بين الصين وفرنسا ، إنها أمة الإسلام . ونبوءة متى السالفة تحيل على نبوءة في كتب الأنبياء ، وهي ما جاء في مزامير داود عن الآتي باسم الرب « أحمدك لأنك استجبت لي ، وصرت لي خلاصً ا ، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا ، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب ، نبتهج ونفر فيه ، آه يا رب خلّص ، آه يا رب أنقذ ، مبارك الآتي باسم الرب » ( المزمور 118 :21-25 ) . وقد قال : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتً ا ، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت هاهنا لبِ نة ، فيتم بنيانك » ، فقال : « فكنت أنا
عدد الصفحات ١٠٢هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ اللبِ نة » (1) ، إنه الحجر الذي تمت به النبوات . وقبل أن نتقل إلى شرح النبوءة يحسن بنا أن ننوه إلى الخطأ الذي وقع فيه بطرس حين زعم أن المسيح هو الحجر الذي رفضه البناؤون ، فقال : « يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم .. هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون ، الذي صار رأس الزاوية ، ولي بأحد غيره الخلاص ، لأن لي اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص » (أعمال4 :10-12) ، مع أن الحجر الذي أخبر عنه داود ثم المسيح نبوة غالبة ، وأمة ظافرة ، وهذه النبوة ليست في بني إسرائيل كما شهد المسيح . ولبطرس عذر في خطئه ، فهو إنسان عامي عديم العلم كما شهد له أولئك الذين استمعوا لحديثه وتعجبوا من المعجزات التي صنعها ، فقد ق ال في ذات السياق : « فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا ، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان ، تعجبوا » ( أعمال4 :13 ) . وهذا المثل العجيب من المسيح ( مثل الكرامين ) يحكي تنكر اليهود لنعم الله واصطفائه لهم بقتلهم أنبياءه وهجر شريعته ، ويحكي انتقال الملكوت إلى أمة تقوم بأمر الله تعالى وتقوى على أعدائها وتسحقهم . وهذه الأمة مرذولة محتقرة « الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية»، لكن الله اختارها رغم عجب اليهود من تحول الملكوت إلى هذه الأمة المرذولة ، لكنه قدر الله العظيم « من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا » .. فمن تكون هذه الأمة المرذولة ؟ إنها أمة العرب ، أبناء الجارية هاجر ، التي (1) رواه البخاري ح3535) ، ومسلم ح2286. )
عدد الصفحات ١٠٣هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ يزدريها الكتاب المقدس ، فقد قالت سارة : « اطرد هذه الجارية وابنها ، لأن ابن الجارية لا يرث مع ابني إسحاق » ( التكوين 21 :10 ) . وقال بولس مفتخر ا على العرب محتقر ا لهم : « ماذا يقول الكتاب ؟ اطرد الجارية وابنها ، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة ، إذً ا أيها الإخوة : لسنا أولاد جارية ، بل أولاد الحرة » ( غلاطية 4 :30-31 ) . وقد ضرب المسيح المزيد من الأمثال للملكوت القادم ، فبيّ ن في مثل آخر أنه ليس في بني إسرائيل ، الأمة التي لم تستحق اصطفاء الله لها ، يقول متى : « جعل يسوع يكلمهم أيضً ا بأمثال قا لاً : يشبه ملكوت السموات إنسانً ا ملكً ا صنع عرسً ا لابنه ، وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس ، فلم يريدوا أن يأتوا ، فأرسل أيضً ا عبيدً ا آخرين قا لاً : قولوا للمدعوين : هوذا غذا ي أعددته ، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت ، وكل شيء معد ، تعالوا إلى العرس . ولكنهم تهاونوا ومضوا ، واحد إلى حقله ، وآخر إلى تجارته ، والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم . فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده ، وأهلك أول ك القاتلين وأحرق مدينتهم، ثم قال لعبيده : أما العرس فمستعد ، وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين ، فاذهبوا إلى مفارق الطرق ، وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس . فخرج أول ك العبيد إلى الطرق ، وجمعوا كل الذين وجدوهم أشرارً ا وصالحين ، فامتلأ العرس من المتك ين ، فلما دخل الملك لينظر المتك ين رأى هناك إنسانً ا لم يكن لابسً ا لباس العرس ، فقال له : يا صاحب كيف دخلت إلى هنا ولي عليك لباس العرس ؟ فسكت ، حين ذ قال الملك للخدام : اربطوا رجليه ويديه وخذوه ، واطرحوه في الظلمة الخارجية ، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ، لأن
عدد الصفحات ١٠٤هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ كثيرين يدعون ، وقليلين ينتخبون » ( متى 22 :1-14 ) . و مثل آخر بين لهم أنواع الناس في قبول الملكوت والإذعان له ، ودعاهم لقبوله والإذعان له ، فقال : « فكلهم كثيرً ا بأمثال قا لاً : هوذا الزارع قد خرج ليزرع ، وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق ، فجاءت الطيور وأكلته . وسقط آخر على الأماكن المحجرة ، حيث لم تكن له تربة كثيرة ، فنبت حالاً ، إذ لم يكن له عمق أرض ، ولكن لما أشرقت الشم احترق ، وإذ لم يكن له أصل جف . وسقط آخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه . وسقط آخر على الأرض الجيدة ، فأعطى ثمرً ا ، بعض ما ة ، وآخر ستين ، وآخر ثلاثين ، من له أذنان للسمع فليسمع .. فاسمعوا أنتم مثل الزارع ، كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم ، فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه ، هذا هو المزروع على الطريق . والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفر ، ولكن لي له أصل في ذاته بل هو إلى حين ، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر . والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة ، وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة ، فيصير بلا ثمر . وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم ، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض ما ة وآخر ستين وآخر ثلاثين » ( متى 13 :1-23 ) . ويتطابق هذا المثل الإنجيلي مع المثل الذي ضربه النبي لأحوال الناس مع دعوته ، حيث قال : « مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب
عدد الصفحات ١٠٥هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ أرضً ا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس ، فشربوا وسقوا ، وزرعوا وأصابت منها طا فة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسً ا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به » (1). وحدث المسيح تلاميذه عن انتشار الملكوت الذي هو أصغر البذور ، لكنه أعظمها انتشار ا ، يقول متى : « قدم لهم مثلاً آخر قا لاً : يشبه ملكوت السموات حبة خردل ، أخذها إنسان ، وزرعها في حقله ، وهي أصغر جميع البذور ، لكن متى نمت فهي أكبر البقول ، وتصير شجرة ، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها . قال لهم مثلاً آخر : يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع ، هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال ، وبدون مثل لم يكن يكلمهم » ( متى 13 :31-34 ) . ( انظر مرقس 4 :30-32 ) . يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل متى : « وتكاد الأمثلة في هذا الإصحاح أن تصف الملكوت على الأرض من بدايته إلى نهاية العالم ، ففي المثل الأول يزرع الملكوت في القلوب ، وفي الثاني يحاربه الشيطان فيزرع فيه زوان ا ، ولكن لابد أن ينمو الملكوت منتشر ا في العالم ويصير شجرة ضخمة ( حبة الخردل ) ، على أن روح أبناء الملكوت لابد أن تكون هي الاندماج في العالم لتخليصه من الداخل كالخميرة » (2) . و نص آخر يتحدث عن هيمنة الشريعة الجديدة على سائر الشرائع السابقة ونسخها لها ، فيقول : « أيضًا يشبه ملكوت السموات كنزً ا مخفيً ا في حقل وجده (1) رواه البخاري في صحيحه ح79. ) (2) تفسير إنجيل متى ، الأنبا أثناسيوس ، ص (211) .
عدد الصفحات ١٠٦هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ إنسان، فأخفاه ، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل . أيضً ا يشبه ملكوت السموات إنسانً ا تاجرً ا يطلب لآلئ حسنة ، فلما وجد للاللاة واحدة كثيرة الثمن ، مضى وباع كل ما كان له ، واشتراها » ( متى 13 :44-46 ) . وقد قال المسيح مبشر ا بالقادم الذي ينسخ الشرائع بشريعته : « لا تظنوا أني ج ت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما ج ت لأنقض بل لأكمل ، فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل » ( متى 5 :17-18 ) ، فمن هو هذا الذي له الكل ، إنه ذات النبي الذي يسميه بولس بالكامل ، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها « وأما النبوات فستبطل ، والألسنة فستنتهي ، والعلم فسيبطل ، لأننا نعلم بعض العلم ، ونتنبأ بعض التنبلا ، ولكن متى جاء الكامل فحين ذ يبطل ما هو بعض » ( 1 كورنثوس 12 :8-10 ) . وكما تحدث المسيح عن هذا النبي تحدث عن تأخر زمان ظهوره عن النبوات السابقة ، لكن ذلك لن يمنع عظيم الأجر والثواب لأمته ، فضرب هذا المثل وقال : « فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصب ليستأجر فَعَلة لكرمه ، فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه ، ثم خرج نحو الساعة الثالثة ، ورأى آخرين قيامً ا في السوق بطالين ، فقال لهم : اذهبوا أنتم أيضً ا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم ، فمضوا . وخرج أيضً ا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل ذلك ، ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامً ا بطالين ، فقال لهم : لماذا وقفتم ههنا ، كلَّ النهار بطالين ؟ قالوا له : لأنه لم يستأجرنا أحد . قال لهم : اذهبوا أنتم أيضً ا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم . فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله : ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتد ً ا
عدد الصفحات ١٠٧هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ من الآخرين إلى الأولين .فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا دينارً ا دينارً ا ، فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر ، فأخذوا هم أيضً ا دينارً ا دينارً ا ، وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت قا لين : هلالاء الآخرون عملوا ساعة واحدة ، وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر . فأجاب وقال لواحد منهم : يا صاحب ما ظلمتك ، أما اتفقت معي على دينار ؟ فخذ الذي لك واذهب ، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك . أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي أم عينك شريرة لأني أنا صال ! هكذا يكون الآخرون أولين ، والأولون آخرين ، لأن كثيرين يُدعَون ، وقليلون ينتخبون » ( متى 20 :1-16 ) .وهكذا فاز الآخرون بالأجر والثواب . فالآخرون هم الأولون السابقون كما قال المسيح وأكده رسول الله بقوله : « نحن الآخرون السابقون » (1) ، وقوله : « مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال : من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود، ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ، فعملت النصارى ، ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشم على قيراطين ؟ فأنتم هم . فغضبت اليهود والنصارى فقالوا : مالنا أكثر عملاً وأقل عطاءً ؟ قال : هل نقصتكم من حقكم ؟ قالوا : لا . قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء » (2) . (1) رواه البخاري ح836. ) (2) رواه البخاري ح2268 . )
عدد الصفحات ١٠٨هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وقد نقل الكتاب المقدس بعض نبوءات الأنبياء عن زمن ظهور هذا الملكوت ، ومن ذلك أن بختنصر رأى رؤيا أفزعته ولم يعرف العرافون ولا المنجمون تعبيرها ، ففسرها له النبي دانيال فقال : « أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم ، هذا التمثال العظيم البهي جدً ا وقف قبالتك ، ومنظره ها ل ، رأس هذا التمثال من ذهب جيد ، وصدره وذراعاه من فضة ، بطنه وفخذاه من نحاس ، ساقاه من حديد ، قدماه بعضها من حديد والبعض من خزف . كنت تنظر إليه إلى أن قطع حجر بغير يدين ، فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما ، فانسحق حين ذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معً ا ، وصارت كعصافة البيدر في الصيف ، فحملتها الري فلم يوجد لها مكان . أنت أيها الملك ملك ملوك ، لأن إله السماوات أعطاك مملكة واقتدارً ا وسلطانً ا وفخرً ا ، وحيثما يسكن بنو البشير ووحيوش البير وطييور السيماء .. فأنيت هيذا اليرأس من ذهب . وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك ، ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض ، وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد ، لأن الحديد يسحق كل شيء، وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هلالاء ، وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد ، فبعض المملكة يكون قويً ا والبعض قصمً ا ، وبما رأيت الحديد مختلطً ا بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس .. وفي أيام هلالاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبدً ا ، ومَلِكها لا
عدد الصفحات ١٠٩هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ يُترك لشعب آخر ، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك ، وهي تثبت إلى الأبد ، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين ، فسحق الحديد والنحاس والخز ف والفضة والذهب . الله العظيم قد عرف الملك ما سيأتي بعد هذا . الحلم حق وتعبيره يقين » (دانيال 2 :21-45 ) . يقول هودجكن في كتابه ( المسيح في كل الكتب ) : وأما الحجر الذي قطع بغير يدين ويسحق التمثال العظيم فكناية عن مملكة « المسيا » : أي المسيح المنتظر . وفي التفسير التطبيقي : « وأما الحجر المقطوع من الجبل فيشير إلى ملكوت ا الذي يحكمه المس يّ ا ملك الملوك إلى الأبد » (1) . فالرؤيا كما يظهر هي عن الممالك التي ستقوم بين يدي بني الملكوت ، فأولها مملكة بابل التي يرأسها بختنصر ، والتي يرمز لها في الحلم بالرأس الذهبي . ثم مملكة فارس التي قامت أقامها خسرو ، وتسلط ملكها قورش على بابل سنة ( 593 ق.م ) ، ورمز لها في المنام بالصدر والذراعين من فضة . ثم تلتها مملكة مقدونية والتي قضت على مملكة الفرس ، وأسسها الاسكندر المقدوني ( 336 ق.م ) ، ويرمز لها في المنام بالبطن والفخذين من النحاس . ثم تلتها امبراطورية الرومان والتي أسسها الأمبرطور بوفبيوس (63 ق.م ) ، ورمز لها في المنام بساقين من حديد وقدمين إحداهما من خزف وأخرى من حديد ، ولعله أراد دولتي فارس والروم أو انقسام الأمبراطورية الرومانية (2) . (1) التفسير التطبيقي ، ص1684. ) (2) انظر : إظهار الحق ، رحمة الله الهندي (4/1166-1169) ، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل ، أحمد حجازي السقا (2/48-51. )
عدد الصفحات ١١٠هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ « و أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبد ا » ، فقد جاء الحجر الذي رذله البناؤون وقد قطع بغير يدين ، إذ جاء من السماء ليقضي على الفرس والروم ، وأقام الملكوت الموعود في الدنيا قرون ا طويلة ، ولم ينقطع بأس هذه الأمة إلا في هذا القرن الأخير . ولعل في هذه النبوءة ما يبشر بكون هذا الكسوف عرض ا زائلا ما يلبث أن يزول ، فتشرق شمس أمة الإسلام من جديد . وقريب ا من رؤيا بختنصر رأى دانيال رؤيا الحيوانات الأربع « قال : كنت أرى في رؤياي ليلاً ، وإذا بأربع ريا السماء هجمت على البحر الكبير ، وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخالف ذاك ، الأول كالأسد .. وإذا بحيوان آخر ثان شبيه بالدب .. وإذا بآخر مثل النمر .. وإذا بحيوان رابع ها ل وقوي وشديد جدً ا ، وله أسنان من حديد كبيرة ، أكل وسحق وداس الباقي برجليه ، وكان مخالفً ا لكل الحيوانات الذين قبله وله عشرة قرون .. كنت أرى في رؤى الليل ، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى ، وجاء إليى القييديم الأيييام ، فقربييوه قدامييه ، فييأعطي سييلطانً ا ومجييدً ا وملكوتًييا ، لتتعبّييد لييه كييل الشعوب والأمم والألسنة ، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول ، وملكوته ما لا ينقرض » ( دانيال 7 :3-18 ) . ويوافق النصارى على أن الممالك الأربعة هي البابلية ثم الفارسية ثم اليونانية ثم الرومانية ، ويرون الملكوت متحقق ا في ظهور دين المسيح وتأسيس الكنيسة في يوم الخمسين عندما نزل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين في أورشليم . لكن المملكة الروحية التي أسسها الحواريون لا يمكن أن تكون الملكوت الموعود ، لأن دانيال يتحدث عن أربع ممالك حقيقية ، سحق آخرَ ها ملك حقيقي ، لا
عدد الصفحات ١١١هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ روحي « و أيام هلالاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبدً ا ، وملكها لا يترك لشعب آخر ، وتسحق وتفني كل هذه الممالك » ( دانيال 2 :44 ) . وقــال عــن المملكــة ونبيهــا : « لتتعبييد لييه كييل الشييعوب والأمييم والألسيينة » ( دانيال 7 :14 ) . وقد فهم التلاميذ من المسيح أن هذه المملكة القادمة زمنية لا روحية ، فسألوه وهم يظنون أنها تقوم على يديه ، لذلك تساءلوا بعد حادثة الصلب : « هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرا يل ؟ » ( أعمال 1 :6 ) ، وقد اجتهد المسيح في إفهامهم أن مملكته روحية ، بينما المملكة القادمة مملكة حقيقية . ثم إن مملكة التلاميذ لم تقهر الدولة الرومانية ، بل إن الرومان قهروا المسيحية بعد حين ، حين أدخلوا وثنياتهم فيها . وكيف للنصارى أن يقولوا بقهر الرومان ، وهم يزعمون أن المسيح مات على أعواد صليب روماني . أما المسلمون فهم الذين قضوا على الدولة الرومانية ، واقتلعوها من أرض فلسطين ، ثم بقية بلاد الشام ومصر ، ثم أضحت عاصمتها القسطنطينية عاصمة للإسلام دين الملكوت ..
عدد الصفحات ١١٢هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وبعد عودة بني إسرائيل من السبي ، وتخفيف ا لأحزانهم ، ساق لهم النبي حجي بشارة من الله فيها : « لا تخافوا ، لأنه هكذا قال رب الجنود ، هي مرة بعد قليل ، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة ، وأنزل كل الأمم ، ويأتي مشتهى كل الأمم ، فأملأ هذا البيت مجدً ا قال رب الجنود .. مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول قال رب الجنود ، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود » ( حجي 2 :6-9 ) . وهذه النبوءة لا ريب تتحدث عن القادم الذي وعد به إبراهيم ، وبشر به يعقوب وموسى ثم داود عليهم الصلاة والسلام . وقبل أن نلج في تحديد شخصية هذا المشتهى من كل الأمم نتوقف مع القس السابق عبد الأحد داود ، وهو الخبير باللغات القديمة ، إذ يسوق لنا النص بالعبرانية : « لسوف أزلزل كل الأرض ، وسوف يأتي ( محماد ) لكل الأمم .. وفي هذا المكان أعطي السلام » ، فقد جاء في العبرية لفظة « محماد » أو« حمدت » كما في قراءة أخرى حديثة ، ولفظة « محِمْ ادْ » في العبرانية تستعمل عادة لتعني : ( الأمنية الكبيرة ) أو ( المشتهى ) ، والنص حسب الترجمة العبرانية المتداولة : « فباؤا حمدات كول هاجوييم » . لكن لو أبقينا الاسم على حاله دون ترجمة ، كما ينبغي أن يكون في الأسماء ، فإنا واجدون لفظة « محماد » هي الصيغة العبرية لاسم أحمد ، والذي أضاعها المترجمون عندما ترجموا الأسماء أيض ا . يقول المؤرخ ول ديورانت : « ولفظ محمد مشتق من الحمد ، وهو مبالغة فيه ،
عدد الصفحات ١١٣