المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٨ من ١٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ كأنه حمد مرة بعد مرة ، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر به » (1) . وجاء في تمام النبوءة الحديث عن البيت الأخير لله ، والذي هو أعظم مجد ا من البيت الأول ، ثم يقول : « في هذا المكان أعطي السلام » ، وقد استخدمت الترجمة العبرية لفظة « شالوم » والتي من الممكن أن تعني الإسلام ، فالسلام والإسلام مشتقان من لفظة واحدة (2) . وقوله : « في هذا المكان أعطي السلام » ، قد تتحدث عن عقد الأمان الذي عم تلك الأرض والذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس عندما فتحها ، فتكون النبوءة عن إعطاء السلام ولم تنسبه إلى المشتهى ، ذلك أن الأمر تم بعد وفاته في أتباعه وأصحابه الكرام . ولا ريب أن البنوءة لا تتحدث عن المسيح ، إذ لا تقارب بين ألفاظ النبوءة واسمه ، أو بين معانيه وما عهد عنه عليه السلام ، إذ لم يستتب الأمن في القدس حال بعثته ، بل بشر اليهود بخراب هيكلهم بعد حين ، كما كان رسولا إلى بني إسرائيل فحسب ، وليس لكل الأمم ، والقادم هو مشتهى الأمم جميع ا ، وليس خاص ا ببيت يعقوب كما جاء في وصف المسيح مرار ا . وهذا الاستعمال لكلمة ( السلام ) بمعنى ( الإسلام ) يراه عبد الأحد داود لازم ا في موضع آخر من الكتاب المقدس ، فقد جاء في إنجيل لوقا أن الملائكة ترنموا عند ميلاد المسيح قائلين : « المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام ، وبالناس المسرة » ( لوقا 2 :14 ) . (1) قصة الحضارة13/375 . ) (2) ومثل هذا في القرآن الكريم في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّ ذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ [208 . ]

عدد الصفحات ١١٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ويتساءل القس السابق عبد الأحد داود أي سلام حل على الأرض بعد ميلاد المسيح ، فقد تتابع القتل والحروب ما تزال تطحن ، وإلى قيام الساعة ، ولذلك فإن الترجمة الصحيحة لكلمة ( إيرينا ) اليونانية في العبرانية : ( شالوم ) ، وهي في العربية ( الإسلام ) كما ( السلام ) . وإن أصر النصارى على تفسير كلمة ( إيرينا ) بالسـلام ، فقـد جعلـوا مـن عيسـى مناقض ا لنفسه ، إذ قال : « ج ت لألقيي نيارً ا عليى الأرض .. أتظنيون أني ج يت لأعطيي سيييلامً ا عليييى الأرض . كيييلا أقيييول لكيييم ، بيييل انقسيييامً ا .. » ( لوقـــا 12 :49-51 ) ، وفي متى : « لا تظنوا أني ج ت لألقي سلامً ا على الأرض ، ما ج يت لألقيي سيلامً ا ، بيل سيفً ا » ( متى 10 :34 ) . وتبعا لهذا يرى عبد الأحد داود أن صانعي السلام هم المسلمون ، وذلك في قول المسيح : « طوبى لصانعي السلام ، لأنهم يدعون أبناء الله » ( متى 5 :9 ) ، فيرى أن الترجمة الدقيقة هي « طوبى للمسلمين » ، وليس صانعي السلام الخيالي ، الذي لم ولن يوجد على الأرض . كما لا يستطيع أحد ينتمي إلى فرق النصارى المختلفة والمتباغضة طوال تاريخ النصرانية ، لا يستطيع أن يقول بأن السلام قد تحقق في نفوس المؤمنين ، إذ الأحقاد المتطاولة بينهم تكذب ذلك كله . وجاء في تمام الأنشودة المزعومة للملائكة : « وبالناس المسرة » ، واستخدم النص اليوناني كلمة ( يودكيا ) وهي كلمة مشتقة من الفعل اليوناني ( دوكيو ) ، ومعناها كما في القاموس الإغريقي : « لطيف ، محسن ، دمث .. » ومن معانيها أيض ا السرور ـ المحبة ـ الرضا ـ الرغبة ، الشهرة .. فكل هذه الإطلاقات تصح في ترجمة كلمة ( يودوكيا ) التي يصح أيض ا أن

عدد الصفحات ١١٥

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ تترجم في العبرانية إلى ( محماد ، ما حامود ) المشتقة من الفعل ( حمد ) ومعناه : المرغوب فيه جد ا ، أو البهيج ، أو الرائع أو المحبوب أو اللطيف ، وهذا كله يتفق مع المعاني التي تفيدها كلمة محمد وأحمد ، واللتان تقاربان في الاشتقاق كلمتي ( حمدا و محماد ) العبرانيتين ، ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساس واحد مشترك كما هو الحال في كثير من كلمات اللغات السامية . وينبه الأب السابق عبد الأحد داود إلى وجود هذا النص في إنجيل لوقا اليوناني، في الوقت الذي كانت فيه العبارات سريانية حين مقالها ، ولا يمكن ـ حتى مع بذل الجهد وفرض الأمانة في الترجمة ـ أن تترجم كلمة ما من لغة إلى أخرى ، وتفيد نفس المعاني الأصلية للكلمة . ومع ضياع الأصول لا يمكن التحقق من دقة هذه الترجمة . والترجمة الصحيحة للترنيمة كما يرى عبد الأحد داود هي : « الحمد لله في الأعالي ، وعلى الأرض إسلام ، وللناس أحمد » (1) . (1) انظر : محمد في الكتاب المقدس ، عبد الأحد داود ، ص(147-165) ، الإنجيل والصليب ، عبد الأحد داود ، ص (33-55) ، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل ، أحمد حجازي السقا(2/370- 372 ).

عدد الصفحات ١١٦

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ومن الأسماء التي رمز الكتاب المقدس بها إلى النبي ( إيلياء ) وهي وفق حساب الجمّل اليهودي تساوي 53 (1) . وهو أيضا اسم لنبي عظيم أرسله الله إلى بني إسرائيل ، وكان ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد ، وهو الذي يسميه القرآن إلياس . وفي آخر أسفار التوراة العبرانية يتحدث النبي ملاخي في سفره القصير عن عصيان بني إسرائيل وعن إيليا أو إيلياء القادم الجديد ، وهو غير إلياس الذي كان قد توفي منذ سبعة قرون ، فيقول ملاخي بأن الله يقول : « هأنذا أرسل ملاكي ، فيهيء الطريق أمامي ، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه ، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي ، قال رب الجنود . من يحتمل يوم مجي ه ، ومن يثبت عند ظهوره ، لأنه مثل نار الممحص ، ومثل أشنان القصار .. » ( ملاخي3 :1-2 ) . فالنص في سفر النبي ملاخي يتحدث عن اثنين ، أحدهما الذي يهيئ الطريق أمام القادم من عند الرب . والثاني هو الذي يأتي بغتة إلى الهيكل ، ويسميه : السيد ، وملاك العهد . وهو الذي يطلبه بنو إسرائيل وينتظرونه . وفي آخر سفره يقول ملاخي ، وحديثه مازال متصلا عن هذا القادم وعن تبديل بني إسرائيل وكفرهم فيقول : « اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب (1) (أ1 ، ي10 ، ل30) ، وهو ما تساويه كلمة أحمد (أ1 ، ح8 ، م40 ، د4. )

عدد الصفحات ١١٧

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ على كل إسرا يل الفرا ض والأحكام . هأنذا أرسل إليكم إيّ ليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف ، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبا هم ، ل لا آتي وأضرب الأرض بلعن » ( ملاخي4 :4-5 ) . فقدسمى ملاخي النبي القادم إيليا بعد أن ذكرهم بوصية موسى على جبل حوريب والتي ذكر فيها موسى النبي القادم مثله من بين إخوة بني إسرائيل ، قال المفسر صاحب ( تحفة الجيل ) : « إنإيلياء الرسول المذكور في آخر سفر ملاخي هو ملغوز ، وهذا هو حبر العالم الذي يأتي في آخر الزمان » (1) . ويرى النصارى أن النبي الذي يمهد الطريق هو يوحنا المعمدان المسمى بإيليا في النص يقول مرقس : « كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك .. كان يوحنا المعمدان يعمد في البرية .. وكان يكرز قا لاً : يأتي بعدي من أقوى مني ، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذا ه ، أنا عمدتكم بالماء ، وأما هو فسيعمدكم بالرو القدس ، وفي تلك الأيام جاء يسوع .. » ( مرقس1 :2- 9)، وهو ما نقله لوقا عن لسان المسيح : « بل ماذا خرجتم لتنظروا ، أنبيً ا ؟ نعم أقول لكم : وأفضل من نبي ، هذا هو الذي كتب عنه : ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك ، لأني أقول لكم : إنه بين المولودين من النساء لي نبي أعظم من يوحنا المعمدان ، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه » ( لوقا7 :26 ) . فالممهد للطريق ـ حسب رأي النصارى ـ هو يوحنا المعمدان ، والممهد له المنتظر هو عيسى . ويعتبرون الأول إيليا لقول متى على لسان المسيح في سياق حديثه عن يوحنا (1) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ،عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (654) .

عدد الصفحات ١١٨

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ المعمدان : « ماذا خرجتم لتنظروا . أنبيً ا ؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي ، فإن هذا هو الذي كتب عنه : ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك . الحق أقول لكم : لم ي قم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنب وا . وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي ، من له أذنان للسمع فليسمع » ( متى 11 :9-15 ) . ويذكر متى أيضا بأن المسيح قال : « إنإيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء ، ولكني أقول لكم : إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه .. حين ذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان » (متى17 :10-13 ) . وهكذا يرى النصارى أن المبش ر الممهد للطريق هو يوحنا إيليا ) ، والمبشَ ر به هو المسيح . والصحيح أن إيليا رمز للنبي القادم ، وليس للنبي الممهد لطريقه . وقبل أن نلج لفهم حقيقة هذه النبوءة نرى لزام ا أن ننبه ببعض ما تعرضت له هذه النصوص من تحريف ، ففي ملاخي « ملاك العهد » ، وهو في الترجمات القديمة: « رسول الختان » ، وفي الترجمة الحديثة يقول : « أرسل ملاكي » ، وفي القديمة : «أرسل رسولي» ، وفي بعض الطبعات : « يأتي السيد » وفي بعضها : « الولي » ، وفي أخرى : « إيليا » . وفي نصوص الأناجيل تحريف للاقتباس من ملاخي الذي استعمل ضمير المتكلم « الطريق أمامي » ، وفي الأناجيل أصبح الضمير راجع ا على المسيح « يهيئ طريقك قدامك » . كما نرى يد التحريف قد طالت كلام المسيح والمعمدان حين زعم الإنجيليون أن المسيح اعتبر المعمدان هو الممهد لدعوته « هذا هو الذي كتب عنه : ها أنا أرسل

عدد الصفحات ١١٩

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك » ( لوقا7 :26 ) ، وأنه سماه إيليا المنتظر « ولكني أقول لكم : إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه .. حين ذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان » (متى17 :12-13 ) . ومن التحريف قولهم أن المعمدان أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح « ولكن في وسطكم قا م الذي لستم تعرفونه ، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي ، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذا ه .. وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال : هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم ، هذا هو الذي قلت عنه : يأتي بعدي رجل صار قدامي ، لأنه كان قبلي » ( يوحنا1 :26-40 ) . ودعوانا التحريف ليس مردها عدم اتفاق هذه النصوصمع المسألة التي نحن بصدد إثباتها ، بل مرده أن يوحنا المعمدان أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم ، فقد نفى هو ذلك عن نفسه لما جاءه رسل اليهود من الكهنة واللاويين « ليسألوه من أنت ؟ فاعترف ولم ينكر ، وأقر : إني لست أنا المسي . فسييألوه إ ذً ا ميياذا ؟ إيليييا أنييت ؟ فقييال : لسييت أنييا . النبييي أنييت ؟ فأجيياب : لا » ( يوحنا1 :19-21 ) ، فهذا نص صريح ينكر فيه يوحنا أنه إيليا الممهد للطريق ، كما هو ليس المسيح المنتظر أو النبي القادم . ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح في قوله بأن إيليا قد جاء أو أن يكون المعمدان كاذب ا حين أنكر أنه إيليا ، أو يلزم القول بأن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح، وهذا الأخير هو الأولى ، فقد أخطأ متى حين قال : « حين ذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان » ، لقد ظنوا أنهم فهموا ، بينما الحقيقة أنهم لم يفهموا ، لقد كان يحدثهم عن نفسه ، فهو النبي القادم الذي يهيئ الطريق للقادم المنتظر « هأنذا أرسل ملاكي ، فيهيء الطريق أمامي ، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه ،

عدد الصفحات ١٢٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وملاك العهد الذي تسرون به ، هو ذا يأتي ، قال رب الجنود » . ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان ، لأنه يأتي بع د المسيح ، فقد قال المسيح عنه : « إيليا المزمع أن يأتي » والمسيح والمعمدان متعاصران . وعندما يأتي إيليا فإنه « يرد كل شيء » ، و « فيرد قلب الآباء على الأبناء ، وقلب الأبناء عليى آبيا هم » ، ومثـل هـذا لـم ينقـل عـن المعمـدان الـذي عـاش في الصـحراء ، طعامه الجراد والعسـل ، ولباسـه وبـر الإبـل ، وغايـة مـا صـنعه تعميـد مـن جـاءه تائب ـا . ( انظر متى 3 :1-5 ) . ولا يمكن التسليم بأن المعمدان كان تمهيد ا للمسيح ، إذ كيف يقال ذلك ، والمعمدان قبيل مقتله ـ حسب الأناجيل ـ لا يعرف حقيقة المسيح ، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح « أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك ؟ » ( متى11 :3 ) . فكيف يقال بأنه أرسل بين يديه ، وهو لم يعرف حقيقته ؟ ثم ماذا صنع يوحنا بين يدي مقدم المسيح ؟ هل صنع شيئ ا يتعلق بالمهمة التي تزعمها الأناجيل له ؟ لم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح بعده . ( انظر متى 3: 1) كما كان يعمد الذين يأتونه معترفين بخطاياهم . ( انظر متى 3 :6 ) ، وهذا الذي صنعه المسيح أيض ا ، وهو ما يؤكد أن دعوتهما واحدة ، ألا وهي البشارة بالنبي نبي الملكوت ، كما قال : « فقال لهم : إنه ين بغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضً ا بملكوت الله ، لأني لهذا قد أرسلت » ( لوقا4 :34 ) ، فقد أرسل للبشارة بالملكوت القادم ، فهو ممهد ومبشر بين يديه . والحق أن المعمدان وعيسى صاحبا دعوة واحدة ، أي كلاهما بعث مبشر ا بالنبي الخاتم ، فهما المبش ران بالنبي الخاتم ، والذي أسماه متى بملكوت السماوات،

عدد الصفحات ١٢١

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ فقد بشر باقتراب عصره ال نبي يوحنا المعمدان ، « جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قا لاً : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات » ( متى3 :1-2 ) . وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة بالملكوت ، « ابتدأ يسوع يكرز ويقول : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات » ( متى4 :17 ) ، « وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت » ( متى4 :23 ) . وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال : « اكرزوا قا لين : إنه قد اقترب ملكوت السماوات » ( متى10 :7 ) ، لقد كانت دعوتهما واحدة ، وهي البشارة والتمهيد للنبي القادم . وكما لم يتحقق في المعمدان صفات الممهد للنبي القادم ، فإن الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان للآتي بعده لم تتحقق في المسيح ، فقد قال المعمدان : « أنا أعمدكم بماء التوبة ، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني ، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه ، هو سيعمدكم بالرو القدس ونار ، الذي رفشه في يده ، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن ، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ ، حين ذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه » ( متى3 :11-13 ) . فالقادم المبشر به سيعمد بالروح القدس والنار ، أما المسيح عليه السلام فلم يعمد أحد ا طوال حياته ، وإن كان شاع بين الناس أنه يعمد ، لكنه لم يفعل ذلك حقيقة، وإن صنعه تلاميذه باسمه « فلما علم الرب أن الفريسيين سمعوا أن يسوع يصيّر ويعمد تلاميذ أكثر من يوحنا ، مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه » (يوحنا4 :1-2). وذكر المعمدان أن ا بعده يعمد بالروح والنار ، أي يملك سلطان الدين والدنيا لتغيير المنكر والحفز على التوبة ، فهو لا يتوقف عن حدود الطهارة الظاهرية

عدد الصفحات ١٢٢

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ للجسد بالاغتسال بالماء ، بل يهتم بطهارة الباطن ، ووسيلته ما يأتي به روح القدس ( جبريل ) من وحي وبلا وبيان ، كما قام بتطهير كثير من الأرض من الوثنية بالنار . ومثل هـذه المعموديـة لـم يفعلهـا المسـيح الـذي عمـد تلاميـذه بالمـاء ، وكانـت بشــارته اســتمرار ا لمعموديــة المعمــدان ، وهــي البشــارة بالتوبــة ومغفــرة الخطايــا فــإن المسـيح دعـا ـ بعـد حادثـة الصـلب والقيامـة ـ كـل واحـد مـن تلاميـذه « أن يُكيرز باسيمه بالتوبة ومغفرة الخطايا » ( لوقا24 :47 ) ،فلـم تختلـف معموديتـه  عـنمعموديـة المعمدان في شيء . ( انظر يوحنا 3 :22-23 ) . واستمر تلاميذه بعده يعمدون بالماء كما كان المعمدان يعمد ، ولما جاء بولس إلى جاء إلى أفسس ، فإذ وجد تلاميذ قال لهم : « هل قبلتم الرو القدس لما آمنتم . قالوا له : ولا سمعنا أنه يوجد الرو القدس . فقال لهم : فبماذا اعتمدتم ؟ فقالوا : بمعمودية يوحنا . فقال بول : إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قا لاً للشعب أن يلامنوا بالذي يأتي بعده ، أي بالمسي يسوع ، فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع » ( أعمال19 :1-5 ) ، ولو كان للمسيح  تعميد يخالف ما عليه تعميد المعمدان  لعرف بين التلاميذ وشاع . كما وصف المعمدان النبي القادم بعده بأنه « أقوى مني » ، وليس في دعوة المسيح أو حياته الشخصية ما يشير إلى هذه القوة ، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد ، كما لم يملك على قومه ، ولم يكن لأي منهما نفوذ أو سلطان ، بل تزعم النصارى ـ باطلا ـ أن كلا منهما مات مقتولا ! فأين القوة التي ذكرها المعمدان ؟ كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي : « رفشه في يده ، وسينقي بيدره ، ويجمع قمحه إلى المخزن ، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ » وهذه كناية

عدد الصفحات ١٢٣

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله : « كناية عن نهاية العمل كله ، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه : الإشارة إلى تأديب الله للناس وقصاصه لهم في هذه الحياة » ، بل هو كناية أبعد من ذلك ، إذ تبين سلطانه الذي ينقي الأصل الذي أنزله الله على أنبيائه مما علق فيه ، فيحذف الترهات الدخيلة ويزيفها . وعليه فالآتي المبشر به هو محمد ، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس ، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل . وهو النبي الذي سمته بعض ال ترجمات برسول الختان ، إذ كان قد دعا إلي ه ونبه إلى أنه من سنن الهدى ، والتزمه المسلمون بعده .

عدد الصفحات ١٢٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وثمة بشارة أخرى جاءت على لسان المسيح تبشر بالمسيح المنتظر ، وتؤكد أنه أعظم الأنبياء ، وأنه النبي المسمى إيليّ ا ، وأنه الذي تقاطرت النبوات على البشارة به ، يقول المسيح : « الحق الحق أقول لكم : لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبلاوا ، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي ، من له أذنان للسمع فليسمع » ( متى11 :11-15) ، فالأصغر في ملكوت السماوات هو إيلياء المزمع أن يأتي ، الذي تنبأ به الأنبياء ، نبي ا تلو نبي ، وكان آخرهم يوحنا المعمدان . فمن هو إيليّ ا ، الأصغر في ملكوت السماوات ؟ إنه محمد رسول الله الذي صغر بتأخره في الزمان عن سائر الأنبياء ، لكنه فاقهم جميع ا باكتمال رسالته ورضا الله بدينه دين ا خاتم ا إلى قيام الساعة ، فإن لم يكن محمد ا فمن ذا يكون ؟ ولا يمكن لنصراني أن يدعي بأن عيسى هو آخر الرسل والأنبياء لإيمانهم برسالة تلاميذه بل وغيرهم كبولس ، كما لم تكمل رسالته عليه السلام بدليل التعديل والنسخ الذي أجراه ال حواريون عليها في المجمع الأورشليمي الأول بزعم التيسير على المتنصرين ، فأبطلوا الختان ، وأحلوا بعض محرمات التوراة . وعليه فلا تصدق على المسيح  كلمة« الأصغر » ، لأنه ليس آخـر الأنبيـاء ، كما أنه لم يصرح ولا يفهم أنه كان يتحدث عـن نفسـه حـين قـال : « ولكين الأصيغر في ملكييوت السييماوات أعظييم منييه .. لأن جميييع الأنبييياء والنيياموس إلييى يوحنييا تنبييلاوا ، وإن أردتم أن تقبليوا فهيذا هيو إيليّيا المزميع أن ييأتي ، مين ليه أذنيان للسيمع فليسيمع »

عدد الصفحات ١٢٥

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ( متى 11 :11-15 ) . وهذا الأصغر إنما يأتي في ملكوت السماوات التي لم تكن قد قامت يومذاك ، وهو مزمع أن يأتي ولما يأت بعد ، إنه محمد .

عدد الصفحات ١٢٦

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ لكن أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتم هي نبوءات المسيح  عن مجيء البارقليط إلى هذا العالم . وينفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه ال بشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر ، حيث يقول المسيح موصي ا تلاميذه : « إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي ، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيً ا آخر ، ليمكث معكم إلى الأبد ، رو الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله ، لأنه لا يراه ولا يعرفه ، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم .. إن أحبني أحد يحفظ كلامي ، ويحبه أبي وإليه نأتي ، وعنده نصنع منيزلاً . الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي ، والكلام الذي تسمعونه لي لي ، بل للآب الذي أرسلني ، بهذا كلمتكم وأنا عندكم ، وأما المعزي الرو القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ، ويذكركم بكل ما قلته لكم .. قلت لكم الآن قبل أن يكون ، حتى متى كان تلامنون ، لا أتكلم أيضً ا معكم كثيرً ا ، لأن ر ي هذا العالم يأتي ، ولي له فيّ شيء » ( يوحنا14 :15-30 ) . وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلاميذه طالبا منهم حفظ وصاياه ، ثم يقول : « متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم منالآب ، رو الحق الذي من عند الآب ينبثق ، فهو يشهد لي ، وتشهدون أنتم أيضً ا لأنكم معي في الابتداء . قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا ، سيخرجونكم من المجامع ، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله .. قد ملأ الحزن قلوبكم ، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق ، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ، ولكن إن ذهبت

عدد الصفحات ١٢٧

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ أرسله إليكم . ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة ، أما على خطية فلأنهم لا يلامنون بي ، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضً ا ، وأما على دينونة فلأن ر ي هذا العالم قد دين . إن لي أمورً ا كثيرة أيضً ا لأقول لكم ، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ، وأما متى جاء ذاك ، رو الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق ، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ، ويخبركم بأمور آتية ، ذاك يمجدني ، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم » ( يوحنا 15 :26-16 :14 ) . ففي هذه النصوص يتحدث المسيح  عن صفات الآتي بعده ، فمن هو هذا الآتي ؟ يجيب النصارى بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح ، وهناك « صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ري عاصفة ، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين ، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار ، واستقرت على كل واحد منهم ، وامتلأ الجميع من الرو القدس ، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الرو أن ينطقوا » ( أعمال2 : 1-4 ) . ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئا ـ سوى ما سبق ـ عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح . يقــول الأنبــا أثناســيوس في تفســيره لإنجيــل يوحنــا : « البييارقليط هييو رو ا القييدوس نفسييه المعييزي ، البييارقليط : المعييزي ، الييرو القييدس الييذي يرسييله الأب باسمي» ( يوحنا14 :26 ) ، وهو الذي نزل عليهم يـوم الخمسـين ( أعمـال 2 :1-4 )

عدد الصفحات ١٢٨

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ فامتلأوا به وخرجوا للتبشير ، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين ، وهو هبة ملازمة للإيمـان والعماد » (1) . ويقول معجم اللاهوت الكتابي : « لفظبارقليط ، (باليونانية parakletos ) لفظ مــأخوذ مــن كتابــات القــديس يوحنــا ، وهــو يعبّــر لــيس عــن طبيعــة شــخص ، بــل عــن وظيفته .. فهو من يلعب دور المساعد الإيجابي ، والمحـامي ، والمؤيـد ، ويقـوم بهـذه المهمــة يســوع المســيح الــذي هــو « شييفيع لنييا عنييد الآب وهييو كفييارة عيين خطايانييا في السيماء» ( 1 يوحنـا 2 :1 ) ، كمـا يقـوم بهـا أيض ــ ا الـروح القـدس الـذي يحقـق حضــور يسوع فعلي ا من حيث هو الشاهد والمدافع عنه بين المؤمنين » (2) . ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي ، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا ، وذلك يظهر من أمور : منها أن لفظة « المعزي » لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة ( 1820م ، 1831م ، 1844م ) تضع الكلمة اليونانية ( البارقليط ) كما هي ، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية . وفي تفسير كلمة « بارقليط » اليوناني نقول : إن هذا اللفظ اليوناني الأصل ، لا يخلو من أحد حالين ، الأول أنه « باراكلي توس » . فيكونحسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل . والثاني أنه « بيروكلوتوس » ، فيكون قريب ا من معنى : محمد وأحمد . ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا : « إن لفظ (1) تفسير إنجيل يوحنا ، الأنبا أثناسيوس ، ص (118) . (2) معجم اللاهوت الكتابي (مادة بارقليط) ، وانظر : تفسير إنجيل يوحنا ، الأنبا أثناسيوس ، ص (205. )

عدد الصفحات ١٢٩