المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٤ من ١٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ عنده، لأنه هو أول قدرته له حق البكورية » ( التثنية21 :15-17) ، فهذا الأمر الإلهي لبني إسرائيل يعبر عن عدل الله ، وهو به أولى ، فهل تراه أجحف بحق إسماعيل ابن الجارية ، وخالف ما سيشرعه لعباده من العدل . ومما يبطل أن يكون الذبيح إسحاق أن إبراهيم قد وعد فيه بالبركة والذرية منه قبل ولادته ، وأنه سي كون كعدد نجوم السماء . ( انظر التكوين 17 :21 ) فالأمر بذبحه لا ابتلاء فيه ، لأنه يعلم أنه سيكون لهذا الابن نسل مبارك . وهو ما صرح به المسيح حسب إنجيل برنابا الذي نذكر الاستشهاد به استئناس ا فقط ، فقد قال له التلاميذ : « يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى : إن ا لعهد صنع بإسحاق ؟ أجاب يسوع متأوهً ا : هذا هو المكتوب ، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله . الحق أقول لكم : إنكم إذا أكملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبتنا وفقها نا .. كيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين » ( برنابا44 :1-11 ) ، وفي التوراة المتداولة أن بينهما أربعة عشرة سنة ( انظر التكوين 16 :16 ، 21 :5 ) . ومن ذلك كله فالذبيح هو إسماعيل ، وجبل الرب في الأرض التي عاش فيها ، والبركة لإبراهيم في ذريته محفوظة له بعد أن قام بالاستسلام لأمر الله ، وهمّ بذبح ابنه الوحيد . فقد حرف أهل الكتاب اسم الذبيح ، وحرفوا اسم المكان المعظم الذي جرت فيه أحداث القصة ، فسمتها التوراة السامرية ( الأرض المرشدة ) . فيما سمته التوراة العبرانية « المريا » ، ولعله تحريف لكلمة ( المروة ) ، وهو اسم لجبل يقع داخل المسجد الحرام في مكة المكرمة ، أي في المكان الذي درج فيه إسماعيل .

عدد الصفحات ٥٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وقد اتفق النصان العبري والسامري على تسمية ذلك الموضع « جبل ا » ، ولم يكن هذا الاسم مست خدم ا لبقعة معينة حينذاك ، لذا اختلف اليهود في تحديد مكانه اختلاف ا بين ا ، فقال السامريون : هو جبل جرزيم . وقال العبرانيون : بل هو جبل أورشليم الذي بني عليه الهيكل بعد القصة بعدة قرون (2 أخبار 3 :1 ) . يقول الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس : « يظن الأكثرون أن موضع الهيكل هو نفس الموضع الذي فيه أمر إبراهيم أن يستعد لتقديم إسحاق ، غير أن التقليد السامري يقول : إن موضع الذبح لإسحاق كان على جبل جرزيم » (1) . ويقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية : « يطابق سفر الأخبار الثا 3 :1) بين موريّا وبين الرابية التي سيشاد عليها هيكل أورشليم .. غير أن النص يشير إلى أرض باسم موريّا لا يأتي ذكرها في مكان آخر ، ويبقى مكان الذبيحة مجهولا » . والحق أن المكان معروف غير مجهول ، لأن قصة الذبح جرت في الأرض المرشدة ، وهي أرض العبادة ، وهي مكة أو بلاد فاران ، واختلافهم دليل على صحة ذلك ، واتفاقهم على اسم المكان بج ـبل الرب صحيح ، لكنهم اختلفوا في تحديده لرجمهم بالظنون ، وقد ربطوه بتسميات ظهرت بعد الحادثة بقرون عدة ، وتجاهلوا البيت المعظم الذي بني في تلك البقعة حينذاك ، ويسمى بيت الله ، كما سمي الجبل الذي في تلك البقعة جبل الله . وبقي هذا الاختلاف من أهم الاختلافات التي تفرق السامريين عن العبرانيين ، وقد أدرك المسيح هذا الخلاف ، فذات مرة دخلت عليه امرأة سامرية ، وسألته عن المكان الحقيقي المعد للعبادة ، فأفصح لها المسيح أن المكان ليس جبل جرزيم (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص859. )

عدد الصفحات ٥١

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ السامري ، ولا جبل عيبال العبراني الذي بني عليه الهيكل ، « قالت له المرأة : يا سيد أرى أنك نبي ، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل ، وأنتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه ، قال لها يسوع : يا امرأة صدقيني ، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب ، أنتم تسجدون لما لستم تعلمون ، أما نحن فنسجد لما نعلم ، لأن الخلاص هو من اليهود . ولكن تأتي ساعة ، وهي الآن ، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالرو والحق ، لأن الآب طالب مثل هلالاء الساجدين له ، الله رو ، والذين يسجدون له فبالرو والحق ينبغي أن يسجدوا » ( يوحنا4 :19-24 ) . فمن هم الساجدون الحقيقيون الذين يسجدون في غير قبلة السامريين والعبرانيين ، إنهم الأمة الجديدة التي تولد بعد حين ، إذ لم تدع أمة قداسة قبلتها سوى أمة الإسلام التي يفد إليها ملايين المسلمين سنوي ا في مكة المكرمة . وقوله عن ساعة قدوم الساجدين الحقيقيين « ولكن تأتي ساعة وهي الآن » ، يفيد اقترابها لا حلولها ، كما في متى : « أقول لكم : من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسً ا عن يمين القوة ، وآتيً ا على سحاب السماء » ( متى26 :64 ) ، وقد مات المخاطبون وفنوا ، ولم يروه آتي ا على سحاب السماء . ومثله قول المسيح : « وقال له : الحق الحق أقول لكيم ، مين الآن تيرون السيماء مفتوحيية ، وملا كيية الله يصييعدون وينزلييون علييى ابيين الإنسييان » ( يوحنــا1 :51 ) ، ( وانظر 1 صموئيل 15 :28 ) . وقد قال ميخا النبي عن مكة والبيت الحرام وعن إتيان الناس للحج عند جبل عرفات : « يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنيً ا على قلل الجبال ، وفي أرفع رؤوس

عدد الصفحات ٥٢

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ العوالي يأتين جميع الأمم ، ويقولون : تعالوا نطلع إلى جبل الرب » ( ميخا4 :1-2). كما رمزالنبي إشعيا لمكة في نص آخر بالعاقر ، وتحدث عن الجموع الكثيرة التي تأتي إليها ، ويعدها بالأمان والبركة والعز ، فقال : « ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض ، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل ، قال الرب : أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك ، لا تمسكي ، أطيلي أطنابك وشددي أوتادك ، لأنك تمتدين إلى اليمين والى اليسار ، ويرث نسلك أممً ا ، ويعمر مدنً ا خربة ، لا تخافي لأنك لا تخزين ، ولا تخجلي لأنك لا تستحين ، فإنك تنسين خزي صباك ، وعار ترملك لا تذكرينه بعد . .» ( إشعيا 54 :1-4 ) . في النص مقارنة لمكة بأورشليم ، فسمى مكة بالعاقر لأنها لم تلد قبل محمد النبي ، ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس ، لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي ، وقد يشكل هنا أن نبوة إسماعيل كانت في مكة ، فلا تسمى حينذاك عاقر ا ، لكن المراد منه مقارنة نسبية مع أنبياء أورشليم . وقوله : « لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل » ، يقصد فيه أن زوارها أو أبناءها أكثر من زوار أورشليم التي يسميها ذات البعل ، ولفظة بنو المستوحشة يراد منها ذرية إسماعيل ، الذي وصفته التوراة ـ كما سبق ـ بأنه وحشي « وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابنً ا وتدعين اسمه : إسماعيل ، لأن الرب قد سمع لمذلتك ، وإنه يكون إنسانً ا وحشيً ا ، يده على كل واحد ، ويد كل واحد عليه » ( التكوين16 :11-12) . كما تحدثت المزامير عن مدينة المسيح المخلص ، المدينة المباركة التي فيها بيت الله ، والتي تتضاعف فيها الحسنات ، فالعمل فيها يعدل الألوف في سواها ، وقد سماها

عدد الصفحات ٥٣

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ باسمها (بكة) ، فجاء فيها : « طوبى للساكنين في بيتك أبدًا يسبحونك ، سلاه ، طوبى لأناس عزهم بك ، طرق بيتك في قلوبهم ، عابرين في وادي البكاء (1) يصيرونه ينبوعًا ، أيضً ا ببركات يغطون مورة ، يذهبون من قوة إلى قوة ، يرون قدام الله في صهيون ، يا رب إله الجنود اسمع صلاتي وأصغ يا إله يعقوب ، سلاه ، يا مجننا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك ، لأن يومً ا واحدً ا في ديارك خير من ألف ، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار » ( المزمور 84 :4-10) . وقد سماها النص العبري بكة ، فقال : [בְּעֵמֶק הַבָּכָּא ] ، وتقرأ : (بعيمق هبكا)، أي وادي بكة . والنص كما جاء في ترجمة الكاثوليك كالتالي : « يجتازون في وادي البكاء ، فيجعلونه ينابيع ماء ، لأن المشترع يغمرهم ببركاته ، فينطلقون من قوة إلى قوة ، إلى أن يتجلى لهم إله الآلهة في صهيون(2) » ( 83 :7-8 ) . وهذا الاسم العظيم ( بكة ) هو اسم بلد محمد ، الاسم الذي سمّى القرآن (1) سبق التنبيه إلى أن استخدام كلمة البكاء بدلا من (بكة) تحريف وترجمة لما لا يترجم ، فالأسماء تترجم ، لذا حافظت على صورة الكلمة بعض الترجمات العالمية ، ففي الترجمة الإنجليزية : «through the valley of Ba'ca make it a well » فذكر أن اسم الوادي (بكة) ، ومثله في الترجمة الفرنسية « Lorsqu'ils traversent la vallée de Baca » . (2 )قد يشكل على القارئ الكر يم ذكر «صهيون»، فإنها مكان ما في فلسطين، لذا وجب التنويه أن الكتابة العبرية القديمة ليس فيها حروف علة، والكلمة العبرانية التي استخدمها الك ت اب هي (ציון)، ويصح أن تقرأ (צָי ֹ֔ון ، سايون، صَهيون)، وتعني بحسب قاموس سترونغ (a desert: - dry place) (الصحراء أو ال مكان الجاف والمجدب أو اليابس)، كما يصح أن تقرأ ( צִי ֹּ֑ון ، سيون، ص هيون) التي تعني مكان ما في فلسطين مازال العلماء حيارى في تحديد موقعه. وبخصوص «صهيون» الواردة في هذه الفقرة فقد اختار اليهود قراءتها (צִי ֹּ֑ון )، ولو قرأوها ( צָי ֹ֔ון ): (يرون قدام الله في أرض مجدبة ويابسة لازرع فيها) أو ﴿بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾ (إبراهيم: 37.)

عدد الصفحات ٥٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ الكريم به مكة البلد الحرام ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمرا ن : 96 ] ، وبركة هذا البيت بما جعل الله لقاطنيه وقاصديه من مضاعفة الحسنات عنده ، فصلاة فيه ـ كما أخبر نبينا ـ تعدل أكثر من ألف صلاة فيما سواه (1) ، فصدق فيه قول المزمور : « لأن يومًا واحدً ا في ديارك خير من ألف » . لكن علماء الكتاب المقدس لن يسلموا لنا بأ ن المقصود من وادي البكاء وادي مكة ( بكة ) ، فقد أحالوا وادي البكاء من اسم جغرافي إلى فكرة تجريدية ، لن تستطيع أن تعرف لها مكان ا على الخارطة ، فقالوا : « أما وادي البكاء المذكورالمزمور 84 : 6 فربما يكون بقعة جغرافية . ولكن يرجح أنه مجرد فكرة تحمل معنى عميق ا ، فإن أولئك الذين لهم اختبار طيب مع الرب ، بنعمته تتحول المآسي في حياتهم إلى أفراح » (2). لكن ترجمات عربية وعالمية تخلصت من اسم بكا ووادي البكاء ) ، واستبدلتها بكلمة ( وادي البلسان ) كما في الرهبانية اليسوعية وغيرها ، وقد اعتمدوا في ذلك على مخطوطات قديمة . يقول الآباء اليسوعيون في نسخة الرهبانية اليسوعية تعليق ا على استخدامهم لفظة « وادي البلسان » : « في الترجمات القديمة وفي بعض المخطوطات ( وادي البكاء ) ، ولفظ الكلمتين واحد » (3) . ورغم ما يكتنف تغييراسم ( بكا ) إلى ( البكاء والبلسان ) من تحريف متعمد ؛ فإن ثمة دلالة واضحة في كلا الكلمتين ( البكاء والبلسان ) التي درجت النسخ (1) وذلك في قوله : « صلاة في مسجدي هذا [خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » . رواه البخاري ح1190) ، ومسلم ح1395. ) (2) انظر : دائرة المعارف الكتابية (2/187) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص507. ) (3) وفي قاموس الكتاب المقدس ورد أن كلمة« Baca » ( بكا ) قد تعني بلسان . انظر : ص178. )

عدد الصفحات ٥٥

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ والتراجم على استعمالهما ، فكلاهما يدل على مكة المكرمة دون غيرها . فإن بكّا سميت كذلك نسبة إلى شجر البلسان الذي يخرج منه مادة صمغية تشبه دموع البكاء ، وهو شجر ينبت ـ حسب اعتراف ع لماء الكتاب المقدس ـ في مكة المكرمة ، يقول ك تاب قاموس الكتاب المقدس عن أشجار البكا : « ربما يقصد به شجر البلسم أو ما يشبهه . ففي بلاد العرب ، قرب مكة شجر بهذا الاسم ، يشبه شجر البلسم أو البلسان ، وله عصارة بيضاء لاسعة ، وقد سمى شجر الب كا ، نسبة لن تلك الأشجار تنضج بالصمو ، أو نسبة لقطرات الندى التي تقع عليه » (1) . وتزيدنا دائرة المعارف الكتابية يقينا بأن وادي البلسان هو وادي مكة المكرمة ، فتقول : « أما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء فهو ( بلسم مكة ) الذي مازالت مصر تستورده من شبه الجزيرة العربية ـ كما كان الأمر قديم ا ـ ، وهو عصير الشجرة المعروفة علمي ا باسم ( Balsamo Dendron Apabatsmum ) والتي تنمو في جنوب الجزيرة العربية وفي الحبشة ، وهي شجرة صغيرة غير منتظمة الشكل ، قشرتها ضاربة إلى الصفرة في لون شجرة الدلب » (2) . (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص (507) ، وانظر دائرة المعارف الكتابية2/187. ) (2) دائرة المعارف الكتابية2/189 ).

عدد الصفحات ٥٦

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ تتحدث النصوص الإنجيلية بتناقض ظاهر عن موضوع الخلاص الآتي ، فحسب يوحنا فإن المسيح قال للسامرية في سياق حديثه عن المس يّ ا : « لأن الخلاص هو من اليهود » ( يوحنا4 :22 ) . لكن هذا الأمر ترده الكثير من النصوص الإنجيلية والتوراتية الأخرى ، والتي تل قي بظلال الشك على صحة صدور هذه العبارة من المسيح ، خاصة أنها ظاهرة الإدراج في السياق الذي وردت فيه . ونرى هنا من الأهمية بمكان أن نذكر نصوص الكتاب المقدس التي تدل على احتمالية انتقال النبوة عن بني إسرائيل إلى أمة سواهم كالعرب ؟ لقد أرسل الله أنبياء كثر إلى بني إسرائيل ، فكفروا بهم وقتلوهم ، ولنتأمل ما قاله الأنبياء عن هذه الأمة المتمردة ، لنرَ إن كانت مستحقة لدوام البركة والاصطفاء ، فقد قال عنهم موسى : « إنهم أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم ، لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم » ( التثنية 32 :28 ) . وقال : « جيل أعوج ملتو ، ألرب تكاف ون بهذا يا شعبً ا غبيً ا غير حكيم ؟ » ( التثنية 32 :5-6 ) . وكذا قال النبي إيليا : « قد غِ رت غيرة للرب إله الجنود ، لأن بني إسرا يل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف ، فبقيت أنا وحدي ، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها » ( 1 ملوك 19 :10 ) . وكذا كان وصف الله لهم في سفر النبي حزقيال : « وقال لي : يا ابن آدم ، أنا مرسلك إلى بني إسرا يل ، إلى أمة متمردة قد تمردت عليّ ، هم وآباؤهم عصوا عليّ إلى ذات هذا اليوم . والبنون القساة الوجوه ، والصلاب القلوب ، أنا مرسلك إليهم ،

عدد الصفحات ٥٧

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ فتقول لهم : هكذا قال السيد الرب ، وهم إن سمعوا وإن امتنعوا . لأنهم بيت متمرد . فإنهم يعلمون أن نبيً ا كان بينهم ، أما أنت يا ابن آدم فلا تخف منهم ، ومن كلامهم لا تخف .. وأنت ساكن بين العقارب ، من كلامهم لا تخف ، ومن وجوههم لا ترتعب ، لأنهم بيت متمرد ، وتتكلم معهم بكلامي ، إن سمعوا ، وإن امتنعوا ، لأنهم متمردون » ( حزقيال 2 :3-8 ) . وكذا قال عنهم النبي إشعيا : « اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض ، لأن الرب يتكلم ، ربيت بنين ونشأتهم ، أما هم فعصوا عليّ ، الثور يعرف قانيه ، والحمار معلف صاحبه ، أما إسرا يل فلا يعرف ، شعبي لا يفهم ، ويل للأمّة الخاط ة ، الشعب الثقيل الإثم ، نسل فاعلي الشر ، أولاد مفسدين ، تركوا الرب ، استهانوا بقدوس إسرا يل، ارتدوا إلى وراء ، على أي موضع تضربون بعد .تزدادون زيغانً ا ، كل الرأس مريض ، وكل القلب سقيم . من أسفل القدم إلى الرأس ، لي فيه صحة ، بل جر وإحباط ، وضربة طرية لم تعصر ، ولم تعصب ، ولم تلين بالزيت » ( إشعيا 1 :1-6 ) . وما يزال غضب الله بهم حتى رفع البركة عنهم ، وأحلّ هم غضبه وانتقامه ولعناته « والآنإليكم هذه الوصية أيها الكهنة ، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجدً ا لاسمي ، قال رب الجنود : فإني أرسل عليكم اللعن ، وألعن بركاتكم ، بل قد لعنتها ، لأنكم لستم جاعلين في القلب ، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع وأمدّ الفرث على وجوهكم » ( ملاخي2 :1-3 ) . ولما جاء المسيح نادى أورشليم : « يا قاتلة الأنبياء » ( متى 13 :37 ) ، لكثرة مَ ن قتلوا على ثراها من أنبياء الله الكرام . وقال المسيح وهو يخاطب جموعهم : « ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون . . ويل لكم أيها القادة العميان .. أيها الجهال والعميان .. أيها الحيات أولاد

عدد الصفحات ٥٨

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم ، لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون ، ومنهم تجلدون في مجامعكم .. يا أورشليم يا أورشليم ، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين » ( متى 23 :13-37 ) . لذا حرمهم الله من أن يكونالنبي الموعود القادم منهم ، لأنهم نقضوا عهد الله وميثاقه ، فلن يكون القادم من ذرية داود عليه السلام ، أي لن يكون هو المسيح عليه صلوات الله وسلامه . لقد كان السبب الرئيس في كراهية اليهود للمسـيح  أنـه صـدع بالحقيقـة بـين ظهرانيهم ، فأعلمهم أن ملكـوت الله واصـطفاءه سـينزع مـنهم ، ويعطـى لأمـة أخـرى ، وإذا أردنا إثبات ذلك ؛ فإننا نعود إلى أول محاولة آثمة رامـوا منهـا قتلـه ، وذلـك حـين حدثهم عن انصراف النبي إيليّا عن أرامل بني إسرائيل إلى أرملة صيداوية ، وأن النبـي أليشـــع طهـــر نعمـــان الســـرياني دون ســـائر الـــبرص الـــذين كـــانوا في بنـــي إســـرائيل ( انظر لوقا 4 :25-27 ) ، فكانت النتيجة أن « امتلأ غضبًا جميع الذين في المجمع حين سييمعوا هييذا ، وأخرجييوه خييارج المدينيية ، وجيياؤوا بييه إلييى حافيية الجبييل الييذي كانييت مدينتهم عليه حتى يطرحوه إلى أسيفل » ( لوقـا4 :28-29 ) ، فكـان هـذا أول الشـرر بين اليهود والمسيح  . وبعد فأسأل القارئ الكريم : أهذه الأمة التي توعدها الأنبياء تستحق بقاء البركة والنبوة فيها ؟ وإن كان الجواب : لا ، فمن ذا الأمة التي تكون مختارة ومصطفاة ؟ من عساها تكون سوى الأمة الموعودة بالبركة مرار ا من نسل إسماعيل ؟ إن أمة من الأمم لم تدّع أنها تلك الأمة المصطفاة .

عدد الصفحات ٥٩

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟

عدد الصفحات ٦٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ لما بدل بنو إسرائيل وغيروا نزع الله عنهم النبوة والكتاب ، ودفعه لأمة أخرى ، وحصل ما كان الأنبياء يحذرون منه بني إسرائيل ، ألا وهو انتقال الخيرية إلى سواهم. فمن هي الأمة الجديدة ، وما صفاتها ؟ في الإجابة عن هذا السؤال الهام نتأمل أسفار الكتاب المقدس لنقف منها على صفات هذه الأمة الجديدة . يقول إشعيا على لسان الوحي : « أصغيتُ إلى الذين لم يسألوا ، وُجِدت من الذين لم يطلبوني ، قلت : ها أنذا ها أنذا لأمةٍ لم تسمَّ باسمي . بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سا ر في طريق غير صال وراء أفكاره ، شعب يغيظني بوجهي دا مً ا .. » ( إشعيا 65 :1-3 ) . فقد ذكر النص انتقال النبوة والأمر عن الأمة القاسية العاصية إلى أمة لم تطلب الله قبل ، ولم تسم باسم الله . إنها الأمة الأمية التي لم ينزل عليها كتاب . ويؤكــد حزقيــال رفــع الملــك والشــريعة مــن بنــي إســرائيل ، ودفعــه لأمــة مهملــة وضيعة، فيقول : « إ أنا الرب ، وضعتُ الشجرة الرفيعة ، ورفعتُ الشجرة الوضييعة ، وأيبستُ الشجرة الخضراء ، وأفرختُ الشيجرة اليابسية ، أنيا اليربُ تكلميت وفعليت » ( حزقيال 17 :32 ) . وقال يوحنا المعمـدان في سـياق تحـذيره بنـي إسـرائيل مـن الغضـب الآتي الـذي سيســلطه الله علــيهم : « والآن قييد وضييعت الفييأس علييى أصييل الشييجر ، فكييل شييجر ة لا تصيينع ثمييرً ا جيييدً ا تقطييع وتلقييى في النييا ر ، أنييا أعمييدكم بميياء التوبيية ، ولكيين الييذي يأتي بعدي هو أقوى مني ، الذي لست أهلاً أن أحمل حيذاءه ، هيو سييعمدكم بيالرو

عدد الصفحات ٦١

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ القدس ونار » (متى3 :10-11)، و(انظر مثـل التينـة التـي لا تثمـر في لوقـا 13 :6-9 ) لقد كان المسيح الفرصة الأخيرة للإبقاء على الاصطفاء والاختيار ، فقد وضع الفـأس على أصل الشجرة ، فلما كفروا به وحـاولوا قتلـه ، قطعـت الشـجرة الخضـراء ويبسـت ، ودفعت للنار ، نار الغضب الإلهي والضلال ، وأزهرت شجرة أخرى كانت يابسة . نعم ، لقد أيبس الله شجرة بني إسرائيل وأحرقها ، وأفرخ شجرة أخرى كانت يابسة لم تظهر فيها النبوات من لدن إسماعيل عليه السلام ، فكانت هي الأمة التي سلطها الله على بني إسرائيل ، وهو أمر لا يخفى على من تأمل حاله مع يهود بني النضير ثم يهود بني قينقاع ثم فتكه ببني قريظة ، وقضاؤه على آخر تجمعاتهم في جزيرة العرب ، في غزوة خيبر . ويقول النبي حزقيال أيض ا : « أنت أيها النج الشرير ر ي إسرا يل الذي قد جاء يومه في زمان إثم النهاية ، هكذا قال السيد الرب : انزعِ العمامة وارفعِ التاج ، هذه لا تلك ، ارفعِ الوضيع ، وضعِ الرفيع ، منقلبً ا ، منقلبً ا ، منقلبً ا أجعله ، هذا لا يكون حتى يأتي الذي له الحكم ، فأعطيه إياه » ( حزقيال 21 :25-27 ) . فــإذا جــاء صــاحب الحكــم ، النبــي الخــاتم ، تنقلــب الأمــور ، وترفــع العمامــة أي تنســخ الشــريعة مــن بنــي إســرائيل ، فالعمامــة رمــز للكهنــة الهــارونيين المــوكلين بأمر الشريعة في أسباط بني إسـرائيل ، والـذين أمـروا بملابـس خاصـة ، منهـا العمامـة . ( انظر الخروج 28 :36-37 ) كما يرفع التاج ( الملك ) . وحينئذ تصبح الأمة المرذولة أمة مختارة ، والأمة المختارة أمة مرذولة ، كما قال داود : « الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا » ( المزمور 118 :22-23) لكنه حقيقة . وقد ضرب المسيح للتلاميذ مثل الكرامين ـ كما سيأتي ـ ثم قال : « الحجر الذي

عدد الصفحات ٦٢

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا ، لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينيزع منكم ، ويعطى لأمة تعمل أثماره » ( متى 21 :42-43 ) . وقد قال المسيح لتلاميذه بعد أن قص عليهم مث من أمثال الملكوت ( مثل الزرع) : « فانظروا كيف تسمعون ، لأن من له سيعطى ، ومن لي له فالذي يظنه له يلاخذ منه » ( لوقا8 :18 ) . وهكذا فهذه النصوص ذكرت أول صفة من صفات أمة الملكوت ، إنها أمة مرذولة وضيعة لم تتعبد لله ولم ترسل إليها شرائعه ، أمة يعجب بنو إسرائيل أن تتحول لها الريادة والاختيار . ويقول الرب موضح ا صفة أخرى من صفات الأمة الجديدة التي ستنال ميـراث البركة والنبوة مـن بنـي إسـرائيل : « فيرأى اليرب ورذل مين الغييظ بنييه وبناتيه ، وقيال : أحجب وجهي عنهم ، وانظر ماذا تكيون آخيرتهم ، إنهيم جييل متقليب ، أولاد لا أمانية فيهم ، هم أغاروني بما لي إلهً ا ، أغياظوني بأبياطيلهم ، فأنيا أغييرهم بميا ليي شيعبً ا ، بأمة غبية أغييظهم » ( التثنيـة 32 :19-21 ) ، إن الأمـة المصـطفاة ، الأمـة التـي كانـت مرذولة ، هي الأمة الجاهلة أو الغبية التي يغيظ الله بها بني إسرائيل ، وقد قال الله تعالى عن محمد وأصحابه الكرام : ﴿ليَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ [الفتح : 29 ] . وقد كاد بنو إسرائيل لهذه الأمة الجديدة فقالوا : « بأمة غبية أغيظهم » مع أن وصف الغباء لا توصف به الأمم ، وإن وصفت بالجهل أو القسوة ، فمن هذه الأمة الجاهلة أو الغبية التي ينتقم الله بها من بني إسرائيل ؟ إنها أمة العرب ﴿ه وَ ال ذ ي بَعَثَ ف ي الأأ مِّيِّينَ رَس ولا مِّنأه مأ يَتأل و عَلَيأه مأ آيَات ه وَي زَكِّيه مأ وَي عَلِّم ه م الأك تَابَ وَالأح كأمَةَ وَإ ن كَان وا م ن قَبأل لَف ي ضَلاَلٍ مُّب ينٍ ﴾ [الجمعة : 2 ] .

عدد الصفحات ٦٣

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ لكن بولس يخطئ ويجعل هذه الأمة الغبية أمة اليونان ، فيقول مؤكد ا انتقال الملكوت عن بني إسرائيل ، لكنه يخطئ في تعيين الأمة الوارثة للملكوت : « لا فرق بين اليهودي واليوناني ، لأن ربً ا واحدً ا للجميع ، غنيً ا لجميع الذين يدعون به .. لكني أقول : ألعل إسرا يل لم يعلم ، أولاً موسى يقول أنا أغيركم بما لي أمة ، بأمة غبية أغيظكم ، ثم إشعياء يتجاسر ويقول : وجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهرً ا للذين لم يسألوا عني ، أما من جهة إسرا يل فيقول : طول النهار ، بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم » ( رومية 10 :12-21 ) ، فهو يؤمن بانتقال الملكوت عن بني إسرائيل ، لكنه يجعل الأمة الجديدة أمة اليونان الذين توجه لدعوتهم ، وقد آمنوا به كما آمن كثير غيرهم ، فلا وجه لخصوصهم به ، والمعنى الذي يقصده للملكوت هو الاستجابة لدعوته ، وهو معنى يضيق كثير ا عما نذكره من صفات أمة الملكوت العظيمة . وأيض ا لا يصح أن تكون أمة اليونان هي الأمة الغبية التي ترث الملكوت ، لأن اليونان أمة حضارة وعلم ، وبولس نفسه يقول عن اليونانيين : « لأن اليهود يسألون آية ، واليونانيين يطلبون حكمة » ( 1 كورنثوس 1 :22 ) ، فكيف يوصف طلاب الحكمة بالغباء أو الجهل ؟! فالأمة الجديدة هي ـ ولا ريب ـ أمة العرب الموعودة بالبركة دون سائر الأمم ، وقد جاء في كلام إشعيا متنبئ ا بالنبي الذي يظهر منها ، فذكر أنه يهرب من قومه ، ثم ينتصر عليهم ، ويفني مجدهم بعد برهة ، ليبدأ بعدها مجد جديد ، وهو النبي الذي تسقط على يديه دولة بابل الفارسية ، وتنكسر عند قدميه آلهتها المنحوتة فيقول : « قال لي السيد : اذهب أقم الحارس ، ليخبر بما يرى ، فرأى ركابً ا أزواج فرسان ، ركاب حمير ، ركاب جمال ، فأصغى إصغاء شديدً ا ، ثم صرخ كأسد : أيها السيد أنا قا م على المرصد دا مً ا في النهار ، وأنا واقف على المحرس كل الليالي ، وهوذا ركاب من الرجال ، أزواج من الفرسان . فأجاب وقال : سقطت ، سقطت بابل ، وجميع تماثيل

عدد الصفحات ٦٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض . يا دياستي وبني بيدري ، ما سمعته مين رب الجنيود إليه إسيرا يل أخبيرتكم بيه ، وحي من جهة دومة .صرخ إليّ صارخ من سعير : يا حارس ما من الليل ، يا حارس ميا من الليل . قال الحارس : أتى صبا وأيضًي ا لييل ، إن كنيتم تطلبيون فياطلبوا . ارجعيوا تعالوا ، وحي من جهة بلاد العرب ، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل اليددانيين ، هاتوا ماء لملاقاة العطشيان ، ييا سيكان أرض تيمياء وافيوا الهيارب بخبيزه ، فيإنهم مين السيوف قد هربوا .. قال لي السيد : في مدة سنة كسنة الأجير ، يفنيى كيل مجيد قييدار » ( إشعيا 21 : 6-16 ) . والنص بعد حديثه عن سقوط فارس يعود ليتحدث إلى الددانيين من أهل تيماء، ويطلب منهم حماية الهارب إلى بلادهم الوعرة ، ويبشرهم بفناء مجد أبناء قيدار بن إسماعيل بعد برهة بسيطة . والددانيون كما قال قاموس الكتاب المقدس هم سكان تيماء في شمال الحجاز(1) ، ولا تخفى الوعورة في تضاريس تلك البلاد ، والنص يبشر بانتصار المسلمين بعد سنة أو ثمان في معركة بدر أو فتح مكة على أبناء قيدار ، وقيدار هو الابن الثاني لإسماعيل . ( انظر التكوين 25 :13 ) . واسم قيدار يطلق أيض ا على البلاد التي غلب عليها ذرية قيدار كما في قوله : « قال الرب : قوموا اصعدوا إلى قيدار » ( إرميا 49 : 28 ) ، وهو المراد بقوله « يفنى كل مجد قيدار » ، فهو يبشر بانتصار المسلمين على أبناء بلاد قيدار . ويقول إشعيا في وصف تلك الأمة : « من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر (1) قاموس الكتاب المقدس ، ص370. )

عدد الصفحات ٦٥