المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٣ من ١٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وعنك » ( متى 17 :24-27 ) ، فأين حال دافع الجزية من الملك الذي تسـقط تحـت قدميه شعوب خاضعة ذليلة لسلطانه . والمسيح رفض أن يكون قاضي ا بين اثنين يختصمان ، فهل تراه يدعي الملك والسلطان ، « قال له واحد من الجمع : يا معلّم ، قل لأخي أن يقاسمني الميراث ، فقال له : يا إنسان من أقامني عليكما قاضيً ا أو مقسّمً ا !؟ » ( لوقا 12 :13- 14 ) . ولئن أصر النصارى علىمخالفة الكتاب فقالوا : المسيح هو الملك الموعود الظافر الذي تخضع له الشعوب ، وأن ذلك سيحققه حال عودته الثانية ، فإن ذلك مما تدحضه النبوءة التي ذكرها الملاك لمريم ، حيث أخبرها أن المسيح سيملك على بيت يعقوب فحسب ، فغاية ما يمكن أن يملك عليه هو شعب إسرائيل ، فقد قال لها الملاك : « ويعطيه الربالإله كرسي داود أبيه ، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ، ولا يكو ن لملكه نهاية » ( لوقا1 :33 ) ، فيما المسيح الموعود « له يكون خضوع شعوب » ( التكوين49 :10 ) ، و « شعوب تحتك يسقطون » ( المزمور45 :5 ) ، فملكه أعظم من مملكة بني إسرائيل . ويجدر هنا أن ننبه إلى أن وعد الله لبني إسرائيل بالملك القادم على كرسي داود وعد مشروط بطاعتهم لله وعملهم وفق مشيئته ، كسائر وعود الله لبني إسرائيل ، فالله لا يحابي أحد ا من خلقه ، فيخصهم بما لا يستحقونه . لقد نقض بنو إسرائيل عهودهم مع الله مرار ا وتكرار ا ، فرفضهم الله إلى الأبد « لماذا رفضتنا يا اإلى الأبد ! لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك ! اذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القدم وفديتها » ( المزمور74 :1-2 ) ، لقد رفض الله هذه الأمة

عدد الصفحات ٣٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ العاتية القاسية ، وكان رفضه لها أبدي ا ، فلن يكون لهم الملك الموعود ، لأنهم لم يوفوا بشرط وميثاق الله العظيم . وقد يشكل في هذا الباب ما جاء في قصة المرأة السامرية التي أتت المسيح ورأت أعاجيبه وآياته ، فأخبرته بإيمانها بمجيء المسيا ، فكان جوابه لها أنه هو المسيا، « قالت له المرأة : أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسي يأتي ، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء ، قال لها يسوع : أنا الذي أكلمك هو » ( يوحنا 4 :25-26 ) . ولست أشك في وقوع التحريف في هذه العبارة ، بدليل أن هذا النص يخالف ما عهدناه من المسيح ، وبدليل أن أحد ا من التلاميذ ـ بما فيهم يوحنا كاتب القصة ـ لم يكن يسمع حديثه ، وهو يتحدث مع المرأة ، فلا يعرفون عن موضوع الحديث بينهما « قال لها يسوع : أنا الذي أكلمك هو ، وعند ذلك جاء تلاميذه وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة . ولكن لم يقل أحد : ماذا تطلب ؟ أو لماذا تتكلم معها » ( يوحنا 4 : 26-27 ) ، فهم لم يسمعوا حديثهما ولم يسألوه عما جرى بينهما . وأوضح الأدلة على وقوع التحريف في هذه القصة أن المرأة التي رأت أعاجيبه، وقال لها هذا القول المدعى ، لم تكن تؤمن أنه المسيح المنتظر ، لأنها لم تسمع منه ذلك ، ولو سمعته لآمنت وصدقت ، فقد انطلقت تبشر به ، وهي غير متيقنة أنه المسيح المنتظر « فتركت المرأة جرتها ، ومضت إلى المدينة وقالت للناس : هلموا انظروا إنسانً ا قال لي كل ما فعلت ، ألعل هذا هو المسي ؟ » ( يوحنا 4 :28-29 ) . ومما تقدم ظهر جلي ا أن المسيح  لم يدع أنه المسيح الذي تنتظره اليهود ، وإن زعم ذلك بعض معاصريه ، الذين كانوا يتوقون للمخلص العظيم الذي يسلطه الله على أعدائه . وقد صدق العالم الألماني رودلف بولتمان في كتابه ( يسوع ) حين قال : « إن

عدد الصفحات ٣٥

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ يسوع لم يعتبر نفسه المسيا»، ووافقه الكثير من العصريين كما نقل عنهم الأسقف برنار بارتمان ، فقالوا: «بأن يسوع لم يعتبر نفسه المسيا ، بل إن التلاميذ هم الذين أعطوه هذا اللقب بعد موته وقيامته من الاموات ، الأمر الذي كان يرفضه بشدة أثناء حياته على الأرض » . ويرى اللاهوتيون السبعة الذين كتبوا«أسطورة تجسد الإله» «أننا لا نملك الـدليل الآن للتخمين بواقعية عما ي دعى بـوعي يسـوع لنفسـه كمسـيح .. بقـراءة مـا بـين السـطور ربما نستطيع التخمين أن يسوع اعتبر الادعاءات الشخصية إغراءات شيطانية»(1). ونختم بقول شارل جنيبر : « والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين ، هي : أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر ، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله » (2) . (1) أسطورة تجسد المسيح ، البرفسور جون هوك ورفاقه، ص23.) (2) انظرالمسيحية ، نشأتها وتطورها ، شارل جنيبر ، ص (50) ، تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/280 ،282. )

عدد الصفحات ٣٦

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ رأينا أن المسيح لم يدع أنه النبي المنتظر ، فهل أخبر محمد أنه ذلك النبي الموعود ، الذي بشرت به الأنبياء ؟ إن وجود البشارة بالنبي في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية ، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّ ر أمته بأمر هذا النبي ، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق لئن بعث محمد ليؤمنن به ، قال تعالى : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّ هُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُلاْمِنُ نَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَ نَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران : 81 ] ، وقال علي : « ما بعث الله نبي ا آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق : لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه» (1) . ومن هؤلاء الأنبياء المبشرين بالنبي القادم النبي إبراهيم ، حيث ﴿رَبَّنَا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيم ﴾ [البقرة : 129 ] . ومنهم عيسى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَا ِيلَ إِنِّي رَسُ ولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [ الصف : 6]. وقد قال : « إ عند الله لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، (1) رواه الطبري في تفسيره3/332. )

عدد الصفحات ٣٧

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وسأخبركم بأول أمري : أنا دعوة إبراهيم ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام » (1) . ولما كان اهتمام الأنبياء بالنبي الخاتم بالغ ا كان من الطبيعي أن تتحدث كتبهم عنه وعن صفاته وأحواله . وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآ ِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الأعراف : 157 ] . وقال الله تعالى مخبر ا وجود النبوءات عن النبي محمد وعن أمته وأصحابه في التوراة والإنجيل : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَ لَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِْنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآ زَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ [الفتح : 29 ] . ولم يخبر القرآن الكريم ـ بالتفاصيل ـ عن صفات رسول الله وأحواله المذكورة في كتب أهل الكتاب ، لكنه أخبر عن حقيقة مهمة ، وهي أن أهل الكتاب يعرفون رسول الله معرفتهم أبناءهم ، لكثرة ما حدثتهم الأنبياء والكتب عنه ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ ﴾ [ الأنعام :20 ] . وهذه المعرفة ولا ريب تصدر عن كثرة أو وضوح البشارات الواردة في كتبهم عنه عليه الصلاة والسلام . (1) رواه أحمد في المسند ح16712) ، وابن حبان في صحيحه ح6404. )

عدد الصفحات ٣٨

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وسنحاول خلال الصفحات القادمة تلمس بعض هذه النبوءات ، راجين أن نوفق في إزالة الكثير مما أصابها من غبار التحريف ، محترزين عن الكثير من سوء الفهم الذي وقع فيه النصارى في فهم هذه النبوءات .

عدد الصفحات ٣٩

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟

عدد الصفحات ٤٠

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ خرج إبراهيم من أرض العراق واتجه إلى الأرض المباركة ، أرض فلسطين ، وتذكر التوراة أن عمره حينذاك الخامسة والسبعين ، ولما يولد له ولد ، وخرج بعد أن بشره الله بأن قال : « أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة .. وتتبارك فيك جميع قبا ل الأرض » ( التكوين 12 :2-3 ) . و أرض فلسطين حملت هاجر ـ مولاة سارة ـ بابنها إسماعيل  ، وتذكر التوراة غ يرة سارة من هاجر وقد أضحى لها ذرية ، فيما حرمت سارة الولد والذرية حتى ذلك الحين . عندها أذلت سارة هاجر ، فهربت هاجر من وجه مولاتها « فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها . وقال لها ملاك الرب : تكثيرً ا أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة ، وقال لها ملاك الرب : ها أنت حبلى فتلدين ابنً ا ، وتدعين اسمه : إسماعيل ، لأن الرب قد سمع لمذلتك ، وإنه يكون إنسانً ا وحشيً ا (1) ، يده على كل واحد ، ويد كل واحد عليه ، وأمام جميع إخوته يسكن » ( التكوين 16 :11-12 ) ، لقد بشرها الملاك بابن عظيم يسود على كل أحد ، لكنه أحيان ا يكون على خلاف ذلك، فيتسلط عليه كل أحد . وولدت هاجر ابنها إسماعيل  ، فكان بكر ا لإبراهيم  ، « وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل » ( التكوين 16 :16) . ولما بلغ إبراهيم التاسعة والتسعين تجددت البركة مـن الله لإبـراهيم « قيال ليه : (1) ذكر بعض المحققين أن النص في النصوص العبرانية القديمة استخدم ما معناه : إنسان ا مثمر ا ، فيما الترجمة المتداولة تجعله وحشي ا ؟ !

عدد الصفحات ٤١

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ أنا الله القيدير . سير أميامي وكين كياملاً ، فأجعيل عهيدي بينيي وبينيك ، وأكثيرك كثييرً ا جدً ا .. أجعلك أبً ا لجمهور من الأمم ، وأثمرك كثيرً ا جدً ا ، وأجعليك أممًي ا ، ومليوك منيك يخرجون ، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجييالهم عهيدً ا أبيديً ا .. » ( التكوين 17 :1-8 ) . وابتلى الله إبراهيم  ، فأمره بذبح ابنه الوحيد يومذاك ، إسماعيل ، فاستجاب وابنه ، وامتثلا لأمر الله ، وحينها « نادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء، وقال : بذاتي أقسمت ، يقول الرب : إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك ، أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرً ا ، كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر ، ويرث نسلك باب أعدا ه » ( التكوين 22 :1-17 ) . وطلب إبراهيم  من الله الصلاح في ابنه إسماعيل : « قال إبراهيم لله : ليت إسماعيل يعيش أمامك » ( التكوين 17 :18 ) . فاستجاب الله له وبشره بالبركة فيه وفي ابن آخر يهبه الله له ، فقد بشره بميلاد إسحاق من زوجه سارة فقال : « وأباركها وأعطيك أيضً ا منها ابنً ا ، أباركها فتكون أممً ا ، وملوك شعوب منها يكونون .. وتدعو اسمه إسحاق ، وأقيم عهدي معه عهدً ا أبديً ا لنسله من بعده . وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ، ها أنا أباركه وأثمره ، وأكثره كثيرً ا جدً ا ، اثني عشر ر يسً ا يلد ، وأجعله أمة كبيرة » (التكوين 17 :16-20) . يقول الأب بروجلي معقباً على هذا النص«تقدم الإسلام مندرج تحت ما بشر به أبو المؤمنينالسلام» (1). (1) الإسلام خواطر وسوانح، هنري كاستري، ص (148.)

عدد الصفحات ٤٢

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وقد كان إسحاق  أصغر من إسماعيل  بأربع عشرة سنة « وكان إبراهيم ابن ما ة سنة حين ولد له إسحاق ابنه » ( التكوين 21 :5 ) . وقد ولد لإبراهيم أبناء آخرون من زوجته قطورة ، لكن الله لم يعده بالبركة فيهم « عاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة ، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا » ( التكوين 25 :1-2 ) ، ولم يخرج من نسلهم أنبياء لعدم الوعد فيهم بالبركة . وهذا الذي تذكره التوراة يتفق إلى حد كبير مع ما يقوله القرآن ، فالقرآن يقرر بركة وعهد ا لإبراهيم في صالحي ذريته من ابنيه المباركين إسماعيل وإسحاق ، حيث يقول : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة : 124 ] . وذكر الله بركة الابنين وأن من ذريتهما صالح مستحق للعهد ، وظالم ليس له من العهد شيء فقال عن إسماعيل : ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ [الصافات : 113 ] . وهذا يتفق مع ما جاء في التوراة التي نصت على أن العهد والاصطفاء مشروط بالعمل الصالح ، والبركة التي أ عطيها إبراهيم إنما هي بسبب عمله الصالح ، « تتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ، من أجل أن إبراهيم سمع لقولي ، وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرا ضي وشرا عي » ( التكوين26 :4 ) . وتتوالى البركة في ذريته وفق هذا الشرط« سر أمامي وكن كاملاً فأجعل عهدي» ( التكوين 17 :1-2 ) ، وكما قال عنه وعن ذريته المباركة : « إبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية ، ويتبارك به جميع أمم الأرض ، لأني عرفته ، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ، ليعملوا برً ا وعدلاً ، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به »

عدد الصفحات ٤٣

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ( التكوين 18 :18-19 ) ، فالعمل بوصايا الله هو سبب هذه البركة ، وقد قال الله لإبراهيم : « ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض ، من أجل أنك سمعت لقولي » ( التكوين22 :18) . ووفق هذا الشرط كانت البركة والعهد لأبناء لاوي « إ أرسلت إليكم هذه الوصية ، لكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود . كان عهدي معه للحياة والسلام ، وأعطيته إياهما للتقوى ، فاتقاني ، ومن اسمي ارتاع هو ، شريعة الحق كانت في فيه ، وإثم لم يوجد في شفتيه ، سلك معي في السلام والاستقامة ، وأرجع كثيرين عن الإثم » ( ملاخي2 :4-7 ) . فبركة الله إنما تكون للصالحين ، ولعنته هي نصيب الكافرين ، كما قال الله لموسى : « انظر . أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة ، البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم ، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم ، لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها » ( التثنية 11 :26-28 ) . كما قال الله له أيضا : « فاحفظ الوصايا والفرا ض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها ، ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها ، يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان اللذين أقسم لآبا ك ، ويحبك ويباركك ويكثرك ، ويبارك ثمرة بطنك وثمرة أرضك » ( التثنية7 :11-13 ) ، و( انظر : التثنية 28 :1- 68 ) وهكذا فالبركة مشروطة بطاعة الله والاستقامة على دينه ، فإذا ما نكَ ل بنو إسرائيل عنها حاقت عليهم اللعنة والبوار . وبالفعل بدأت بركة إبراهيم بابنه الثاني إسحاق ، وذلك لا يعني حرمان إسماعيل من نصيبه من البركة « ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق ، الذي تلده لك سارة

عدد الصفحات ٤٤

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ في هذا الوقت ، في السنة الآتية » ( التكوين 17 :21 ) . وتذكر التوراة أنه بعد فطام سارة لإ سحاق ، هاجرت هاجر وابنها ، وأنها « مضت وتاهت في برية ب ر سبع ، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار .. ونادى ملاك الله هاجر .. قومي احملي الغلام ، وشدي يدك به ، لأني سأجعله أمة عظيمة ، وفت الله عينيها فأبصرت ب ر ماء .. وكان الله مع الغلام فكبر ، وسكن في البرية ، وكان ينمو رامي قوس ، وسكن في برية فاران ، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر » (التكوين 21 :17-21) . ويتجاهل النص التوراتي خصوصية إسماعيل في نبع ماء زمزم المبارك في مكة المكرمة ، ويرى قصة الهجرة في صحراء بئر سبع جنوب فلسطين ، ثم يسميها برية فاران(1) . ونعود للبركة الموعودة في ابني إبراهيم ، فما هي البركة التي جعلها الله في إسحاق وإسماعيل ؟ هي بلا ريب بركة النبوة والكتاب والملك بأمر الله والظهور باسمه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَا ِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الجاثية : 16 ] . (1) لكن الكتاب المقدس عودنا علـى الأخطـاء الجغرافيـة وغيرهـا المتكـررة فيـه ، وكثرتهـا دعـت الـدكتور صبري جوهرة أن يقول ، وهو يلخص رأي الكنيسة : «إن الله يسمح للإنسان (كاتب السـفر) بـأن يضـع كـل إحساســاته وخبراتــه وحساســياته وميولــ ه في النصــوص مــادام ذلــك لا يغيــر مــا قصــده الله مــن معــاني الســفر الأخلاقية والدينية ، وبالتالي تعترف الكنيسة بعدم دقة الكتاب في معلوماتـه الفلكيـة والجغرافيـة والتاريخيـة والجيولوجية . .الخ ، فالمقصود بالكتاب هو أن يعلم الدين والأخلاق ، ويساعد على الوصـول إلـى طريـق الصــلاح والســعادة » اختلافــات في تــراجم الكتــاب المقــدس ، أحمــد عبــد الوهــاب ، ص(61-62) ، وانظر تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (169-170. )

عدد الصفحات ٤٥

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ويعتبر اليهود والنصارى من بعدهم أن الوعد في إسحاق وعد أبدي لن ينتقل إلى غيرهم ، فقد قيل : « فقال الله : بل سارة امرأتك تلد لك ابنً ا ، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهدً ا أبديً ا ، لنسله من بعده .. ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية » ( التكوين 17 :19-21 ) ، فقد فهموا من كلمة ( أبدي ا ) أن العهد لبني إسرائيل إلى يوم القيامة ، وأنه غير مشروط ولا متعلق بصلاحهم وانقيادهم لأمر الله . لكن كلمة ( الأبد ) لا تعني بالضرورة الاستمرار إلى قيام الساعة ، بل تعني طول الفترة فحسب ، ومثل هذا الاستخدام معهود في التوراة ، يقول سفر الملوك : « فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد » ( 2 ملوك 5 :27 ) ، فالأبدية هنا غير مقصودة ، وإلا لزم أن نرى ذريته اليوم أمة كبيرة تتوالد مصابة بالبرص . وفي سفر أخبار الأيام « وقال لي : إن سليمان ابنك ، هو يبني بيتي ودياري ، لأني اخترته لي ابنً ا ، وأنا أكون له أبً ا ، وأثبت مملكته إلى الأبد » (1 أخبار 28 :6 ) ، وقد انتهت مملكتهم منذ ما يربو على ألفين وخمسمائة سنة على يد بختنصر البابلي ، فالمراد بالأبدية الوقت الطويل فحسب . ووقت سفر التثنية الأبدية بما يساوي عشرة أجيال ، فقال : « لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب ، حتى الجيل العاشر ، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد ، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء » ( التثنية 33 :3-4 ) ، فالجيل الحادي عشر للمؤابي غير محروم من جماعة الرب ، وهو دون الأبد والقيامة . ومثله قول دانيال لنبوخذ نصر : « فتكلم دانيال مع الملك : يا أيها الملك عش إلى الأبد » ( دانيال 6 :21 ) ، أي عش طويلا . نعم لقد استبدلت البركة باللعن والطرد ، فقد رذلهم الله واستبدلهم بغيرهم بعد

عدد الصفحات ٤٦

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ أن تنكروا لشرعه ودينه « والآنإليكم هذه الوصية أيها الكهنة ، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجدً ا لاسمي ، قال رب الجنود : فإني أرسل عليكم اللعن ، وألعن بركاتكم ، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب ، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع ، وأمدّ الفرث على وجوهكم » ( ملاخي2 :1-3 ) . وعليه نقول : إن العهد قد بدأ بإسحاق  ، وهو وعد أبدي متطاول إلى أجيال بعيدة ، وهو ما تم حين بعث الله النبيين في بني إسرائيل ، وأرسل إليهم الكتب ، وأيدهم بسلطانه وغلبته على الأمم التي جاورتهم ، وأقام لهم مملكة ظافرة إلى حين . ويتفق اليهود والنصارى مع المسلمين في أن بركة إسحاق  أثمرت النبوة والملك والكتاب والكثرة والغلبة ، لكنهم يعتبرون وعد إسماعيل  وبركته أثمر الكثرة فقط ، « وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه . ها أنا أباركه وأثمره ، وأكثره كثيرً ا جدً ا ، اثني عشر ر يسً ا يلد ، وأجعله أمة كبيرة » ( التكوين 17 :20 ) . وهذا التفريق أيض ا بخلاف ما جاء في النصوص التي لم تفرق بالألفاظ والمعاني بين الأخوين المباركين ، وعليه فبركة إسماعيل هي كبركة إسحاق : نبوة وكتاب وحكم وكثرة . فمتى تحقق ذلك لإسماعيل ؟ متى اجتمع له ذلك ؟ نقول : لم يجتمع له ذلك إلا في بعثة نبينا من ذريته ، فتحولت قبائل بنيه المتفرقة الضعيفة إلى ملك عظيم ساد الدنيا ، واجتمع إلى كثرتهم النبوة والكتاب ، فتحقق ما وعد الله إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل . وإلا فأين تحققت البركة في إسماعيل  الذي أخبر النص عن حاله ، فقال : « يكون إنسانً ا وحشيً ا ، يده على كل واحد ، ويد كل واحد عليه » ( التكوين 6 :12 ) أي أنه يغلب تارة فيسود الجميع كما يسود الجميع عليه تارة أخرى .

عدد الصفحات ٤٧

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وقد ساد العرب المسلمون الأمم برسول الله ودولته ، وفيما عدا ذلك كانوا أذل الأمم وأضعفها وأبعدها عن أن يكونوا محلا لبركة الله ، إذ لا بركة في قبائل وثنية تكاثرت على عبادة الأوثان والظلم ، فمثل هؤلاء لا يكونون في بركة الله . وإذا عدنا إلى النصوص العبرية القديمة التي تحدثت عن إسماعيل نجد النص كالتالي « وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه . ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرً ا جدً ا (بماد ماد) اثني عشر ر يسً ا يلد ، وأجعله أمة كبيرة (لجوى جدول) » ( التكوين 12 : 2) فكلمتي ( ماد ماد ) و ( لجوى جدول ) هما رمزان وضعا بدل اسم النبي ، فكلمة (ماد ماد) ـ حسب حساب الجمّ ل (1) الذي يهتم به اليهود ويرمزون به في كتبهم ونبوءاتهم تساوي 92 ، ومثله كلمة ( لجوى جدول ) وهو ما يساوي كلمة ( محمد ) . وكان السمؤل أحد أحبار اليهود المهتدين إلى الإسلام قد نبه إلى ذلك ، ومثله فعل الحبر المهتدي عبد السلام في رسالته ( الرسالة الهادية ) . ونقول : إن ما جاء في سفر التكوين عن وجود بركة في العرب تمثلت بنبوة وملك يقيمهم الله في العرب هو النقطة الأساس التي يخالفنا فيها أهل الكتاب ، وهي المدخل الأهم لنبوءات الكتاب المقدس ، إذ أن كثير ا مما يذكره المسلمون من نصوص توراتية يرونها نبوءات بالرسول ، كثير من هذه النصوص يراها النصارى أيض ا نبوءات بالمسيح أو غيره من أنبياء اليهود ، ويمنعون أن تخرج هذه النبوءات عن بني إسرائيل . (1) يجعل اليهود لكل حرف من الحروف مقابلا من الأرقام ، فالألف 1 ، والباء2 . . وهكذا حسب الترتيب الأبجدي ، ويعطى الحرف الحادي عشر (ك) الرقم20 ، و(ل30 . . فيما يعطى الحرف التاسع عشر (ف) الرقم 100 ، ثم (ص200 . . . وهكذا

عدد الصفحات ٤٨

هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ تتحدث التوراة عن قصة أم ر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد ، وبدلا من أن تسميه إسماعيل ، فإنها أسمته إسحاق ، وطبق ا لهذا التغيير تغير الزمان والمكان الذي جرت به القصة. ومما جاء في القصة التوراتية « خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق ، واذهب به إلى أرض المريا .. فلما أتيا الموضع .. لا تمد يدك إلى الغلام ، ولا تفعل به شي ً ا ، لأني الله علمت أنك خا ف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني .. فدعا إبراهيم ذلك الموضع : « يهوه يراه » ،حتى إنه يقال اليوم : في جبل الرب يرى . يقول الرب : إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة . . . » ( التكوين22 : 1-18 ) . وفيما تقدم عدة بشارات تبشر بمجيء النبي ، ونرى يد التحريف والعنصرية تحاول طمس هذه البشارات . فمن التحريف البين إدراج اسم إسحاق الذي لم يكن وحيد ا لإبراهيم قط ، وقد تكرر وصف الذبيح بالوحيد ثلاث مرات ، وقد رأينا أن إسماعيل كان وحيد ا لإبراهيم أربع عشرة سنة . والبكورية لإسماعيل محفوظة وإن كان ابن هاجر ـ مولاة سارة ـ التي اتخذها زوجة فيما بعد ، فمنزلة الأم لا تؤثر في بكورية الابن ولا منزلته ، وقد جاء في التوراة : « إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة ، والأخرى مكروهة ، فإن كان الابن البكر للمكروهة ، فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكرً ا على ابن المكروهة البكر . بل يعرف ابن المكروهة بكرً ا ليعطيه نصيب اثنين في كل ما يوجد

عدد الصفحات ٤٩