هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟
عدد الصفحات ١٨هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ شغف كتاب الأناجيل بالنبوءات التوراتية ، وعمدوا في تكلف ظاهر إلى تحريف معاني الكثير من النصوص التوراتية ، ليجعلوا منها نبوءات عن المسيح ، إن محبتهم للمسيح أو امتهانهم للتحريف قد جعلهم يخطئون في فهم كثير من النبوءات التي تحدثت عن المسيّ ا المنتظر . ومن صور ذلك أنه جاء في المزامير عن النبي القادم « قال الرب لربي : اجل عن يميني حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك » ( المزمور 110 :1 ) ، وهذه النبوءة بالمسيح المنتظر لا يراد منها المسيح ابن مريم بحال من الأحوال . وقد أخطأ بطرس ـ أو من نسبه إلى بطرس ـ حين فسرها بذلك ، فقال : « لأن داود لم يصعد إلى السموات ، وهو نفسه يقول : قال الرب لربي : اجل عن يميني حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك ، فليعلم يقينً ا جميع بيت إسرا يل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربً ا ومسيحً ا » ( أعمال 2 :29-37 ) . ودليل الخطأ في فهم بطرس ، وكذا فهم النصارى من بعده أن المسيح أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود ، « فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قا لاً : ماذا تظنون في المسي ، ابن من هو ؟ قالوا له : ابن داود ، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالرو ربً ا قا لاً : قال الرب لربي : اجل عن يميني حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك ؟ فإن كان داود يدعوه ربً ا فكيف يكون ابنه ؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة » ( متى 22: 41-46 ) لقد كان جواب المسيح مسكت ا ، إن ال قادم ليس من ذرية داود بدليل أن داود جعله سيده ، والأب لا يقول ذلك عن ابنه . فالمسيح سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من
عدد الصفحات ١٩هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ الأنبياء : « ماذا تظنون في المسي ؟ ابن من هو ؟ » ،فأجابوه : « ابن داود » ، فخطأهم وقال : « فإن كان داود يدعوه ربً ا ، فكيف يكون ابنه ! » ، فالمسيح القادم ليس من أبناء داود الذي وصفه بقوله : ربي أو سيدي . ومن المعلوم أن المسيح ـ حسب متى ولوقا هو من ذرية النبي داود ـ ، وكثير ا ما نودي « يا ابن داود » ( انظر متى1 :1 ، 9 :27 ، ولوقا 19 :38 ). و مرقس أن المسيح قال : « كيف يقول الكتبة : إن المسي ابن داود ؟ لأن داود نفسه قال بالرو القدس : قال الرب لربي : اجل عن يميني حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك ، فداود نفسه يدعوه ربً ا ، فمن أين هو ابنه ؟! » ( مرقس 12 : 37 ) . وهو ما ذكره لوقا أيض ا « وقال لهم : كيف يقولون : إن المسي ابن داود ، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير : قال الرب لربي : اجل عن يميني ، حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك ، فإذا داود يدعوه ربً ا فكيف يكون ابنه ! » ( لوقا 20 :40-44 ) ، ورغم هذا البيان يصر النصارى إلى يومنا هذا أن المسيح عيسى عليه السلام هو من بشر به داود في نبوءته مع قولهم بأنه ابن داود ! . ونقل بولس ( أو بالأحرى الكاتب المجهول للرسالة ) في الرسالة إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان ، وجعلها نبوءة بالمسيح ، فيقول : «كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثً ا لكل شيء .. صا رً ا أعظم من الملا كة ، بمقدار ما ورث اسمً ا أفضل منهم ، لأنه لمن مِ ن الملا كة قال قط : أنت ابني ، أنا اليوم ولدتك ، وأيضً ا أنا أكون له أبً ا ، وهو يكون لي ابنً ا » (عبرانيين 1 :5 ) . وقد اقتبس الكاتب العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني ( 7 :14 ) ، وجعلها نبوءة عن المسيح ، ففيه : « أنا أكون له أبً ا ، وهو يكون لي ابنً ا » فقد ظن كاتب أن هذه
عدد الصفحات ٢٠هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ العبارة نبوءة عن المسيح ، فنقلها في رسالته . إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح ، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود ، فقـد أمر الله النبي ناثان أن يقول لـداود : « فهكيذا تقيول لعبيدي داود .. متيى كمليت أياميك واضطجعت مع آبا ك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشا ك ، وأثبت مملكته ، هو يبني بيتً ا لاسمي ، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد ، أنا أكون له أبً ا ، وهو يكيون ليي ابنًيا ، وإن تعييوج أودبييه بقضيييب النيياس وبضييربات بنييي آدم .. كييذلك كلييم ناثييان داود » ( 2 صموئيل 7 :8-17 ) . فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود ، وليس من أحفاده ، وهـو يملـك علـى بنـي إســرائيل بعــد اضــطجاع داود مــع آبائــه أي موتــه ، وهــو بــاني بيــت الله ، وهــو متوعــد بالعذاب إن مال عن دين الله ، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما تذكر التوراة . إن أي ا من تلك المواعيد لم يتحقق في المسيح ، فهو عندهم إله لا يصح أن يتوعد بالعذاب من الله ، لأنه لا يخطئ أصلا ، كما أنه لم يبن لله بيت ا ، ولم يملك على بني إسرائيل يوم ا واحد ا ، ولم يثبت كرسي مملكته ، لأنه لا مملكة له أصلا في هذا العالم ، كما أخبر هو ، فقال : « أجاب يسوع : مملكتي ليست من هذا العالم ، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا » ( يوحنا 18 :36 ) . كما وقد جاء في سفر أخبار الأيام الأول أن اسم صاحب النبوءة يكون سليمان ، فقد قال لداود : « هوذا يولد لك ابن ، يكون صاحب راحة ، وأريحه من جميع أعدا ه حواليه ، لأن اسمه يكون سليمان ، فأجعل سلامً ا وسكينة في إسرا يل في أيامه ، هو يبني بيتً ا لاسمي ، وهو يكون لي ابنً ا ، وأنا له أبً ا ، وأثبت كرسي ملكه على إسرا يل إلى الأبد » (1 أخبار 22 :9 ) .
عدد الصفحات ٢١هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ومن تحريف الإنجيليين لنبوءات التوراة أو خطئهم في فهمها ما صنعه متى في قوله عن المسيح وعودته من مصر إبان طفولته : « كان هناك إلى وفاة هيرودس ، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القا ل : من مصر دعوتُ ابني » ( متى 2 :14-15 ) ، فقد زعم أن ذلك يحقق النبوءة التوراتية التي في سفر هوشع ( 11 :1-2 ) . لكن النص الذي في هوشع لا علاقة له بالمسيح ، فالنص يتحدث عن عودة شعب إسرائيل من مصر مع موسى ، والحديث في أصل السياق عن يعقوب ، ثم ينتقل للحديث عن أبنائه وعودتهم من مصر ثم عبادتهم للأوثان بعد ذلك وإعراضهم عن دعوات الله لهم ، فيقول : « لما كان إسرا يل غلامً ا أحببته ، ومن مصر دعوت ابني ، كلما دعوا ولوا وجوههم ، وذبحوا لبعاليم ، وقربوا للأصنام » ( هوشع 11 :1-2 ) . فالنص لا علاقة له بالمسيح ، فعبادة الأصنام التي يتحدث عنها النص حصلت قبل المسيح ، ولا تنطبق على معاصري المسيح ، لأن اليهود تابوا عن عبادة الأوثان قبل ميلاد المسيح بقرون ، بعدما أطلقوا من أسر بابل ، ثم لم يعودوا إليها بعد تلك التوبة كما هو معلوم في كتب التاريخ . واستخدام هذه الصيغة ( ابني ) في شعب بني إسرائيل معهود في التوارة ، فقد جاء فيها : « عندما تذهب لترجع إلى مصر .. فتقول لفرعون : هكذا يقول الرب : إسرا يل ابني البكر ، قلت لك : أطلق ابني ليعبدني » ( الخروج 4 :21-23 ) . لقد عانى المسيح طوي من سوء فهم التلاميذ لكلامه ، وإبان حياته صحح لهم مرار ا الكثير من أخطائهم في فهم النبوءات ، بل وسائر الكلام . لقد عجزوا عن فهم البسيط من كلامه ، فأنى لهم أن يفهموا النبوءات ؟ فذات مرة « أوصاهم قا لاً : انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس ، ففكروا قا لين بعضهم لبعض : لي عندنا خبز . فعلم يسوع ، وقال لهم :
عدد الصفحات ٢٢هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ لماذا تفكرون أن لي عندكم خبز ؟ ألا تشعرون بعد ولا تفهمون ؟ أحتى الآن قلوبكم غليظة ؟ ألكم أعين ولا تبصرون ؟ ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون ؟ » ( مرقس 8 :15-18 ) ، كيف لا تفهمون أني ما عنيت الخبز الحقيقي بكلامي ؟ وفي مرة أخرى كلمهم ، فلم يفهموه « فقال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا : إن هذا الكلام صعب ، من يقدر أن يسمعه ؟ » ( يوحنا 6 :60 ) . لقد كانوا يسيئون فهم البسيط من كلامه ، ثم يستنكفون عن سؤاله عما أعجم عليهم ، من ذلك ما زعمه مرقس حين قال : « كان يعلّم تلاميذه ويقول لهم : إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس ، فيقتلونه ، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث ، وأما هم فلم يفهموا القول ، وخافوا أن يسألوه » ( مرقس9 :31-32 ) . ويمتد سوء الفهم وغلظة الذهن في فهم كلام الناموس حتى إلى أولئك المتعلمين والصفوة من بني إسرائيل ، فها هو نيقوديموس يسيء فهم كلام المسيح حين قالله : « الحق الحقأقول لك ، إن كان أحد لا يولد من فوق ، لا يقدر أن يرى ملكوت الله . قال له نيقوديموس : كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد ؟ .. أجاب يسوع وقال له : أنت معلّم إسرا يل ولست تعلم هذا ! » ( يوحنا3 :3-10 ) ، لم يفهم معنى الولادة الروحية الجديدة وظن أن الولادة من فوق تقتضي أن يدخل الرجل مرة أخرى في بطن أمه ! فلئن كان هذا حال معلم إسرائيل فماذا عساه يكون حال متى العشار أو يوحنا صياد السمك وبطرس ، وهما تلميذان عاميان عديما العلم ، كما شهد بذلك سفر أعمال الرسل « فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا ، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا » ( أعمال4 :13 ) ، فإن تلاميذ المسيح جهال العالم كما أخبر بولس
عدد الصفحات ٢٣هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ عن المسيح « يختار جهال العالم ليخزي الحكماء » (1 كورنثوس 1 :27) . وكثير من كلام المسيح وأفعاله لم يفهم التلاميذ ـ إبان حياة المسيح ـ صلته بالنبوءات التوراتية ، ثم ظنوا بعد رفعه أنه كان نبوءات عن المسيح « ووجد يسوع جحشً ا، فجل عليه كما هو مكتوب : لا تخافي يا ابنة صهيون ، هوذا ملكك يأتي جالسً ا على جحش أتان ، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً ، ولكن لما تمجد يسوع حين ذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه ، وأنهم صنعوا هذه له » ( يوحنا 12 :14-16) (1) . فقد غلب على كثير من بني إسرائيل لفرط شوقهم إلى المخلص الغالب المظفر ، غلب على ظنهم أنه المسيح عيسى ، « فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا : هذا بالحقيقة هو النبي ، آخرون قالوا : هذا هو المسي ، وآخرون قالوا : ألعل المسي من الجليل يأتي ؟ ألم يقل الكتاب : إنه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسي ؟ » ( يوحنا 7 :38-41 ) . فالجموع أيض ا على اختلاف ثقافاتها كانت تحاول البحث عن الخلاص من خلال المسيح « أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا ، فمنك يخرج لي ، الذي يكون متسلطً ا على إسرا يل ، ومخارجه منذ القديم ، منذ أيام الأزل ، لذلك يسلّمهم إلي حينما تكون قد ولدت والدة ، ثم ترجع بقية إخوته إلى بني إسرا يل ، ويقف ويرعى بقدرة الرب بعظمة اسم الرب إلهه ويثبتون ، لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض ، ويكون هذا سلامً ا ، إذا دخل أشور في أرضنا ، وإذا داس في (1 )لرؤية المزيد من صور عدم فهم التلاميذ لكلام المسيح على بساطته ووضوحه . انظر (متى15/16 ، يوحنا 8/27 ،10/6 ) .
عدد الصفحات ٢٤هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس ، فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها ، فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا » ( ميخا 5 :2-6 ) . ومن المعلوم أن المسيح لم يحقق هذه النبوءة التي كانوا يريدون ، فقد كانوا يبحثون عمن يملك عليهم وينتقم ويخلص شعبه من الأشوريين ، ويحل السلام في ربوع اليهود . يقول بري عن المسيح ـ فيما نقله عنه أحمد شلبي ـ : واستطاع بفصاحته أن يجذب له كثير ا من أتباعه ( الذين هم في الأصل يهود ا ينتظرون المسيح ) ، وهم منحوه هذا اللقب . لقد منحوه من عندياتهم ما لم يقله ، كما سيمر معنا في حينه .
عدد الصفحات ٢٥هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟
عدد الصفحات ٢٦هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وإذا كان كثيرون من معاصري المسيح ادعوا أن عيسى عليه السلام هو المسيا المنتظر ، كما قالوا من قبل عن يوحنا المعمدان ، فهل ادعى عيسى أو قال لتلاميذه أنه المنتظر ، وهل حقق عليه السلام نبوءات المسيح المنتظر ؟ ذات يوم سأل تلاميذه عما يقوله الناس عنه ، ثم سألهم « فقال لهم : وأنتم من تقولون إني أنا ؟ فأجاب بطرس وقال له : أنت المسي ، فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه ، وابتدأ يعلّمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرً ا ، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل » ( مرقس 8 :29-31 ) ، لقد نهرهم ونهاهم أن يقولوا ذلك عنه ، وأخبرهم بأنه سيتعرض للمؤامرة والقتل ، وهي بلا ريب عكس ما يتوقع من المسيح الظافر . أي أنه أفهمهم أنه ليس هو المسيح المنتصر الذي تنتظرون ، والذي يوقنون أن من صفاته الغلبة والظفر والديمومة ، لا الألم والموت . وفي رواية لوقا تأكيد ذلك « فأجاب بطرس وقال : مسي الله ، فانتهرهم ، وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد ، قا لاً : إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم » ( لوقا9 :20-21 ) ، وانتهاره التلاميذ ونهيهم عن إطلاق اللقب عليه ليس خوف ا من اليهود ، فقد أخبر تلاميذه عن تحقق وقوع المؤامرة والألم ، وعليه فلا فائدة من إنكار حقيقته لو كان هو المسيح المنتظر ، لكنه منعهم لأن ما يقولونه ليس هو الحقيقة . لكن بطرس كبير الحواريين رفض الإذعان لهذه الحقيقة ، وهي أن المسيح هو العبد المتألم المتعرض للقتل ، ليس الملك الظافر المنتظَر ، فاندفع يؤنب المسيح على ما يسوقه من خبر عن نفسه ، ولندع الكلام لمتى وهو ينقل لنا هذا المشهد بقوله: « ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذهأنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرً ا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ، ويقتل ، وفي اليوم الثالث يقوم ، فأخذه بطرس إليه ، وابتدأ
عدد الصفحات ٢٧هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ينتهره قا لاً : حاشاك يا رب ، لا يكون لك هذا » . فواجهه المسيح بصرامة تناسب أهمية الموضوع الذي يحتج عليه « فالتفت وقال لبطرس : اذهب عني يا شيطان ، أنت معثرة لي ، لأنك لا تهتم بما لله ، لكن بما للناس » ( متى16 :21-23 ) . هذا الذهول الذي وقع لبطرس أصاب سائر التلاميذ ، فقد سمعوه يقول : « وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع ، قال هذا مشيرً ا إلى أية ميتة كان مزمعً ا أن يموت » فاندفعوا يعبرون عن استنكارهم لفكرة المسيح المتألم المقتول ، وتساءلوا مستنكرين : هل كان المسيح يتحدث عن نفسه ، « أجابه الجمع : نحن سمعنا من الناموس أن المسي يبقى إلى الأبد ، فكيف تقول أنت : إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان، من هو هذا ابن الإنسان ؟! » ( يوحنا12 :34 ) ، لقد صدمتهم الحقيقة التي يصرح لهم بها المسيح ، إنها تهدم كل أوهامهم عنه في أنه المسيا العظيم الظافر الذي طال انتظار اليهود إليه . ويوافقنا القس الخضري في أن المسيح عليه السلام ليس المسيّا الظافر الذي ينتظره اليهود ، لكنه المسيا الروحي ، ثم يلفت أنظارنا « إلى حقيقةغاية الأهمية ، وهي أن يسوع كان يحاول جاهد ا أن يخفي نفسه كمسيا عن الجماهير ، لذلك عندما كان يلاحظ وجود بعض الثغرات التي من خلالها كان يمكن للجماهير أن تراه كمسيا؛ كان يسرع لإغلاقها » (1) . يقول الأب متى المسكين : « التلاميذ جمعوا من الأدلة في حياة المسيح م ا (1) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري1/272. )
عدد الصفحات ٢٨هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ يؤكد لهم أنه المسيا ، ولكن كل مرة يحاولون أن يثيروا هذا الافتراض يمنعهم المسيح .. فإخفاء المسيح لمسيانيته أرهق العلماء للغاية ، وقالوا فيه ما قالوا » (1) . وهو عليه السلام حرص على نفي كونه المسيا مـرة بعـد مـرة « فلميا رأى النياس الآية التي صنعها يسوع قالوا : إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم ، وأميا يسيوع فإذ عليم أنهيم مزمعيون أن ييأتوا ويختطفيوه ليجعليوه ملكًيا انصيرف أيضًي ا إليى الجبيل وحده» ( يوحنا 6 :14-15 ) . لماذا هرب ؟ لأنه ليس الملك المنتظر ، وهم مصـرون علـى تمليكه لما يرونه من معجزاته ، ولما يجدونه في أنفسهم من شوق وأمـل بـالخلاص مـن ظلم الرومان . يقول القس الخضري : « إن جماعة الغيورين كانت تنتظر المس يّ ا السياسي ، وعندما رأت يسوع الذي يعظ بملكوت الله القريب ؛ ظنت أنه هو فعلا ذلك المسيا السياسي ، ولذلك أرادت أن تختطفه ، وتنصبه ملك ا على حزب الغيورين ، لكي يكون زعيم ا لهم ، فيجمع شملهم ويدعم صفوفهم ، ولكن المسيا يسوع ينصرف وحده إلى الجبل ، لأن ملكوته ليس من هذا العالم ، ولا يريد هذا الملك الذي يتقاتل ويتحارب عليه الناس » (2) . وذات مرة قال فيلبس لصديقه نثنائيل : « وجدنا الذي كتب عنه موسى الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة » . فجاء نثنائيل إلى المسيح وسأله « وقال له : يا معلّم أنت ابن الله ؟ أنت ملك إسرا يل ؟ أجاب يسوع وقال له : هل آمنت لأني قلت لك : إني رأيتك تحت (1) ا لإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، ص ( 392) ، ويرى الأب المسكين أن سبب إخفاء المسيح لمسيانيته « حتى يمكنه أن يتمم خدمة ابن الإنسان أو العبد المتألم » . (2) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري1/238. )
عدد الصفحات ٢٩هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ التينة، سوف ترى أعظم من هذا » ( يوحنا1 :45-50 ) ، فقد أجابه بسؤال ، وأعلمه أنه سيرى المزيد من المعجزات ، ولم يصرح له أنه الملك المنتظر . وفي بلاط بيلاطس نفى أن يكون الملك المنتظـر لليهـود ، كمـا زعمـوا وأشـاعوا « أجاب يسوع : مملكتي ليست من هذا العالم ، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خييدامي يجاهييدون لكييي لا أسييلّم إلييى اليهييود ، ولكيين الآن ليسيي ت مملكتييي ميين هنييا » (يوحنا 18 :36 ) ، فمملكته روحانيـة ، في الجنـة ، وليسـت مملكـة اليهـود المنتظـرة ، المملكة الزمانية المادية ، التي يخشاها الرومـان ، و« المعـروف مـن النبـوات أن مس ـيا سيكون ملك ا وكاهن ا » (1) . لذلك ثبتت براءته من هذه التهمة في بلاط بيلاطس الذي سأله قائلا : « أنت ملك اليهود ؟ فأجابه وقال : أنت تقول ، فقال بيلاط لرؤساء الكهنة والجموع : إني لا أجد علّة في هذا الإنسان » ( لوقا 23 :2-4 ) ، فجواب المسيح لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال إقرار ا ، فهو يقول له : أنت الذي تقول ذلك ، ولست أنا ، وقد اقتنع بيلاطس ببراءته فقال : « أنا لست أجد فيه علة واحدة » ( يوحنا18 :38 ) . وفي إنجيل يوحنا أن المسيح بيّن لبيلاطس أن سبب إرساليته الشهادة للحق وليس التملك على البشر ، فقد قال : « أنت تقول : إني ملك ، لهذا قد ولدت أنا ، ولهذا قد أتيت إلى العالم ، لأشهد للحق ، كل من هو من الحق يسمع صوتي » ( يوحنا 18 :37 ) . وممن أدرك أن عيسى ليس المسيح المنتظر يهوذا الأسخريوطي الذي يرى القس الخضري أن سبب خيانته للمسيح أنه كان من طائفة الغيورين التي تحلم (1) الإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، ص (715. )
عدد الصفحات ٣٠هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ بمجيء المسيا القادم الظافر ، فتبددت آماله ، وساورته شكوك في مسيانية المسيح « بعد أن سمع في كفر ناحوم عظة السيد عن خبز الحياة الذي سيكون طعامً ا للآخرين ، فكيف يمكن أن يكون المسيا ذبيحة ، ونحن نريد مسيا عسكريً ا قويً ا يحرر من العدو ؟ ولقد ازدادت شكوكه في مسيانية يسوع عندما سمعه يأمر بطرس بدفع الجزية للمستعمر » ( متى17 : 24-27 ) (1) . وثمة آخرون أدركوا أنه ليس المسيح المنتظر مستدلين بمعرفتهم بأصل المسيح عيسى ونسبه وقومه ، بينما المنتظر القادم غريب لا يعرفه اليهود « قال قوم من أهل أورشليم : ألي هذا هو الذي يطلبون أن يقتلوه ، وها هو يتكلم جهارً ا ، ولا يقولون له شي ً ا ، ألعل الرؤساء عرفوا يقينً ا أن هذا هو المسي حقً ا ؟ ولكن هذا نعلم من أين هو ، وأما المسي فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو » ( يوحنا 7 :25-27)، ذلك أن المسيح القادم غريب عن بني إسرائيل . وقد أكد المسيح صدق العلامة التي ذكروها للمسيح الغائب ، فقال في نفس السياق : « فنادى يسوع وهو يعلّم في الهيكل قا لاً : تعرفونني ، وتعرفون من أين أنا ، ومن نفسي لم آت ، بل الذي أرسلني هو حق ، الذي أنتم لستم تعرفونه ، أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني .. فآمن به كثيرون من الجمع ، وقالوا : ألعل المسي متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا ! » ( يوحنا 7 :25-31 ) ، فذكر المسيح أنه رسول من عند الله ، وأنه ليس الذي ينتظرونه ، فذاك لا يعرفونه . (1 )تاريخ الفكر المسيح ي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري ( 1/236) ، وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (1090 . )
عدد الصفحات ٣١هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ وقد آمن به الذين كلمهم ، وفهم من المؤمنون أنه ليس المسيح المنتظر ، فتأمل قول يوحنا : « فآمن به كثيرون من الجمع ، وقالوا : ألعل المسي متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا ؟ » ( يوحنا 7 :30-31 ) . وعيسى هو ابن داود كما في نسبه الذي ذكره متى ولوقا ، وقد دعي مرار ا « يا يسوع ابن داود » ( مرقس 10 :47 ) ، ( وانظر متى 1 :1 ، 20 :31 ، ولوقا 18 :28 ، وغيرها ) . أما المسيح المنتظر ، الملك القادم فليس من ذرية داود ، كما شهد المسيح بذلك « فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قا لاً : ماذا تظنون في المسي ، ابن من هو ؟ قالوا له : ابن داود ، قال لهم : فكيف يدعوه داود بالرو ربً ا قا لاً : قال الرب لربي : اجل عن يميني حتى أضع أعداءك موط ً ا لقدميك ؟ فإن كان داود يدعوه ربً ا فكيف يكون ابنه ؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة » ( متى 22 :41-46 ) ، فالمسيح يشهد بصراحة أنه ليس المسيح المنتظر . والمسيح لا يمكن أن يحقق النبوءات المبشرة بالملك العظيم القادم ، ولا يمكن أن يصبح ملك ا على كرسي داود وغيره ، لأنه من ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا ، أحد أجداد المسيح كما في سفر أخبار الأيام الأول « بنو يوشيا : البكر يوحانان ، الثاني يهوياقيم ، الثالث صدقيا ، الرابع شلّوم . وابنا يهوياقيم : يكنيا ابنه ، وصدقيا ابنه » ( 1 أخبار 3 :14-15 ) ، فيهوياقيم جد للمسيح ( حسب روايات الكتاب المقدس ) ، واسم يهوياقيم أسقطه متى من نسبه المزعوم للمسيح ، بين يوشيا وحفيده يكنيا . وقد حرم الله الملك على ذريته كما ذكرت التوراة « قال الرب عن يهوياقيم
عدد الصفحات ٣٢هلبشر الكتاب المقدس بمحمد ؟ ملك يهوذا : لا يكون له جال على كرسي داود ، وتكون جثته مطروحة للحر نهارً ا وللبرد ليلاً .. » ( إرميا 36 :30 ) ، فكيف يقول النصارى ـ الذين يزعمون أن المسيح من ذرية يكينيا ابن الفاسق يهوياقيم ـ بأن الذي سيملك ويحقق النبوءات هو المسيح؟! ثم إن التأمل في سيرة المسيح وأقواله وأحواله يمنع أن يكون هو الملك القادم ، الملك المنتظر ، فالمسيح لم يملك على بني إسرائيل يوم ا واحد ا ، وما حملت رسالته أي خلاص دنيوي لبني إسرائيل ، كذاك النبي الذي ينتظرونه ، بل كثير ا ما هرب المسيح خوف ا من بطش اليهود ، فأين هو من الملك الظافر الذي يوط ئه الله هامات أعدائه ، وتدين الأرض له ولأمته . فالنبي الآتي يسحق ملوك وشعوب زمانه كما أخبر يعقـوب « ييأتي شييلون ، وليه يكون خضوع شيعوب » ( التكـوين 49 :10 ) ، وقـال عنـه داود : « تقليد سييفك عليى فخييذك أيهييا الجبييار ، جلالييك وبهيياءك ، وبجلالييك اقييتحم . اركييب ميين أجييل الحييق والدعة والبر ، فتريك يمينك مخاوف ، نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك ، شيعوب تحتك يسقطون . كرسيك يا الله إليى دهير اليدهور ، قضييب اسيتقامة قضييب ملكيك » ( المزمور 45 :1-6 ) . أما المسيح عيسى فكان يدفع الجزية للرومان « ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا : أما ييوفي معلمكيم اليدرهمين ؟ قيال : بلى ، فلما دخيل البييت سيبقه يسيوع قيا لاً : مياذا تظين ييا سيمعان ، ممين يأخيذ مليوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب ؟ قال ليه بطيرس : مين الأجانيب ، قال له يسوع : فإذً ا البنون أحرار ، ولكن ل لا نعثرهم اذهب إلى البحير ، وأليق صينارة ، والسمكة التي تطلع أولاً خذها ، ومتى فتحت فاها تجد أسيتارً ا ، فخيذه وأعطهيم عنيي
عدد الصفحات ٣٣