المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التدريب وأهميته في العمل الإسلامي

محمد موسى الشريف

صفحة ٤ من ٩

التدرٌب وأهمٌته صفحة 49 ومصدر الزاد وابؼدد : الاتصاؿ بو ذكراً وعبادة ودعاء وتسبيحاً ليلبً طويلبً، فالطريق طويل والعبء ثقيل ولا بد من الزاد الكثتَ وابؼدد الكبتَ، وىو ىناؾ حيث يلتقي العبد بربو في خلوة وفي بقاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منو الراحة على التعب والضتٌ، وتفيض منو القوة على الضعف والقلة، وحيث تنفض الروح عنها صغائر ابؼشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف وضخامة الأمانة فتستصغر ما لاقت وما تلبقي من أشواؾ الطريق . إف الله رحيم كلف عبده الدعوة ونزؿ عليو القرآف، وعرؼ متاعب العبء وأشواؾ الطريق، فلم يدع نبيو  بلب عوف أو مدد، وىذا ىو ابؼدد الذي يعلم سبحانو أنو ىو الزاد ابغقيقي الصالح بؽذه الرحلة ابؼضنية في تلك الطريق الشائك، وىو ىو زاد أصحاب الدعوة إلذ الله في كل أرض وفي كل جيل، فهي دعوة واحدة، ملببساتها واحدة، وموقف الباطل منها واحد، وأسباب ىذا ابؼوقف واحدة ووسائل الباطل منها واحد، وأسباب ىذا ابؼوقف واحدة، ووسائل الباطل ىي ذاتها وسائلو، فلتكن وسائل ابغق ىي الوسائل التي علم الله أنها وسائل ىذا الطريق . وابغقيقة التي ينبغي أف يعيش فيو أصحاب الدعوة إلذ الله ىي ىذه ابغقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولذ ، ىي أف التكليف بهذه الدعوة ينزؿ من عند الله فهو صاحبها، وأف ابغق الذي تنزلت بو لا بيكن مزجو بالباطل الذي يدعو إليو الآبشوف الكفار؛ فلب سبيل إلذ التعاوف بتُ حقها وباطلهم أو الالتقاء في منتصف الطريق بتُ القائم على ابغق والقائمتُ على الباطل، فهما نهجاف بـتلفاف وطريقاف لا يلتقياف . فأما حتُ يغلب الباطل قوتو وبصعو على قلة ابؼؤمنتُ وضعفهم بغمة يراىا الله، فالصبر حتى يأبٌ الله بحكمو، والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ليلبً طويلبً ىي الزاد ابؼضموف بؽذا الطريق .

عدد الصفحات ٤٩

التدرٌب وأهمٌته صفحة 50 إنها حقيقة كبرى لا بد أف يدركها ويعيش فها رواد ىذا الطريق ))(1). رابعاً: التدريب على مواجهة الطغاة : إف الله تعالذ كلف رسلو عليهم الصلبة والسلبـ الإبلبغ والإنذار، وساعدىم على ىذا بدعجزات وأسعفهم بآيات بينات، ولقد أعد الله تعالذ بعض أنبيائو فتًبوا على التعامل مع ىذه ابؼعجزات . وليس أعظم ولا أدؿ على ىذا من قصة موسى عليو الصلبة والسلبـ، فالله تبارؾ تعالذ أرسلو إلذ أمتي القبط وبتٍ إسرائيل، وىي مهمة صعبة ولا شك، كلن الله تعالذ أعانو فدرَّبو قبل الرسالة وأثناءىا، إذ مرَّت عليو أحداث جساـ قبل الرسالة صقلتو وىيَّأتو، ولعل أبرز ما ىيَّاه الله تعالذ بو السنوات التي قضاىا عند شعيب عليو الصلبة والسلبـ. بٍ إف الله تعالذ اصطفاه في مشهد مهيب بطريقة لد تتكرر في عظمتها ومهابتها وقوَّتها لنبي آخر، وكاف في ىذا حكماً كثتَة، منها – والله أعلم – تدريبو ليواجو ىيبة فرعوف وصورتو التي تصوَّر عليها من العظمة والطغياف. بٍ إف الو تعالذ درَّبو على موجهة فرعوف تدرياً كافياً شاملبً للمهمة التي أرسلو من أجلها جلَّ جلبلو، وابؼتأمل لقصتو في كتاب الله تعالذ يعلم ىذا، فقد قاؿ جلَّ جلبلو: (وما تلك بيمينك ياموسى * قال ىي عصاي أتوكما عليها وأىش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاىا فإذا ىي حية تسعى * قال خذىا (1) ((فً ظلال القرآن)): 6/3785-3786.

عدد الصفحات ٥٠

التدرٌب وأهمٌته صفحة 51 ولا تخف سنعيدىا سيرتها الأولى* وأضمم يدرك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ءايتنا الكبرى * اذىب إلى فرعون إنو طغى)(1). أليس إلقاؤه العصا وبروّبؽا إلذ حية أماـ ناظريو نوعاً من التدريب على مواجة رىبة ابؼوقف قبل حدوثو، وكذلك ابغاؿ – أيضاً – في ضم موسى يدَه إلذ جناحو وظهور عظيم بياضها ونورىا الآدـ شديد السمرة . والله تبارؾ وتعالذ كاف قادراً على تثبيت موسى لأوؿ وىلة، لكن من ابغكم في ىذا الصنيع ىو أف ندرؾ أف الله سنناً في كونو بهب احتًامها والتدريب على التعامل معها. بٍ إف الله تعالذ جرَأ نبيَّو موسى عليو الصلبة والسلبـ على مواجهة الطاغية وماذا يقوؿ لو وكيف يرد، فقاؿ : (فقي ىي لك إلى أن تزكى * وأىديك إلى ربك فتخنى)(1). وطمأنو تعلى بقولو: (إنني معكما أسمع وأرى)(2)،(قال سنند عضدك بأخيك ونجعي لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بئاياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون)(3). فهل بعد ىذا التدريب تدريب؟ ! خامساً : مواقف مختلفة: ومن ابؼواقف التدريبية في كتاب الله تعالذ – أيضاً – ما علمو رسوؿ بؿمداً  من كيفية الإجابة على الأسئلة ابؼستقبلية، فمن ذلك: (1) سورة طه: الآٌات 17-24. (1) سورة النازعات: الآٌتان 18. (2) سورة طه: آٌة 46. (3) سورة القصص: آٌة 35.

عدد الصفحات ٥١

التدرٌب وأهمٌته صفحة 52 (سيقوؿ السفهاء من الناس ما ولاىم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ابؼشرؽ وابؼغرب يهدي من يشاء إلذ صراط مستقيم )(4). (سيقوؿ ابؼخلفوف إذا انطلقتم إلذ مغالز لتأخدوىا ذرونا نتبعكم يريدوف أف يبدلوا كلبـ الله قل لن تتبعونا كذلكم قاؿ الله من قبل فسيقولوف بل برسدوننا بل كانوا لا يفقهوف إلا قليلب * قل للمخلفتُ من الأعراب ستدعوف إلذ قوـ أولذ بأس شديد تقاتلونهم أو يسلموف فإف تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا وإف تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما)(5). وىذه الإجابات على الأسئلة ابؼستقبلية فيها تثبيت وطمئناف، وفيها تدريب على مواجهة ابؼواقف ابغرجة الصعبة . ومن ذلك ما جاء في قضية داود عليو السلبـ، فقد أرشده الله تعالذ وبتَُّ لو كيف يصنع الدروع حتى يتدرب عليها وبوسن صنعها، فقاؿ جل من قائل : (.. وألنا لو الحديد أن اعمي سابغات وقدر في السرد وأعملوا صالحاً )(1). والمعنى: ألنَّا لو ابغديد فجعلناه في يده كالعجتُ يصرفو كيف يشاء، من غتَ نار ولا ضرب مِطرَقة، وأمرناه بعمل دروع سابغات، والسَّرْد: نَسْجُ كل ما بىشن ويغلظ، واستعتَ ىنا لنظم ابغديد وعملو دروعاً . ومعتٌ: (وقدر في السرد) أي : اجعل حلقها على مقاديرَ متناسبة، وقيل: لا تعمل ابغلقات صتَة فتضعف فلب يقوى الدرع على الدفاع، ولا كبتَة فيُناؿ صاحبها من خلببؽا. وقد علَّمو الله تعالذ كيف يصنع ىذه الدروع على ىيئة حِلَق، (4) سورة البقرة: آٌة 142. (5) سورة الفتح: آٌة 15. (1) سورة سبؤ: آٌة 10.

عدد الصفحات ٥٢

التدرٌب وأهمٌته صفحة 53 وإلا فقد كانت تصنع قبل ذلك صفائح (2)، فسردىا وخَلّقها داود عليو السلبـ فجمعت ب ابػفة والتحصتُ(3). وقيل أف الله تعلى علَّم داود عليو السلبـ صنعة الدروع وما كانت تعرؼ قبل ذلك(4)، ولعل على ىذا يدؿ قولو تعا: (وعلمناه صنعة لبمس لكم لتحصنكم من بأسكم فهي أنتم شاكرون)(5). *** المطلب الثاني: تأصيي التدريب من السنة المطهرة كاف النبي  حريصاً على تبليغ الدين على أبًن وجو، وقد صنع بأبي ىو وأمي  ، وفي سبيل ذلك كاف حريصاً على عدة أمور، منها: (2) انظر((روح المعانً)): 22/114-115 بتصرف ٌسٌر. (3) المصدر السابق: 17/77. (4) المصدر السابق: 17/77. (5) سورة الأنبٌاء: آٌة 80.

عدد الصفحات ٥٣

التدرٌب وأهمٌته صفحة 54 أف يدرب أصحابو رضي الله تعالذ عنهم على أعماؿ متنوعة ليحسنوا قيادة الأمة من بعده . ىذا وإف ىناؾ عدداً وافراً من ابؼواقف التدريبة في سنة ابؼصطفى يظهر معها بوضوح مدى العناية الفائقة التي أولاىا النبيّ  بؽذه ابؼسألة ابؼهمة، ويظهر معها– أيضاً – عظمة ىذا الدين وصلبحيتو لكل زماف ومكاف؛ فمن تلك ابؼواقف : 1- تدريب الصحابة على الدعوة وطرائقها: بؼا أرسل النبي  معاذا إلذ اليمن علَّمو كيف يصنع، ودربو على الكلبـ مع القوـ الكافرين فقاؿ : ((ادعهم إلى شهادة أن لا إلو إلا الله؛ فإن ىم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن ا قد افترض عليهم خمس صلوات في كي يوم وليلة، فإن ىم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تمخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم))(1) . ففي ىذا ابغديث تدريب بؼعاذ على مواجهة أىل اليمن، وفي صحيح مسلم أنو قاؿ لو  : ((إنك تأتي قوماً من أىي الكتاب))(2) فوصفهم لو حتى يكوف على معرفة بدن سيقدـ عليهم، ولأف أىل الكتاب يُفتًض أف يكونوا أكثر قبولاً للدعوة من غتَىم من الوثنيتُ. (1) أخرجه البخاري فً صحٌحة: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة. (2) أخرجه الإمام مسلم فً صحٌحة: كتاب الإٌمان: باب الدعاء إلى الشهادتٌن وشرائع الإسلام والصلاة والصدقة.

عدد الصفحات ٥٤

التدرٌب وأهمٌته صفحة 55 ىذا، وقد دربو – أيضاً – على التدرج في الدعوة، إ لا فائدة من دعوة قوـ إلذ فروع وىم عن الأصوؿ غافلوف، ولا فائدة من دعوتهم إلذ أصل كاف غتَه أولذ منو وأجدر بالدعوة إليو. 2- تدريب الصحابة على القضاء والفتوى: كاف النبي  يعهد إلذ بعض الصحابة بالقضاء والفتوى((على أنَّا نعلم أف فتاوى الصحابة لد يكن القصد منها إلا التمرين على الاجتهاد ))(3)، وذلك لأنو ليس لأحد أف يفتي أو يقضي بحضرة رسوؿ الله  ، ولكن الغرض ىو تدريب الصحابة رضي الله عنهم على شؤوف القضاء والفُتيا بحضرتو . فعن عقبةَ بن عامر ابعه(1) رضي الله تعالذ عنو قاؿ : جاء رسوؿَ الله  خصماف، فقاؿ: ((اقضِ بينهما ))، قاؿ: أنت أولذ بذلك متٍ يارسوؿ الله، قاؿ : ((وإن كان )) قاؿ: فإذا قضيت بينهما فما لر؟ قاؿ: ((إن كنتَ قضيت بينهما فأصبحت القضاء فللك عنر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة)). ومثل ىذا – أيضاً – جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالذ عنهما (2). وفي قضاء عقبة وعمرو رضي الله عنهما بتُ يدي رسوؿ ا  تدريب على القضاء بحضرتو وتعليم . (3) ((الفكر السامً)): 1/173. (1) صحابً مشهور، اختلف فً كنٌته على سبعة أقوال أشهرها أنه أبو حماد، ولً إمرة مصر لمعاوٌة رضً الله تعالى عنهما ثلاث سنٌن، وكان فقٌهاً فاضلاَ . مات فً قرب الستٌن . انظر ((التقرٌب)): 395. (2) انظر((مجمع الزوائد)): 4/198، وقال عن حدٌث عقبة: ((روى الإمام أحمد بإسناد رجاله الصحٌح إلى عقبة بن عامر...)).

عدد الصفحات ٥٥

التدرٌب وأهمٌته صفحة 56 وعن علي رضي الله تعالذ عنو قاؿ : ((بعثتٍ رسوؿ الله  إلذ اليمن قاضياً، فقلت: يا رسوؿ الله، ترسلتٍ وأنا حديث السن ولا علم لر بالقضاء؟ ! فقاؿ: ((إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنو أحرى أن يتبين لك القضاء ))، قاؿ: فما زلت قاضياً، أو: ما شككتُ في قضاءٍ بعدُ ))(3) 3- تدريب الصحابة على إدارة بعض شمون دنياىم: كاف النبي  يدرنب الصحابة على إدارة بعض شؤوف دنياىم حتى يكتفو ويبتعدو عن ذؿن ابغاجة والقلة، فمن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالذ عنو أف رجلبً من الأنصار أتى النبي  يسألو، فقاؿ: ((أما في بيتك شيء؟)). قاؿ : بلى، حِلْسّ (1) نلبس بعضو ونبسط بعضو، وقػَعْبٌ(2) نشرب فيو ابؼاء . قاؿ: ((ائتني بهما)). قاؿ: فأتاه بهما، فأخذبنا رسوؿ الله  بيده وقاؿ: ((من ينتري ىذين؟)) قاؿ رجل : أنا آخذبنا بدرىم . قاؿ: ((من يزيد على درىم؟)) مرتتُ أو ثلبثاً . (3) أخرجه الإمام أبو داود فً سننه: كتاب القضاء: باب كٌف القضاء، وقال المنذري: أخرجه الترمذي مختصراً، وقال: حدٌث حسن، انظر ((عون المعبود)): 9/487 -500، وانظر كذلك: ((الفتح الربانً)): 15/208-213 .والحدٌث صحٌح إن شاء. (1) أي كساء غلٌظ ٌلً ظهر البعٌر تحت القتب، انظر((عون المعبود)): 5/53. (2) أي: قدح. المصدر السابق.

عدد الصفحات ٥٦

التدرٌب وأهمٌته صفحة 57 قاؿ رجل : أنا آخذبنا بدربنتُ، فأعطابنا إياه، وأخذ الدربنتُ فأعطابنا الأنصارين وقاؿ: ((اشترِ بأحدىما طعاماً فأنبذه(3) إلى أىلك واشترِ بالآخر قدوماً(4) فأتني بو)). فأتاه بو فشدَّ رسوؿ الله  عوداً بيده، بٍ قاؿ لو: ((اذىب فاحتطب وبِع، ولا أرينَّك خمس عنر يوماً ))، فذىب الرجل بوتطب ويبيع، فجاء وقد أصابَ عشرة دراىم فاشتًى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً . فقاؿ رسوؿ الله  : ((ىذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكتةً في وجهك(5) يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقِع(6)، أو لذي غُزمٍ مُفظِع(7) ، أو لذي دم موجع(8)))(9). ففي ىذا ابغديث تعليم من الن وتدريب بؽذا الصحابي الكرلص رضي الله عنو، بل ىو تعليم وتدريب لك الأمة من بعده، وإرشاد بؽا إلذ الأخذ بأسباب العلم والتدريب للرقي بالأمة إلذ المجد والعلياء . *** (3) أي: اطرحه. المصدر السابق. (4) أي: فؤساً . المصدر السابق. (5) أي: لها أثر كالنقطة القبٌحة. المصدر السابق. (6) أي: شدٌد ٌفضً بصاحبه إلى الدقعاء وهً التراب. المصدر السابق. (7) أي: فظٌع وثقٌل. المصدر السابق. (8) أي: قتل ٌوجع القاتل أو أولٌاءه بؤن تلزمهم الدٌة ولٌس عندهم ما ٌإدونها به. المصدر السابق. (9) الحدٌث أخرجه الإمام أبو داود فً سنته: كتاب الزكاة: باب ما تجوز فٌه المسؤلة، وأخرجه الترمذي وقال: حسن. انظر المصدر السابق.

عدد الصفحات ٥٧

التدرٌب وأهمٌته صفحة 58 المطلب الثالث: تأصيي التدريب من عمي السلف الصالح رضي الله عنهم ومن تبعهم قد كاف للصحابة رضي الله تعالذ عنهم ومن بعدىم من صدر ىذه الأمة أعماؿ في التدريب على شؤوف العمل الإسلبميّ، وتبعهم على ذلك بصاعات من ابػلف كانت بؽم أياد بيضاء في ىذا الباب، فمن تلك النماذج:

عدد الصفحات ٥٨

التدرٌب وأهمٌته صفحة 59 1- تدريب عمر أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما وشريحاً على القضاء: ىذا عمر رضي الله تعالذ عنو يدرب شربواً (1) على القضاء قائلبً: ((اقض بدا استباف لك من كتاب الله، فإف لد تعمل كل كتاب الله فاقض بدا استباف لك من قضاء رسوؿ الله  ، فإف لد تعلم كل أقضية رسوؿ ا  فاقض بدا استباف لك من أئمة ابؼهتدين، فإف لد تعلم كل ما قضت بو أئمة ابؼهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أىل العلم والصلبح ))(2) وفي تفصيل أطوؿ وتدريب أوسع بتَُ عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله تعا عنهما أصوؿ القضاء فكاف فيما قالو لو: ((... آسِ الناس في بؾلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حِيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على ابؼدعي واليمتُ على من أنكر، والصلح جائز بتُ ابؼسلمتُ إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرّـ حلبلاً، ومن ادَّعى حقاً غائباً أو بينة فاضرب لو أمداً ينتهي إليو، فإف بيّنو أعطيتو بحقو، وإف أعجزه ذلك استحللت عليو القضية، فإف ذلك ىو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء، ولا بينعنك قضاء قضيت فيو اليوـ فراجعت فيو رأيك فهديت فيو لرشدؾ أف تراجع فيو ابغق، فإفّ ابغق قدلص لا يُبطلو شيء، ومراجعة ابغق ختَ من التمادي في الباطل، وابؼسلموف عدوؿ بعضهم على بعض إلا بؾرَّباً عليو شهادة الزور أو بؾلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإف الله تعالذ تولذ من العباد السرائر وستً عليهم ابغدود إلا بالبينات والأبياف. بٍ الفهمَ الفهمَ فيما أدلذ إليك بفا ورد عليك بفا ليس في قرآف ولا سنة، بٍ قايس الأمور عند ذلك، واعرؼ الأمثاؿ (1) بٍ اعمد فيما ترى إلذ أحبها إلذ الله وأشبهها بابغق، (1) شرٌح بن الحارث بن قٌس الكوفً النَّخَعً القاضً، أبو أمٌة . ثقة، مخضرم، وقٌل: له صحبة. مات قبل الثمانٌن أو بعدها، وله مائة وثمان سنٌن أو أكثر. ٌقال : حكم – أي قضى – سبعٌن سنة. انظر ((تقرٌب التهذٌب)): 265. (2) ((إعلام الموقعٌن)): 1/204. (1) أي: المتماثلات.

عدد الصفحات ٥٩

التدرٌب وأهمٌته صفحة 60 وإياؾ والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند ابػصومة... فإف القضاء في مواطن ابغق بفا يوجب الله بو الأجر ...))(2). 2- تدريب عمر رضي الله تعالى عنو الناس على القوة والاخنينان: قد كانت حاؿ الفاروؽ معروفة في ىذا الباب،لكنو لد يكتف بحالو بل أراد بضل الناس على أف يكونوا أقوياء فيهم خشونة الرجاؿ وقوتهم، فها ىو يقوؿ لأىل الشاـ : ((ائتزروا وارتدوا (3)، وانتعلوا وألقوا ابػفاؼ، وارموا الأغراض (4)، وألقوا الُّركُب وانزوا نزواً على ابػيل(5)، وعليكم بابؼَعَدنيَّة(6)، ودعوا التنعم وزي العجم ...)). وقاؿ أيضاً لأىل بضص: ((علنموا أولادكم الرماية والفروسية والسباحة... وبسعددوا(7)، واخشوشنوا، واستقبلوا حر الشمس بوجوىكم، وارموا الأغراض، وانزوا على ابػيل نزواً ))(8). ٖ- التدريب على قراءة القرآف العظيم : كاف جبريل ينزؿ بالقرآف العظيم على النبي  فيتعلم منو كيفية نطقو وبذويده، بٍ إف النبي  علَّم الصحابة كيفية نطق القرآف العظيم وبذويده، وجهد الصحابة رضي ا تعالذ عنهم في تعليم التابعتُ وتدريبهم على كيفية نطق القرآف العظيم وبذويده، وكاف عدد منهم رضي الله تعالذ عنهم قد تفرَّغوا بؽذه ابؼهمة ابعليلة، منهم: الفاروؽ عم وعثماف وعلي وابن مسعود وغتَىم رضي الله تعالذ عنهم، وأخذ عنهم التابعوف وأقرأوا تابعيهم.. وىلمَّ جرّا. (2) المصدر السابق: 1/85-86. (3) أي: البسوا الإزار والرداء. (4) أي: تدربوا على إصابة الهدف. (5) أي: لا تستعٌنوا بشًء على ركوب الخٌل بل اقفزوا علٌها قفزاً . (6) (7) نسبة إلى معدِّ بن عدنان وكان خشناً. (8) ((أثر الإسلام فً تكوٌن الشخصٌة الجهادٌة)): 102-103 .وقد نقل المصنف عن عٌون الأخبار لابن قتٌبة.

عدد الصفحات ٦٠

التدرٌب وأهمٌته صفحة 61 وىذا أبو الدرداء(1) رضي الله تعالذ عنو، كانت لو طريقة فريدة يعلنم بها الناس القرآف، وذلك بجامع دمشق، فكاف إذا صلَّى الفجر اجتمع الناس للقراءة عليو، فكاف بهعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف، ويقف ىو في ااراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدىم رجع على عريفو، فإذا غلط عريفهم رجع إلذ أبي الدرداء فسألو عن ذلك . وكاف عدة من يقرأ في ابؼسجد ألفاً وستمائة ونيفاً، فإذا أحكم واحد منهم القراءة ترؾ عريفَو وقرأ على أبي الدرداء(2). فهذه الطريقة الفريدة في التدريب على قراءة القرآف العظيم بفا بوسن ذكره ىاىنا التأصيل لأبنية التدريب وبياف أخذ أسلبفنا بو على وجو حسن . ٗ- التدريب على قضايا علمية منوعة : بٍ إنو كاف في سلف ىذه الأمة وخلفها رجاؿ عظماء وعلماء كبراء حرصوا على أف يكوف بؽم تلبميذ يقتفوف أثرىم من بعدىم وينسجوف على منوابؽم، فعلَّموىم ودرَّبوىم، وىذا مأثور معروؼ، فقد كاف لأبي حنيفة ربضة الله تعالذ أصحاب يتعلمَّوف منو ويتدرَّبوف، وكذلك كاف للئماـ مالك والشافعي وأبضد، وكثتَ غتَىم من أئمة ابؽدى ورؤوس الرشاد . وعلى ىذا درج السلف وابػلف، وظهر ما يسمى بابؼعيد، وىو الذي تدرَّب على إعادة الدرس بعد الشيخ للطلبة، وبرزت ابؼدارس الفقهية ابغنفية وابؼالكية والشافعية وابغنبلية، وىي – على ابغقيقة – حلقات علم وتدريب على أصوؿ ابؼذىب وكيفية (1) عوٌمر بن زٌد الأنصاري الخزرجً، حكٌم هذه الأمة، وأحد الذٌن جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبً بلا خلاف. ولً قضاء دمشق، وكان من العلماء الحكماء. توفً سنة32 رضً الله عنه. انظر ((غاٌة النهاٌة)): 1/606 -607. (2) المصدر السابق.

عدد الصفحات ٦١

التدرٌب وأهمٌته صفحة 62 الاستنباط بدوجب تلك الأصوؿ، وكاف ابؼشايخ يدربوف طلببهم على الاستنباط والتصنيف، وكانوا يشجعوىم على مناقشة الآراء الفقهية بجرأة وقوة حتى تتكوف عند أولئك الطلبب ابؼلكات الفقيهة ابؼهمة. وىناؾ بعض العلوـ لا تفهم إلا بالتدريب وابؼشافهة كالتجويد والقراءات، وأصوؿ الفقو وابؼنطق والفلسفة، وقد كاف التدريب علبمة بارزة في ىذه ابغقوؿ العلمية، وقد ذكر بعض الأئمة في بعض كتبهم جوانب من التطبيقات والتدريبات على بعض مطلوبات الشارع ابغكيم في جانب الزىد والرقائق، منها – على سبيل ابؼثاؿ –التدريب على التأثر بقراءة القرآف الكرلص، فقد قاؿ الإماـ النووي (1) مدرباً على البكاء والتأثر عند قراءة القرآف: ((وطريقة برصيل البكاء أف يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد وابؼواثيق والعهود، بٍ يفكر في تقصتَه فيها، فإف لد بوضره عند ذلك حزف وبكاء فليبك على فقد ذلك فإنو من ابؼصائب))(1). بماذج من ابؼربنتُ ابؼدرنب ٔ- قاؿ الأستاذ عبد البديع صقر ، ربضو الله تعالذ : ((عرفنا في مصر شيخاً بفن يُقتدي بهم كاف من عادتو أف يلتقي بتلبميذه من الشباب في رحلبت تستمر يوماً أو بعض يوـ، فإف لد يتيسر ذلك ففي لقاءات داخل ابؼدينة. (1) ٌحٌى بن شرف بن مُرِّي، الإمام المشهور. توفً سنة 676 عن44 سنة رحمه الله تعالى. له عدد من المصنفات النافعة، وقد كان على حال من المجاهدة والأمر بالمعروف والنهً عن المنكر لٌس لها نظٌر. انظر ترجمته فً ((وفٌات الأعٌان)): 4/264-268. (1) ((أسس فً الدعوة ووسائل نشرها)): نقلاً عن المجموع 47،((شرح المهذب )): 2/179.

عدد الصفحات ٦٢

التدرٌب وأهمٌته صفحة 63 يصلي بهم صلبة طويلة مظمئنة يقرأ فيها من طواؿ ابؼفصنل من آيات القرآف ، يقدمهم تباعاً للئمامة، يدرنبهم تدريباً فيهم الثقة بأنفسهم، ويضطرىم – من بػَعْدُ – للحفظ والتجويد، ويتناولوف طعاماً مشتًكاً، وأثناء تناوؿ الطعاـ يذكر بؽم ما ورد عن رسوؿ الله  في آداب الطعاـ والشراب . ويقوـ وإياىم بتدريبات رياضية يذكرىم خلببؽا بدا ورد في آداب الرمي والسباؽ والقوة وابعهاد. بهلس معهم جلسات روحية للذكر والتدبر وتلبوة القرآف، تتخللها – أحياناً – القصص ابؼشوقة وابغكايات اللطيفة، ويغلب فيها التأثر والبكاء من خشية الله – أحياناً – حتى ترؽَّ القلوب. ويدعوىم لقياـ الليل بالعبادة فرادى أو بصاعات ويكوف ىو أسبقهم لذلك . ويدربهم على أساليب ابػطابة والدعوة مع نقد متبادؿ للخطباء بعضهم لبعض حتى يفك عقدة ألسنتهم ويعطيهم ابػطوة الأولذ لتصدر ابعماىتَ))(1). ٕ- الإماـ حسن البنا ربضو الله تعالذ : كاف من ميزات ىذا الإماـ المجدد الكثتَة أنو مُربن مدرنب، وفي حياتو مواقف كثتَة من التدريب العمليّ لكتٍ سأورد بعضها مكتفياً بها عن البعض الآخر: كاف بهتمع ببعض إخوانو فيخرج بهم إلذ مكاف حدده بؽم، فيحدثهم في شؤوف الدعوة، ويصلُّوف خلفو ابؼغرب والعشاء، ويتناولوف سوياً طعاماً خفيفاً، ويتذاكروف ويتسامروف قليلبً، وبعد صلبة العشاء بقليل يناموف على الأرض في حجرة واسعة، بٍ يستيقظوف قبل الفجر بساعتتُ فيتوضأوف، ويتهجدوف بعض ركعات فرادى، بٍ يتلو عليهم جزء من القرآف العظيم (1) ((كٌف ندعو الناس)): 124-125.

عدد الصفحات ٦٣

التدرٌب وأهمٌته صفحة 64 متحلقتُ، بٍ يلقي عليو الأستاذ الإماـ درساً في التكوين النفسيّ والإبيالشّ والعلميّ للداعية، وكيفية التجنب بؼواطن الزلل في التاريخ القدلص وابؼعاصر، بٍ يتًؾ وقتاً قبل الفجر للبستغفار، بٍ بعد أداء الصلبة ينصرؼ بهم إلذ تفستَ بعض آيات من القرآف العظيم، وبٍ إذا بظح ابؼكاف لتأدية بعض أنواع الرياضات أدَّوىا، بٍ ينصرفوف(2). وىذا الأمر يتكرر مرة أو مرتتُ كل شهر، ىذا عدا عن صياـ يوـ أو يومتُ كل أسبوع والإفطار سوياً حتى تتعمق معالش الإبياف والأخوة(3). أليست ىذه الطريقة ابؼذكورة ىنا والطريقة التي ذكرىا الأستاذ عبدالبديع صغر قبلها أجدر على الداعية وأَعْوَدَ بالنفع عليو من عشرات اااضرات في قياـ الليل وتربية النفس؟ بلى والله، وإف ىذا التدريب بومل النفس على التجرد والثبات والتضحية، وبوملها على برمل تبعات الدعوة. وقد كاف لو في باب التدريب على الدعوة يدٌ طولذ، وما سطره بيده ختَ شاىد على ىذا إذ قاؿ: ((فكرت إف أدعو إلذ تكوين فئة من الطلبب الأزىريتُ وطلبب دار العلوـ للتدريب على الوعظ والإرشاد في ابؼساجد بٍ في القهاوي والمجتمعات العامة، بٍ تكوين منهم بعد ذلك بصاعة تنتشر في القرى والريف وابؼدف ابؽامة لنشر الدعوة الإسلبمية، وقرنت القوؿ بالعمل، فدعوت لفيفاً من الأصدقاء للمشاركة في ىذا ابؼشروع وابعليل... كنا بقتمع في مساكن الطلبب في مسجد شيخوف بالصليبة ونتذاكر جلبؿ ىذه ابؼهمة وما تستلزمو من استعداد علميّ وعمليّ، وخصصت جزءاً من كتبي كالإحياء للغزالر وبعض كتب ابؼناقب والستََ لتكوف مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخواف، يستعتَوف أجزاءىا وبوضنروف موضوع ابػطب واااضرات منها . (2) ((الإخوان المسلمون فً مٌزان الحق)): 191-192. (3) ((كبرى الحركات الإسلامٌة)): 44.

عدد الصفحات ٦٤