97 المعنوي فيتمثل في الكثير من الأشياء، لعل من أهمها -بلورة الهوية الوطنية الجامعة، إن كانت موجودة، والعمل على إيجادها في حالة فقدها. -تشكيل العقل الجمعي الذي يسعى إلى رؤية مشتركة للتحديات والفرص وقبل ذلك الأهداف الوطنية الكبرى. -تهميش الثقافة القائمة على الشك والتشاؤم واليأس والتردد،وترسيخ ثقافة المبادرة والجرأة والعطاء والتضحية والمثابرة. ـ نبذ الغلو والتطرف بوصفهما الجرثومة التي تفتك بأي حلم وطني. ـ العمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من سيادة القانون والالتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية والنزاهة والشفافية في الأعمال الحكومية. ـ تعاون مثمر ومبدع بين الأجهزة الحكومية وبين القطاع الخاص والقطاع اللاربحي حيث يكون من مهمات الدولة ومؤسساتها قيادة مشروع الحكم الوطني وتوزيع الأدوار، وتنسيق الجهد المبذول. ـ تعزيز معاني الولاء والانتماء الوطني والعمل على تقوية اللحمة الوطنية بما يحوِّل البلاد إلى ورشة عمل كبيرة ونشطة. -ترسيخ قيم الأمانة والإخلاص والصدق والإحسان وتنمية الوازع الداخلي ومعاني الشرف والحفاظ على العرض واحترام التنوع الثقافي. وأما الوجه المادي فينبغي أن يتجسد في أمور محسوسة وقابلة للقياس، وهذه تختلف من بلد إلى آخر بحسب المرحلة الحضارية التي يقطعها، ولهذا فنحن هنا
عدد الصفحات ٩٧98 لا نتحدث عن أرقام مقصودة لذاتها، وإنما نتحدث عن أمثلة لتقريب المسألة من تصوراتنا، وقبل أن أذكر بعض الأمثلة أود القول: إننا نعيش في عالم شديد التغير، حيث تتخلق معطيات ومدخلات إيجابية ومهمة كثيرة في وقت قصير، ولهذا فإن رفع درجة الطموحات والتطلعات مهمة جداً حتى لا نحلم بأشياء عادية هي في متناول اليد. إن الحلم يعني التطلع إلى الحصول على أمور يشكل الوصول إليها تحدياً كبيراً لمعظم الناس، وهذه بعض الأمثلة: -ناتج قومي كبير ودخل فرد مرتفع يماثل الحد الأدنى لدخل الفرد في دولة أوربية متقدمة. -خطوط صناعية عملاقة تؤمِّن قدراً كبيراً من المنتجات الصناعية التي تسد حاجات البلاد، وعلى رأسها السلاح والمنتجات العسكرية. -توفير الخدمات الأساسية على نحو مرْض، ويأتي في مقدمتها التعليم والصحة والماء والكهرباء والطرق ووسائل الاتصال والمواصلات. -الانتهاء من الأمية الأبجدية على نحوٍي تام. % من السكان هم تحت خط الفقر مع عناية كبيرة بذوي 5-أقل من الاحتياجات الخاصة. 500 جامعات على الأقل من جامعات البلد هي من ضمن أفضل 10- جامعة في العا1000جامعة في العالم وثلاثون جامعة هي بين أفضل -لكل مئة مواطن هناك مؤسسة خيرية أو رابطة أو نقابة أو ناد ثقافي أو هيئة أو فريق تطوعي...
عدد الصفحات ٩٨99 -إن الحلم الوطني ليس مستحيلاً، لكنه ليس سهلاً لأنه يتطلب نوعاً من الاستنفار لكل قوانا الروحية والمعنوية والمادية، لكن هذا الاستنفار مع إرهاقه لنا يشكل مصدراً لمتعة فريدة، هي متعة عيش الحياة بكرامة ونجاح وقبل ذلك عيشها في إطارمرضاة الله تعالى!. - تغيير بالأدوات الناعمة: 2 التغير سنة من سنن الله تعالى في الخلق، واليوم وللعديد من الأسباب، يكاد يكون (التغير) هو الثابت الوحيد. جرَّب الإنسان على امتداد التاريخ في إصلاح شؤونه وتغيير أوضاعه الكثير من الأساليب والأدوات، ومن المهم أن ننتهي بعد تلك التجربة الطويلة إلى بعض المستخلصات التي تساعدنا على تغييرِ أنجع. لم أجد من يتحدث بوضوح عن التغيير بالأدوات الناعمة، لكن هناك من أفاض في الحديث عن (القوة الناعمة ) حيث إن (جوزيف ناي) من جامعة هارفارد هو أول من صاغ هذا المفهوم والذي يتركز حول الاستدلال على أن قوة الثقافة والإبداع الحضاري والدبلوماسية والعلاقات الاستراتيجية والمساعدات المالية والمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية.. تستطيع مساعدة أمريكا على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في العالم، ولم يكن مراد الرجل التدليل على استغناء أمريكا عن استخدام القوة الصلبة، وإنما أراد أن يقرر على أن في وسع أمريكا أن تحقق بعض أهدافها عن طريق القوة الناعمة. أنا هنا أود التحدث بالتحديد عن عمليات ضبط المجتمع وإصلاحه وتغييره
عدد الصفحات ٩٩100 نحو الأفضل باستخدام الأدوات الناعمة على نحو رئيس، ولا أعني بالطبع أن المجتمع يستطيع الاستغناء عن استخدام قوة القانون أو العقوبات حتى القوة المسلحة في الحفاظ على أمنة واستقراره إذا لزم الأمر. الفلسفة الإسلامية في الإصلاح تقوم على الرهان على ما لدى الإنسان المسلم من وعي ومن رادع داخلي، ولهذا فإن توعية الناس وتربية حاَسة الردع الذاتي لديهم (الضمير) من أهم ما يجب التعويل عليه في الارتقاء بالمجتمع المسلم. الضمير لا يتكون ولا ينضج تحت مطارق التهديد والوعيد ولا في أجواء القسر والضغط، وإنما يتكون وينمو في الأجواء الحرة حيث يولِّد الشعور بحرية الاختيار الشعورَ بالمسؤولية، ومن هنا كثرت النصوص التي تدل على استبعاد الإكراه عن دائرة الإيمان والتعبد والتدين عموماً، وفي هذا يقول الرب تبارك وتعالى: ( لا ويقول: ( ولو شاء ربك لآمن من في 1إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيً 2الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمن إن الإيمان لا يقبل الإكراه لأنه عبارة عن قناعة داخلية، وإذا كان لا يقبل الإكراه فليس من الحكمة ولا من الصواب إكراه الناس عليه، وهكذا كل المعتقدات والقناعات، ومن هنا كان تغيير عقائد الناس وثقافتهم وأخلاقهم عن طريق الإكراه عملاً عقيماً ومؤذياً، وإن من نستخدم القوة في إقناعه بفكرة أو عقيدةِ ما، أو نستخدم القوة في تغيير بعض سلوكاته وعاداته لا يصبح إنساناً أفضل أو أتقى، وإنما يتحول إلى منافق إن كان ضعيفاً، وإلى متمرد إن كان قوياً. . 256سورة البقرة 1 .99سورة يونس 2
عدد الصفحات ١٠٠101 ما الأدوات الناعمة ؟ المقصود بالأدوات الناعمة هنا هو: التربية والدعوة والإعلام والتعليم والحوار والنموذج الآسر الملهم؛ والحقيقة أن العالم المتحضر بأسره يركز على ما أشرت إليه. إن مهمة التربية هي تجسيرالعلاقة بين الأجيال الماضية وبين الجيل الحاضر من خلال تلقين الصغار القيم والفضائل الاجتماعية ومن خلال تهذيب الزوائد في شخصياتهم، كما أن للتربية دوراً مهماً في تحويل الأفكار الجديدة إلى سلوك وثقافة، أي إلى أسلوب عيش، والتربية كما نعرف تعتمد أساساً على تقليد الصغار للكبار، ويأتي بعد ذلك التعليم بمحاضنه ومؤسساته المختلفة ليكمل دور الأسرة. ويستند الإعلام والدعوة وعمليات التواصل والإقناع إلى الإيمان بقوة المعرفة على التغيير والإيمان بقوة المنطق على تصحيح المسارات الخاطئة، ويستأثر (النموذج الملهم ) بالكثير من الفاعلية التغييرية، والحقيقة أن البنية العقلية العميقة للناس تميل إلى الحكم بالاستحالة والصعوبة، ولا يكسر ذلك الميل إلا النموذج المحسوس، ومن هنا فإن الله تعالى أكرم الأنبياء عليهم السلام بالعصمة ليشكلوا لأتباعهم القدوة والأسوة الحسنة، وليتجسد ما يدعون إليه في سلوكياتهم أفضل تجسيد. إن النموذج الملهم يحمل الناس على تقليده ويعد مدة من التقليد يبدأ التطوير، ومن هنا فإننا اليوم لسنا في حاجة إلى كم هائل من الإنجازات الحضارية وفي كل الأصعدة، ولكننا في حاجة أيضاً إلى أن تكون منجزاتنا متفوقة حتى تكون ملهمة ومؤثرة، وقد انتشر الإسلام في جنوب شرق آسيا من غير أي قوة عسكرية، وإنما
عدد الصفحات ١٠١102 من خلال السلوك المستقيم لعدد من التجار البسطاء إن هناك حقيقة مهمة، هي أن الأمم لا تنتقل من وضعية إلى وضعية من خلال الأفكار، وإنما من خلال النماذج، وإن المجتمعات مستعدة للتغيير والارتقاء لكنها تحتاج دائماً إلى من يمضي أمامها ليعبِّد لها طريق التقدم. متطلبات: يتطلب النجاح في التغيير بالأدوات الناعمة إلى عدد من الأمور: المصداقية وهي شرط مهم للنجاح في استخدام الأدوات الناعمة، إذ إن -1 الناس يستجيبون للمنادين بالتغيير بشرط أن يكونوا شفافين وصادقين معهم، أي أن الناس يجب أن يشعروا أنك لا تكذب عليهم، ولا تخدعهم، ولا تبتزهم، ولا تقول لهم نصف الحقيقة، وتحجب عنهم النصف الآخر. ثقة الناس بالقائمين على التغيير تشكل جزءاً من رأسمالهم ومن عتادهم، وينبغي عليهم الحفاظ عليه. حتى تؤثر الأدوات الناعمة في الناس، فإنها تحتاج إلى أن يكون لدينا -2 منتج جيد، ويكون المنتج جيداً حتى لا يصادم عقائد الناس، ولا يفوٍيت عليهم مصالحهم، أويصادم ما لديهم من أمور يعتزون بها مثل لغتهم أو رموزهم بسبب أنه لا يحمل سمات فئوية أو عنصرية معينة، وهكذا فالناس لن يتجاوبوا مع أي منتج ثقافي يدعو إلى التطرف أوالانغلاق أو تمجيد عرق أو مكون من المكونات الوطنية، كما أنهم لهن يتفاعلوا مع أي منتج يتدخل في حياتهم الشخصية وأسلوب عيشهم. إن الله تعالى خلق الناس أحراراً ليحيوا أحراراً؛ وإنهم سوف يقفون في
عدد الصفحات ١٠٢103 وجه كل من يسلبهم حريتهم الأداة الصلبة لا تقتصر على القوة فحسب، فالقانون لأنه يسمح باستخدام -3 القوة ضد من لا يخضع له، هو الآخر أداة صلبة، ولهذا فإن الدولة الفاضلة هي التي تسنً أقل قدر ممكن من القوانين، وإن استخدام القوة أوالتهديد أو الضغط في تغيير قناعات الناس هو في الحقيقة نوع من العدوان عليهم ونوع من سلبهم حقهم في الاختيار، لكن في بعض الأحيان تكون هناك حاجة لسن قوانين رادعة كما لو شاعت الفوضى في البلد، وكذلك هناك دائماً حاجة إلى سنً قوانين لحفظ الآداب العامة والمظهر العام للمجتمع، وإن الناس يتقبلون ذلك تحاشياً للابتذال والفوضى، لكن هناك مؤشرات كثيرة تشيرإلى أنه لا بد من تعانق القانون مع الثقافة، الثقافة والأدوات الناعمة تولد القناعات، والقانون يحمي المكتسبات الثقافية والاجتماعية، القانون يوجد الثقافة، والثقافة تسهل الالتزام بالقانون وقد تغني عنه في بعض الأحيان، لكن الأصل هو العمل على تقليل القوانين إلى الحد الأدنى. تغيير المجتمع بالأدوات الناعمة دليل واضح على رقي البشر وتحضرهم واستعدادهم للانقياد لضمائرهم والقيم التي يؤمنون بها. - عصرالقيادة والنظم الجديدة: 3 على مدار التاريخ كانت المشكلة الأكبر التي تواجه العالم هي الكيفية التي يتخلصون بها من الأفكار والأساليب والنظم القديمة، وذلك يعود إلى الإلف الذي ينشأ بين الناس وبين ما أشرنا إليه، كما أنه يعود إلى خوفهم من الجديد
عدد الصفحات ١٠٣104 وأحياناً تتمثل المشكلة في فقد الطاقة الروحية التي يحتاجها التغيير والتجديد إن علينا ألا نمل من ترديد القول: إن عصرنا هذا هو عصر الإبداع والقيادة والنظم الذكية، وهو أيضاً عصر التنافس على كل شيء، وعصر السعي الحثيث إلى تحقيق الجودة، ومن الواضح أن الدول الأكثر تقدماً والأكثر تحكماً بالعالم هي التي سبقت إلى إدراك هذه المعاني والقيم، ومن ثم فإنها عرفت كيف تنميها وتستثمرها من أجل المزيد من السيطرة العالمية، والمزيد من التقدم الحضاري، وإن الخبر الجيد هو أن الشعوب النامية أخذت في التعلم بالسرعة، وأخذت تطوي المسافات الفاصلة بينها وبين الأمم الأخرى في مدد قصيرة، لكن المشكلة التي تواجهها تظل في الكتلة الهائلة من شعوبها التي لم تنل إلا القليل من التعليم والقليل من التمدن! العالم النامي ومنه معظم الدول الإسلامية مازال يبحث عن القائد العظيم المخلِّص الذي يقلب كل الطاولات، ويغيرٍي كل المعادلات، ويدفع بكل الجماهير نحو النصر العظيم والنهائي، وهذا مستوحى من التراث، والذين يستوحونه لا يعرفون ما الذي يحدث اليوم!. مضى زمن الأبطال العظام الذين يجود الزمان بالواحد منهم كل قرن أو قرنين، وجاء زمان ملايين الأبطال الصغار الذين ينجرون الكثير الكثير من الأعمال الصغيرة، ويسدون الثغرات الضيقة، ويعملون بصمت على مراكمة النجاحات والإضافات المحدودة، لكن الواضح أن إيصال هذه الحقيقة لكثير من الناس يحتاج إلى درجة من الوعي والمعاصرة، مازالت بعيدة عن جماهير عريضة من شعوبنا!
عدد الصفحات ١٠٤105 ما بين قيادة وقيادة لو عدنا مئة سنة إلى الوراء لوجدنا أن كل شيء كان بسيطاً، كما أن الكتل السكانية والشركات والمؤسسات كلها كانت صغيرة بما لا يقارن بما عليه الحال اليوم، وهذا جعل النظم الإدارية والنظم التشغيل شبه معدومة أو بسيطة غاية البساطة، مما أدى إلى بروز القائد الفذ الطموح المزاجي الذي يفرض رؤيته على غيره، ويستطيع بسهولة تجاوز النظم البسيطة التي كانت موجودة، ويبدو لي أن هذه سنة من سنن الله تعالى في الخلق إذ كلما غاب النظام ولائحة قوانين العمل برز دور المديروالقائد، والعكس صحيح. هناك نوع من القيادة ساد كثيراً في الماضي، ومازال بعضه مستمراً إلى اليوم، هذا النوع يقوم على قدسية العادات والتقاليد والمكانة الاجتماعية، كما هو الشأن لدى بعض القبائل حين يصبح ابن شيخ القبيلة زعيماً، ونمط آخر من القيادة كما يرى ماكس فيبر يقوم على الكاريزما أو الجاذبية والنفوذ الشخصي كما هو شأن الأبطال الذين يقودون المعارك، وكما هو شأن رؤساء الكتل النيابية في البرلمانات، وشأن الحكماء الكبار الذين يعود إليهم الناس في الملمات، هذا النمط وذاك يظلان مستمرين إلى ما شاء الله، لكنهما في طريق التقلص والانكماش لصالح نمط جديد من القيادة هو القيادة القائمة على المعطيات والتنظيمات القانونية في ظل تشريع ولوائح إدارية واضحة. في هذا النمط من القيادة يتم تحديد الأهداف التي سيحققها القائد، والمنجزات التي من أجلها تم اختياره للمنصب، كما يتم توضيح واجباته ومسؤولياته وحقوقه ونوعية العلاقات التي تربطه بموظفيه وزملائه
عدد الصفحات ١٠٥106 والسلطة العليا إن كان هناك سلطة أعلى منه، وهكذا تميل كل الأشياء اليوم إ الموضوعية، وترتبط أشكال اختيار القادة والمديرين والتعامل معهم على أساس الإنجاز، وما يكون في إمكانهم تقديمه للمجتمع أو الشركة... التي يقودونها. في الماضي كان من أهم سمات القائد الفذ الجرأة في اتخاذ القرارات والسيطرة التامة على من يقودهم، إلى جانب نوع من التفرد في المسؤولية عن اتجاه المنظمة أو المؤسسة أو الدولة... وذلك بسبب عدم وجود تقاليد إدارية عريقة في الاستماع إلى العاملين ومشاورتهم والتواصل معهم... اليوم هناك انتقادات واسعة لهذا النمط من القيادة، حيث إن الظروف الصعبة والمعقدة وضخامة الأعمال والمسؤوليات جعلت الحاجة إلى الرؤية الجماعية والمعلومات الميدانية ماسًة جداً، ولهذا أصبحنا نسمع ونقرأ كثيراً عن الإدارة الأفقية والإدارة المرنة والذكاء الجماعي، بل صرنا نقرأ عما يسمى (الهرم المقلوب)، بل هناك من يتحدث عن إلغاء التسلسل الهرمي كله في عالم القيادة والإدارة، والحقيقة أن التسلسل الهرمي لن يُلغى، ولن تصبح قاعدة الهرم في مكان رأسه، فهذا ضد طبائع الأشياء ومنطقها، لكن الذي يتغير هو أسلوب القيادة والعلاقة بين القائد وعامة الناس وبين المدير وموظفيه، وعلى سبيل المثال فقد كان المعمول به في المشافي هو أن تصدر إدارة المشفى والأطباء الأوامر للموظفين وجهاز التمريض ليقوموا بتنفيذها، أما اليوم فإن أسلوب القيادة الجديدة يقوم على أن يستمع رؤساء الأقسام في المشفى لما يقوله الممرضون والممرضات وأن يقوموا بالحوار معهم، وفهم الواقع من خلالهم، كما أنهم يقومون باتخاذ القرارات والإجراءات المطلوبة بمشاركتهم. في الماضي كان التدريب الفني والأكاديمي على رأس العمل شبه مفقود، فالشاب إما أنه يصلح للوظيفة أولا يصلح، أما القادة والمديرون فإنهم كانوا
عدد الصفحات ١٠٦107 يدرًبون أو يعدون أنفسهم لأن يكونوا واثقين بذواتهم وقادرين على فرض سيطرتهم على موظفيهم وعلى عملية التوجيه واتخاذ القرار، أما اليوم فإنه يتم تدريب من سيتولون القيادة على توطين أنفسهم على سماع النقد من الأتباع وصغار الموظفين إلى جانب التحلي بقيم المواجهة البناءة والمشاركة والإنصات والتفاعل المثمر والتنسيق الذكي والاحترام والتقدير والشفافية، إن كل هذا التغير قد أدى فعلاً إلى تقريب المسافة بين القمة والقاعدة، كما أدى إلى كسر حدة التسلسل الهرمي القديم في القيادة مما ساعد على تنمية الروح الجماعية والعقل المشترك في المنظمات والمؤسسات، وهذا يتناسب تماماً مع أعمق القيم الإسلامية في هندسة العلاقات بين البشر. نظم جديدة: على مدار التاريخ كان التطور التقني هو رائد التغيير في أسلوب عيش كل البشر، ويظهر هذا اليوم كما لم يظهر في أي يوم من الأيام، حيث أدى التقدم المذهل في وسائل الاتصال ونقل البيانات ونشر المعلومات إلى إمكانية اطلاع كل العاملين في أي حقل من الحقول على كل المعلومات المهمة لتسديد العمل وكل المعلومات المطلوبة لصواب القرار، وإنه لشيء يدعو إلى الذهول أن يتمكن مئات الملايين من البشر في كل أنحاء الأرض من قراءة كتاب واحد أو الاطلاع على معلومات واحدة في لحظة واحدة عبر حواسيبهم الشخصية! هذه الوضعية الفريدة وغير المسبوقة جعلت من المؤسسات العملاقة هيكلاً يفكر بعقل واحد ويتنفس يرئة واحدة!.
عدد الصفحات ١٠٧108 ميزات النظم الجديدة صار للتغذية الراجعة أو المرتدة قيمة كبيرة في كل النظم الحديثة، لأن -1 القيادة تريد النجاح الحقيقي، والنجاح الحقيقي يكون في كسب الجمهور والزبائن والعملاء وفي رضا الموظفين والعاملين في المؤسسة، ولهذا نجد صناديق المقترحات والشكاوي كما نجد نظام لتسجيل المكالمات التي تتم بين الموظفين وبين الزبائن أو العملاء، وهذا يعني إعطاء أهمية إضافية للنقد،كما يعني الحرص على إشراك الجميع في اتخاذ بعض القرارات، إنها الروح التشاركية المفروضة من قبل الوعي الجديد والمصلحة الأكيدة للمؤسسة أوالمنظمة. يتجذر في نظم الإدارة والتشغيل اليوم الإدراك بضرورة التصرف بأفق - 2 واسع تجاه كل النظم الموروثة، ومن هنا فإن حمى التغيير النظمي تجتاح كل شيء، حيث صار التركيز على الأهداف والإنجاز والنتائج والجودة وخفض التكاليف.. هو الذي يوجه عملية تطوير النظم، ومن هنا صار لدينا الإدارة بالأهداف والإدارة بالتفويض وإعطاء الحرية لكثير من الموظفين أن يعملوا من بيوتهم، كما صار هناك ميل للإدارة المدمجة، أي تقليل المستويات الإدارية، مما أدى إلى حذف الإدارة الوسطى في بعض المؤسسات، كما أدى إلى الميل إلى (اللامركزية) الإدارية، وهذا كله جعل (المرونة) هي الشيء الذي يسرى في كل النظم كما يسرى الماء في العود الأخضر!. الاستعداد للتغيير والتطوير الشامل صار هو العلامة المميزة للمؤسسات -3 والشركات الناجحة، وهذا تطلب شيئين أساسي الأول هو: وجود قيادة واعية واسعة الأفق وحاصلة على درجة عالية من
عدد الصفحات ١٠٨109 التعليم والتدريب. الثاني هو: وجود كوادر بشرية ماهرة ومدربة ومستعدة لمزيد من الاعتماد على المعرفة الجديدة في كل أنشطتها. هذا وذاك أديا إلى وجود ما يسمى بالمؤسسات الذكية أو المتعلمة. المؤسسات الذكية تتسم بالسمات الآتية: -وجود نظام يحفز على الإبداع من خلال التشجيع والتحفيز والمشاركة في اتخاذ القرارعوضاً عن العقوبة والضغط والتهديد. -استعداد كبير للإنفاق على التدريب والتطوير. -التمتع بنظام يحمي المؤسسة من مخاطر الاجتهادات الفردية. -التعلم من التجارب الذاتية وتجارب الآخرين. -تطبيق مبدأ التجريب والاكتشاف والتعويل على البحث العلمي الخاص بها. -اعتماد الأسلوب الإداري البسيط والتفكير المعقَّد الذي يأخذ الكثير من المعطيات بعين الاعتبار. -الشفافية والإفصاح والمصداقية سمات مهمة للمنظمات والمؤسسات الذكية. الخلاصة: قد وجد العالم من حولنا في تطوير النظم وبناء القيادات الجديدة باباً عريضاً للتقدم في كل جوانب الحياة، وينبغي على العالم الإسلامي أن يأخذ بآخرما انتهى إليه العالم في هذا الشأن حتى يستدرك على ما لديه من ضعف وقصور في الموارد وحتى يتغلب على ما لديه من مشكلات متعددة الأوجه.
عدد الصفحات ١٠٩110 - رأس مال عالمي جديد4 لو رجعنا ثلاثة آلاف سنة إلى الوراء لوجدنا أن رأس مال الدول والقبائل والأفراد ظل عبارة عن أشياء مادية منظورة، حيث كان رأس المال القديم يتجسد فيما تملكه الدولة...من أراضِ واسعة وغابات ومعادن ومصادر للطاقة ومياه عذبة وشواطئ طويلة على البحار بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي، لكن هذا آخذ في التغير اليوم وعلى نحو حثيث. لاشك في أنه يظل لكل ما ذكرناه قيمة مقدرة، لكن القيمة ليست في سبيل التعاظم، وإنما هي في سبيل التضاؤل والتراجع بسبب رأس المال الجديد، والذي يتمحور على نحو واضح حول معطيات ومقدًرات غير مادية وغير ملموسة، وفي هذا عودة على المستوى العالمي إلى الرؤية القرآنية في البناء والإصلاح والتغيير حيث إن المتأمل في القرآن الكريم ولا يبعد عن هذا ما % من آياته تتحدث عن الإنسان: 95نجده في الحديث الشريف يجد أن أكثر من تاريخه وعقيدته ومسؤولياته وما يُصلح شأنه بالإضافة إلى مصيره ومعاده... إن الله عز وجل أخبرنا عن محورية الإنسان في الكون حين ذكر أنه سخًر له كلَّ شيء وسخًر لكم ما في السموات وما ﱫليكون هو السيد المستفيد حيث قال سبحانه: التقدم يبدأ بالإنسان، وينتهي بالإنسان،وكل ما يحدث في 1ﱪفي الأرض جميعاً منه الأشياء من تحسين وتطوير يجب أن يصب بوجه من الوجوه في مصلحة الإنسان، الإنسان العابد المهتدي والموعود بالخلود في جنات النعيم. نستطيع القول: إن كثيراً من التحولات التاريخية على صعيد أسلوب عيش البشر ظل مرتهناً للتطور التقني الذي يتمكنون من إحداثه، ومن الواضح جداً أن . 13سورة الجاثية 1
عدد الصفحات ١١٠111 أهم ما حدث في العشرين سنة الماضية يتجسد في شيئين اثنين، هما: التقدم المذهل في وسائل الاتصال وثورة المعلومات واللذين كان لهما تأثير مباشر في (المؤسسة) والتي تُعدُّ الوحدة الأساسية في تكوين المجتمع الاقتصادي. هذا التقدم دفع في اتجاه التحول إلى المعطيات المعرفية بأوسع ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، حيث أدركت المؤسسات والشركات وكل المنظومات الاقتصادية أن العنصر البشري لديها هو أساس ثروتها، وهذا يعود في الأساس إلى تراجع الأهمية النسبية للميزات التنافسية التي كانت لرأس المال والمواد الخام والمكائن وكل المعطيات المادية، إن اليابان والتي شهدت تدميراً واسعاً في الحرب العالمية الثانية،والتي لا تملك إلا القليل من وأس المال القديم قدمت للعالم أعظم البراهين على محورية الإنسان والعمل الإنساني في إحداث النقلات الحضارية الكبرى حيث إنها تمكنت خلال أقل من أربعين سنة من أن يصبح اقتصادها هو الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان من الواضح أن الابتكار والإبداع بالإضافة إلى الإدارة الممتازة للعلاقات بين منسوبي المؤسسة الواحدة هما العاملان الأساسيان في ذلك. إن دولاً مثل اليابان وسنغافورة ودولاً مثل السودان وغينيا والنيجر قد قدمت البراهين الكثيرة على أن قلة الإمكانات المادية ووفرة المواد الخام والمساحات الخصبة الشاسعة ليست هي العامل الحاسم في تقدم الأمم وتأخرها، وإنما العامل البشري، فجهل الإنسان وعدم صقل مواهبه ومهاراته، وسوء تنظيم مؤسساته... هي العامل الجوهري في عجزه عن الانتفاع بما لديه من موارد معنوية ومادية.
عدد الصفحات ١١١112 ما بين القديم والحديث مشكلة معظم الناس هو بطء حركة الوعي لديهم، مما يجعله متخلفاً عن فهم الواقع والذي توافدت عليه عوامل التغيير من كل حدب وصوب، ولهذا كان من المهم أن نشير إلى بعض المقارنات بين رأس المال القديم ورأس المال الجديد، وما يرتبط بكل منهما من أساليب التنظيم والإدارة. قد ذكرت أن رأس المال القديم هو معطيات مادية: أراضي واسعة، معادن أنهار عذبة... أما رأس المال الجديد فهم عبارة عن مجموعة المعارف والمهارات والإمكانات والقدرات والخصائص الكامنة في الأفراد، وهو أيضاً ما تتمتع به المؤسسات من نظم متعددة، وما يسود فيها من أعراف وتقاليد ومفاهيم ذات دور إيجابي في التطوير وتحسين الإنتاجية. إن العالم قد جمع كل خبراته القديمة والجديدة في تحسين الاقتصاد بيئات الأعمال ليصبها في أسلوب تعامله مع التحديات والفرص التي ولًدها التقدم التقني وثورة المعلومات، وقد كان من ملامح ذلك الأسلوب الآتي: في الاقتصاد القديم كان الاعتماد على الجهد العضلي ورأس المال في عمليات -1 الإنتاج لكن هذا قد تغير اليوم حيث صار الاعتماد أكثر فأكثر على التعليم بوصفه مفتاح التحول من المادي إلى المعنوي، وتأثيره لا يقتصر على تحسين الإنتاجية، بل إنه يحمي الطبقات الدنيا من كثير من أشكال الابتذال والفساد، كما يحميها من البطالة والعطالة مما يجعله عاملاً أساسياً في الاستقرار السياسي والاجتماعي. العلاقة بين المال والمواد الأولية وكل المعطيات المادية وبين الزمن هي -2 علاقة عكسية، أي أنها تُستنفد وتفقد قيمها مع مرور الأيام، أما رأس المال البشري فعلاقته بالزمان علاقة طردية، فما لدى الواحد منا من معارف ومهارات غير قابل
عدد الصفحات ١١٢