49 الإحسان إلى المختلف ينزع من نفسه تداعيات ومقتضيات الاختلاف-4 والحوار والقدرة على الاستماع للمختلف عنا من الأمور الضرورية لبناء- 5 الفهم والموقف المشترك علينا في تعاملنا مع المختلفين معنا وعنا أن ننظر إلى المعتدلين، وليس إلى -6 الغلاة والمتطرفين فهؤلاء يدمرون كل قواعد الوفاق والاتفاق لا ينبغي للاختلاف على مستوى الشكل واللون والنسب والعرق أن -7 يصرفنا عن الوحدة الإنسانية المتوارية والقائمة على وحدة الأصل والطبيعة والحاجات الإنسانية والقائمة على مافي نفوس البشر من خير ونبل واستعداد لمقابلة المعروف بمثله. الاختلاف الإيجابي هو الاختلاف الذي يعلًم بني البشر كيف يتعلمون من -8 بعضهم، وكيف يتعاذرون، وكيف يعملون بناء الحياة المشتركة اتهام النفس وحسن الظن بالآخر مسلك من مسالك حسن التعامل مع الاختلاف.-9 لدينا شعار مهم في التعامل مع التنوع، هو: من حقي أن أختلف معك- 10 مثل ما أن من حقك أن تختلف معي الاختلاف في الفروع والجزئيات مصدر ثراء، أما الاختلاف في الأصول -11 والكليات، فقط يكون سبباً في إشعال حروب كونية، ولهذا فإن من واجبنا جميعاً أن نعزز التوافق في الأصول والقواعد الكبرى. الحقائق قابلة للرؤية والتفسير من زوايا مختلفة، وليس تفسيري دائماً هو -12 التفسير الأصح والأفضل
عدد الصفحات ٤٩50 ـ العربية والحفاظ على الهوية4 الهوية هي مجموعة السمات التي تميز شخصاً أو شعباً عن غيره، والهوية الإسلامية هي السمات التي تميز الأمة الإسلامية عن باقي الأمم، هي الهوية هي تلك الخصوصية التي تؤطر بناء المجتمع. حياتنا الثقافية وتوجهها وتضمن وحدتها، ومكونات الهوية هي مرتكزاتها من مثل الموقع الجغرافي والذاكرة التاريخية المشتركة، والدين واللغة والثقافة الشعبية المشتركة، وهذه العناصر مع بعضها تؤدي إلى إن تكون لأبناء الهوية الواحدة تطلعات وطموحات مشتركة، كما أن إحساسها بالمخاطر ومصادر التهديد يكون أيضاً مشتركاً. إذا كانت الثقافة هي الذات المعنوية للأمة، فإن اللغة تشكل جزءاً من أي ثقافة، والعربية تشكل جزءاً مهم من ثقافتنا العربية الإسلامية، واللغة إلى جانب هذا تعبر عن الهوية وعن الذات المعنوية. من المهم في هذا السياق أن تؤكد أن اللغة ليست عبارة عن أداة لنقل المعاني وتداول الأفكار، إنها في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير حيث إنها نفسها مضمون ذو تأثير كبير في تشكيل عقولنا وأسلوب تفكيرنا، كما أنها تصوغ رؤيتنا للعالم من خلال مفرداتها ومن خلال ما تختزنه من رموز وذكريات وخبرات، واللغة مع هذا وذاك هي مرآة لحضارة أهلها، ولهذا فإن من غير الممكن أن يكون لدينا لغة قوية وراقية، ونحن نعيش عالةً على غيرنا في المنتجات الاستهلاكية والثقافية. -اللغة العربية تحتل بالنسبة إلى المسلمين موقعاً خاصاً، فهي لغة القرآن الكريم ولغة تراثنا الثقافي العظيم، وهي تمثل بالنسبة إلى المسلمين البساط الذي يمكن أن
عدد الصفحات ٥٠51 يقفوا عليه جميعاً في تطلعاتهم إلى الوحدة الإسلامية الكبرى خطر داهم: العربية التي دبجنا في مديحها وبيان فضائلها ألوف الصفحات باتت اليوم في خطر الاندثار، وهذا شيء مفزع ويصعب تصديقه!. المشكلة لا تتمثل في إندثار العربية بل في تراجع الثقافة العربية الإسلامية وفي الضرر البالغ الذي يحدثه انتشار اللغات الأعجمية في عقول الأجيال الجديدة ونفوسهم، فاللغة الإنجليزية مثلاً والتي صارت لها هيمنة شبه كاملة على كثير من المؤسسات التعليمية هي سليلة ثقافة تتحدث ثقافة آبائه وأجداده وبين الثقافة الجديدة، ويدخل نتيجة ذلك في صراع مرير على مستوى القيمي والأخلاقي، وهو صراع خفي، تظهر آثاره فيما بعد من خلال تكون شخصيته بعيدة عن الانتماء إلى أي شيء!. : إن التعدد اللغوي في الطفولة قد 1 يقول أحد الأطباء النفسيين المشهورين يسبب اضطرابات نطقية ونفسية وعقلية، وإن الأطفال العرب الذين يتلقون تعليمهم في مدارس أجنبية أو بمناهج أجنبية يميلون إلى الشعور بالنقص والنظرة الدونية للأهل والشعور بالاغتراب في بلدانهم، وهذا الشعور بالاغتراب من أهم أسباب هجرة العقول من بلداننا إلى الغرب!. الذين يتحدثون بالعامية في المدارس ووسائل الإعلام والمؤتمرات تتلخص هود. أحمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب المصري. 1
عدد الصفحات ٥١52 في أن المتحدثين بالعامية يشعرون بدرجة من الحميمية ودرجة من فهم ما وراء الكلمات من معان فرعية وإيماءات أكبر بكثير مما يشعرون به حين يتحدثون بالفصحى، وهذا قد يكون بسبب غربة الفصحى في ديارها وتراجع استخدامها بإفراطها وإسهاب عن الأشياء والمنافع وكثير من الشأن الدنيوي من خلال مئات المفردات، مما يؤدي إلى انحسار كثير من المعاني المتصلة بالإيمان والتقوى والورع والتعبد والتقرب إلى الله تعالى والشرف والعفة وصلة الرحم... العربية مهددة بالاندثار من خلال تراجع استخدامها في الإعلام لصالح العاميات ومن خلال تراجع استخدامها في المدارس والجامعات لصالح اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الإنجليزية، وقد ظهر جلياً صدق ما ظهره ابن خلدون من ولع المغلوب بتقليد ثقافة الغالب، حيث صارت المدارس التي تدرس باللغة الإنجليزية مهوى أفئدة أبناء الطبقة الوسطى والعليا، وقد رأيت بعض من يدرسون فيها وهم يتلعثمون في قراءة سطر بالعربية أو النطق بجملتين صحيحتين، أما الكتابة بالأحرف العربية فشيء يصعب وصفه!. بعض الآباء في بلادنا يشرحون ما يريدونه من أبنائهم بالإنجليزية لأنهم لا يستطيعون إفهامهم والتفاهم معهم بالعربية، وهذا في بلاد الغرب، أما مشكلة العرب الذين يعيشون في غير البلاد العربية فمشكلتهم أكبر بكثير. إن الطفل يتشرب من خلال تعلم لغة غير لغته يتشرب ثقافة أهل تلك اللغات، وتتشتت ذاته بين على نحو متدرج في المجالات المختلفة، كما أن العامية مرتبطة بالأفكار السطحية والتفكير البسيط إلى حد بعيد فقر مفرداتها وكونها لغة ضرورة للتعامل مع أحداث ومتطلبات الحياة اليومية، وهذا ملاحظ بقوة في
عدد الصفحات ٥٢53 الشعر الشغبي وفي البرامج التلفاز التي يتحدث فيها المتحدثون بالعامية أما حجة الذين يدرسون صغارهم باللغات الأجنبية في الرياض الأطفال والمدارس الابتدائية، فهي أنهم بذلك يتمكنون من لغة حية هي اليوم من لغات العلم والحضارة، وهذا يساعدهم على إكمالهم مراحلهم الدراسية في الخارج، كما يمكنهم من الاطلاع على البحوث والدراسات والمواد المعرفية المكتوبة بتلك اللغات. وهذا صحيح إلى حدٍي ما لكن الخسائر الثقافية والفكرية والاجتماعية المترتبة على ذلك هائلة، ويقف على رأسها الانقطاع شبه التام عن التراث الحضاري العربي الإسلامي بسبب فقد القدرة على قراءته وفهمه والتفاعل معه، وقد رأينا أن دولاً متقدمة اليوم تدرس أبناءها بلغاتها، كما هو الشأن في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.. ما العمل ؟ علينا في البداية أن نقول: إننا لسنا ضد تعلم اللغات الأخرى، ولكننا ضد التعليم بها وضد تعليمها لأبنائنا في رياض الأطفال وفي المرحلة الابتدائية، وهذا يجب أن يكون واضحاً. لو تأملنا في الجهود التي بذلت خلال الخمس عشرة سنة الماضية لحماية العربية، فإننا لن نشك في أن ترغيب الناس في التحدث بالفصحى وتعلم كتابتها بإتقان، لم يأت إلا بالقليل من النتائج، وهذا يعود إلى التيار الثقافي الهائل الذي أطلقته العولمة، وهو تيار يقوم على الخضوع للأقوى والزهد في كل ما هو محلي، ومنه اللغات المحلية بالطبع، كما أن الوعي اللغوي لدى معظم العرب هو دون المستوى
عدد الصفحات ٥٣54 المطلوب، وهذا يعني أنه لا بد من عمل حازم وشاغل على المستوى القانو والتنظيمي، وإلا فإن ما نخشاه من أفول نجم الفصحى سيكون أمراً لا مناص منه!. وأود هنا أن أشير إلى التالي: صدور قانون ملزم بعدم تدريس الإنجليزية في رياض الأطفال والمرحلة -1 الابتدائية في أي مدارس حكومية أو أهلية، ومنع أبناء البلد من الدراسة في يسمى المدارس العالمية، وحجب المسعدة الحكومية عن أي مدرسة تفعل ذلك. إصدار قانون ملزم بأن تكون الفصحى هي لغة التدريس في المدارس -2 والجامعات، إلى جانب كونها لغة الندوات والمؤتمرات المكاتبات والمراسلات والعقود والوثائق الحكومية، تكون جميعاً بالفصحى. -3 برامج الإذاعة والتلفاز تكون بالفصى، وتوضع عقوبات صارمة على من- 4 يخالف ذلك بذل جهود كبيرة على صعيد تسهيل تعلم العربية وتعليمها وإنتاج كتب -5 بمستويات مختلفة تساعد على ذلك إتاحة الفرصة للتدريب على استخدام العربية بطريقة صحيحة للمدرسين -6 في كل المراحل التعليمية إيجاد حراك اجتماعي مؤسسي على صعيد الاهتمام بالفصحى وإيجاد -7 المناسبات لذلك إن دولاً قد بذلت جهوداً كبيرة على صعيد حماية لغاتها وهوياتها الوطنية،
عدد الصفحات ٥٤55 ونستطيع الاستفادة من تلك الجهود نحن نحتاج في الحقيقة إلى شيء واحد في حماية العربية هو: الاهتمام. قيم النجاح: أمة الإسلام تعاني من تخلف يضرب أطنابه في عدد من المجالات، وهي في حاجة إلى أن يكون لديها عدد كبير من الناجحين كي تستدرك على بعض ما فاتها. البداية في نظري تكون في التمكين للأفكار والرؤى والقيم والأدبيات التي تساعد على النجاح حيث يدل مالا يحصى من الدراسات والمعطيات التاريخية أن النجاح مرتبط على نحو جوهري بالطموح والإرادة الصلبة والتعليم الجيد والتفكير الإيجابي، وحين تتوفر هذه الصفات لدى شخص أو شعب، فإن المال يأتي بعد بدايات شاقة طبعاً. للنجاح الأخروي ركيزتان: الإخلاص والصواب، ودور الإخلاص أكبر لأن العمل حين يكون لغير الله تعالى لا ينتفع به صاحبه، وقد ينتفع به الناس، أما النجاح الدنيوي فإن افتقاره إلى الصواب والمهارة أكبر، ولهذا فإننا نرى عدداً من الأعمال الناجحة لغير المسلمين، ونرى أعمالاً فاشلة أدارها أناس لا نشك في إخلاصهم وصدقهم، لكن كانوا معوزين في المهارة والرؤية والإدارة والأدوات، أي في مكونات الصواب. إن أكبر جهات تؤثر في التنشئة الاجتماعية للأجيال، هي الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام،وأعتقد أن دور الأسرة هو الأكثر أهمية، لأنها هي توجد
عدد الصفحات ٥٥56 الاتجاهات لدى الصغار، وترعاها وتوجهها، ويأتي دور المدرسة ثم وسائل الإعلام مكملاً للأسرة. قيم النجاح كثيرة، وسأشير هنا على نحو سريع إلى أهمها: الإيمان العميق بأن الله تعالى لا يضيع اجتهاد المجتهدين ويذل الباذلين، لا أ- في الدنيا ولا في الآخرة، وإن التشبع بالقيم التي سأشير إليها يعد من باب حسن التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب، ولكل مجتهد من اجتهاده حظ ونصيب. التفوق على الذات منهج حياة وحركة يومية، وهو يعني أن ينافس ب- الإنسان نفسه عوضاً عن منافسة الآخرين. التفوق على الذات يعني نوعاً من الالتزام بالتحسن المستمر على مستوى التعبد والعلاقة بالناس، وعلى مستوى الاستفادة من الوقت وإنجاز المهمات. لاشك أن هذا من أشق الأمور في الحياة، ولكن غرس هذه الفكرة ضرورية جداً لأنها لا تساعد على التقدم فحسب، وإنما تعمل وكأنها صمام أمان من الانتكاس. النجاح الباهر يحتاج إلى الرغبة والقدرة، لأن من يصوًب على الإنجازات ج- الكبرى يواجه الكثير من العقبات، ولهذا فإن من المهم جداً أن يبلغ ولع المرء بعمله حد العشق حتى يتمكن من يذل الجهد الاستثنائي مدة طويلة، وهذا يعني أنه لا يجوز للأبوين إكراه ابنهما أو بنتهما على دراسة تخصص معين أو العمل في مهنة محدودة، كما أنه يعني أن يكون لدينا بيئة عامة، لا تكره كتلة كبيرة من الشباب على العمل فيما لا يحبون ولا يحسنون. من وجه آخر يتوجب على الواحد منا أن يكتشف، أو يعثر من يساعده على من يكتشف قدرته ونقاط القوة لديه لأنه مجرد الرغبة في عمل شيء لا تكون ناجعة ما
عدد الصفحات ٥٦57 لم يصحبها قدرة وإمكانية شخصية من المهم لمن يسعى إلى النجاح الكبير أن يتعود قبول الفشل واصطدام د- بالأبواب المغلقة، فهذا شيء طبيعي، وإلا لصار كل الناس عظماء وناجحين كباراً. بعضهم يعرٍيف النجاح بأنه القدرة على أن تنتقل من فشل إلى فشل دون أن تفقد الحماسة. نعم إن الذي يضاد النجاح ليس هو الفشل، ولكنه اليأس والتوقف عن المحاولة الأخطاء دروس نتعلم منها، وسينتهي الخطأ حين نستوعب الدرس، واستيعابنا يكون بتغير سلوكياتنا. التفكير االإيجابي، وهو يعني يعنيه رؤية الفرص والتفاؤل والتركيز على هـ- الحلول إلى رؤية الوجه المشرق للأشياء، ومما يذكر في هذا السياق أن مندوباً لإحدى شركات الأحذية زار قرية صغيرة يمشي الناس حفاة فيها، فأرسل إلى شركته بأن لا أمل في بيع شيء من الأحذية في هذه القرية، لأن الناس لم يتعود الانتقال، وبعد مدة ذهب مندوب لشركة أحذية أخرى، فأرسل إلى شركته متعة المشي في حذاء، ويمكن أن نجعلهم يجربون!. التخلف أوجد قدراً هائلاً من السوداوية والتشاؤم والإحباط، ولهذا فهناك حاجة ماسًة إلى نشر أدبيات التفكير الإيجابي على أوسع نطاق. وضوح الهدف لدى الواحد منا ذو قيمة كبرى في فاعليته والاستفادة من و- وقته، يمكن للأسرة أن تساعد أطفالها على أن يكون لهم أهداف واضحة يسعون إلى تحقيها منذ سن الثانية عشرة. الهدف الجيد يجب أن يكون مكتوباً، كما ينبغي أن يكون محدداً جداً، حتى يمكن قياسه. قد تبين أن العمر يضيع سدى ما لم نضغط عليه بأهداف مستقبلية. لدينا اليوم عدد كبير من الدورات التدريبية التي تساعد
عدد الصفحات ٥٧58 الشباب على تحديد أهدافهم ورسم خطط شخصية لتحقيقها، ومن المهم تشجيع الشباب على دخولها. وضوح الهدف يخلصنا من سلبية كبيرة، هي إدمان الحديث عما لا نريد والذي يعبرٍي على نحو مبطًن عن نفسية احتجاجية يائسة. المثابرة والاستمرار في الكدح فضيلة من أعظم الفضائل التي يحتاج إليها ز- الناجحون. والحقيقة أن المثابرة تترجم عدداً من القيم العظيمة مثل وضوح الهدف والصبر والقدرة على التحمل، وهي قيمة يحتاج إلى التسلح بها جميع الراغبين في التفوق الاستثنائي، والناس الأقل موهبة هم الأكثر احتياجاً إلى التعود على المثابرة والمداومة على بذل الجهد. للمثابرة شرط شبه وحيد هو مجاهدة الناس وحملها على المكاره، والله تعالى 1ﱪ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﱫيقول: أسرنا ومدارسنا في حاجة أن ترسل رسالة واضحة وقوية إلى الجيل الجديد بأن طريق المعالي لا يكون معبداً أحد مهما كانت مواهبه وإمكاناته، وأن للعيش بكرامة ثمناً لا بد من دفعه بطيب نفس، وقد دلت تجارب كثيرة على أن إلزام النفس بأعمال وإنجازات يومية يشكل شيئاً مهماً في تجلي المثابرة، وذلك مثل قراءة جزء من القرآن الكريم يومياً وقراءة كتاب متوسط في الأسبوع وتفريغ نصف ساعة في اليوم للتفكير في قضية من قضايا الشام العام... الصدق والأمانة والنزاهة صفات مهمة للساعين إلى التفوق والإنجاز ح- العالي، وذلك لأن كثيراً من الأعمال لا تكفي فيه الكفاءة العالية، وإنما لا بد معها ....1
عدد الصفحات ٥٨59 من المصداقية والأمانة حتى يصبح المرء موضع ثقة، وقد أشارت ابنة شعيب إ يا أبت استأجره إن خير استأجرت القوي ﱫالمهارة والأمانة معاً حين قالت: كثير من أصحاب الثروات يقولون باختصار: لقد نجحنا بسبب وثوق 1ﱪالأمين الناس بنا، فقد استثمروا معنا أموالهم ونحن في أمس الحاجة إليها، وعلى نحو عام فإن الخلق الحسن هو باب من أبواب الرزق، ومع أن أتمتة كثير من الأعمال خففت من إمكانات الغش والخداع والاستغلال إلا أن الصدق يظل محتفظاً بقيمة العليا في كثير من المجالات. العمل في دائرة التأثير يساعد كثيراً على الحصول على نتائج طيبة، وإن من ط- الواضح أن ما يثير اهتمامنا كثير ومتنوع، لكن الذي نستطيع إحداث تغيير فيه، أو نملك المهارة للفوز به دائماً محدود بسبب محدودية إمكاناتنا ووسائلنا على المستوى الاجتماعي مثلا تأثير المرء في أسرته أكبر من تأثيره في جيرانه، وتأثير المعلم في طلابه أكبر من تأثيره في أنباء بلده، وعلى مستوى المهارة نجد أن أصحاب الخيال الواسع يفلحون في التفكير والتخطيط الاستراتيجي على حين أن أصحاب الذاكرة القوية يفلحون في دراسة الطب والتاريخ والشريعة... كما أن أصحاب الشخصية الآسرة ينجحون في الإدارة والأنشطة النقابية والحزبية والسياسية. التمييز بين دائرة التأثير ودائرة الاهتمام مهم للغاية لحفظ جهودنا من التبديد ومهم لتوظيف مواهبنا في المجال الصحيح. إعداد الذات للعمل ضمن فريق شيء مهم جداً في العصر الحديث،حيث ي- إن كثيراً من الأعمال قد بلغ درجة من التعقيد تجعل الجهود الفردية قليلة الجدوى. 1
عدد الصفحات ٥٩60 العمل ضمن فريق يحتاج أولاً أن يحاول المرء تكوين فريق ممتاز فيه المبدعون المخلصون المثابرة والمنسجمون مع بعضهم، فإن وجد المرء نفسه فيمن يلتحق بفريق وليس بين من يكوٍينون فِريق العمل، فإن عليه آنذاك أن عليه آنذاك أن يتخلق بالأخلاق التي تساعد على نجاح الفريق مثل الصبر والحلم واللطف ومراعاة مشاعر الآخرين وحفظ أسرار العمل إلى جانب فهم عضو الفريق لدورة ومسؤولياته وفهم الخلفيات الثقافية لزملائه. هذه أهم قيم النجاح، وهناك بالطبع قيم أخرى مثل الحرص على الجودة والإتقان والتفكير خارج الصندوق والمخاطرة المحسوبة وإدارة الوقت على نحو جيد... لكن حرصي على عدم تضخيم الكتاب حملني على الإعراض عن الحديث عنها. - ذكر للعالمين: 5 كنت أتساءل: ما الشيء الذي يمكن أن نهديه لأنفسنا وللعالم في آن واحد فلم أجد شيئاً أهم من (الدعوة) إلى الله تعالى والتبشير بالدين الحنيف. أنا هنا لن أتكلم عن ممارسة الدعوة داخل المجتمعات الإسلامية، لأنها تشكل مهمة شرعية أخلاقية حضارية واجبة الأداء بحسب الأشخاص وعلى قدر الوسع والطاقة، وإنما سأتحدث عن هديتنا للعالم أو رسالتنا إليه. العالم يبدع، ويتطور، ويمتلك أدوات أكثر، لكنه يفقد الإحساس بالهدف النهائي، والذي يكمن تحديده في الجواب على سؤال: لماذا نحن هنا ؟. العالم يفقد الثوابت وهو يجري خلف الشهوة والمصلحة وإرضاء المزاج، وليس أدل على هذا من التشريع للمثلية، والذي يعني ببساطة فتح الطريق أمام انهيار
عدد الصفحات ٦٠61 الأسرة وفناء البشرية العالم يفقد البوصلة لأته بدأ يفقد الإحساس بأجزائه، فهناك اليوم شعوب تباد، ودور عبادة تدمر، وطائرات تقصف الحمم على رؤوس الأبرياء دون أن يرق جفن لما يسمى العالم المتحضر!. العالم اليوم إذن في حاجة إلى العقيدة بأنه جزء صغير من خلقٍي أكبر، وأن خالقه زوده عبر رسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالوصفة العلاجية لمشكلات وبالدليل لهنائه وسعادته ونجاته. نحن المسلمين ورثة الأنبياء والمؤتمنون على تبليغ القيم والمعاني التي جاؤوا بها للعالمين. نحن حين نضع البرامج ونمارس الأنشطة الدعوية نفتح في الحقيقة باباً في اتجاه الارتقاء بأنفسنا لأننا بذلك نشبه العظيم الذي ترك شرب الدخان حتى يتمكن من تحصين أولاده من شربه، ويتمكن من التحدث مع من يشربه منهم، ونحن حينئذ مثل الأب العظيم الذي عوًد نفسه الصدقة كل يوم حتى يعٍيود أسرته عليها. حتى نستطيع أداء واجبنا الدعوي تجاه العالم، وحتى يكون لجهودنا ثمرة، فإننا نحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى معرفة شيئين على نحو جيد: هو حاجات العالم، وهي كثيرة، لكن ما يعنينا هنا، وما يمكننا الانفراد الأول: بتقديمه ليس كثيراً، وربما أمكننا تلخيصه في كلمات قليلة: -العالم يحتاج إلى اليقين بعد أن وصل إلى مرحلة الشك في كل شيء. -العالم يحتاج إلى هدف يستحق التضحية بالحياة نفسها من أجله، ولن يكون
عدد الصفحات ٦١62 ذلك سوى الفوز برضوان الله تعالى ودخول الجنة -العالم يحتاج إلى ثوابت توجه مسيرته في المجال الاجتماعي وفي مجال الأعمال وعلى صعيد العلاقات الدولية -العالم في حاجة إلى الشعور بالطمأنينة والأمان والدفء والعاطفي هل نستطيع توفير هذه الأشياء له، أو الإسهام على نحو فعال في ذلك ؟ الجواب هو نعم، ولكن بشرط أن يعد كل واحد منا نفسه مسؤولاً عن إيصال 1ﱪ بلغوا عني ولو آية ﱫ للعالمين، كما طلب ذلك حين قال: Ìصوت نبيه نضرً الله عبداً سمع مقالتي، فوعاها، فبلًغها من لم يسمعها، فربً ﱫوحين قال: 2ﱪحامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه لا فقه له فهم الذائقة الثقافية لمن ندعوهم إلى الإسلام، والمقصود بالذائقة الثقافية الثاني: هنا: الحاسًة العقلية والنفسية والذوقية التي يتلقى الناس بها ما نقوله لهم، إنها طريقة فهمهم وتفسيرهم لما نقوله، وإنها التداعيات النفسية والمنطقية التي يتركها كلامنا لديهم. إذا قلنا: إن على كل مسلم أن يمارس الدعوة بحسب استطاعته ومعرفته، فهذا يعني أن على الصفوة من الدعاة والمثقفين المسلمين القيام بأمرين مهمين: نشر قضية الاهتمام بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام على نطاق واسع بين -1 الجماهير الإسلامية، وبيان أهميتها وشيء من طرقها وأساليبها والأخطاء التي يقع فيها بعض الناس. رواه البخاري 1 روي هذا الحديث بروايات عدة تبلغ به مرتبة التواتر 2
عدد الصفحات ٦٢63 تقديم النموذج العملي للداعية المؤثر، وأعتقد أن النموذج المطلوب يتسم- 2 بعدد من السمات الجوهرية، لعل منها اللطف والاقتراب من الناس برفق شديد وبأجمل الطرق، لأن حاسًة الجيل -1 الجديد تجاه تطفل الآخرين منتفخة إلى حد التورم المرضي، كما أن مساحات الحرية الشخصية تتسع باستمرار ولاسيما فيما يسمى العالم الحر، ولهذا فإن كثيرين باتوا ينظرون إلى إرشادهم للخير على أنه نوع من التدخل في حياتهم الشخصية. الإحسان إلى الآخرين يشكٍيل باباً كبيراً لإثارة اهتمامهم، بل للدخول إلى -2 عقولهم وقلوبهم. لا أقصد بالإحسان هنا أن ندفع لمن نريد دعوتهم المال (وإن كان ذلك وارداً في بعض الأحيان) وإنما أقصد الوقوف في موقف الإنسان النبيل المؤثِر الذي يفكر في غيره، ويرى همومه ومصالحه، وهذا قد يتمثل في ابتسامة أو سؤال عن الحال أو المساعدة في متاع أو في تنظيف الشارع أمام بيت الجار أو في شرح مسألة معقدة لزميل في الجامعة...الإحسان دائماً يترجم ما لدى صاحبه من رفاهية روحية وأناقة في الذوق والإحساس. الاستقامة والصدق والمصداقية، فالأمم حين تسلك سبيل الانهيار لا -3 تسلكه بسبب قلة المال أو ضعف النظم، وإنما بسبب فقد النموذج الأخلاقي الذي يرشدهم إلى ما هو أقوم وأفضل، ولهذا فإن نجاحنا الدعوي على المستوى المحلي والعالمي يتوقف إلى حد بعيد على تحلينا بالصفات والفصائل التي نتمنى أن نراها في العالم، وندعو العالم إليها، ويأتي على رأسها النزاهة والاستقامة المالية والنجاح في أعمالنا، وكف الأذى عن الآخرين والخروج من فلك التفكير المطلق في المصالح الشخصية. العالم يحب أن يرى والصورة الحية تؤثر في عقول الناس
عدد الصفحات ٦٣64 وفي نفوسهم أضعاف الكلمة المسموعة، ولهذا فنحن حين نصبح نماذج إرشادية هادية نكون قد سمحنا للعالم بأن يرى طريق خلاصه، وإمكانية نجاته. الإبداع في الأساليب والوسائل الدعوية، وهذا العنصر في غاية الأهمية، -4 فهذا الدفق الهائل من الصور والرموز والمشاهد والأخبار والمخترعات... جعل الوعي البشري لا يتوقف إلا عند ما هو بديع وجديد ومتفوق ومؤثر. المشاهد التمثيلية ومقاطع الفيديو والكلمات الصوتية القصيرة والحوارات والأسئلة الذكية تؤثر اليوم أضعاف تأثير خطبة أو محاضرة، وينبغي لكل ما ذكرناه أن يكون قصيراً أو مضغوطاً قدر الإمكان على قاعدة: كل ما كان أصغر وأقصر فهو أجمل!. الشيء الأخير الذي أريد أن أختم به هذه القيمة العظيمة هو: دعوة أثرياء المسلمين إلى إنفاق المال بسخاء على الأنشطة والمنتجات الدعوية، ومن ﱫفهذا المجال من أشرف ما تُنفق فيه الأموال، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: الأنشطة 1ﱪأحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين الدعوية باتت اليوم مكلفة للغاية لأن كثيراً منها يتركز تدريجياً في المنتجات الإعلامية، وإن لدينا عشرات الألوف من الأثرياء الذين يستطيع كل واحد منهم أن ينشئ قناة فضائية أو موقعاً الكترونية، وأن يمول فريقاً إعلامياً، وأن يفرغ عدداً كبيراً من المتخصصين في الدعوة من أجل التبشير بالدين الحنيف وجذب الآخرين إلى طريق الإسلام. 33سورة فصلت 1
عدد الصفحات ٦٤