17 العقل الخاوي من المعرفة والعقل المتخم بالمعرفة لكنه مغلق، ومعزول عن الواقع، كلاهما ليس مطلوباً لزماننا، ولا ينفعنا في معالجة أزماننا. العقل الخاوي من المعرفة يعجز عن الإبداع. ويعجز عن العمل بطريقة صحيحة، والعقل المغلق عقل تقليدي جامد مرتبط بمعارف قديمة، بعضها ما زال يحتفظ بصلاحيته، وبعضها اعتراه التقادم والنسخ، فتحول إلى عبء على العقل أو عائق عن التفكير الصحيح ؟ ما العقل المنفتح ؟ العقل المنفتح هو عقل مستعد للنظر في مقولات المخالفين له لاحتمال -1 انطوائها على شيء من الحق أو الصواب صاحب العقل المنفتح يعرف الرجال بالحق على حين أن صاحب العقل -2 المغلق يعرف الحق بالرجال، وشتان ما بين هذا وذاك صاحب العقل الممتلئ بالمعرفة يشبه (الصيدلاني) الذي يقوم على حفظ -3 الأدوية في مخزنه، أما صاحب العقل المنفتح، فإنه يشبه الطبيب الذي يشخًص الداء ويصف الدواء، ورحم الله أبا محمد الأعمش حين قال للإمام أبي حنيفة النعمان: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة حيث إنه كان محدثاً على حين أن أبا حنيفة كان فقيهاً أصولياً مجتهداً. صاحب العقل المنفتح لا يتمسك بأفكاره وطرق تفكيره القديمة لأنه -4 يعرف بدقة أن الحقيقة النهائي لا تسفر عن وجهها إلا على سبيل التدرج، ويعرف أن الإنسان قد يتخلى عن كثير من الأفكار التي كانت عزيزة عليه في يوم من
عدد الصفحات ١٧18 الأيام، وما ذلك إلا لأن صحتها نسبية صاحب العقل المنفتح يؤمن قادر على التكيف مع الأفكار الجديدة، لأنه -5 يعرف أن الخبرة البشرية تتراكم، وأن الكشوفات العلمية الجديدة قد تنسف كثيراً من المفاهيم والمعتقدات القديمة. صاحب العقل المغلق ينفذ إلى الواقع وينظر إلى المعطيات الجديدة من - 6 خلال العقل الجمعي السائد، أو من خلال النظرة الاجتماعية المهيمنة على الحياة العامة، لكن صاحب العقل المنفتح ينفذ إلى الواقع من خلال منهجيته ومحاولاته الخاصة، وذلك ليقينه بأن التيار العام في المجتمع ليس راشداً، وبالتالي فإن مسايرته والاستسلام له يشكل عائقاً كبيراً أمام التحديث والتطوير المطلوب. صاحب العقل المغلق يعتقد أن الإبداع مرتبط بالذكاء والموهبة أكثر -7 من أي شيء آخر، ولهذا يعتمد في فهم الأشياء وفي الإيداع والاختراع على ما لديه من ذكاء وفطنة وقدرات عقلية فذة، أما صاحب العقل المنفتح فإنه يقدر الموهبة، ولا شك لكنه يعتقد أن الإبداع مرتبط بالبحث العلمي المنهجي أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر.بقي أن نقول: إن بناء العقل المنفتح يكون من خلال الحوار وإثارة الأسئلة ومن خلال مشاركة الآخرين في الوصول إلى الحقيقة واكتشاف المجهول. -الأصدقاء النوعيون: 5 لماذا يبحث الناس عن أصدقاء جيدين ؟ هذا سؤال طرحته على نفسي، ووجدت أن الناس يفعلون ذلك بحثاً عن
عدد الصفحات ١٨19 المتعة الروحية التي يجدونها حين يشعرون بنوع من التوافق الروحي والعق مع الآخرين، أو أنهم يبحثون عن الأصدقاء طلباً للفائدة والمنفعة المادية، أو من أجل الاثنين معاً. سؤال آخر طرحته على نفسي، هو: من هم الذين يؤلفون الكتب؟ وقد وجدت في الجواب على هذا التساؤل على أن معظم المؤلفين لا أقول طبعاً: كل المؤلفين يمثلون خير ما في زمانهم على المستوى الروحي والخلقي والثقافي والعقلي، وينقلونه للأجيال القادمة، ومن هنا فإن القراءة تعني التواصل مع أفضل ما تركه لنا الأسلاف من فهم وخبرة ومعرفة ومعانِ سامية... نحن اليوم نعاني من مشكلة حقيقية في مسألة القراءة، وأنا دائماً أقول: إن أخطر المشكلات تلك التي تستقر في عقلنا الباطن، لتتوراى عن الإدراك وبالتالي يكون علاجها صعباً أو بطيئاً، وأني أعتقد أن من أخطر ما طرأ على الوعي العميق لجيل الآيباد وتويتر والفيسبوك هو التساؤل الخفي: لماذا نقرأ ؟ نعم لماذا نقرأ ونحن نستمتع ونستفيد من خلال التواصل مع الأصدقاء الحقيقيين والافتراضيين على وسائل التواصل الاجتماعي ؟ هذا على حين أن الأجيال الماضية كانت تقول: لماذا لا نقرأ مقرعة ذواتها على التقصير في القراءة ؟!. الإسلام في حركته الإصلاحية الكبرى يراهن على شيئين: الوعي والضمير على حين أن الطغاة والمجرمين يراهنون على الجهل والغفلة وضعف الخبرة وفساد
عدد الصفحات ١٩20 الضمائر، ولما كانت القراءة من أهم مصادر تكوين الوعي والحاسًة الأخلاقية، ومن أهم عوامل البناء لفضائنا الروحي، فإنه يكفي الشغوفين بالقراءة وأصدقاء الكتاب فخراً أن يكون معقداً لآمال المصلحين، وقد افتتحت أعمال النبوة لدى بتوجيه الرب جل وعلا له بقوله: ( اقرأ)!.Ìنبينا ما كتب حول القراءة كثيراً جداً، لكن الانتفاع به محدود، لماذا ؟ لا أدري بالضبط، ولكن أظن أن الأمية وضحالة المعرفة السائدتين في معظم البيوت هما المسؤولتان عن ذلك، إذا إن القراءة نشاط مميز جداً، وخاص جداً ولهذا الطفل لا يتعلمه كما يتعلم الكلام أو المشي، وإنما يحتاج إلى عناية ورعاية فائقة، وهذا هو السر الكامن وراء الظاهرة الإنسانية الشائعة: كل الناس يتكلمون، لكن بعضهم فقط الذين يجيدون القراءة والكتابة!. يأتي التعليم الرديء، والممل والثقيل ليكون ثالثة الأثافي في مشكلة الإعراض عن القراءة ومجافاة الكتاب، نعم إن التعليم الرديء يجعل الكتاب بالنسبة إلى الطلاب بمثابة العدو، ويمكن أن نضيف إلى كل هو أن الكتاب العرب والمسلمين الذين يجيدون الكتابة الجاذبة، وينتجون الكتاب الشائق هم دائماً قليلون، والنتيجة المزعجة لكل هذا هي: القليل من القراء الجيدين والقليل من الكتب الجاذبة للقراءة!. التحدي الذي يواجهنا هو جعل القراءة من جملة العادات اليومية لصغارنا وكبارنا، وجعل ارتياد المكتبات الخاصة والعامة أشبه بارتياد المطاعم والحدائق وأماكن التسوق، وهذا التحدي من أكبر التحديات التي تواجه كل الأمم. نقاط أساسية:
عدد الصفحات ٢٠21 إذا أردنا لعقولنا أن نفكر بطريقة جيدة، فيجب أن نملأها بالمواد المعرفية- 1 الجيدة، إن الدماغ مثل الرحى أو الطاحون، حيث لا يمكن للدقيق أن يحمل خصائص دقيق القمح، ونحن قد وضعنا في الطاحون العدس أو البقول... أما الذين لا يقرؤون فإن عقولهم عند التفكير في أي مسألة تشبه إلى حد بعيد الطاحون التي لم نزودها بأي نوع من الحبوب، بل وضع العقل أسوأ لأنه حينئذ ينتج الأوهام والخيالات الفاسدة، وليست الطاحون كذلك. لدينا ما لا يحصى من الأفكار التي تزين القراءة للناس وآلاف المناشدات - 2 التي تحثهم عليها، ولكن النتائج باهتة بل مخيبة للآمال، والسبب فيما أظن يكمن في أن العالم لا يرتقي بالأفكار وإنما بالنماذج، ومن الواضح أن القراء النهمين في مجتمعاتنا لم يستطيعوا تكوين الكتلة الحرجة التي تجعل الناس يحبون القراءة، ويوبخون أنفسهم عند التقصير فيها، ولذلك فإن المسؤولية في هذا تقع على الصفوة التي لم تقم بدورها الريادي في هذا الشأن. مع أن القراءة في الأساس نشاط غير جذاب، ولاسيما ذلك النوع من القراءة - 3 الذي يقوم على التحليل والاستنتاج وتلخيص أهم الأفكار ومناقشة الكاتب مع كل هذا فقد أوجد التقدم التقني المزيد من المنافسين للكتاب، ويأتي التلفاز وموقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومقاطع اليوتيوب على رأس المنافسين للكتاب والنشاط القراءة، ولهذا فإن البداية في جعل القراءة عادة يومية لنا، تتمثل في ميثاق غليظ نأخذه على أنفسنا بالابتعاد عن كل ما ذكرناه ساعتين في اليوم على الأقل من أجل القراءة في الكتب القيمة، ومن أجل التفكير والتواصل 1مع الأهل والزملاء من الأشياء اللافتة والمعبرة ما ذُكر في الأيام الأخيرة من أن شاباً شرط على المدعوين لحضور زفافه عدم إحضار جوالاتهم معهم!! 1
عدد الصفحات ٢١22 معظم الناس يقرؤون من أجل التسلية وملء الفراغ، وهذا اللون- 4 من القراءة لا يخلو من فائدة لكن المطلوب ممن يعدون أنفسهم لدور مميز في النهضة والإصلاح والتغيير أن يقرؤوا من أجل إنتاج المعرفة والإضافة إليهم، فإذا فعلوا ذلك كانوا أفضل القراء، لأنهم يعرفون بالضبط ما الذي يختارونه للقراءة وكيف يقرؤون. فإذا غجز المرء عن ذلك فليحرص على أن يقرأ من أجل توسيع قاعدة الفهم لديه ومن أجل رفع مستوى محاكمته العقلية، وهذا يحتاج إلى القراءة في كتب متميزة وجادة ومركزة، كما يحتاج إلى قراءة. المهم في القراءة هو الكيف وليس الكم، المهم ليس عدد الكتب التي نقرؤها، -5 ولا الساعات اليومية التي نقيها في صحبة الكتاب، المهم هو نوعية الكتب التي نقرؤها وكيفية قراءتنا لها. هذا يعني أن نركز على الحصيلة الفكرية والمعرفية التي نمتلكها بسبب نشاط القراءة، وقد قال أحد الفلاسفة: أن تقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات خير من أن تقرأ ثلاثة كتب جيدة! لماذا هذا لأن تكرار قراءة الكتاب الجيد يعني أننا نستمتع بقراءته، وأننا قد عقدنا العزم على استنفاد كل ما فيه من معان ومفاهيم وخيرات ثقافية. الكتاب الجيد ليس هو الكتاب السهل، الكتاب الجيد هو الذي نعاني في قراءته، لأننا إذا فهمنا بسهولة كل ما نقرأ، فهذا يعني أننا لا نطلع على شيء جديد، وإنما نتذكر شيئاً عرفناه من قبل. الكتاب الجيد هو الذي يرتقي بقراءته، ويصعد به في فضاء المعرفة الرصينة، وحتى يفعل ذلك، فينبغي أن يكون فوق مستوى قارئه، وأنا شخصياً أفضل
عدد الصفحات ٢٢23 % منه على الكتاب الذي أستوعبه جميعاً70الكتاب الذي أفهم الهدف الأسمى للقراءة الجادة هو تغيير نمط التفكير لدينا وهز قناعاتنا -6 الموروثة ببعض الأشياء إلى جانب جعلنا نتواصل مع مستجدات عصرنا، وهذا لا يتحقق إذا لم نملك فعلاً ما نقرؤه ونتفاعل معه، وإن أفضل طريق إلى ذلك هو أن نفكر فيما قرأناه، ونعمل على تحليله وتوضيح ما يعنينا منه، إلى جانب محاورة الأصدقاء والزملاء فيه، لأن الأفكار لا تنضج إلا إذا لاكتها ألسنة المناظرة. التفكير فيما نقرأ يعني ببساطة أننا نعمل على إدخاله في أنساقنا الفكرية والسماح له بخلخلة تلك الأنساق وتطويرها وتخليصها من بعض المفاهيم الخاطئة، ولهذا فقد اقترح بعضهم على من يقرأ ساعة أن يفكر فيما قرأه ثلث ساعة من أجل تمثل الحصيلة المعرفية الجديدة في مركينا العقلي. في يوم كل واحد منا ساعة ذهبية مميزة، هذه الساعة تكون فيها درجة - 7 الصفاء الذهني أعلى، وتكون الصوارف هم القراءة المركزة أقل، وللناس في تحديد هذه الساعة مذاهب شتى، فمنهم من تكون ساعته الذهبية بعد العصر أو بعد المغرب أو بعض العشاء، ومنهم من تكون ساعة الذهبية قبل الفجر أو بعده.... لا مشكلة، المهم بالنسبة إلى كل واحد منا هو اكتشاف تلك الساعة والاستفادة منها. أنا شخصياً اكتشفت منذ مدة بعيدة أن ساعتي الذهبية بعد الفجر حيث الراحة التامة للدماغ وحيث تنعدم الاتصالات والطوارئ والعوارض، ولهذا فإني أخصص هذه الساعة في معظم الأيام للكتابة والتفكير وقراءة النصوص الصعبة حيث تختلط رائحة القهوة بالرائحة المميزة للكتب.ساعة واحدة مميزة وفريدة قد تعدل في بركنها وعطائها نصف يوم أو أكثر!.
عدد الصفحات ٢٣24 جربوا واكتشفوا واغنموا إذا كان لي أن أعدد أهم ما على مسلمي القرن الحادي والعشرين التفكير فيه والاهتمام به، فإنني لا شك سوف أجعل منه الاهتمام يجعل القراءة تقليداً من تقاليد حركتنا اليومية تنظيمنا لأوقاتنا، فحضارتنا افتتحت بـ (اقرأ )وتستأنف أيضاً بـ (اقرأ) وتستمر بها. - جيل مبدع:6 عصرنا هو عصر الذكاء والقيادة والإبداع من غير ريب، ولاشك والله عز وجل خلق الإنسان على أنه كائن مبدع، يتخيل، ويقدر المخاطر، ويتجاوز ظروفه... وهذا الإنسان هو أيضاً (كائن مستهلك) يستهلك النظم والأفكار والأشكال والطرز، وقدرته الهائلة على الاستهلاك تعد أكبر محًرض له على الإبداع، كما هو شأن كثير من الأفراد والشعوب. قد عاش الناس دهوراً وهم يعتقدون أنهم ينقسمون إلى قسمين قادرين على الإبداع وعاجزين عنه، وقد استغرق تغيير هذا المعتقد (عند شريحة منهم طبعاً) وقتاً طويلاً حيث تبين أن البارئ جل وعلا قد منح كل واحد منا نوعاً من التفوق في دماغه، والمشكلة دائماً في المعوقات وضعف الاهتمام والتدريب، وقد أثبت (هوارد جاردنر) عبر نظرية (الذكاءات المتعددة ) حيث تقوم هذه النظرية على معتَقد أن كل الأطفال يولدون ولديهم كفاءات ذهنية متعددة، منها ما هو قوي، ومنها ما هو ضعيف، ومن شأن التربية الفعالة والرشيدة، أن تنحي ما لدى المتعلم من كفاءات ضعيفة، وتعمل في الوقت نفسه على زيادة قوة القوي منها، وإن من
عدد الصفحات ٢٤25 أفضل ما جاءت به هذه النظرية هو تهميش العوامل الوراثية التي طالت صدت عن بذل الجهد مع كثير من الأبناء بحجة عدم وجود موهبة لديهم!. وضع العالم الإسلامي في تسجيل براءات الاختراع سيئ للغاية، وتأتي الدول العربية في المكان الأسوأ، حيث تشير تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية ) براءة اختراع 491 إلى أن الدول العربية مجتمعة سجلت2012)لعامw1p0( ) براءة اختراع1377على حين أن اليهود في فلسطين سجلوا أمريكا والتي يقل عدد سكانها عن الدول العربية مجتمعة سجلت في العام % من 17) وسجلت كوريا الجنوبية والتي لا يزيد سكانها ع51207نفسه 1) براءة اختراع11848سكان الدول العربية أرقام محزنة ومفزعة، لكن لعلها تشكل صدمة للوعي العربي الغافل والشارد عما يجري في العالم حوله!. إذا كان التباين في الإبداع وبراءات الاختراع ليس ناجحاً عن فروقات في الذكاء الموروث، فهذا يعني أن المشكلة تعود إلى معوقات نفسية وتربوية ومفاهيمية وبيئية قبل أي شيء آخر: إن الإبداع هو عملية، يستطيع الفرد من خلالها الوصول إلى أفكار أو - 1 منتجات جديدة، وقد يتجلى الإبداع في الربط بين بعض الأفكار أو اكتشاف العلاقة بين بعض الأشياء، وقد كشف الجذور والأسباب لبعض الظواهر أو في تطوير بعض المنتجات.. والحقيقة أن ما يصدر عن المخ البشري وعن اليد البشرية مما يسمى إبداعات واختراعات يفوق الحصر، وكثير منه لا يتم تسجيله .2013/3 /20 في 7100الاقتصادية: العدد 1
عدد الصفحات ٢٥26 لدى أي جهة من الجهات، وإن الإبداع قد يتجلى في التعامل مع ابن كسول أو في استقبال أم غابت عن أنظار أبنائها عشرين سنة أو في التعامل مع الضياع في الصحراء أو في التعبير عن امتنانك لشخص أنقد حياتك.. وعلى هذا فالمبدعون فعلاً كثيرون جداً. الأصل في كل إنسان أن يكون مبدعاً، هكذا يقرر الفهم الجديد لمسألة -2 % من الناس لا يبدعون، ولا يضيعون للحياة أي 95الإبداع، فإذا وجدنا أن جديد، فإن هذا يعني أن هناك عائق أو عوائق من نوع ما، حالت دون ذلك، وأعتقد أنه يأتي على رأس القائمة البيئةُ التي يعيش فيها الإنسان، حيث إن البيئات التي تسود فيها الأمية أو ضحالة الثقافة والبيئة الفقيرة المرهقة تكون حاضنة لعدد من معوقات الإبداع مثل انخفاض سقف الطموحات، والخوف من نقد الآخرين، والخوف من الفشل وعدم الثقة بالنفس... أضف إلى هذا الوهم المفاهيمي الموروث بالنسبة إلى الإبداع حيث يدل المثل الشعبي: ( الديك الفصيح من البيضة يصيح ) والمثل الشعبي: ( المكتوب يٌقرأ من عنوانه) على أن الإبداع هو شيء وراثي، أي أنه مرتبط بالذكاء والتفوق الذهني، وهذا من الأوهام التي تتناقلها الأجيال، نعم إن الأغبياء لا يكونون مبدعين ولا مخترعين، ولكن متوسط الذكاء قد يكون مبدعاً عظيماً إذا كان لديه قدر كبير من قوة الإرادة والرغبة في البحث العلمي والصبر عليه مع محفزات أخرى. معوق آخر من معوقات له أيضاً علاقة بالبيئة، وهو اكتشاف الموضة، حيث إني أشرت إلى أن لدى كل واحد منا نقطة نفوق لو تمكن من اكتشافها ورعايتها، فإنه قد يصبح في عداد العظماء أو المبدعين الكبار، والسؤال هو: من الذي سيكتشف تلك الموهبة ؟
عدد الصفحات ٢٦27 هنا نواجه أيضاً معضلة كثيراً ما تكون من منتجات البيئة، إذ إن المأمول هذا هو أن يقوم الأبوان أو الإخوة الكبار والأصدقاء المقربون بلغت نظر الطفل أو الفتى إلى ما لديه من عبقرية في مجال من المجال، ومما لا شك فيه أن للمدرسة دوراً مهماً في هذا تمارسه من خلال ملاحظات المدرسين ومن خلال الدرجات التي ينالها الطالب في الامتحانات، لكننا نعود فنقول: إن الأسر التي يغلب عليها الجهل والأمية والمدارس التي تقدم تعليماً رديئاً، إنها جميعاً لا يساعد على اكتشاف المواهب، كما أنها لا تساعد على تنميتها ورعايتها، وأعتقد أن تحسن مستوى الأسر على الصعيد المعرفي ووجود بعض المدارس الجيدة سوف يساعدان على التخفيف من هذه الأزمة. ذُهان السهولة وذُهان الاستحالة، كلاهما يعوق الاتجاه نحو الإبداع، 3 فنحن حين نعتقد أن كتابة نص إبداعي أو حل مشكلة بطريقة إبداعية، أو تقديم منتج يخترق ما لدينا من خبرة ومعرفة متعلقة به... إذا كان نعتقد أن ذلك ميسور ومتحقق، فهذا يعني أننا لا نعرف حقيقة الإبداع وتكاليفه الكبيرة، وإذا كنا نعتقد أن الإبداع بالنسبة إلى معظم البشر ونحن منهم هو شيء بعيد المنال وأقرب إلى المستحيل، فإننا لن نسلك سبله، ولن نحاول الوصول إلى شيء إبداعي مهم. إذن طريق الإبداع مفتوح أمام معظم البشر، لكنه وعٍير وطويل، لكن عواقب السير فيه عظيمة وممتعة، وأي شيء أعظم سعادة من أن تشعر أنك قدمت شيئاً أرشد أو أفاد، أو جعل حياة الملايين أسهل ؟. قد تكون نقطة التفوق لدى واحد منا عبارة عن موهبة كبيرة في قوة الذاكرة -4 أو سعة الخيال أو ما يسمى الذكاء اللغوي أو الرياضي أو العاطفي أو الاجتماعي أو النقدي... فإذا تمكن من اكتشافها فقد يكون المطلوب منه بعد ذلك منه هو عزيمة
عدد الصفحات ٢٧28 مذهلة وإرادة صلبة وقدرة استثنائية على المداومة على البحث والاهتمام والعمل والمتابعة في اكتشاف شيء أو تطويره... نعم إن الأشخاص العاديين يظنون أنهم استنفدوا كل الإمكانات وكل الآفاق المتاحة بالنسبة لما يبحثون فيه، ومن ثم فإن ما يصلون إليه يكون عادياً ومتوقعاً، لكن المؤهلين لأن يكونوا مبدعين عظماء، ليسوا كذلك، إنهم يعتقدون أن الإبداع يحتاج إلى أن ندخل إلى أذهاننا الكثير من المعارف المتعلقة بالشيء الذي عليه، حيث إن ( الكيف) هو الابن الشرعي لـ (الكم) كما أنه يحتاج إلى سؤال الخبراء والمتخصصين والحوار معهم، ويحتاج مع هذا أو ذاك إلى عدم القناعة بما وصلنا إليه من نتائج والاعتقاد بأن هناك احتمالات لم نخبرها، وأفاقاً لم نلمسها، وجهوداً لم نبذلها، وتجارب لم نقم بإجرائها، ولهذا فإن قال حين سُئل عن 1علينا الاستمرار في العمل مدة أطول. أديسون المخترع الأشهر % عرق جبين. نعم إن بلوغ الأهداف العظيمة يحتاج 99%موهبة و1العبقرية: إنها إلى صبر عظيم على بذل الجهد، ويحتاج كذلك إلى صبر على تذوق مرارة الفشل والاصطدام بالجدران العالية والأبواب المغلقة، وهذا شيء مهم للغاية، فنحن لا نرى في الحقيقة إلا ثمار المحاولات الناجحة، وما يرافقها من نشوة النصر، لكن إلى جانبها عشرات الألوف من النتائج السلبية والمحاولات الفاشلة التي كلفت الكثير من المال والجهد والوقت، ولكن لا بأس فالعظماء يعتقدون أن الفشل هو طريق النجاح. المبدع يعمل في سياق جديد، سياق قد يكون وحيداً لم يعمل فيه أحد من -5 قبل، ولهذا فإنه يحتاج إلى الرؤية الاستراتيجية، إنه يعمل على الإبداع في حقل من الحقول، يعرف ما تكلفته من الجهد والوقت والمال، وهذا يعتي أنه مقتنع سجل أديسون ما يزيد على ألف اختراع، أشهرها المصباح الكهربائي الذي يستمتع به اليوم مليارات البشر. 1
عدد الصفحات ٢٨29 تماماً بما يفعل، وقد بذل جهداً في تحديده، يعد التركيز في وقت مبكر من العمر من الأمور المهمة، وهنا يأتي دور التوجيه الأسري وتوجيه المدرسين في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، وبما أن معظم الأسر لدينا لا ترغب في القيام بهذا الدور،أو أنها ترغب ولا تعرف ما الذي عليها القيام به، فإن الخيار الأمثل قد يكون البحث للطفل عن روضة ومدرسة جيدة؛ لأن المدرسة الجيدة توفر بيئة تساعد على الإبداع واكتشاف المواهب. % من 60كنت ومازالت أقول: إن من المهم أن يجعل الواحد منا نحواً من قراراته ومطالعاته وجهده وتفكيره وتحاربه في علم أو مجال أو مساق يعشقه، ويرتاح لبذل الجهد فيه، لأن هذا أكبر مساعد على الإبداع؛ لأن الدماغ البشري العظيم يتعلم مهارات التفكير الاستراتيجية من خلال التجربة وعن طريق رؤية أعداد هائلة من الأمثلة والكثير من المعارف المتخصصة، إنه يقوم بترجمة كل ذلك إلى قواعد ومبادئ وتوجيهات ثم توظيفه في اتخاذ القرارات الاستراتيجية الصحيحة والمشروعات الإبداعية. كثيرون من تذهب حياتهم هباءً بسبب اتساع مساحات اهتماماتهم، إنهم يفكرون في كل شيء، ويقرؤون في كل شيء، والنتيجة هي معرفة واسعة لكنها مشتتة وغير موثوقة بالقدر الكافي، وهذا لأن الإبداع يحتاج إلى التركيز بعيد المدى، وإلى نوع من الذهول عن كثير من الأشياء التي تشغل الآخرين. لتنمية الإبداع والاختراع العديد من التقنيات، ولا أريد هنا الحديث عنها لأنها لا تعنيني كثيراً في هذا الكتاب، ولأنها كثيرة أيضاً، لكن أود الإشارة إلى اثنين منها:
عدد الصفحات ٢٩30 الأولى: هي التفكير على عكس المراد والمطلوب، فنحن مثلاً نريد من الناس أن يُقبلوا على قراءة الكتب، فلنشغًل أدمغتنا في وسائل التي تصد الناس عن القراءة، ونحن نريد لأبنائنا أن يكونوا جادين في مدارسهم، فلنفكر إذن كيف نجعل منهم طلاباً كسالى ومهملين، وهكذا... إن هذه التقنية ترتكز إلى ما هو معروف عن قدرة العقل البشري على اكتشاف السلبيات والنقائص أكبر بكثير من قدرته على اكتشاف الإيجابيات. نكتشف ما يوصلنا إلى ما لا نريد، ثم نفكر في الوصول إلى معرفة ما هو مضاد له من المفاهيم والأساليب والأدوات التي تساعدنا على بلوغ ما نريد على نحو مبدع!. الثانية: هي تغيير الاتجاه، والنظر إلى الأمور من زاوية جديدة، مثل أن ننظر إلى المنحة على محنة ومشكلات، فالمال مثلاً منحة وشيء مرغوب ومطلوب، وعلينا أن ننظر إليه على أنه مشكلة، ووجود الطفل العبقري في الأسرة نعمة كبرى، وعلينا أن ننظر إليه على أنه اختيار قاسيٍي وصعب... فقد المرء لعمله الذي يكسب رزقه، وفقده لذراعه في حادث سيارة وخسارة صفقة تجارية كبيرة... هذه محن ومشكلات، ونحن نريد أن ننظر إليها على أنها فرص وبوابات لحياة جديدة سعيدة وواعدة. إن هذه النظرة تخرجنا من الصندوق الاجتماعي، وتمنحنا الحرية لنفكر خارج رغباتنا وطموحاتنا، هذا يجعلنا فعلاً على طريق الإبداع، وكم هو عظيم أن ننشغل باستثمار خسارتنا التجارة في الاستعداد لصفقة أكبر مستفيدين من العبر التي استخلصناها من خسارة صفقتنا الأولى عوضاً عن ندب حظنا والعزوف عن التجارة كلياً ؟!
عدد الصفحات ٣٠31 ومن وجه آخر فإن نظرتنا إلى الملاءة المالية على أنها محنة ومشكلة تساعدنا على أن نتعامل مع المال بطريقة إبداعية، فعوضاً عن الانشغال بالتفكير في كيفية صرفه والترف به، فإننا نفكر في كيفية تنمية بطرق مشروعة وفي كيفية تعميم نفعه والتوازن في أسلوب الاستفادة الشخصية منه. إن الإبداع هو عمل خارج سياق المألوف، ولهذا فإنه يأتي بنتائج غير مألوفة. وجود الطفل الموهوب والعبقري نعمة كبرى في الأساس، نعمة له ولأهله -6 ولمجتمعه وأمته، فالعباقرة لدى كل الأمم هي رواد القفزات النوعية في كل المجالات والاختصاصات، ومن هنا فإن الاهتمام بهم بات أحد مقاييس التقدم الحضاري، كما أن إهمالهم بات مؤشراً إلى العيش خارج العصر. الموهوبون كثيرون جداً وإذا انطلقنا من نظرية الذكاءات المتعددة، فإن لدى كل الأمم فائضاً في الموهوبين يفوق قدرتها على العناية بهم، وهذا هو تفسير ظاهرة كثيرة الموهوبين وقلة المبدعين والمخترعين! البداية في رعاية الموهوب تتمثل في اعتباره من ذوي الحاجات الخاصة، مما يستدعي عناية غير عادية، وبعد ذلك تحتاج الأسرة إلى أن يكون لديها ثقافة تربوية خاصة برعاية الموهوبين، وإن من حسن الحظ أن الكتب والمقالات والتجارب الشخصية المدونة في هذا الشأن تفوق الحصر، وهي تتطلب منا شيئاً واحداً هو الاهتمام. البيئة الأسرية التي تساعد على نبوغ الموهوب وتحوله إلى مبدع مهمة للغاية، ومواصفاتها معروفة، لكن أود أن أشير إلى شيء مهم هو أن التقدم الحضاري يحتاج إلى الإبداع في كل الفنون والعلوم والمجالات، وإن الخطأ الذي يقع فيه كثير
عدد الصفحات ٣١32 من الناس أنه يريد مبدعاً مفصلاً على رغباته ومقاييسه، وهذا خطأ كبير لأن مهمة المربي هي رعاية موهبة لا إيجاد موهبة حسب الطلب. على الحكومة مؤسسات المجتمع والمدارس والجامعات دور كبير في رعاية اكتشاف المبدعين ورعاية المواهب، وإن على كل حكومة وكل مؤسسة اجتماعية أن تنظر إلى كل مواطن على أنه يمكن أن يكون موهوباً، ولعل البداية تكون في اعتماد مقاييس معتمدة للذكاء والإنجاز مما يسمح بالالتحاق المبكر برياض الأطفال والمرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية، ويمكن للجامعات والمؤسسات إقامة النوادي والمنجمات التي تقدم تدريبات متقدمة على حل المشكلات بطرق إبداعية، كما أنها تقدم برامج مبتكرة لتعزيز قدرات الموهوبين في العلوم والتخصصات والفنون المختلفة. الإبداع لدى كل الأمم يعد واحداً من أهم رهانات التقدم في القرن الحادي والعشرين، ويجب علينا كسب هذا الرهان.
عدد الصفحات ٣٢