المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كيف يفكر المسلمون في القرن 21

أ. عبد الكريم بكار

صفحة ١ من ٨

كيف يفكر المسلمون 21في القرن .عبد الكريم بكارد-. أ- 2016 1436

عدد الصفحات ١

2 هـ1435ح-/ خالد رزيق مرزوق القرشي ، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر دار وجوه للنشر والتوزيع اجمل ماقيل من الحكم والامثال والاقوال./ دار وجوه للنشر والتوزيع .- هـ1436الرياض، ..ص؛ .. سم 978-603-90581-8-2ردمك -العنوان أ-- الوصايا والحكم 2-الامثال العربية1 1436/4426 818.0284 ديوي 1436/4426رقم الإيداع 978-603-90581-8-2ردمك جميع الحقوق محفوظة لايسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب؛ أو نقله في أي شكل أو وسيلة، سواء كانت إلكترونية أو يدوية أو ميكانيكية، بما في ذلك جميع أنواع تصوير المستندات بالنسخ، أو التسجيل أو التخزين، أو أنظمة الاسترجاع، دون إذن خطي من المؤلف بذلك. كيف يفكر المسلمون

عدد الصفحات ٢

3 مقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن الناس لم يكونوا في أي يوم من الأيام أحوج إلى عقولهم وتوظيف خبراتهم منهم في هذه الأيام حيث إن تعقد المشكلات وكثرة المتغيرات وحساسية المعطيات المختلفة... إن كل ذلك سرًع تبدل الأوضاع وتغير الأحوال على نحو لم تألفه البشرية في تاريخها الطويل. هذه الوصية تتطلب من أهل كل بلد أن يتحسسوا باستمرار نقاط قوتهم وضعفهم إلى جانب الفرص المتاحة لهم والتحديات التي تواجههم، وإن نتائج ذلك التفحص كثيراً ما تكشف عن ضرورة إعادة الأولويات وإعادة تحديد نقاط ارتكازهم الإصلاحي والتنموي، وهذا بالطبع يقوم على طريقة تغيير طريقة التفكير بما يتناسب مع مشكلات عصرنا التي تفوق الحصر. أنا هنا لن أتحدث عن مبادئ التفكير وطرقه وآلياته، فهذه الموضوعات أقرب إلى الوسائل والتفاصيل الفنية، وإنما سأتحدث عن بعض الموضوعات والقضايا التي

عدد الصفحات ٣

4 أرى أن تكون موضع عناية القادة والمثقفين المسلمين على نحو خاص وجماهير الأمة على نحو عام، وقد رأيت أن يشتمل هذا الكتيب على أربعة عناوين أساسية هي: -العقل والعقلية.1 -قيم أساسية2 -الأمة والمجتمع3 -أبعاد نهضوية4 ومع علمي أن ما تحدثت عنه لا يتناول سوى جزء يسير مما ينبغي التحدث عنه في هذا المقام إلا أنني آثرت الإيجاز مراعاة لأحوال أهل زماننا، كما أن أصل هذا 1437الكتيب كان عبارة عن محاضرة ألقيتها في جامعة طيبة في المدينة المنورة عام وقد زدت على ذلك الأصل على مستوى الموضوعات ومستوى التفاصيل ما هو ملائم للنشر الجديد. وإني لأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا العمل إخواني القراء، وأن يجعله في موازين إنه سميع مجيب. حسناتي، 1437/1/1 المؤلف

عدد الصفحات ٤

5 العقل والعقلية

عدد الصفحات ٥

6 عقل فطري وهبي، وهو عبارة عن إمكانات ومبادئ أولية بدهية زودالعقل عقلان: بها الخالق عز وجل بها بني الإنسان، وهي متساوية لدى الأمم، متفاوتة لدى أفراد الناس. فهو في الحقيقة (الثقافة) على ما يراه علماء الإنسان، أي مجموع أما العقل الثاني: العقائد والأفكار والأخلاق والعادات والنظم السائدة في بيئة معينة، إنها أسلوب عيش الناس في بقعة من الأرض وطريقة رؤيتهم للحياة والأحياء. فإنها ما يملكه الشخص من تعريفات ومصطلحات ومبادئ أما العقلية ذهبية تشكِل طرائق تفكيره ومنظوره للأشياء والأحداث. وخرائط المطلوب منا جميعاً أن نطور ثقافتنا للتواءم فيها الأصول والثوابت مع الأفكار الإبداعية الجديدة، كما أن من المطلوب كذلك أن نتفحص العقلية السائدة لدينا من أجل تنقيتها من المفاهيم والانطباعات والخرائط الذهبية البالية والجامدة، حيث إن الشعب الذي لا يفهم زمانه بفرصه وتحدياته يكون مرشحاً لتحمل شروره وسلبياته. إن مما بساعد على تجديد عقولنا وعقلياتنا الآتي:

عدد الصفحات ٦

7 -التعليم مدى الحياة1 ربما كان الناس قبل مئة سنة ينظرون إلى فكرة التعليم المستمر أو مدى الحياة على أنها من باب الترف المعرفي، وذلك لأن معظم الناس كانوا أميين، وبالتالي فإن الذي يحصل على أدنى قدر من المعرفة المنهجية يشعر بالتميز بين أقرانه، كما أن الناس في الماضي كانوا يشعرون بأن ما تلقوه من معرفة خلال التعليم الرسمي كاف لنجاحهم في أعمالهم ووظائفهم، إذ إن كل شيء كان بسيطاً والمهمات الوظيفية كانت تقليدية جداً وجامدة إلى حد بعيد، أي أن الحافز للاستمرار في التعليم كان شبه معدوم، الآن طبعاً قد تغير كل ذلك. في ستينات القرن الماضي استخدمت (اليونسكو) مصطلح (التعليم مدى الحياة) على أنه وسيلة لربط مختلف مراحل التعليم النظامي مع التعليم غير النظامي وفي مفتتح القرن الحادي والعشرين حصل تطور هائل في ممارسة التعليم مدى الحياة بسبب توفر التعليم عن بعد وانتشار مفهوم التدريب على رأس العمل، كما أن اشتعال المنافسة الاقتصادية على مستوى العالم يتطلب من الموظفين اكتساب مهارات جديدة من أجل المزيد من اللياقة في أداء الأعمال، ويفوق كل ما ذكرناه في التحريض على التعلم مدى الحياة التجديد المستمر في أساليب الإدارة ومفاهيم التسويق وطرقه إلى جانب المخترعات والآلات الجديدة التي تحتاج إلى التدريب على استخدامها وتشغيلها. إن النظرة الإسلامية للمعرفة تجعل للتعليم بعداً دينياً حيث إن أهل العلم يقررون أن طلب العلم النافع هو من أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى بعد الفرائض، وقد كان إمام مثل أحمد بن حنبل يترك صلاة النافلة حين يلتقي بشيخه المحدث

عدد الصفحات ٧

8 أبي زرعة، وذلك لأن التنفل متاح في كل وقت،لكن اللقاء بالشيوخ لا يكون مفهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب ﱫ قوله: Ìمتاحاً دائماً وقد ورد عنه .ﱪلن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة ﱫوصح عنه أنه قال: 1ﱪمال نحن نحتاج إلى الاستمرار في التعليم لأهداف غير اقتصادية حيث إن الاستمرار في اكتساب المعرفة يعزز من ثقة الشخص بنفسه، ويمنحه نوعاً من الشعور بالتفوق على غيره، كما أن التكيف مع الحياة الاجتماعية الجديدة وما تتطلبه من لطف وتجمل وفهم لمشاعر الآخرين... يجعل المرء محتاجاً إلى التعلم الدائم. بناء على كل هذا فإن مدى انتشار التعلم مدى الحياة قد صار واحداً من المؤشرات الدالة على تقدم المجتمع وتخلفه، وإنك لترى هذا بوضوح حين تكون في مكان يلتقي فيه أبناء البلدان المتقدمة بأبناء البلدان النامية أو المتخلفة حيث تجدهم كالمطارات مثلاً حيث تجدهم منقسمين إلى فريقين متمايزين: فريق يقرأ أو يسمع شيئاً وفريق نائم أو ينظر إلى التلفاز أو الجوال... وهذا التمايز ناشئ من أن التعلم المستمر صار جزءاً من ثقافة الشعوب المتقدمة وعادة من عاداتهم اليومية على حين أن معظم أسرنا ومدارسنا قد أخفقت في تكوين الشفق بالمعرفة لدى عموم الجيل الحالي والذي قبله. التعليم الضعيف والتعليم القائم على التلقين يولدان نوعاً من الكره للتعلم والعلم وكل ما يتصل بهما، ويرسخ هذا أن معظم الوظائف في البلدان النامية لا % من الوظائف في الولايات المتحدة 40علاقة لها بالمعرفة، على حين أن أكثر من وأوربا واليابان... يتطلب من الموظفين الاتصال الدائم بالمعرفة. ورد الحديث بطرق ضعيفة يقوي بعضها بعضاً، ومعناه صحيح. 1

عدد الصفحات ٨

9 حب العلم يحتاج إلى جهود كبيرة داخل الأسرة، ويحتاج إلى الارتقاء بالتعليم وبيئات العمل، وهذا كله مما يحتاج إلى التفكير فيه بعمق في عصرنا هذا. -مدافعة أم مؤامرة ؟2 عالم العلاقات هو عالم التعقيد والغموض والتخرص، ولهذا فالأخطاء فهمه دائماً حاضرة. لو تأملنا في حديث معظم المسلمين عن النكبات التي تحل بهم لوجدنا أنهم يشيرون في غالب الأحيان بأصابع الاتهام إلى المؤامرة الكونية التي تحاك ضدهم، ويبدو أن هذا التفسير راسخ في النفس البشرية، ويتم استخدامه بوصفه أداة للدفاع عن الذات، وبوصفه مخرجاً للهروب من المسؤولية الشخصية والتخلل من الالتزامات الأخلاقية الواضحة تجاه كثير من الأحداث، ولعلي هنا أجليٍي بعض النقاط المهمة: لكل دولة وأمة مصالح كبرى تسعى إلى تحقيقها، وبما أن العالم منقسم إلى أ- أقوياء وضعفاء وإلى منتجين ومستهلكين، فإن من الطبيعي أن يكون تحقيق كل فريق لمصالحة على حساب الفريق الآخر، وعلى سبيل المثال فإن للدول الصناعية مصلحة كبرى في الحصول على طاقة ومواد أولية رخيصة، ولها مصلحة كبرى أخرى في أن تجد أسواق العالم مفتوحة أمام منتجاتها، وهي مستعدة لخوض معارك كبرى من أجل ذلك، لأنها ترى أن مصلحة كهذه تعد وجودية ومصيرية بالنسبة إليها، نحن مصالحنا تكمن في بيع ما لدينا من مواد أولية بأغلى الأنماء حتى تسدد فواتير شراء منتجاتهم المصنًعة، ولنا مصلحة كبرى في حماية صناعاتنا الناشئة من احتياج مصنوعاتهم لأسواقنا.

عدد الصفحات ٩

10 إذن إدارة النفوذ وتحسين شروط تحقيق المصالح هو ما يمكن أن نسميه مؤامرة، وهذا شيء غير مفهوم!. نعم هناك انتهاك صارخ لما ينبغي أن يسود بين الأمم من أخلاق التعاون والتسامح والعدل والإنصاف والمراعاة، ولكن علينا أن ندرك أن كثيراً من أخلاق الفروسية قد صار عبارة عن طرف وذكريات جميلة، حيث أطلقت العولمة بآلياتها الرهيبة كل أشكال التوحش والرغبة في الاستحواذ، وصار على كل أمة أن تحمي مصالحها بقوة ذراعها، العالم في حالة حرب حقيقية وإن كل فريق من المتحاربين يرى أن له كامل الحق في استخدام أدواته من أجل النصر. هناك حقيقة ثابتة تقول: إن الأقرب إليك هو الأكثر تأثيراً فيك، وهذا ب- يعني أن أسباب ما نعانيه من مشكلات هي في معظم الأمر أسباب داخلية، ولهذا فإنني أعتقد أن ضعفنا هو الذي يغري الآخرين بالتسلط علينا، لأن المستعمرين يحبون المكاسب السهلة والتوغل في المناطق الهشة. أو لما أصابتكم مصيبة ﱫالقرآن الكريم أصل للمسألة بوضوح تام حين قال: 1ﱪقد أصبتم مثليها أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير .2ﱪ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاًﱫوحين قال: إن الركون إلى نظرية المؤامرة يعني الاستسلام للقوى الغاشمة، كما يعني تبرئة أنفسنا من المسؤولية، إلى جانب أنه يصرفنا عن نقد أنفسنا ومراجعة سلوكياتنا ومواقفنا. 165سورة آل عمران 1 120سورة آل عمران 2

عدد الصفحات ١٠

11 كثيراً مما يسمى تآمراً دولياً، هم من أعمال الساسة في الدول المتقدمة، ج- ونحن نعرف أن الخداع والمكر والتقية والمواربة معان أصيلة في أقوال الساسة وتحركاتهم، ولهذا فإن من الطبيعي أن يتحدثوا على المنابر الدولية، ويفعلوا على الأرض شيئاً آخر، ومن المؤسف أن كثيرين منهم يشعرون وهم يخرقون المواثيق الدولية والقيم الأخلاقية أنهم يخدمون شعوبهم وبلادهم، ولهذا فما يفعلونه بنا هو طبيعي جداً، بل مطلوب، وعلينا أن نسأل أنفسنا هنا: لماذا نستغرب اعتداءاتهم وكل الشعوب تطلب من حكوماتها خدمة مصالحها بالطريقة التي تراعا ؟. المدافعة أو التدافع الحضاري سنة من سنن الله تعالى في هذا الوجود، فما دام د- أهل الخير يعملون على شاكلتهم، وما دام الأشرار يعملون أيضاً على شاكلتهم، ولولا دف الله الناس ﱫفلا مناص إذن من التصادم والتدافع، وقد قال الله تعالى: نعم إن على 1ﱪبعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين أهل الإيمان أو أهل الحق أن يقفوا في وجه المبطلين وأن يردوا عدوانهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فستفسد الأرض إن مدافعة الأعداء والوقوف في وجه مخططاتهم يصقل شخصيات أهل الخير إذ يطرد عنهم الكسل واللامبالاة والخوف والركون إلى الدعة، كما أنه يزيد في صلابتهم وخبراتهم، ونظراً لوجود هذه الإيجابيات ختم .ﱪالله تعالى هذه الآية بقوله: ولكن الله ذو فضل على العالمين إن الله يبسط في القوة والرزق والظروف المواتية لبعض الشعوب مما يدفعها إلى البغي والعدوان والفساد في الأرض، وإن مدافعة ذلك يشكل نوعاً من التوازن العالمي حيث تتيح المدافعة للضعيف أن يقوى في الوقت الذي تعمل 251سورة البقرة 1

عدد الصفحات ١١

12 فيه على لجم اندفاع القوي الأمم العظيمة حين تشتد عليها الضغوط من الخارج تلجأ إلى الداخل بالتحصين والإصلاح، وهذا هو الذي نحتاجه مهما كانت تسميتنا لما يقوم به الآخرون تجاهنا. -النظر من زوايا مختلفة:3 من القصور البشري ما هو معروف من عجز الإنسان عن الرؤية من كل الزوايا، وهذا الوضع مع المسائل البسيطة والصغيرة ليس فيه إشكالية، لكن القضايا الكبرى والمعقدة تكون في العادة ذات أبعاد مختلفة، وتحتوي على الكثير من الثنائيات، ولهذا فإنه لا بد من النظر إليها من كل الزوايا وأخذ كل عناصرها بعين الاعتبار.إن بني الإنسان يعيشون في عالم الضروريات وشح الخيارات، بل قد يجدون أنفسهم في بعض الأحيان أمام خيار وحيد، وهذا على المستوى الفكري والقيمي على نحو أساسي. المسلم يعتقد أن الحياة الحقيقية ليست هنا، وإنما في الآخرة، ولكنه مفطور على حب العاجل، كما أنه مفطور على حب الرفاهية والجنوح إلى التمتع بما حوله، وله إلى جانب ذلك متطلبات ضرورية للاستمرار في الحياة، وهو مع كل هذا عاجز عن تقدير مصالحه في كل وقت على نحو دقيق... لكل هذه الاعتبارات كان عليهأن يحصل على رؤية شاملة لحاضره ومستقبله بغية الحصول على شيئين مهمين، هما التوازن وترتيب أولوياته بشكل صحيح. الرؤية الجزئية لا تفوت بعض المصالح فحسب، ولكنها قد تدمر المنجز

عدد الصفحات ١٢

13 الإنساني بالكامل، وقد تشوه كل الملامح الجميلة للشخصية، وهذا مشاهد اليوم لدى بعض المجتمعات الغربية والإسلامية مع الأسف الشديد!. إننا حين ننظر إلى تحسن مستوى الدخل وتعاظم الملكية وزيادة مستوى الرفاهية على أنها عناوين للنجاح والسعادة والتقدم فإننا نكون قد وقعنا في ورطة كبيرة لأن ذلك سيعني ضمور الجانب الروحي والاجتماعي في حياتنا، كما أن ذلك قد يُلحق أشد الأضرار بما نعتبره الحياة الحقيقية، أي المنزلة الرفيعة في جنات عدن. وإذا دعمنا النجاح الفردي، وسخرنا له كل المواردنا وصرفنا إليه كل اهتماماتنا، فإن النتيجة ستكون عبارة عن معاناة في الحياة الأسرية والاجتماعية، كما أن الاهتمام بالنجاح الفردي دون أخذ الاعتبارات الأخلاقية بعين الاعتبار سيؤدي إلى انتشار الظلم والبغي والفساد. الاتكاء على حفظ الأمن في البلاد من خلال استخدام القانون والقوة والضغط والضبط والربط دون الاهتمام. بتغيير قناعات الناس والأخذ بملاحظاتهم واهتماماتهم وحاجاتهم... سيؤدي إلى خنق المجتمع وتخريب أخلاقه وضمائر أبنائه، والأخطر من هذا أنه يهيئ التربة لنبتة الغلو والتطرف الخبيثة. إذا انهمكنا في التحديث وبناء الأبراج وناطحات السحاب والسعي إلى الرفاهية دون القلق من تأثير ذلك على علاقتنا بالله عز وجل وهويتنا وتقديرنا للآخرة ومتطلباتها، فهذا يعني أننا ننشئ حضارة معينة أو حضارة عرجاء، إذا إن من أسوأ ما يمكن أن يحدث أن نشعر بأن أجسادنا تقتات على حيوية أرواحنا ومبادئنا!. اليابانيون يتمتعون بتجربة حضارية فريدة، ولعل من أهم أسرار فرادتها أنهم

عدد الصفحات ١٣

14 مع كل الإبداع التقني والصناعي ومع كل عبقرية النظام والتنظيم التي لديهم طرحوا الكثير من الأسئلة المتعلقة بفلسفة النهوض وعلاقة الثقافة والهوية بالنهضة والتغيير، وقد كانوا ومازالوا يعانون من القلق الشديد والخوف من تأثير عمليات التحديث المتتابعة على الشخصية والهوية اليابانية الضاربة في أعماق التاريخ، ومن أجل هذا أبدعوا معاملة الاستمرارية والتغيير، ونحن أولى بهذه المعادلة لأننا أصحاب تراث غني ونحن فوق هذا أصحاب رسالة ومنهج ورؤية لتغيير العالم. إن علينا من أجل التمكن من النظر من كل الزوايا أن نطرح الكثير من الأسئلة التي تساعدنا على تنمية وعينا بتعقيدات المشهد الحضاري عامة والإصلاحي خاصة، ومن تلك الأسئلة على سبيل المثال: كيف نستطيع الأخذ باقتصاد السوق كما هو حاصل الآن في كل الدول الإسلامية دون أن نطلق العنان للرأسمالية المتوحشة ؟ - كيف نستطيع تربية أبنائنا التربية الإسلامية صحيحة في ظل الانفتاح غير المسبوق على كل ثقافات العالم ؟ كيف نحافظ على وحدتنا العقدية والثقافية مع التوسع المستمر في مساحة الحرية الشخصية على كل الأصعدة؟ كيف نجعل أبناءنا يتجهون إلى قراءة الكتب وهم يرون الجميع منهمكاً في استخدام أجهزة الجوال والحاسبات والأجهزة اللوحية والألعاب الإلكترونية ؟. كيف نوازن بين حاجة أصحاب الأعمال إلى الدعاية والإعلان وبين حماية الجمهور من الخديعة والغش ؟.

عدد الصفحات ١٤

15 كيف نقيم نصاب التوازن بين الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية والحضارية وبين حاجتنا إلى الانفتاح على العالم والتعلم منه؟. كيف نترجم الإمكانات المالية الكبيرة التي أفاء الله تعالى بها علينا إلى مكتسبات ثقافية وأخلاقية، أو بتعبير آخر: كيف نوظف الفوائض المالية في ارتقاء عقل الإنسان المسلم وروحه وسلوكه ؟. إن هذه الأسئلة وأشباهها تنبه لدينا حاسة الاستشعار للأضرار التي تلحق بنا بسبب غياب الرؤية الكلية والشاملة، كما أنها تفتح أمامنا حقولاً جديدة لترتيب الأولويات والقيام بالموازنات الصحيحة. -من العقل الممتلئ إلى العقل المنفتح:4 كانت نظرة الفلاسفة القدماء للعقل على أنه بما أودع الله تعالى فيه من مبادئ وإمكانات فطرية، قادر على إنتاج المعرفة، ومن هنا في نظري نشأ ذلك التقديس المبالغ فيه للذكاء والتفوق الذهبي، هذا التقديس الذي مازال منتشراً في الثقافة الشعبية إلى اليوم. في القرن التاسع عشر تعرضت العلوم الحديثة إلى أزمة داخلية، نتج عنها نوع من المراجعة لتصورات الفلاسفة والعلماء عامة للعقل، وانتهت تلك المراجعة أو المراجعات إلى أن العقل ليس عبارة عن بنية قبلية ثابتة وسابقة على كل معرفة، وإنما هو عبارة عن أداة لإنتاج المعرفة، لكنها تتسم بدرجة من السيولة تجعلها تتفاعل وتنمو كلما اكتسبت وكلما أنتجت المزيد من المعرفة، وعلى هذا فعقل الواحد منا عبارة عن حصيلة للمواهب والإمكانات الذهبية التي حباها به الخالق سبحانه وحصيلة للمعارف التي يحوزها بالإضافة إلى أشكال

عدد الصفحات ١٥

16 النمو والتغيير الذهني التي تحدث بسبب تشغيل العقل وإعماله لدينا شيء آخر خطي بنظرة جديدة، وهو قوة الذاكرة التي يتمتع بها بعض الناس والمخزون المعرفي الضخم الذي تحتويه أدمغتهم، فقد كان الناس في عهود الأمية السحيقة يمًجدون الذاكرة وكثرة الحفظ لأن الشيء الذي لا يتمكن الإنسان من حفظه سيضيع منه إلى غير رجعة، لكن الأمر اختلف بعد انتشار الكتابة، لأن الكتابة نقلت المعرفة من وعاء الزمان إلى وعاء المكان، ويستطيع المرء اليوم بضغطة زر الحصول على المعرفة والمعلومة التي يتطلع إليها مما أفقد الذاكرة القوية الكثير من أهميتها. عليً أن أشير هنا إلى أن أدمغتنا حتى تعمل بشكل جيد تحتاج إلى امتلاكنا كمية حسنة من المعلومات والقواعد المتنوعة، ومما لا شك فيه أن الفقيه الذي يحفظ القرآن الكريم وبع مئات من الأحاديث ومئات أخرى من أقوال أهل العلم، سيظهر نوعاً من التفوق في الاجتهاد الفقهي وفي تقرير المسائل لطلبة العلم، لكن المراد هنا هو أن كثيراً من طلاب العلم ظنوا أن ما لديهم من محفوظات يمنحهم تفوقاً مطلقاً على الأقران، وهذا ليس بصحيح، بل إن من الشاهد أن كثيراً ممن غرفوا بكثرة الحفظ لم يبدعوا في تخصصاتهم، ولم يظهروا براعة في التحليل المنطقي أو حل المشكلات أو المحاكمة العقلية أو تجديد العلوم... ومن هنا نقول: إننا في عصر الحاسبات الشخصية الملازمة للحركة اليومية للبشر وفي عصر (جوجل) و (ياهو) والعديد من محركات البحث تراجعت أهمية قوة الذاكرة وغزارة المحفوظات إلى حد كبير، وتوجهت الأنظار إلى البنية العقلية بما تملكه من مبادئ منيرة ومهارات عالية.

عدد الصفحات ١٦