17 والتحقيق بـ ( إيَّك نعبد وإيَّك نستعين ) علماً ومعرفة وعملاً وحالاً يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد . وأما تضمنها لشفاء الأبدان فنذكر منه ما جاءت به السنة ، وما شهدت به قواعد الطب ودلت عليه التجربة . فأما ما دلت عليه السنة : ففي الصحيح من حديث أب المتوكل الناجي عن أب سعيد الخدري أن ناسا من أصحاب النب صلى الله عليه وسلم مروا بحي من العرب ... " فذكر حد يث الرقية بالفاتحة " ثم قال : "فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه فأغنته عن الدواء وربما بلغت من شفائه ما ل يبلغه الدواء . هذا مع كون المحل غير قابل ، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين ، أو أهل بخل ولؤم ، فكيف إذا كان المحل قابلاً ؟ انتهى . 1 ثم قال "كان يعرض لي آلام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني ، وذلك في أثناء الطواف وغيره فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الأل فكأنه حصاة تسقط ، جربت ذلك مراراً عديدة ، وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما ل أعهد مثله في الدواء" انتهى .2 - أنها تشتمل على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل ، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة . وهذا يعلم بطريقين : مجمل ومفصل : وبيان ذلك : أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق وإيثاره وتقديم ه على غيره ومحبته والانقياد له والدعوة إليه وجهاد أعدائه بحسب الإمكان . والحق هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وما جاء به علماً وعملاً في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، وفي حقائق الإيمان التي هي منازل 1 "مدارج السالك 1/52-55. ) 2 "مدارج السالك 1 /58. )
عدد الصفحات ١٧18 السائرين إلى الله تعالى ، وكل ذلك مسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم .1 - أن سورة الفاتحة قد تضمنت جميع معان الكتب المنزلة 2 - أنها متضمنة لأنفع الدعاء قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "تأملت أنفع الدعاء ، فإذا هو سؤال العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في : (إيَّك نعبد وإيَّك نستعين)" انتهى .3 وبالجملة : فسورة الفـاتحة مفتاح كل خير وسعادة في الدارين قال ابن القيم رحمه الله : " فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثان والشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة ومفتاح الغنّ والفلاح وحافظة القوة ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك . ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبْأ لوقته ، فقال له النب صلى الله عليه وسلم : ( وما أدراك أنها رقية ) . ومن ساعده التوفيق وأهعِين بنور البصيرة حتّ وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال ، وإثبات الشرع والقدر والمعاد ، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية ، وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله ، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين ، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما ، وأن العاقبة 1 "مدارج السالك 1/58. ) 2 "مدارج السالك 1/74. ) "مدارج السالك 1/74) . 3 "مدارج السالك 1/78. )
عدد الصفحات ١٨19 المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوف ة على التحقق بها ; أغنته عن كثير من الأدوية والرقى ، واستفتح بها من الخير أبوابه ، ودفع بها من الشر أسبابه " انتهى .1 سورة الفاتحَ مكيَ قال ابن كثير : وهي مكية، قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية ، وقيل مدنية، قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري. ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة. والأول أشبه لقوله تعالى (( وَلَقَدْ آتـَيـْنَاكَ سَبـْعًا مِنَ الْمَثَانِ )) والله أعلم . عدد آيات سورة الفاتحَ : قال ابن كثير : وهي سبع آيَّت بلا خلاف ، وقال عمرو بن عبيد: ثمان ، وقال حسين الجعفي: ستة وهذان شاذان . 2 قال القرطب : أجمعت الامة على أن فاتحة الكتاب سبع آيَّت .3 قالت هيئة كبار العلماء وأما أننا نقرأ الفاتحة ست آيَّت فقط عدها "أي البسملة" آية من الفاتحة وما بعدها ست آيَّت، ومن ل يعتبْها آية من الفاتحة عد ((صِرَاطَ الَذِينَ أَنـْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )) آية وما بعدها إلى آخر الفاتحة آية، فصارت سبع آيَّت بدون البسملة. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (389) ومن فضائل سورة الفاتحَ اختصاصها بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور وسنذكرها فو آخر هذا البحث بإذن اللَّ تعالب . 1 "زاد المعاد4/318. ) 2 تفسير ابن كث 1/101( 3 تفسير القرطب1/114)
عدد الصفحات ١٩20 تفسير سورة الفـاتحة يردد المسلم هذه السو رة القصيرة ذات الآيَّت السبع ، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى; وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن ; وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلاً ، غير الفرائض والسنن . ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت « لا صلاة لمن ل يقرأ بفاتحة الكتاب » إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، وكليات التصور الإسلامي ، وكليات المشاعر والتوجيهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذك ر فيها .1 (( بِسْمِ اللَِّ الرَحمَْنِ الرَحِيمِ )) (( بِسْمِ )) تقدير المتعلق بالباء في بسم الله : القول الأول : من قدره باسم ، تقديره : باسم الله ابتدائي ، لقوله تعالى ((وَقَالَ ارْكَبهوا فِيهَا بِسْمِ اللَِّ مجَْرَاهَا وَمهرْسَاهَا إِنَ رَب ِ لَغَ فهور رَحِيم )) القول الثان : من قدره بالفعل ، أمرًا وخبًْا نحو: أبدَأ ببسم الله أو ابتدأت ببسم الله لقوله ((اقـْرَأْ باِسْمِ رَب ِكَ الَذِي خَلَقَ )) وكلاهما صحيح ، فإن الفعل لا بهد له من مصدر ، فلك أن تقدر الفعل ومصدره ، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله ، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلا أو شرباً أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله ، تبْكًا وتيمنًا واستعانة على الإتَام والتقبل ، والله أعلم .2 وقال القرطبوقال بعضهم: معنّ قوله " بسم الله " يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتّ يكون الافتتاح ببْكة الله جل وعز .3 1 في ظلال القرآن1/21) 2 تفسير ابن كث 1/121) 3 تفسير القرطب1/98)
عدد الصفحات ٢٠21 قال سيد قطبوالبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أول ما نزل من القرآن باتفاق ، وهو قوله تعالى (( اقرأ باسم ربك )) وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبْى من أن الله (( هو الأول والآخر والظاهر والباطن )) فهو سبحانه الموجود الحق الذي يستمد منه كلُّ موجود وجودَه ، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه . فباسمه إذن يكون كل ابتداء . وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه .1 (( الله )) عَلَم على الرب تبارك وتعالى ، و هو اسم ل يسم به غيره تبارك وتعالى يقال: إنه الاسم الأعظم ; لأنه يوصف بجميع الصفات ، كما قال تعالى (( ههوَ اللَّه الَذِي لا إِلَهَ إِلا ههوَ عَالِه الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ ههوَ الرَحمَْنه الرَحِيمه * ههوَ اللَّه الَذِي لا إِلَهَ إِلا ههوَ الْمَلِكه الْقهدُّوسه السَلامه الْمهؤْمِنه الْمههَيْمِنه الْعَزِيزه الجَْبَاره الْمهتَكَبْ ِه سهبْحَانَ اللَِّ عَمَا يهشْرِكهونَ * ههوَ اللَّه الخَْالِقه الْبَارِئه الْمهصَو ِره لَهه الأسمَْاءه الحْهسْنَّ يهسَب ِحه لَهه مَا فيِ السَمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَههوَ الْعَزِيزه الحَْكِيمه ))2 فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال تعالى (( وللهِ الأسمَْاءه الحْهسْنَّ فَادْعهوهه بهَِا )) وقال تعالى (( قهلْ ادْعهوا اللََّ أَوِ ادْعهوا الرَحمَْنَ أَيًَّّ مَا تَدْعهوا فـَلَ هه الأسمَْاءه الحْهسْنَّ ))3 و الصحيحين عن أب هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة" .4 (( الرَحمَْنِ الرَحِيمِ )) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من ر حيم و في الأثر عن عيسى عليه السلام أنه قال : والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة. 1 في ظلال القرآن1/21) 2 الحشر22-24 3 الإسراء110 4 تفسير ابن كث 1/122)
عدد الصفحات ٢١22 قال أبو علي الفارسي: الرحمن : اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى (( وَكَانَ باِلْمهؤْمِنِينَ رَحِيمً ا )) وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر ، أي أكثر رحمة . وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى ، والرحيم إذا ل يسأل يغضب وروى ابن جرير عن العَرْزَمي قال : الرحمن لجميع الخلق ، الرحيم بالمؤمنين . قالوا : ولهذا قال (( ثمهَ اسْتـَوَى عَ لَى الْعَرْشِ الرَحمَْنه )) وقال (( الرَحمَْنه عَلَى الْعَرْشِ اسْتـَوَى )) فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته وقال (( وَكَانَ باِلْمهؤْمِنِينَ رَحِيمًا )) فخصهم باسمه الرحيم . قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه ، والرحيم خاصة بالمؤمنين . لكن جاء في الدعاء المأثور : رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به ل يهسم به غيره كما قال تعالى (( قهلِ ادْعهوا اللََّ أَوِ ادْعهوا الرَحمَْنَ أَيًَّّ مَا تَدْعهوا فـَلَهه الأسمَْاءه الحْهسْنَّ )) و قال تعالى (( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قـَبْلِكَ مِنْ رهسهلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دهونِ الرَحمَْنِ آلهَِةً يـهعْبَدهونَ )) ; ((الرحيم)) هو من باب النعت بعد النعت . عن الحسن قال : الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ، تسمى به تبارك وتعالى .1 قال السعدي : (اللَِّ ) هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال . (الرَحمَْنِ الرَحِيمِ ) اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.2 قال سيد قطبووصفه سبحانه في البدء بالرحمن الرحيم ، يستغرق كل معان الرحمة وحالاتها ، وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين ، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن . فمن الجائز أن يوصف 1 تفسير ابن كث 1/125) باختصار 2 تفسير السعدي1/39)
عدد الصفحات ٢٢23 عبد من عباده بأنه رحيم ; ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن . ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان . وقال : وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي ، فإن استغراق معان الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي "الرحمن الرحيم " يمثل الكلية الثانية في هذا التصور ، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد .1 (( الحَْمْده للَِِّ رَب ِ الْعَالَمِينَ )) (( الحَْمْده للَِِّ )) قال ابن كثير : والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد، وصنوفه لله تعالى 2 قال أبو جعفر بن جرير : معنّ (الحمد لله) الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يُصيها العدد، ولا يُيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتَكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذَاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرًا. وقال ابن جرير : (الحمد لله) ثناء أثنّ به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا : (الحمد لله) .3 قال السعدي : هو الثناء على الله بصفات الكمال ، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل ، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه .4 قال الجزائري تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هى له وحده دون من سواه; إذ هو رب كل شىء وخالقه ومالكه ، وأن علينا أن نحمده ونثنّ عليه بذلك .1 1 في ظلال القرآن1/21) 2 تفسير ابن كث 1/131) 3 تفسير الطبْي1/260) 4 تفسير السعدي1/39)
عدد الصفحات ٢٣24 ومن آثًر السلف في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عمر : قد عَلِمْنا سبحان الله ولا إله إلا الله، فما الحمد لله ؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه . وعن علي : كلمة أحبها الله لنفسه ، ورضيها لنفسه ، وأحب أن تقال . و قال ابن عباس : الحمد لله كلمة الشكر ، وإذا قال العبد : الحمد لله ، قال : شكرن عبدي . و عن ابن عباس : الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له ، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك . وقال كعب الأحبار : الحمد لله ثناء الله . وقال الضحاك: الحمد لله رداء الرحمن .2 وسيأتي فصل مستقل في ذكر فضائل هذه الكلمة العظيمة والمواضع التي يسن قولها فيها (( رَب ِ الْعَالَمِينَ )) الرب هو : المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد ، وعلى المتصرف للإصلاح ، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى ; ولا يستعمل الرب لغير الله ، بل بالإضافة تقول : رب الدار رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل ، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم والعالمين : جمع عال ، وهو كل موجود سوى الله عز وجل ، والعال جمع لا واحد له من لفظه ، والعوال أصناف المخلوقات في السماوات والأرض في البْ والبحر ، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا. 3 قال سيد قطب (( رب العالمين )) فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق – 1 أيسر التفاس1/2) 2 تفسير ابن كث 1/129) 3 تفسير ابن كث 1/132)
عدد الصفحات ٢٤25 و سبحانه ل يخلق الكون ثم يتركه هملاً . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوال والخلائق تحفظ وتهتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة . والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون ، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريباً مضحكاً . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) كما قال عن جماعة من أهل الكتاب ((اتَذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، تعج بالأرباب المختلفة ، بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون! فإطلاق الربوبية في هذه السورة ، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعاً ، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة . لتتجه العوال كلها إلى رب واحد ، تقر له بالسيادة المطلقة ، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة ، وعنت الحيرة كذلك بين شتّ الأرباب . . ثم ليطمئن ضمير هذه العوال إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة . وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب .1 (( مَالِكِ يـَوْمِ الد ِينِ )) قرأ بعض القراء : (مَلِك يـَوْمِ الد ِينِ ) وقرأ آخرون (مَالِكِ ) ، وكلاهما صحيح متواتر في السبع. ومالك : مأخوذ من الملْك كما قال (إِناَ نحَْنه نَ رِثه الأرْضَ وَمَنْ عَلَيـْهَا وَإِلَيـْنَا يـهرْجَعهونَ ) وقال (قهلْ أَعهوذه بِرَب ِ النَاسِ * مَلِكِ النَاسِ ) وملك : مأخوذ من الملك كما قال تعالى (لِمَنِ الْمهلْكه الْيـَوْمَ للَِِّ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ ) وقال (قـَوْلههه الحَْقُّ وَلَهه الْمهلْكه ) وقال (الْ مهلْكه يـَوْمَئِذ الحَْقُّ لِلرَحمَْنِ وَكَانَ يـَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) وتَصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئاً ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال (يـَوْمَ يـَقهومه الرُّوحه وَالْمَلائِكَةه صَفًّا لا يـَتَكَلَمهونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهه الرَحمَْنه وَقَالَ صَوَاباً ) . 1 في ظلال القرآن1/22)
عدد الصفحات ٢٥26 وقال الضحاك عن ابن عباس : (مَالِكِ يـَوْمِ الد ِينِ ) يقول : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكماً ، كملكهم في الدنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر. والمَلِك في الحقيقة هو الله عز وجل ; قال الله تعالى ((ههوَ اللَّه الَذِي لا إِلَ هَ إِلا ههوَ الْمَلِكه الْقهدُّوسه السَلامه )) وفي الصحيحين عن أب هريرة رضي الله عنه مرفوعًا : (( أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله )) وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبْون؟ )) وفي القرآن العظيم : (( لِمَنِ الْمهلْكه الْيـَوْمَ للَِِّ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ )) فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى ((إِنَ اللََّ قَدْ بـَعَثَ لَكهمْ طَالهوتَ مَلِكًا)) ((وَكَانَ وَرَاءَههمْ مَلِك )) ، ((إِذْ جَعَلَ فِيكهمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكهمْ مهلهوكًا)) والدين : الجزاء والحساب ; كما قال تعالى : (( يـَوْمَئِذ يـهوَف ِيهِمه اللَّه دِينـَههمه الحَْقَ )) ، وقال (( أئنا لمدينون )) أي مجزيون محاسبون .1 قال الجزائري { مَالِك }المالك : صاحب الملك المتصرف كيف يشاء . {مَلِكِ }الملك ذو السلطان الآمر الناهى المعطى المانع بلا ممانع ولا منازع . {يومَ الدين }يوم الجزاء وهو يوم القيامة حيث يجزى الله كل نفس ما كسبت معنّ الآية : تَجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما فى يو م القيامة حيث لا تَلك نفس لنفس شيئاً والملكه الذى لا مَلِكَ يوم القيامة سواه .2 قال سيد قطبوما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما ل تتحقق هذه الكلية في تصور البشر . وما ل تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير . وما ل يثق الفرد 1 تفسير ابنكثير (1/133) 2 أيسر التفاس1/2)
عدد الصفحات ٢٦27 المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها ، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها . . وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل . فهما صنفان مختلفان من الخلق . وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء . . وهذا هو مفرق الطريق .1 (( إِيََّكَ نـَعْبهده وَإِيََّكَ نَسْتَعِينه )) إِيََّكَ نـَعْبهده : العبادة في اللغة من الذلة ، يقال: طريق مهعَب د ، وبعير مهعَب د ، أي : مذلل . وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدم المفعول وهو (( إيَّك )) وكرر للاهتمام والحصر ، أي : لا نعبد إلا إيَّك ، ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين . وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة : ((إِيََّكَ نـَعْبهده وَإِيََّكَ نَسْتَعِينه)) فالأول تبْؤ من الشرك ، والثان تبْؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل. وهذا المعنّ في غير آية من القرآن، كما قال تعالى ((فَاعْبهدْهه وَتـَوَكَلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَا تـَعْمَلهونَ )) ((قهلْ ههوَ الرَحمَْنه آمَنَا بِهِ وَعَلَيْهِ تـَوَكَلْنَا)) ((رَبَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا ههوَ فَاتََِذْهه وَكِيلا)) عن ابن عباس : (إيَّك نعبد) يعني : إيَّك نوحد ونخاف ونرجو يَّ ربنا لا غيرك (وإيَّك نستعين) على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة : (إِيََّكَ نـَ عْبهده وَإِيََّكَ نَسْتَعِينه ) يأمركم أن تَلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم . وإنما قدم (إيَّك نعبد) على (وإيَّك نستعين) لأن العبادة له هي المقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم والله أعلم. قال سيد قطب : {إك نعبد وإيَّك نستعين }وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة . فلا عبادة إلا لله ، ولا استعانة إلا بالله . 1 في ظلال القرآن1/25)
عدد الصفحات ٢٧28 وهنا كذلك مفرق طريق . . مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية ، وبين العبودية المطلقة للعبيد! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل . التحرر من عبودية الأوهام . والتحرر من عبودية النظم ، والتحرر من عبودية الأوضاع . وإذا كان الله وحده هو الذي يهعبد ، والله وحده هو الذي يهستعان ، فقد تَلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص ، كما تَلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات . . وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ، ومن القوى الطبيعية . . فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان : قوة مهتدية ، تؤمن بالله ، وتتبع منهج الله . . . وهذه يجب أن يؤازرها ، ويتعاون معها على الخير والحق و الصلاح . . وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه . وهذه يجب أن يُاربها ويكافحها ويغير عليها . ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية . فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة الله - تفقد قوتها الحقيقة . تفقد الغذاء الدائم الذي يُفظ لها طاقتها . وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب ، فما يلبث أن ينطفىء ويبْد ويفقد ناره ونوره ، مهما كانت كتلته من الضخامة . على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها { :كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأو ل ، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعاً . 1 (( اهْدِناَ الص ِرَاطَ الْمهسْتَقِيمَ )) لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى ، ناسب أن يعقب بالسؤال; كما قال : "فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله (اهدنا) ، لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل . ((الص ِرَاطَ الْمهسْتَقِيمَ )) عن ابن عباس قال : ذاك الإسلام . 1 في ظلال القرآن1/25)
عدد الصفحات ٢٨29 وعن ابن عباس و ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النب صلى الله عليه وسلم : (اهْدِناَ الص ِرَاطَ الْمهسْتَقِيمَ ) قالوا : هو الإسلام . و عن جابر : (اهْدِناَ الص ِرَاطَ الْمهسْتَقِيمَ ) قال : الإسلام ، قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض. و قال ابن الحنفية : هو دين الله، الذي لا يقبل من العباد غيره . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو الإسلام . وقيل هو : الحق ، وقيل : هو القرآن ، وقيل هو النب صلى الله عليه وسلم وصاحباه ، وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النب صلى الله عليه وسلم، واقتدى باللذين من بعده أب بكر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا، ولله الحمد.1 (( الَذِينَ أَنـْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )) هم المذكورون في سورة النساء حيث قال ((وَمَنْ يهطِعِ اللََّ وَالرَسهولَ فَأهولَئِكَ مَعَ الَذِينَ أَ نـْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِي ِينَ وَالص ِد ِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَالحِِينَ وَحَسهنَ أهولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْله مِنَ اللَِّ وَكَفَى باِللَِّ عَلِيمًا)) عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين . (( غَيرِْ الْمَغْضهوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَال ِينَ )) وهم الذين فسدت إرادتهم ، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق ، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثمَ مسلكين فاسدين وهما طريقتا اليهود والنصارى . فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم; ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من ل يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم ل يأتوا الأمر من بابه، وهو 1 تفسير ابن كث 1/133)
عدد الصفحات ٢٩30 اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال فيهم (( مَنْ لَعَنَهه اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ )) وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال (( قَ دْ ضَلُّوا مِنْ قـَبْله وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَبِيل )) وبهذا جاءت الأحاديث والآثًر . وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : فأسلمت ، فرأيت وجهه استبشر، وقال صلى الله عليه وسلم : "المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى" عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: (غَيرِْ الْمَغْضهوبِ عَلَيْهِمْ) قال : "هم اليهود" ، (ولا الضالين) قال : "النصارى هم الضالون". عن أب ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال: "اليهود"، قلت : الضالين ، قال: "النصارى" وعن ابن عباس ، وعن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النب صلى الله عليه وسلم{ :غَيرِْ الْمَغْضهوبِ عَلَيْهِمْ }هم اليهود، {و الضالين }هم النصارى. وعن ابن عباس: (غَيرِْ الْمَغْضهوبِ عَلَيْهِمْ) اليهود ، (ولا الضالين)هم النصارى. وكذلك قال الر بيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد وقال ابن أب حاتم : ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.ا.هـ1 قال سيد قطب {اهد الصراط المستقيم }وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل ; ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته . . فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته . والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين . وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه . فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين . . وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين . 1 تفسير ابنكثير (1/136-144) باختصار
عدد الصفحات ٣٠31 ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم { :صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }فهو طريق الذين قسم لهم نعمته . لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه . أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه . . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين . 1 كلمَ جامعَ لابن كثير اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيَّت ، على حمد الله وتَجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنّ المستلزمة لصفاته العليا ، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبْؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إيَّه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتّ يهفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل; لئلا يُشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى{ :صِرَاطَ الَذِينَ أَنـْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى{ :غَيرِْ الْمَغْضهوبِ عَلَيْهِمْ }وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى{ :أَلَْ تـَرَ إِلىَ الَذِينَ تـَوَلَوْا قـَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ }الآية وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره، كما قال تعالى{ : مَنْ يـَهْدِ اللَّه فـَههوَ الْمههْتَدِي وَمَنْ يهضْلِلْ فـَلَنْ تجَِ دَ لَهه وَلِيًّا مهرْشِدًا }وقال{ :مَنْ يهضْلِلِ اللَّه فَلا هَادِيَ لَهه وَيَذَرهههمْ فيِ طهغْيَانهِِمْ يـَعْمَههونَ }إ غير ذلك من الآيَّت الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقوله الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم، من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه ، ويُتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون 1 في ظلال القرآن1/26)
عدد الصفحات ٣١32 فيه صريُا في الرد عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" يعني في قوله تعالى{ :فَأَمَا الَذِينَ فيِ قـهلهوبهِِمْ زَيْغ فـَيـَتَبِعهونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهه }فليس بحمد الله لمبتدع في القرآن حجة صحيحة; لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف; لأنه من عند الله، تنزيل من حكيم حميد.1 البسملة وفضلها استفتاح الأمور بالبسملة قال الجصاص : وَالأَحْكَامه الَتيِ يـَتَضَمَنـههَا قـَوْلههه ((بِسْمِ اللَِّ الرَحمَْنِ الرَحِيمِ )) : الأَمْره باِسْتِفْتَاحِ الأهمهورِ لِلتـَبـَرُّكِ بِذَلِكَ ، وَالتـَعْظِيمه للَِِّ عَزَ وَجَلَ بِهِ ، وَذِكْره هَا عَلَى الذَبِيحَةِ شِعَار وَعَلَم مِنْ أَعْلامِ الد ِينِ وَطَرْدِ الشَيْطَانِ ; لأَِنَهه رهوِيَ عَنْ النَبِ ِ صَلَى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَمَ أَنَهه قَالَ : (( إذَا سمََى اللََّ الْعَبْده عَلَى طَعَامِهِ لَْ يـَنَلْ مِنْهه الشَيْطَانه مَعَهه وَإِذَا لَْ يهسَم ِهِ ناَلَ مِنْهه مَعَهه )) وَفِيهِ إظْهَاره مخهَالَفَةِ الْمهشْرِكِينَ الَذِينَ يـَفْتَتِحهونَ أهمهورَههمْ بِذِكْرِ الأَصْنَامِ أَوْ غَيرِْهَا مِنْ الْمَخْلهوقِينَ الَذِينَ كَانهوا يـَعْبهدهونـَههمْ ، وَههوَ مَفْزَع لِلْخَائِفِ ، وَدَلالَة مِنْ قَائِلِهِ عَلَى انْقِطَاعِهِ إلىَ 1 تفسير ابن كث 1/144)
عدد الصفحات ٣٢