ابتداء الكلاـ كقولو كمهمو مغبرة أرجاؤه أم: كرب مهمو، كفي القسم تقوـ مقاـ الباء تقوؿ كالله بمعنى بالله. ك الفاء: للتعقيب كالترتيب تقوؿ: جاءني زيده فعمرك كمعناه جاءني عمرك عقيب زيد، كإذا دخلت السوؽ فاشتر كذا يقتضي ذلك عقيب الدخوؿ. ك ثم: للترتيب مع المهلة كالتراخي كتقوؿ جاءني زيد ثم عمرك كيقتضي أف يكوف بعده بفصل. ك أـ: للاستفهاـ تقوؿ: أكلت أـ لَ كتدخل بمعنى أك تقوؿ: سواء أحسنت أـ لم تحسن. ك أك: تدخل في الشك للخبر تقوؿ كلمني زيد أك عمرك، كتدخل في التخيير في الأمر كقولو تعالى: {أىكٍ كًسٍوىتػيهيمٍ النهي تدخل للجمع كالأكؿ ىو الأصح لأف النهي أمر بالترؾ كالأمر أمر بالفعل فإذا لم يقتض الجمع في الأمر لم يقتض في النهي. ك الباء: تدخل للإلصاؽ كقولك: مررت بزيد ككتبت بالقلم كتدخل للتبعيض كقولك مسحت بالرأس. كقاؿ أصحاب أبي حنيفة رحمو الله: لَ تدخل للتبعيض كىذا غير صحيح لأنهم أجمعوا على الفرؽ بين قولو أخذت قميصو كبين قولو أخذت بقميصو فعقلوا من الأكؿ أخذ جميعو كمن الثاني الأخذ ببعضو فدؿ على ما قلناه. ك اللاـ: تقتضي التمليك كقاؿ بعض أصحاب أبي حنيفة رحمو الله: تقتضي الَختصاص دكف الملك كىذا غير صحيح لأنو لَ خلاؼ أنو لو قاؿ ىذه الدار لزيد اقتضى أنها ملكو فدؿ على أف ذلك مقتضاه، كتدخل أيضا للتعليل كقولو عز كجل: { كجل فًرٍعىوٍفى لًيىكيوفى لىهيمٍ عىديكٌان كىحىزىنان ك على: للإيجاب كقولو لفلاف عليٌ كذا كمعناه كاجبه. ك في: للظرؼ تقوؿ على تمرو في جراب كمعناه أف ذلك فيو. ك متى: ظرؼ زماف تقوؿ متى رأيتو.
عدد الصفحات ٤٩ك إذ، ك إذا: ظرؼ للزماف إلَ أف إذ لما مضى تقوؿ: أنت طالق إذ دخلت الدار معناه في الماضي، كإذا للمستقبل تقوؿ: أنت طالق إذا دخلت الدار كمعناه في المستقبل. كحتى: للغاية كقولو تعالى يعطف بو إلَ على كجو التعظيم كالتحقير تقوؿ في التعظيم جاءني الناس حتى السلطاف كتقوؿ في التحقير كلمني كل أحد حتى العبيد كتدخل ليبتدأ الكلاـ بعده كقولك: قاـ الناس حتى زيد قائم. ك إنما: للحصر كىو جمع الشيء فيما أشير إليو كنفيو عما سواه تقوؿ إنما في الدار زيد أم ليس فيها غيره، كإنما الله كاحد أم لَ إلو إلَ كاحد.» ق ملخصا أقساـ الكلاـ: بعدما عرؼ المؤلف الكلاـ لغة كاصطلاحا كبين أقساـ الكلمة انتقل إلى بياف أقساـ الكلاـ باعتبار إمكاف كصفو بالصدؽ ك الكذب ك عدمها حيث قاؿ رحمو الله: ينقسم الكلاـ باعتبار إمكاف كصفو بالصدؽ كعدمو إلى قسمين: خبر كإنشاء. ُ - فالخبر: ما يمكن أف يوصف بالصدؽ أك الكذب لذاتو. فخرج بقولنا: «ما يمكن أف يوصف بالصدؽ كالكذب»؛ الإنشاء؛ لأنو لَ يمكن فيو ذلك، فإف مدلولو ليس مخبران عنو حتى يمكن أف يقاؿ: إنو صدؽ أك كذب. كخرج بقولنا: «لذاتو»؛ الخبر الذم لَ يحتمل الصدؽ، أك لَ يحتمل الكذب باعتبار المخبر بو، كذلك أف الخبر من حيث المخبر بو ثلاثة أقساـ: الأكؿ: ما لَ يمكن كصفو بالكذب؛ كخبر الله كرسولو الثابت عنو. الثاني : ما لَ يمكن كصفو بالصدؽ؛ كالخبر عن المستحيل شرعان أك عقلان، فالأكؿ: كخبر مدعي الرسالة بعد النبي صلٌى الله عليو كسلٌم، كالثاني: كالخبر عن اجتماع النقيضين كالحركة كالسكوف في عين ك احدة في زمن كاحد. الثالث: ما يمكن أف يوصف بالصدؽ كالكذب إما على السواء، أك مع رجحاف
عدد الصفحات ٥٠أحدىما، كإخبار شخص عن قدكـ غائب كنحوه الأخبار جمع خبر كىو لغة: مأخوذة من الخبار كىي الأرض الرخوة لأف الخبر يثير الفائدة كما أف الأرض الخ بار تثير الغبار إذا قرعها الحافر كنحوه. كىو قسم من أقساـ الكلاـ، كقد يستعمل في غير القوؿ كما قيل. تخبرؾ العيناف ما القلب كاتم كتعريف الخبر من حيث ىو: ما يحتمل الصدؽ كالكذب لذاتو، أم أف احتمالو لهما من حيث كونو خبران كقد يقطع بصدؽ الخبر أك كذبو لأمر خارجي فالأكؿ كخبر الله تعالى كالثاني كالخبر عن المحالَت كقوؿ القائل "الضداف يجتمعاف " فلا يخرج بذلك عن كونو خبران. ك قيل في تعريفو«:ىو ما يتحقٌقي مدلولوي في الخارجً بدكف النطقً بو »نحو: العلمي نافعه . فقد أثبتنا صفةى النفعً للعلم، كتلكى الصفةي ثابتةه لو، سواءه تلفظتى بالجملةً السابقة أـٍ لم تتلفظٍ . لأفا نفعى العلمً أمره حاصله في الحقيقةً كالواقعً، كإنما أنتى تحكي ما اتفقى عليو الناسي قاطبةن، كقضىتٍ بو الشرائعي، كىديتٍ إليو العقوؿي، بدكفً نظر وإلى إثباتو جديدو . كالمرادي: بصدؽً الخبر ميطابقتيو للواقعً كنفسً الأمر ،كالمرادي بكذبوً عدـي مطابقتوً لو، فجملةي: العلمي نافعه إف كانتٍ نسبتيو الكلامياة ي(كىي ثبوتي النفعً المفهومةً من تلك الجملةً) مطابقةن للنسبةً الخارجيٌةً أم موافقةن لما في الخارجً كالواقعً «فصدٍؽه»كإ «فكذًبه»، نحو«الجهلي نافعه»فنسبتوي الكلاميةي ليستٍ مطابقةن كموافقةن للنسبةً الخارجيةً كالخبر يطلق عند المحدثين على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليو كسلم من قوؿ أك فعل أك تقرير أك كصف خلقي أك خلقي. ك اعٍلىمٍ أىفا جمهور النُّحىاةً كىأىىٍلً الٍبػىيىافً قىاطًبىةن يركف انٍحًصىارً الٍكىلاىـً فًي الخبر ك الإنشاء كىاداعىى قػىوٍـه أىفا أىقٍسىاـى الٍكىلاىـً عىشىرىةه ىي: نًدىاءه كىمىسٍأىلىةه كىأىمٍره كىتىشىفُّعه كىتػىعىجُّبه كىقىسىمه كىشىرٍطه كىكىضٍعه كىشىكٌّ كىاسٍتًفٍهىاـه .
عدد الصفحات ٥١كىقًيلى: تًسٍعىةه بًإًسٍقىاطً الًَسٍتًفٍهىاـً لًديخيولًوً فًي الٍمىسٍأىلىةً . كىقًيلى: ثىمى انًيىةه بًإًسٍقىاطً التاشىفُّعً لًديخيولًوً فًيهىا . كىقًيلى: سىبػٍعىةه بًإًسٍقىاطً الشاكٍّ لأًىناوي مًنٍ قًسٍمً الٍخىبىرً . كىقىاؿى الأٍىخٍفىشي : ىًيى سًتاةه خىبػىره كىاسٍتًخٍبىاره كىأىمٍره كىنػىهٍيه كىنًدىاءه كىتىمىنٍّ . كىقىاؿى: بػىعٍضيهيمٍ خىمٍسىةه خىبػىره كىأىمٍره كىتىصٍرًيحه كىطىلىبه كىنًدىاءه . كىقىاؿى: قػىوٍـه أىرٍبػىعىةه خىبػىره كىاسٍتًخٍبىاره كىطىلىبه كىنًدىاءه . كىقىاؿى كىثًيريكفى : ثىلاىثىةه خىبػىره كىطىلىبه كىإًنٍشىاءه كىالٍميحىقٍّقيوفى عىلىى ديخيوؿً الطالىبً فًي الإًٍنٍشىاءً . كىقىدً اخٍتػىلىفى النااسي فً ي تعريف الٍخىبىرً فىقًيلى: لَى يعرٌؼي لًعيسٍرًهً كىقًيلى : لأًىناوي ضىريكرًمٌّ كىالأٍىكٍثػىري عىلىى حىدٍّهً ك تعريفو .قىاؿى الٍقىاضًي أىبيو بىكٍرو كىالٍميعٍتىزًلىةي: الٍخىبػىري الٍكىلاىـي الاذًم يىدٍخيليوي الصٍّدٍؽي كىالٍكىذًبي كما ذكر المؤلف... فىأي كٍرًدى عىلىيٍوً خىبػىري اللاوً تػىعىالىى فىإًناوي لَى يىكيوفي إًلَا صىادًقنا. كىقًيلى: الاذًم يىدٍخيليوي التاصٍدًيقي كالتكذيب كىو سىالًمه مًنى الإًٍيرىادً الٍمىذٍكيورً .كىقىاؿى أىبيو الٍحىسىنً الٍبىصٍرًمُّ كالخبر ىو كىلاىـه ييفًيدي بنفسو نسبة فىأيكرًدى عىلىيٍ وً نىحٍوي"قيمٍ" فىإًناوي يىدٍخيلي فًي الٍحىدٍّ كىقًيلى : الٍكىلاىـي الٍميفًيدي بًنػىفٍسًوً إًضىافىةى أىمٍرو مًنى الأٍيميورً إًلىى أىمٍرو مًنى الأٍيميورً نػىفٍينا أىكٍ إًثػٍبىاتنا كىقًيلى: الٍقىوٍؿي الٍميقٍتىضًي بًصىرًيحًوً نًسٍبىةى مىعٍليوـو إًلىى معلوـ بال نفي كالإثبات كقاؿ الٍميتىأىخٍّر ك ف: الإًٍنٍشىاءي مىا يىحٍصيلي مىدٍليوليوي فًي الٍخىارًجً بًالٍكىلاىـً كىالٍخىبػىري خًلاىفيوي . فائدة بلاغية الأصلي في الخبر أف يلقىى لأحدً غرضينً : أ/ إماا إفادةي المخاطبً الحكمى الذم تضمنتٍوي الجملةي، إذا كاف جاىلان لو، كيسماى ىذا النوع ي «فائدةي الخبرً»نحو قوؿً النابًى -صلى الله عليو كسلم «إنما الأعماؿ بالنيات ». الحديث ب/كإماا إفادةي المخاطبً أفا المتكلمى عالمه أيضان بأنوي يعلمي الخبرى، كما تقوؿي لرجل أخفىى عليكى حفظو للقرآف الكريم كعلمتىو من طريقو آخرى: أنتى حفظت القرآف. كيسماى ىذا النوعي «لَزـى الفائدةً» ، لأنو يلزـ ي في كلٍّ خبرو أف يكوفى المخبػىري بو عنده علمه أك ظىن بوً .
عدد الصفحات ٥٢كقد يخرجي الخبري عن الغرضينً السابقينً إلى أغراضو أخرل تيستفادي بالقرائنى، كمنٍ سياؽً الكلاـً . أىمها: ُ/ الَسترحاـي كالَستعطاؼي ، نحو: إني فقيره إلى عفوً ربٍّي . ِ/تحريكي الهمةً إلى ما يلزـي تحصيليو ، نحو قوؿ الشاعر سىلي إفٍ جهلتً النااسى عناا كعنكمي ... كليسى سواءه عالمه كجهيوؿي ّ/ إظهاري الضعفً كالخشوعً، نحو قولوً تعالى على لساف النبي زكريا عليو السلاـي : (رىبٍّ إًنٍّي كىىىنى الٍعىظٍمي مً نٍّي) [ْ] ْ/إظهاري التحُّسرً على شيءو محبوبو نحو قولو تعالى على لساف أـٍّ مريمى عليها السلاـي : (رىبٍّ إًنٍّي كىضىعٍتػيهىا أينػٍثىى ) [ّٔ] ٓ/إظهاري الفرحً بمقبلو ، كالشماتةً بمدبرو ، نحو قولو تعالى : (كىقيلٍ جىاءى الٍحىقُّ كىزىىىقى الٍبىاطًلي إًفا الٍبىاطًلى كىافى زىىيوقنا) [الإسراءُٖ[ ٔ/التوبيخي كقولكً: لل نائم: الشمسي طالعةه . ٕ/ التاذكيري بما بين المراتبً من التافاكتً - نحو قولو تعالى يىسٍتىوًم أىصٍحىابي الناارً كىأىصٍحىابي الٍجىناةً أىصٍحىابي الٍجىناةً ىيمي الٍفىائًزيكفى (َِ})[َِ، ُِ] قولنا يستوم المؤمن ك الكافر.) ٖ/ التحذيري – نحو ركم عن النبي صلى الله عليو كسلام أنو قاؿ« :أىبػٍغىضي الٍحىلاىؿً إًلىى اللاوً الطالاىؽي ». ٗ/الفخري نحو قوؿً النبي صلى الله عليو كسلم : «أىنىا سىيٍّدي كىلىدً آدىـى يػىوٍـى الٍقًيىامىةً» . َُ/ المدحي كقوؿ النابغةً : فإًناكى شىمٍسه كالميليوؾي كىواكًبه ... إًذا طىلىعىتٍ لىمٍ يػىبٍدي مًنٍهنا كىوٍكىبي كقد يأتي لأغراضو أخرل - كالمرجعي في معرفة ذلك إلى الذكؽً كالعقلً السليمً . ِ - كالإنشاء: ما لَ يمكن أف يوصف بالصدؽ كالكذب، كمنو الأمر كالنهي. كقولو تعالىّٔ]
عدد الصفحات ٥٣خبران إنشاء باعتبارين؛ كصيغ العقود اللفظية مثل: بعت كقبلت، فإنهاباعتبار دلَلتها على ما في نفس العاقد خبر، كباعتبار ترتب العقد عليها إنشاء. كقد يأتي الكلاـ بصورة الخبر كالمراد بو الإنشاء كبالعكس لفائدة. مثاؿ الأكؿ: قولو تعالى ِِٖ]و: يتربصن بصورة الخبر كالمراد بها الأمر، كفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور بو، حتى كأنو أمر كاقع، يتحدث عنو كصفة من صفات المأمور. كمثاؿ العكس: قولو تعالى خىطىايىاكيمٍ من الآية ُِ]«كلنحمل»بصورة الأمر كالمراد بها الخبر، أم: كنحن نحمل. كفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنو منزلة المفركض الملزـ بو. لم يعرؼ المؤلف الإنشاء لغةن ك ىو الإيجادي . كفي الَصطلاحً: ما لَ يحتملي صدقان كلَ كذبان، كالأمرً كالنهيً كالَستفهاـً كالتمنٍّي كالنداءً كغيرىا، فإنكى إذا قلتى: (اللٌهيما اغفر لي) لَ يصحُّ أف يقاؿى لك: صادؽه أك كاذبه، نعمٍ يصحُّ ذلك بالنسبةً إلى الخبرً الضمنيٍّ المستفادً من الكلاـً، كىو أنكى طالبه للمغفرةً . تعريف آخر للإنشاء: ىو ما لَ يحصلي مضمونوي كلَ يتحققي إلَ إذا تلفظتى بوً . فطلبي الفعلً في: افعىلٍ، كطلبي الكفٍّ في لَى تػىفٍعىلٍ، كطلبي المحبوبً في :الاتمىنٍّي، كطلبي الفهم في: الَستفهاـً، كطلبي الإقباؿً في النٍّداء،كلُّ ذلك ما حصلى إلَ بنفسً الصٌيغً المتلىفظً بها . قولو : « كقد يأتي الكلاـ بصورة الخبر كالمراد بو الإنشاء كبالعكس لفائدة. » مثاؿإًطٍلاىؽي الٍخىبىرً عىلىى الطالىبً أىمٍرنا أىكٍ نػىهٍينا أىكٍ ديعىاءن ميبىالًغىةن فًي الٍحىثٍّ عىلىيٍوً حىتاى كىأىناوي كىقىعى كىأىخٍبػىرى عىنٍوي نىحٍوي كىعىكٍسيوي، نىحٍوي: { إًنامىا يىرًدي عىلىى الٍخىبىرً.ك كقولنا : (سر معنا ك لنتكفل بنفقتك) أم: نحن نتكفل بنفقتك .
عدد الصفحات ٥٤كالبلاغيوف يجعلوف ىذين الأسلوبينمن باب المجاز. الحقيقة كالمجاز: بعدما فرغ المؤلف من بياف أقساـ الكلاـ من حيث إمكاف كصفو بالصدؽ كالكذب شرع في بي اف أقسامو من حيث الَستعماؿ . قاؿ رحمو الله: كينقسم الكلاـ من حيث الَستعماؿ إلى حقيقةو كمجازو. ليعلم طالب العلم خصوصا ك القارئ عموما أف تقسيم الكلاـ إلى حقيقة ك مجاز ليس متفقا عليو بين العلماء: حيث لهم في ىذا التقسيم ثلاثة آراء: ُ- منع ىذا التقسيم أصلا كأنو لَ مجاز لَ في القرآف كلَ في اللغة العربية، ك قد جنح إلى ذلك أبو إسحق الإًسفرائيني ك اختار ىذا القوؿ شيخ الإًسلاـ ابن تيمية منتصرا لو في كتاب و الإًيماف حيث قاؿ: إف تقسيم الكلاـ إلى حقيقة كمجاز اصطلاح حادث بعد انقضاء القركف الثلاثة لم يتكلم بو أحد من الصحابة كلَ التابعين لهم بإحساف كلَ أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك كالثورم كالأكزاعي كأبي حن يفة كالشافعي بل كلَ تكلم بو أئمة اللغة كالنحو مثل: الخليل كسيبويو كأبي عمرك بن العلاء كنحوىم إلى أف قاؿ: كىذا الشافعي ىو أكؿ من جرد الكلاـ في أصوؿ الفقو لم يقسم ىذا التقسيم كلَ تكلم بلفظ الحقيقة كالمجاز.ك قد فصل في كتابو الآنف الذكر المسألة أيما تفصل فليرج ع إلى كتابو ك كذلك تلميذه ابن القيم الجوزية انتصر لهذا القوؿ ك أنكر المجاز ك جعلو من الطواغيت ك أبطلو من ستين كجها. ِ- منع كجود المجاز في القرآف دكف اللغة كنسبو في كتاب الإيماف إلى أبي الحسن الجزرم كابن حامد من الحنابلة كمحمد بن خويز منداد من المالكية كإلى داكد بن علي الظاىرم كابنو أبي بكر. ك كأف ىذا القوؿ كسط بين الرأيين الآخرين كرغم ذلك
عدد الصفحات ٥٥فيو ما فيو ّ- كقوع المجاز في اللغة كفي القرآف كىو قوؿ القاضي أبي يعلى كابن عقيل كأبي الخطاب كغيرىم من الحنابلة كرجحو ابن قدامة في ركضة الناظر كنسبو الزركشي في كتابو البرىاف في علوـ القرآف إلى الجمهور بل كثير من أصحاب المذاىب الأخرل من الحنفية ك المالكية ك الشافعية قد اختاركا ىذا القوؿ كانتصركا لو مستدلين بأدلة كثيرة سيأتي ذكر بعضها. ك حتى نثرم الموضوع ، لنذكر طرفا مما استدؿ بو المانعوف للمجاز ك القائلوف بو ك لنستهل البحث بأدلة المجيزين لو ، فمنها قولهم: الدليل الأكؿ: أف القرآف عربي نزؿ بلغة العرب، قاؿ تعالى:(إًناا أىنػٍزىلٍنىاهي قػيرٍآننا عىرىبًيًّا) ، كقاؿ: (بًلًسىافو عىرىبًيٍّ ميبًينو) ، كلغة العرب يدخلها المجاز، فيكوف القرآف قد اشتمل على المجاز؛ لأنو نزؿ بلغتهم. ك الدليل على أف لغة العرب يدخلها المجاز ىو: كقوعو فيها، فاستعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، ك " الحمار " للرجل البليد، ك " البحر " للرجل العالم، كقولهم: " قامت الحرب على ساؽ "، كقاؿ الشاعر: أشاب الصغير كأفنى الكبير ... كر الغداة كمر العشي فهنا نسب الشاعر فعل الشيب، كالإفناء إلى تعاقب الأياـ كالليالي، كىذا لَ شك في أنو مجاز. كالأمثلة على كركد المجاز في لغة العرب كثيرة لَ تكاد تحصى. ك قد اعترض على ىذا الدليل باعتراضين: الَعتراض الأكؿ: أف العرب عبركا عن الرجل الشجاع بالأسد، كعن البليد بالحمار، كلكن ىذا التعبير حقيقي. ك أجاب المثبتوف للمجاز بأف ىذا لَ يصح؛ لأنو لو كاف حقيقة فيو: لكاف إذا قاؿ: " رأيت حماران " أنو لَ يسبق إلى فهمو الحمار المعهود، بل الذم يسبق إلى الفهم: الرجل البليد كالحمار المعهود معا.، فلما سبق فهمو إلى الحيواف البهيم دؿا على أنو مجاز في الرجل ال بليد، كأيضا: أنو لما احتاج إلى قرينة دؿا على أنو مجاز؛ لأف الحقيقة تفهم بدكف قرينة. الَعتراض الثاني: الحقيقة قد عمات جميع الأشياء، فلا نحتاج إلى المجاز، فلم يعبر بو القرآف؛ لأنو لَ يفيد، كبالتالي يكوف عبثان.
عدد الصفحات ٥٦ك أجاب المثبتوف عنو بأنا لَ نيسىلٍّمي بأف المجاز لَ فائدة فيو، بل فيو فوائد كثير ة ذكركا منها: ُ / أف الكلاـ بالمجاز أبلغ كأفصح من الكلاـ بالحقيقة أحيانان، فمثلان لو قاؿ: " ىذا بحر " يريد مدح آخر، أبلغ كأفصح من قولو:" ىذا رجل عالم بجميع العلوـ ". ِ / أف الكلاـ في المجاز يفيد الَختصار في الكلاـ، فمثلان لو قاؿ: " ىذا الرجل أسد " أخصر من قولو: " ىذا الرجل يشبو الأسد في الشجاعة ". ككذلك إذا أراد أف يصف نفسو يقوؿ: " سل عني سيفي "، كلَ يقوؿ: "سل عني عليان كيف فعلت كقتلت "، كلهذا قاؿ تعالى: (كىاسٍأىؿً الٍقىرٍ يىةى) ، كلم يقل: " كاسأؿ أىل القرية " مع أنو ىو المقصود، كذلك لَختصار الكلاـ. ّ / أف الكلاـ في المجاز فيو تجنب ذكر ما يقبح ذكره كلفظ "الخراءة "، فإنو حقيقة في الخارج المعتاد من الإنساف، فعدؿ عنو الشارع إلى ذكر الغائط، أك قضاء الحاجة كىي مجاز. الدليل الثاني: أف المجاز كقع ككرد في القرآف، بحيث يذكر الشيء بخلاؼ ما كضع لو، كىو إما زيادة، أك نقصاف، أك استعارة، أك تقديم، أك تأخير، من ذلك: ُ / قولو تعالى: (كىاسٍأىؿً الٍقىرٍيىةى) ، فإف المراد: كاسأؿ أىل القرية؛ لَمتناع توجيو السؤاؿ إلى نفس القرية. اعترض أحدىم فقاؿ: يجوز أف يأذف اللاو تعالى للقرية أف تجيبهم. ك أجاب المثبتوف عن ذلك: بأف اللاو لم يخرج ذلك مخرج المعجزة، كإنما أخرجو مخرج الخبر، ككل موضع في القرآف ذكر قرية فالمراد بو أىل القرية، مما يدؿ على ذلك قولو تعالى: (كىكىأىيٍّنٍ مًنٍ قػىرٍيىةو عىتىتٍ عىنٍ أى مٍرً رىبػٍّهىا كىريسيلًوً فىحىاسىبػٍنىاىىا حًسىابنا شىدًيدنا كىعىذابػٍنىاىىا عىذىابنا نيكٍرنا (ٖ) ، كمعركؼ أف نفس القرية ما عتت عن أمر ربها، كأنها لَ تحاسب حسابان شديدان، كلَ تعذب، كإنما المراد أىل القرية. ِ / من ذلك قولو تعالى: (كىاخٍفًضٍ لىهيمىا جىنىاحى الذُّؿٍّ) ، كمعلوـ أف الذؿ ليس لو جناح حقيقة، فاستعاره لو.
عدد الصفحات ٥٧ّ / كمن ذلك قولو تعالى: (جًدىارنا ييرًيدي أىفٍ يػىنػٍقىضا) ، كمعركؼ أف الجدار لَ إرادة لو؛ لأف الإرادة يوصف بها من كاف لو شعور، فاستعار الإرادة للجدار، كأريد بو الميل القائم بالجدار. ْ / كمن ذلك قولو: (أىكٍ جىاءى أىحىده مًنٍكيمٍ مًنى الٍغىائًطً) كالغائط - حقيقة - يطلق على المنخفض من الأرض، كسمي ما يخرج من الإنساف من الأذل بالمكاف استعارة. ٓ / كمن ذلك قولو: (كىاشٍتػىعىلى الراأٍسي شىيٍبنا) كالرأس لَ يشتعل. ٔ / كمن ذلك قولو: (كىأيشٍرًبيوا فًي قػيليوبًهًمي الٍعًجٍلى) كالمقصود:حب العجل. ٕ / كمن ذلك قولو: (رىبٍّ إًنػاهينا أىضٍلىلٍنى كىثًيرنا مًنى النااسً) كمعركؼ أف الأصناـ نفسها لَ تضل أحدان. اعترض بعضهم على ذلك بقولو: إنا نسلم أف الله قد استعمل في تلك الآيات اللفظ في غير ما كضع لو، كلكن لَ نسميو مجازان، كإنما زيادة، كنقصاف، كاستعارة، كتقديم، كتأخير. أجاب المثبتوف عنو بأنا نسميو مجازان؛ لصدؽ تعريف المجاز عليو، كأنتم لَ تسمونو بذلك، كتسمونو باسم آخر، فيكوف الخلاؼ في التسمية كاللفظ - فقط - فلا خلاؼ بيننا كبينكم إذف. ىذا مجمل ما استدؿ بو أصحاب القوؿ الأكؿ كىم المثبتوف للمجاز ك ىناؾ أدلة أخرل أعرضنا عنها اختصارا . أما أصحاب القوؿ الثالث ك النافين للمجاز فقد أجابوا على الأدلة السابقة ك غيرىا كاستدلوا بدكرىم بأدلة كثيرة ك لنتقتصر على كلاـ نفيس للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمو الله فقد استفاض في دحض أدلة المخالف في كتابو المسمى «منع جواز المجاز في المنزؿ للتعبد ك الإعجاز» حيث قاؿ رحمو ا في كتاب المذكرة : « قد بينا أدلة منعو في القرآف في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزؿ للتعبد كالإعجاز كمن أكضح الأدلة في ذلك أف جميع القائلين بالمجاز متفقوف على أف من الفوارؽ بينو كبين الحقيقة أف المجاز يجوز نفيو باعتبار الحقيقة، دكف الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقوؿ لمن قاؿ رأيت أسدان على فرسو، ىو ليس بأسد كإنما ىو رجل
عدد الصفحات ٥٨شجاع، كالقوؿ في القرآف بالمجاز يلزـ منو أف في القرآف ما يجوز نفيو، كىو باطل قطعان، كبهذا الباطل توصل المعطلوف إلى نفي صفات الكماؿ كالجلاؿ الثابتة لله تعالى في كتابو كسنة نبيو صلى الله عليو كسلم ، بدعول أنها مجاز كقولهم في استول استولى. كقس على ذلك غيره، من نفيهم للصفات عن طريق المجاز. أما الآيات التي ذكرىا المؤلف فلا يتعين في شيء منها أنو مجاز. أما قولو: " كاخفض لهما جناح الذؿ " فليس المراد بو أف للذؿ جناحان ك إف كاف كلاـ العلامة ابن القيم رحمو الله يقتضيو، كظن أبو تماـ أنو معنى الآية لما قيل لو صب في ىذا الإناء من ماء الملاـ يعني قولو: لَ تسقني ماء الملاـ فإنني ... صب قد استعذبت مات بكائي فقاؿ: ىات ريشة من جناح الذؿ، حتى أصب لك من ماء الملاـ، بل المراد بالآية الكريمة كما يدؿ عليو كلاـ جماعة أىل التفسير أنها من إضافة الموصوؼ إلى صفتو، أم :كاخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة، كنظيره من كلاـ العرب قولهم: حاتم الجود، أم: الموصوؼ بالجود، ككصف الجناح بالذؿ مع أنو صفة الإنساف لأف البطش يظهر برفع الجناح، كالتواضع كاللين يظهر بخفضو، فخفضو كناية عن لين الجانب كما قاؿ: كأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك برفعو أجدلَ كنظيره في القرآف " مطر السوء" ك عذاب الهوف" أم المطر الموصوؼ بأنو يسوء من كقع عليو، كالعذاب الموصوؼ بوقوع الهوف على من نزؿ بو، كإضافة صفة الإنساف لبعض أجزائو أسلوب من أساليب اللغة العربية كما قاؿ ىنا جناح الذؿ، مع أف الذليل صاحب الجناح، كنظيره قولو تعالى: " ناصية كاذبة خاطئة " كالمراد صاحب الناصية التي ىي مقدـ شعر الرأس، كقولو تعالى " كجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " مع أف تلك الصفات لأصحاب الوجوه كقولو تعالى " كاسأؿ القرية" فيو حذؼ مضاؼ، كحذؼ المضاؼ كإقامة المضاؼ إليو مقامو، أسلوب من أساليب اللغة معركؼ، عقده في الخلاصة بقولو: كما يلي المضاؼ يأتي خلفا ... عنو في الإعراب إذا ما حذفا
عدد الصفحات ٥٩كالمضاؼ المحذكؼ مدلوؿ عليو بدلَلة الَقتضاء، كىي عند جماىير الأصوليين، دلَلة الَلتزاـ كليست من المجاز عندىم، كما ىو معركؼ في محلو، كقولو "جداران يريد أف ينقض " لَ مجاز فيو، إذ لَ مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها لأف للجمادات إرادات حقيقية يعلمها الله جل كعلا، كنحن لَ نعلمها كيوضح ذلك حنين الجذع الذم كاف يخطب عليو صلى الله عليو كسلم لما تحوؿ عنو إلى المنبر كذلك الحنين ناشئ عن إرادة يعلمها الله كقد ثبت في صحيح مسلم أف النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ: إني لأعرؼ حجران كاف يسلم علي في مكة كسلامو عليو، عن إرادة يعلمها الله كنحن لَ نعلمها كما صرح تعالى بذلك في قولو جل كعلا " ك إف من شيء إلَ يسبح بحمده كلكن لَ تفقهوف تسبيحهم " فصرح بأننا لَ نفقهو، كأمثاؿ ذلك كثيرة في الكتاب كالسنة، ككذلك لَ مانع من كوف الإرادة تطلق في اللغة على معناىا المعركؼ كالسنة، ككذلك لَ مانع من كوف الإرادة تطلق في اللغة على معناىا المعركؼ، كعلى مقاربة الشيء كالميل إليو فيكوف معنى إرادة الجدار، ميلو إلى السقوط كقربو منو، كىذا أسلوب عربي معركؼ، كمنو قوؿ الراعي: فػػي مىهٍمىػػةو قىلًقىػتٍ بًػوً ىاماتػيهىػا قػىلىػػقى الفيئيػػوسً إذىا أرىدٍفى نيصيػػولَ كقوؿ الآخر: يريد الرمح صدر أبي براء ... كيعدؿ عن دماء بني عقيل ككذلك قولو " أك جاء أحد من كم من الغائط" لَ مجاز فيو، بل إطلاؽ اسم المحل على الحاؿ فيو كعكسو، كلاىما أسلوب معركؼ من أساليب اللغة العربية، ككلاىما حقيقة في محلو، كما أقركا بنظيره في أف نسخ العرؼ للحقيقة اللغوية لَ يمنع من إطلاؽ اسم الحقيقة عليو فيسمونو حقيقة عرفية، ككذلك قولو تعالى " كجزاء سيئة سيئة مثلها " كقولو " فمن اعتدل عليكم فاعتدكا عليو " الآية.لَ مجاز فيو، كبذلك اعترؼ أكثر علماء البلاغة، حيث عدكا ىذا النوع من البديع كسموه باسم المشاكلة، كمعلوـ أف المجاز من فن البياف، لَ من فن البديع، فأكثرىم قالوا إف المشاكلة من البديع كقولو: قالوا اقترح شيئان ني جً د لك طبخو ... قلت اطبخوا لي جبة كقميصان
عدد الصفحات ٦٠كالحق أف ىذا أسلوب من أساليب اللغة، كمنو الآيتاف، نعم زعم قوـ من علماء البلاغة أف المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندىم للمشاكلة مجازان، كأما تفسيره " يؤذكف الله" بقولو يؤذكف أكلياءه فليس بصحيح، بل معنى إيذاءىم الله كفرىم بو كجعلهم لو الأكلَد كالشركاء، كتكذيبهم رسلو. كيوضح ذلك حديث (ليس أحد أصبر على أذل يسمعو " من الله إنهم يدعوف لو كلدان كأنو ليعافيهم كيرزقهم) ، كأكثر المتأخرين على أف في الآيات التي ذكرىا المؤلف مجازان، كما ىو معركؼ، كقد بينا منع القوؿ بالمجاز في القرآف في رسالتنا التي ألفناىا في ذلك، كقوؿ المؤلف في تعريف المجاز، كىو اللفظ المستعمل في غير موضعو الأصلي على كجو يصح، يعني بقولو على كجو يصح أف تكوف ىناؾ علاقة بين المعنى الأصلي كالمعنى المجازم، كأف تكوف ثم أيضان قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كتعريفو للمجاز لَ يدخل فيو إلَ اثناف من أنواع المجاز الأربعة، كىما المجاز المفرد كىو عندىم الكلمة المستعملة في غير ما كضعت لو لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، كالعلاقة إف كانت المشابهة كقولك رأيت أسدان يرمي سمي ىذا النوع من المجاز استعارة، كحد الَستعارة مجاز علاقتو المشابهة، ك إف كانت علاقتو غير المشابهة كالسببية كالمسببية كنحو ذلك سمي م جازان مفردان مرسلان كقوؿ الشاعر: أكلت دمان إف لم أرعك بضرة ... بعيدة مهول القرط طيبة النشر أطلق الدـ كأراد الدية مجازان مرسلان علاقتو السببية لأف الدية المعبر عنها بالدـ سببها الدـ كىي مسبب لو. الثاني من النوعين الذين دخلا في كلامو، المجاز المركب كضابطو أف يستعمل كلاـ مفيد في معنى كلاـ مفيد آخر، لعلاقة بينهما كلَ نظر فيو إلى المفردات، فقد تكوف حقائق لغوية، كقد تكوف مجازات مفردة، كقد يكوف بعضها مجازان كبعضها حقيقة، كعلاقتو إف كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، كمنها جميع الأمثاؿ السائرة كالمثل يحكي بلفظو الأكؿ، كمثالو قولك لمن فرط في أمر كقت إمكاف فرصتو، ثم بعد أف فات إمكاف فرصتو جاء يطلبو (الصيف ضيعت اللبن) كأصل المثل: أف امرأة من تميم خطبها رجلاف أحدىما كبير في السن كلو مواشي كثيرة، كالثاني شاب كماشيتو قليلة،
عدد الصفحات ٦١فاختارت الشاب، ككانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذم ردت خطبتو لبنان فقاؿ لها: (الصيف ضيعت اللبن) كىذا الَستعماؿ لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين ، ك إف كانت علاقتو غير المشابهة، سمي مجازان مركبان مرسلان كقولو: ىوام مع الركب اليمانيين مصعد ... ... ... ... جنيب كجثماني بمكة موثق فالبيت كلاـ خبرم أريد بو إنشاء التحسر كالتأسف لأف ما أخبر بو عن نفسو ىو سبب التحسر كالتأسف، كىو مجاز مركب مرسل، علاقتو السببية لأنو لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، كلَ لَزـ فائدتو، كالنوعاف اللذاف لم يدخلا في كلامو ىما المجاز العقلي كمجاز النقص كالزيادة. أما المجاز العقلي عندىم فالتجوز فيو في الإسناد خاصة لَ في لفظ المسند إليو كلَ المسند كسواء فيو كانا حقيقتين لغويتين أك مجازين مفردين أك أحدىما حقيقة كالثاني مجازان لأف التجوز فيو في خصوص الإسناد كقوؿ المؤمن (أنبت الربيع البقل) فالربيع كإنبات البقل كلاىما مستعمل في حقيقتو، كالتجوز إنما ىو في إسناد الإنبات إلى الربيع كىو الله جل كعلا عند المتكلم ككذلك ىو في الواقع كأنكر المجاز العقلي السكاكي كرده إلى الَستعارة المكنية، كأما مجاز النقص عندىم (كاسأؿ القرية) كىذا المثاؿ ذكره المؤلف مع أنو لم يدخل في تعريفو للمجاز، لأف جميع ألفاظو مستعملة فيما كضعت لو، كالتجوز من جهة الحذؼ المغير للإعراب، كمثاؿ مجاز الزيادة عندىم ليس كمثلو شيء ، كقد بينا أنو لَ ينبغي للمسلم أف يقوؿ إف في كتاب الله مجازان كالتحقيق أف اللغة العربية لَ مجاز فيها كإنما ىي أساليب عربية تكلمت بجميعها العرب، كلو كلفنا من قاؿ بالوضع للمعنى الحقيقي أكلَن ثم للمعنى المجازم ثانيان بالدليل على ذلك لعجز عن إثبات ذلك عجزان لَشك فيو.» انتهى كلامو رحمو ا ُ / فالحقيقة ىي: اللفظ المستعمل فيما كضع لو، مثل: أسد للحيواف المفترس. فخرج بقولنا: «المستعمل»؛ المهمل، فلا يسمى حقيقة كلَ مجازان كخرج بقولنا: «فيما كضع لو»؛المجاز.
عدد الصفحات ٦٢لم يعرؼ المؤلف معنى كلمة الحقيقة لغة ك ىي على كزف فعيلة، مأخوذة من الحق، كاشتقاقو من الشيء المحقق، كىو المحكم، تقوؿ: " ثوب محقق النسج "أم: محكم. ك أيضا ىي مأخوذة من الحق بمعنى الثابت على أنو بمعنى فاعل أك المثبت على أنو بمعنى مفعوؿ. ك قولو : «اللفظ المستعمل فيما كضع لو» فيشمل ىىذىا الٍوىضٍعى اللُّغىوًما، كىالشارٍعًيا، كىالٍعيرٍفًيا، كىالًَصٍطًلاىحًيا. كىزىادى جماعة في ىذا الحد قػىيٍدنا، كىىيوى قػىوٍليهيمٍ: فًي اصٍطًلاىحً التاخىاطيبً؛ لأًىناوي إًذىا كىافى التاخىاطيبي بًاصٍطًلاىحو، كىاسٍتػي عٍمًلى فًيوً مىا كيضًعى لىوي فًي اصٍطًلاىحو آخىرى، لًمينىاسىبىةو بػىيػٍنىوي كىبػىيٍنى مىا كيضًعى لىوي فًي اصٍطًلاىحً التاخىاطيبً، كىافى مىجىازنا مىعى أىناوي لىفٍظه ميسٍتػىعٍمىله فًيمىا كيضًعى لىوي. كىزىادى آخىريكفى فًي ىىذىا الٍحىدٍّ قػىيٍدنا، فػىقىاليوا: ىًيى اللافٍظي الٍميسٍتػىعٍمىلي فًيمىا كيضًعى لىوي أىكالَن لإًًخٍرىاجً مًثٍلً مىا ذيكًرى. كىقًيلى فًي حىدٍّ الٍحىقًيقىةً: إًنػاهىا مىا أيفًيدى بًهىا مىا كيضًعىتٍ لىوي فًي أىصٍلً الًَصٍطًلاىحً الاذًم كىقىعى التاخىاطيبي بًوً. كىقًيلى فًي حىدٍّىىا: إًنػاهىا كيلُّ كىلًمىةو أيرًيدى بًهىا عىيٍني مىا كيضًعىتٍ لىوي فًي كىضٍعً كىاضًعو، كىضٍعنا لَى يىسٍتىنًدي فًيوً إًلىى غىيٍرًهً. ك نرجع إلى قوؿ المؤلف «اللفظ المستعمل فيما كضع لو» فهذا القيد الأكؿ يخرج بو المهمل كقولنا ديز ك براكف .. فلا تسمى حقيقة كلَ مجازا . ك أما قولو: «فيما كضع لو» فهو قيد ثاف يخرج بو المجاز فلا يدخل في الحدٌ لأنو اللفظ المستعمل في غير ما كضع لو أكلَ لعلاقة مع قرينة. كتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقساـ: لغوية كشرعية كعرفية. فاللغوية ىي: اللفظ المستعمل فيما كضع لو في اللغة. فخرج بقولنا: «في اللغة»؛الحقيقة الشرعية كالعرفية. مثاؿ ذلك الصلاة، فإف حقيقتها اللغوية الدعاء، فتحمل عليو في كلاـ أىل اللغة.
عدد الصفحات ٦٣كعرؼ بعض الأصوليين الحقيقة اللغوية بتعريف قريب من ىذا فقالوا «ىي اللفظ المستعمل فيما كضع لو أكلَ في اللغة» مثاؿ على ذلك كلفظ أسد في الحيواف المفترس: يفهم منو الحيواف المفترس، فلا ينقدح في الذىن - عند إطلاقو - إلَ ىذا المعنى، فيكوف حقيقة لغوية كىذا ىو المقصود بها، كىي الأسبق إلى الذىن من الحقيقة العرفية كالشرعية. ك كما سبق ، تعريف المؤلف للحقيقة اللغوية لو قيداف: الأكؿ:« اللفظ المستعمل» أخرج المهمل الثاني: «فيما كضع لو في اللغة» أخرج الحقيقة اللغوية ك العرفية كالمجاز كالحقيقة الشرعية ىي: اللفظ المستعمل فيما كضع لو في الشرع. فخرج بقولنا: «في الشرع »؛ الحقيقة اللغوية كالعرفية مثاؿ ذلك: الصلاة، فإف حقيقتها الشرعية الأقواؿ كالأفعاؿ المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فتحمل في كلاـ أىل الشرع على ذلك. الحقيقة الشرعية ىي اللفظ المستعمل فيما كضع لو أكلَ في الشرع ك قد مثل المؤلف بكلمة الصلاة فحقيقتها الشرعية تتمثل في العبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، كمن الأمثلة كذلك : كلمة الإيماف، للاعتقاد كالقوؿ كالعمل. ك اختلف العلماء فيما استعملو الشارع من ألفاظ أىل اللغة مثل: لفظ " الصلاة "، ك " الصوـ "، ك " الزكاة "، ك " الحج "، ىل خرج بو عن كضعها اللغوم أك لَ؟ على مذاىب. كالحقيقة العرفية ىي: اللفظ المستعمل فيما كضع لو في العرؼ. فخرج بقولنا: «في العرؼ»؛ الحقيقة اللغوية كالشرعية مثاؿ ذلك: الدابة، فإف حقيقتها العرفية ذات الأربع من الحيواف، فتحمل عليو في كلاـ أىل العرؼ.
عدد الصفحات ٦٤