19 وكيف أنّ المهندسَ المدنيَّ، يُجرِي الحساباتِ الدقيقةَ؛ حساباتِ الإسمنتِ، وحساباتِ الحديدِ، وقُطرِ الدعائمِ، كذلك المخيخُ جهازٌ معقدٌ جداً، يحسبُ للمخِّ الحساباتِ الدقيقةِ، لتنفيذِ الأعمالِ التي يأمرُ بها، فإنّ المخيخَ هو مركزُ توافقِ وانسجامِ حركاتِ البدنِ، فعندما تقفُ على قدميك فهذه نعمةٌ، وكثيرٌ مِنَ الناس لا يقدِّرونها. قالَ بعضُ العلماءِ: إنّ الوقوفَ على القدمين حركةٌ بهلوانيةٌ عجيبةٌ"، كيف؟ هناك جهازٌ في باطنِ الأذنِ اسمُه جهازُ التوازنِ، فيه قنواتٌ ثلاثٌ نصفُ دائريةٍ، تمثِّلُ اتجاهاتِ ا لفراغاتِ، فيها سائلٌ، وفيها جُسيماتٌ، تتحَسَّسُ بحركةِ السائلِ، هذا الجهازُ يعطي المخيخَ وضعَ الجسمِ، أهو قائمٌ، أم مائلٌ؟ أهو جالسٌ، أم نائمٌ؟ وكذلك الأعصابُ، والعضلاتُ، والمفاصلُ، والعظامُ تخبرُ المخيخَ بأحوالِها، وأوضاعِها، فيأتي المخيخُ، ويجعلُ من هذه المعلوماتِ، ومن هذه الحركاتِ كُلاًّ منسجماً؛ لذلك قالَ العلماءُ: "إنّ الوقوفَ البسيطَ يُعَدُّ حركةً بهلوانيةً عجيبةً"، بدليلِ أنّ الميتَ لا يمكنُ أن يقفَ على قدميهِ، فوقوفُ الإنسانِ تسهِمُ فيه مجموعةٌ عجيبةٌ من الأجهزةِ، أنْ تقفَ على قدميك، وأنْ تسيرَ، وأنْ تنحنيَ، وأنْ تقعدَ، وأنْ تجلسَ، وأنْ تميلَ يمنةً أو يسرةً، هذه أعمالٌ بالغةُ التعقيدِ (1). لو أنّنا خَرَّبْنَا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبةِ عَدَسٍ مِن مخِّ طائر لَسَقَطَ فوراً، ولَمَا استطاعَ أنْ يطيرَ، لو خرَّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يقفَ على قَدَمَيْنِ أبداً، بل يقعُ، لذلك يعرفُ الأطباءُ أنّ هناك خللاً في المخيخِ من طريقةِ مشيِ المريضِ، إنه يباعدُ بينَ رِجْلَيْهِ، ليوسِّعَ سطحَ استنادِه، يقالُ للمريضِ في مُخيخِه: ضعْ رأسَ أصبعِك على أنفِك، فلا يستطيعُ، وتضطربُ حركتُه، قال العلماءُ: "هذا اسمُه رجفانٌ قصديٌّ"، وهو مرضٌ يصيبُ الإنسانَ بسببِ خللٍ في مُخَيخِه، تعطيهِ فنجانَ القهوةِ مثلاً فترجفُ يدُه عند إمساكِه، إنّ هناك خللاً في مركزِ تنسيقِ التوازنِ في حركاتِ الجسمِ. (1)موسوعة الاعجاز العلمي، النابلسي: ص112.
عدد الصفحات ١٧18 لو أنّنا خربّنا جزءاً من المخيخِ لاضطربتِ الرؤيةُ، ولَمَا استطاعَ الإنسانُ أنْ يركِّزَ بُؤْبُؤَ عينِه على سطرٍ ليقرأَه، هذا مرضٌ سمّاه العلماءُ الرأرأةَ، ولو أننا خرّبنا جزءاً من المخيخِ لا يزيدُ على حبّةِ عدسٍ لاضطربَ مشيُ الإنسانِ، ولأصيبَ بحالةٍ اسمُها الترنُّحُ، يمشي كمِشيةِ السكرانِ، لو خ رّبنا جزءاً يسيراً من المخيخِ لاضطربَ جهازُ النطقِ، ولأصيبَ المتكلمُ بالفأفأةِ، والتأتأةِ، والحبسةِ، وما إلى ذلك، من منا يقدِّرُ هذا الجهازَ الخطيرَ، الذي يقبعُ في الجمجمةِ؟ سمّاه العلماءُ المخيخَ، لا يزيدُ وزنُه على مئةٍ خمسين غراماً، كخيوطٍ مشتبكةٍ، هو الذي ينسِّقُ، ويحسبُ المقدارَ الدقيقَ المطلوبَ من الجهدِ، حينما تقلِبُ صفحةً في كتابٍ، وحينما تقلبُ كيساً مملوءاً، وزنُه خمسون كيلو غراماً، فهل هذا الجهدُ كهذا الجهدِ؟ لقد أعطى الدماغُ أمراً بقلبِ هذا الكيسِ، أو قلبِ هذه الصفحةِ، مَن الذي يحدِّدُ بالضبطِ أنّ قلبَ الصفحةِ يحتاجُ إلى جهدٍ لا يزيدُ على غراماتٍ، في حين أن قلب كيسِ السُّكرِ يحتاجُ إلى جهدٍ كبيرٍ؟ كأنَّ الدماغَ مهندسٌ معماريٌّ، وكأن المخيخَ مهندسٌ مدنيٌّ، يحسبُ الأمتارَ، وحاجاتِ البناءِ، مِنَ الإسمنتِ، والحديدِ، ومساحاتِ الدعائمِ، وما إلى ذلك (1). آياتٌ كبيرةٌ في داخلِ الإنسانِ، تُعْجِزُ ذوي الألبابِ، قال تعالى ﭽ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﭼ [11. ] الذاكرة يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: ﭽ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﭼ [11. ] ما منَّا أَحدٌ إلا وفي دماغِه شيءٌ يُسمَّى الذاكرةَ، والتي لها دَورٌ خطيرٌ في حياتِنا، وقط استنبطَ هذا العلماءُ مِن قولِه تعالى: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ [69. ](1) كيف ترجعُ إلى بيتِك؟ إنّك تعرفُ مكانَه، وكيف عرفْتَ مكانَه؟ إنّ مكانَه قد أودعَ في ذاكرتِك، وأنتَ في محلّك التّجاريِّ (1)المصدر نفسه (1)موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي: ص111
عدد الصفحات ١٨13 كيفَ تأخذُ من هذا المكانِ هذه القطعةَ، ومِن هذا المكانِ هذه القط عةَ، لأنّ هذه القِطَعَ كلَّها مودعةٌ في ذاكرتِك، وأنتَ في بيتِك تعرفُ مكانَ كلِّ حاجةٍ من حاجاتِك، أين أودِعَت هذه الأمورُ؟ وأنتَ في مدرستِك حينما تقرأُ بعضَ الكتبِ، وتؤدِّي امتحاناً، كيف يؤدَّى هذا الامتحانُ؟ إنّ هذه المعلوماتِ قد أودِعَتْ في الذاكرةِ، وا نّ إنساناً دونَ ذاكرةٍ مخلوق لا وجُودَ له، ويستحيلُ عليه التعلّمُ والتعليمُ، قال تعالى: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ . إنّ المقالاتِ العلميّةَ التي تتحدَّثُ عن الذاكرةِ تقولُ: "إنّ الإنسانَ إذا عاشَ ستِّين عاماً فهناك مِن الصُّوَرِ التي تختزنُها ذاكرتهُ ما يزي دُ على ستين مليار معلومةٍ! فلو أرَدْنَا أن ننسخَ هذه المعلوماتِ في كتبٍ لاحتاجتْ إلى آلاف المجلّدات، كلُّها كتبٌ تختزنُ المعلوماتِ التي لا نعرفُ حتى الآنَ مكانَها في الدّماغِ، وهناك نظريّاتٌ جديدةٌ تفترضُ أنّ الذاكرةَ ليس لها مكانٌ في الدّماغِ؛ إنّها مرتبط ةٌ بالحياةِ النفسيّةِ. على كلٍّ هذه المعلوماتُ التي تأتي إلى الإنسانِ بعضُها يخزَّنُ في مكانٍ قريبٍ، لِيَسْهلَ استرجاعُه، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ متوسّطٍ، وبعضُها يخزَّنُ في مكانٍ بعيدٍ، وبعضُها لايخزَّنُ إطلاقاً، فإذا خُزِّنَتْ تتوزَّعُ بِحَسبِ نوعِها، ف ثمة ذاكرةٌ للمشمومات، وذاكرةٌ للمُبصراتِ، وذاكرةٌ للوجوهِ، وذاكرةٌ للألوانِ، وذاكرةٌ للعُطورِ، وذاكرةٌ للأسماءِ، هذا شيءٌ دقيقٌ، أمَّا إذا أرَدْنَا اسْتِدعاءَ شيءٍ، أو أرَدْنَا معرفتَه فيقولُ العلماءُ: "إنَّ الذاكرةَ تَسلُكُ طريقةَ الترميزِ في وَقتٍ سريع"، فإذا قُدِّمَ لك عِطرٌ شمِمْتَه، لأنه قد خُزِّنَ في ذاكرتِك سبعةٌ وتسعون نوعاً من العطورِ، وا نّ هذا العِطرَ الذي شممْتهُ الآن يمرُّ على هذه الأنواعِ كلِّها إلى أن يأتيَ التطابقُ، وتقولُ: هذا العِطرُ اسمُه كذا، هذا في المشموماتِ، وهذا في المطعوماتِ، وهذا في الذوقيَّاتِ، وهذا في المبصراتِ، وهذا في الوُجوه، وهذا في الأسماءِ والأرقامِ، وفي كلِّ شيءٍ، المعلوماتُ المتوافرة عن الذاكرةِ متواضعةٌ جدّاً، ومع ذلك ففيها حقائقُ يحارُ فيها أصحابُ العقولِ. وعُرِفَ عند العلماءِ: "أنّ الذاكرةَ قاموسٌ ومترجمٌ فوريٌّ"، والشيءُ الذي يُدهِشُ أنّ الخليةَ العصبيّةَ لا تنقسمُ، ولاتموتُ، فلو أنّها انقسمَتْ، وماتتْ لَفَقَدَ الإنسانُ خِبراتِه
عدد الصفحات ١٩10 كلَّها، يقول لك: أنا خِبْرَتي في الطبِّ أربعونَ عاماً، وأنا خبرتي في القانونِ خمسون عاماً، وهذا خبرتُه في الصّناعةِ كذا سنة، كلُّ هذه الخبراتِ ت تراكمُ، وتتراكمُ حتى ينْمُوَ الإنسانُ، ولو فَقَدَ ذاكرتَه لفقَدَ كلّ خِبراتِه دفعةً واحدةً. إنّ الذاكرةَ وحْدَها آيةٌ كبرى من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه. ثالثاً: الحواس الخمس 1- غضّ البصر حينما ينظرُ الإنسانُ إلى امرأةٍ، ويعيدُ النظرَ، فإنّ هذه النظرةَ أش بَهُ بالضغطِ على زنادِ السلاحِ، تنطلقُ على إثرِها هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ الجسمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تبدِّلُ ضرباتِ القلبِ، وتوسِّعُ الأوردةِ المُحيطيةَ، وتضيِّقُ الشرايينَ المتوسطةَ والصغيرةَ، وترفعُ ضغطَ الدمِ، هذه الهرموناتُ الجنسيةُ تصلُ إلى البروستاتِ، فيُغلَقُ طريقُ البولِ، ويُفتَحُ طريقُ ماءِ الحياةِ، وتنطلقُ مادةٌ مطهّرةٌ، ومادةٌ معطرةٌ، ومادةٌ مغذِّيةٌ، ثم يجرِي تبدلٌ في كيمياءِ الدمِ، مِن أجلِ أن تتمَّ عمليةُ اللقاءِ الزوجيِّ، ويحافَظَ على النوعِ البشريِّ. أمَّا حينما يطلِقُ الإنسانُ بصرَ ه طوالَ النهارِ، ما الذي يحصلُ؟ هناك هرموناتٌ جنسيةٌ تجوبُ أنحاءَ جسمِه عبرَ الأوعيةِ الدمويةِ. يقول الله عزَّ وجل: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ [10. ] قالَ العلماءُ: "أزكى: أي أَطهَرُ، ويمكنُ أن يكونَ المعنى: أنفع وأطيب (1)، إمّا أن يكونَ أزكى لهم هو الطهرُ من الذنوبِ، أو الوقايةُ من الأمراضِ، فعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قال عليهِ الصلاة والسلام: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٍ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ أثَابَهُ اللهُ إِيمَاناً يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِي قَلْ بِهِ (1)." (1)ينظر: تفسير الرازي 6/211،تفسير النكت والعيون للماوردي 2/83،تفسير المحرر الوجيز لابن عطية:1/113. (1)المعجم الكبير للطبراني 10/191.
عدد الصفحات ٢٠11 السهمُ إذا دخلَ في الجسمِ أحدَثَ جرحاً، فقد يُتلِفُ مكاناً معيَّناً، أمّا حينما يكونُ السهمُ مسموماً فإنّ السمَّ يسرِي إلى كلِّ أنحاءِ الجسمِ . النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً بَيَّنَ مخاطرَ النظرةِ التي تتبعُ النظرةَ (1)، فال نظرةُ كالضغط على الزنادِ، الذي تبدأُ بسببهِ سلسلةٌ من التفاعُلاتِ، والإفرازاتِ الهرمونيةِ الجنسيةِ المعقّدةِ، التي لها تأثيراتُها على كلِّ عضوٍ، بل على كلِّ خليةٍ، والتي تهيِّئ الجسمَ لعمليةِ الاتصالِ الجنسيِّ، لتؤدِّيَ مهمَّتها في استمرارِ النسلِ، كلُّ هذا يجبُ أن يتمَّ في وقتٍ محددٍ، أما إذا استمرَّ انطلاقُ هذه الهرموناتِ في الجسمِ دونَ تفريغٍ لهذه الشحنةِ، فإنها سوف تؤدِّي إلى مضاعفاتٍ خطيرةٍ في الجسمِ. النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطقُ عن الهوى نهى عن إِتْباعِ النظرةِ بنظرةٍ، ونهى عن تبرُّ جِ النساءِ، وعن تعطُّرِ المرأةِ إذا خَرَجَتْ من بيتِها، ونهى عن الخلوةِ بالأجنبيةِ، و نهى عن المصافحةِ، ونهى أنْ تمتنعَ المرأةُ عن فراشِ زوجِها، هذا كلُّه من أجلِ الوقايةِ من أمراضٍ لا تعدُّ ولا تُحصَى. 2- غشاء الطبل في الأذن بين جوانحك آياتٍ لا تعدُّ ولا تح صى، منها غشاءُ الطبلِ، فكلُّ واحدٍ غشاءُ طبلِه يعملُ بانتظامٍ، وغشاء الطبلِ غشاءٌ رقيقٌ، لا تزيدُ سماكتُه على نصفِ مليمترٍ، ولا يزيدُ قطْرُه على تسعِ ميليمتراتٍ -أقلُّ من سنتيمترٍ - متينٌ كالصلبِ، مرنٌ كالمطاطِ، حيويٌ جداً لنقلِ الأصواتِ، لو تعطَّلَ هذا الغ شاءُ لفَقَدَ الإنسانُ سمعَه، لذلك فقدْ جهَّزهُ اللهُ عزَّ وجل بما يحفظُه من التَّلَفِ، وجَعَلَه في آخرِ قناةٍ منحنيةٍ أضيقَ من خِنْصَرِ الإنسانِ، لئلا يبعثَ به الصغيرُ فيخرِقَه (1). (1)الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: «يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُْولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآْخِرَةُ » سنن ابي داود 1/126، باب ما يؤمر به من غض البصر (1)ينظر: موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي: ص111،موسوعة الاعجاز العلمي، يوسف الحاج احمد: 196-199.
عدد الصفحات ٢١11 لقد جعل اللهُ عزَّ وجل الأذنَ الوسطَى -وهذا من حكمتِه- موصولةٌ بقناةٍ إلى البلعومِ، فإذا جاءَ ضغطٌ كبيرٌ كافٍ لخرقِ هذا الغشاءَ جاء الضغطُ المقابلُ من الفمِ، فتوازنَ الضَغْطان، وسَلِمَ غشاءُ الطبلِ من التمزّقِ، إذْ إنّ الأصواتَ الشديدةَ من شأنِها أنْ تمزِّقَ غشاءَ الطبلِ. وهذا الغشاءُ مربوطٌ بأربعةٍ عُظَيْماتٍ، لا يزيدُ وزنُها عل ى خمسةٍ وخمسين ميليغراماً، ولا يزيدُ طولُها مجتمعةً على تسعةَ عشرَ ميليمتراً، هذه العظيماتُ لها وظيفةٌ رائعةٌ جداً، إنها تُكَبِّرُ الأصواتَ الضعيفةَ إلى عشرينَ مِثلاً، وتخفِّضُ الأصواتَ الضخمةَ المؤذيةَ، فجهازٌ واحدٌ يعملُ على تكبيرِ الصوتِ، وعلى خفضِ الصو تِ، وهذا ما لا يستطيعُه البشرُ، وهذا مِن الآياتِ الدالةِ على عظمةِ اللهِ تعالى. بل إنّ الأصواتَ التي تزيدُ على مئةِ ديسيبل -وحدة قياس الأصواتِ - والتي مِن شأنِها أن تؤذيَ الأذنَ، هناك آليةٌ عصبيةٌ معقدةٌ جداً تخفِضُها، حين لا تسمعُ صوتَ إنسانٍ فتقولُ له: أَ عِدْ، ماسمعتُ، فإنّ بعضَ حركاتِ الوجهِ تؤثِّرُ على عصبٍ مشتركٍ بين الوجهِ، وعضلةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بعظمٍ الرِكابِ مِن شأنِها أنْ تزيدَ حساسيةَ الأذنِ، أي حينما تتغيَّرُ ملامحُ وجهِك، حينما لا تفهمُ الكلامَ، هناك آليةٌ معقدةٌ جداً تنتقلُ عَبْرَ العَصبِ السمعيِّ إلى عضلةٍ تُضاعفُ حساسيةَ الأذنِ.صرِ الأولُ، وهذه الأمراضُ منتشرةٌ في المجتمعاتِ المتفلِّتةِ. الناغَمِ والضاجيجِ. لماذا حينما تُسحَق قطعةُ زجاجٍ تحتَ البابِ تشعرُ أنك ستخرجُ من جِلْدِك؟ ولماذا إذا وقفتَ أمامَ شلالٍ فيه صوتٌ صاخبٌ تأنسُ به؟ هذا ضجيجٌ، و هذا نَغَمٌ، كيف تفرِّقُ بين النغمِ والضجيجِ؟ وكيف تلتقطُ هذه الأذنُ مئاتِ ألوفِ الأصواتِ، ولكلِّ صوتٍ نبرةٌ خاصةٌ تسجَّلُ في الذاكرةِ؟ كيف تقولُ لفلان عبْرَ الهاتفِ: أنت فلانٌ؟ ما هذه الحساسيةُ في الأذنِ التي تخزِّنُ الأصواتُ، ففي ذاكرةِ الإنسانِ مئاتُ، بل ألوفُ الأصواتِ الخاصةِ؟ ما زالتِ الأذنُ سرّاً من أسرارِ صنعةِ اللهِ عزَّ وجل، ما زالت الأذنُ آيةً دالةً على عظمةِ الله عزَّ وجل.
عدد الصفحات ٢٢11 ما عُرِضَ هنا أمورٌ مختصرةٌ جدًّا، لكن لو اطلعتم على ما في هذه الأذنِ من عجائبَ بالتفصيلِ لسجدتُم للهِ عزَّ وجل تعظيماً وشكراً (1). يقول تعالىﭽ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ مِن آياتِ اللهِ الكونيةِ الدالةِ على عظمتِه، ومِن تطابقِ آياتِ القرآنِ مع خَلقِ الإنسانِ ما يؤكِّدُ أنّ هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ تعالى، وأنّ هناك تطابقاً عجيباً، وأبديّاً، وسرْمدِيّا بين ما جاءَ في القرآنِ، و ما جاءَ في معطياتِ العلمِ، يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭼ [1. ] إنّ في كلامِ اللهِ دقّةً بالغةً في الصّياغةِ، وما دامَ سميعاً بصيراً فلِمَ قدَّمَ السَّمْعَ على البصرِ؟ قال تعالى: ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [26. ] هناك حكمتاناعتمدهما العلماءُ: "السّمعُ أخطرُ في حياةِ الإنسانِ من البصرِ"؛ لأنَّ الإنسانَ يتلقّى الأصواتَ من الجهاتِ الستِّ، عن يمينِه، وعن شمالِه، ومن أمامِه، ومن ورائِه، ومن فوقِه، ومن تحتِه، في الظلامِ والنورِ، وفي الليلِ والنهارِ، وعلى الرّغمِ من الحواجزِ الكتيمةِ فإنّ السمعَ يصلُ إلى أُذنِك، فكأنّ السّمعَ يُغطِّي البيتَ كلّهَ، فإنْ كنتَ نائماً، وسمعتَ حركةً في غرفةِ الضّيوفِ، انتقلتَ إليها، أما عيْنُك فلا تُرِيكَ إلا أطرافَ غرفةِ النومِ، وا ن كنتَ تقودُ سيارةً فلا ترى إلا الذي أمامَك، إما إنْ كان ثمَّةَ خلَلٌ في المحرّكِ، أو العجلاتِ، فالصوتُ يصلُ إلى أُذنِك، فتقفُ في الوقتِ المناسبِ، هذه بعضُ توجيهاتِ العلماءِ تبيِّنُ أنّ السمعَ أخطرُ من البصرِ (1). شيءٌ آخر، قوله سبحانه وتعالىﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﭼ [10. ] لماذا اختارَ اللهُ سبحانه وتعالى السّمعَ وحْدهُ؟ لأنّه مَن كانَ أصمَّ كان أبْكمَ، فالذي لا يسمعُ لا ينطقُ، والذي لا يسمعُ، ولا ينطقُ متخلّفٌ عقليّاً، ويصنّفُ مع المعوّقين (1)موسوعة الاعجاز العلمي، النابلسي:ص118 (1)ينظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور 1/118
عدد الصفحات ٢٣12 عقليّاً، ومع البُلْهِ، لكنْ كم مِن الذين فَقَدوا بصرَهم كانوا قمّةً في العلمِ والأدبِ، وأعلاماً، ولكنّ الذي لا يسمعُ لا ينطقُ، ولا يفهمُ، هذا بعضُ التوجيهاتِ. إنّ دِقّة خلقِ السمع كدِقّةِ البصرِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ [1] بضاعةٌ تجاريّةٌ، وقد تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الأولى، ولها أسعارٌ خاصّةٌ، ولكنّ صُنعَ اللهَ تعالى لا تفاوُتَ فيه، وكلُّه متْقَنٌ إلى درجةٍ مطلقةٍ (1). 3- حاسة الشم وتركيبها إنّ مِن نِعَمِ اللهِ عز وجل التي لا ننتبِهُ لها نعمةَ الشَّمِّ، ولقد أقامَ العلماءُ موازنةً بين الشمِّ والبصرِ، فالعينُ لا ترَى إلا بوسيطٍ، و هو الضوءُ، ولكنّ الشمَّ لا يحتاجُ إلى وسيطٍ، فالإنسانُ يشمُّ ليلاً ونهاراً، في ضوءٍ شديدٍ، وفي ظلمةٍ شديدةٍ، ولا يحتاجُ الشمُّ إلى اتصالٍ قريبٍ مباشرٍ بينك وبين الشيءِ، كما هو في السمعِ؛ لذلك قالوا: الشمُّ يعطيك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً، وأنت نائمٌ قد تشمُّ رائحةَ الغازِ في البيتِ، بلا صوتٍ ولا ضوءٍ، ولا ثمةَ اتصالٌ مباشرٌ، أنت في غرفةِ النومِ، وموقدٌ للغازِ في المطبخِ، والأبوابُ مقفلةٌ، والظلامُ شديدٌ، والصوتُ معدومٌ، والاتصالُ المباشرُ معدومٌ، ومع ذلك تشمُّ فتستيقظُ، وتُغلقُ موقدَ الغازِ، إذاً الشمُّ يعطي ك دائرةَ أمانٍ واسعةً جداً. مَنْ يصدِّقُ أنّ في أنفِه مئةَ مليونِ خليّةٍ عصبيةٍ مخصّصةٍ لحاسَّةِ الشمِّ، هذه الخلايا العصبيةُ تتركَّزُ، وتتمرْكزُ في القرنِ العلويِّ للأنفِ، بمساحةٍ لا تزيدُ على مئتين وخمسين ميليمتراً مربعاً، هذه الخليةُ العصبيةُ التي تعدُّ عشرين مليوناً لها أهدابٌ لا تقِلُّ عن سبعةِ أهدابٍ، هذه الأهدابُ عليها سائلٌ مخاطيٌّ فيه موادُّ دهنيةٌ مُذِيبةٌ، تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيميائياً، فينتجُ عن هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ متميِّزٌ، يتكوَّنُ تِبْعاً لطبيعةِ الرائحةِ (1). (1)ينظر:موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي:ص118. (1)ينظر:موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي:صص121 .
عدد الصفحات ٢٤11 فرائحةُ الزهورِ مثلاً الشكلُ الهندسيُّ الناتجُ عن تفاعلِها مع أهدابِ خلايا الشمِّ هو شكلُ مفتاحٍ، ورائحةُ الأثير مثلاً على شكلٍ مستطيلٍ، أو على شكلِ حوضِ سباحةٍ، وهكذا كلُّ تفاعلٍ بين الرائحةِ والأهدابِ الشَّمِّيةِ ذاتِ الخاصةِ المذيبةِ، والتي تتفاعلُ مع الرائحةِ تفاعلاً كيماويّاً. هذا الشكلُ الهندسيُّ يرسلُ إشارةً عن طريقِ العصبِ الشَّمِّيِّ الذي يتوضَّعُ في سقفِ الأنفِ، إلى مركزِ الشمِّ في الدماغِ. يستطيعُ الدماغُ أنْ يميِّزَ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، لا أن يميِّزَ فحسب، بل يميّزُ ويتعرَّفُ، ففي الدماغِ ذاكرةٌ شَمِّيةٌ، فإذا شمَّ رائحةً تفاعلتْ مع أهدابِ الشمِّ، وشكّلتْ شكَلاً هندسياً، أرسلَ إشارةً إلى الدماغِ، الدماغُ عنده عشرةُ آلافِ رائحةٍ، يمرِّرُها على كلِّ رائحةٍ، رائحةً رائِحةً، إلى أن تتطابقَ هذه مع تلك، يقولُ: هذا الياسمينُ، أو هذا الفُلُّ، أو هذا الزنبقُ، وكلُّ هذا يتمُّ في لمحِ البصرِ. معروفٌ عند العلماءِ: "أنّ هذه الأهدابَ فيها خصائصُ عديدةٌ؛ إنها تستطيعُ استشعارَ رائحةٍ في تركيزٍ قليلٍ جداً، نصفٌ بالمليونِ من الميليغرام في السنتيمترِ المكعبِ، هذه الأهدابُ تستشعرُ هذه الرائحةَ، وتنقلُها إلى الدماغِ، ويتعرَّفُ إليها، ويقولُ: أَشمُّ الرائحةَ الفلانيةَ". الإنسانُ عندهُ وسائلُ يَعرِفُ بها المحيطَ الخارجيَّ، فالعينُ تَرَى، لكنْ ثمَّة أشياءُ لا تراها، وأنت في البيتِ، أو في المركبةِ، بل تسمعُها، فالسَّماعُ خطُّ دفاعٍ آخرُ، وثمّةَ أشياءُ لا تراها، ولا تسمعُها، فلو أنّ فأرةً ماتتْ في البيتِ، ما الذي يشعرُك بوجودِها؟ رائحتُها طبعاً، فكأنّ اللهَ جل في عُلاهُ جعلَ من الرائحةِ إشعاراً للإنسانِ بدقائقِ المحيطِ الخارجيِّ، هذا مِن فضلِ اللهِ تعالى على الإنسانِ. مئةُ مليونِ خليةٍ، وكلُّ خليةٍ لها سبعةُ أهدابٍ، والهُدْبُ عليه سائلٌ مخا طيٌّ، فيه موادُّ دهنيةٌ مذيبةٌ، تتفاعلُ مع الروائحِ تفاعلاً كيماوياً، فينتجُ من هذا التفاعلِ شكلٌ هندسيٌّ، يرسلُ إشارةً إلى الدماغِ، الذي يميِّزُ بين عشرةِ آلافِ رائحةٍ، وتدرجُ هذه الرائحةُ على كلِّ الروائحِ تباعاً إلى أنْ تعرفَها، فتقولُ: هذه كذا.
عدد الصفحات ٢٥16 إنّ ترك يزَ الرائحةِ نصفٌ بالمليونِ من الميليغرامِ في السنتيمترِ المكعبِ، يكفي أنْ تشمَّ هذه الرائحةَ. في رأسِ الكلبِ مئةُ مليونِ نهايةٍ عصبيةٍ للشمِّ، وطاقةُ بعضِ الحيواناتِ الشمِّيةِ تزيدُ مليونَ مرةٍ على طاقةِ الإنسانِ. أُنثى الفَراشِ تجلبُ الذَّكَرَ من بُعْدِ نصفِ ميلٍ، عن طريقِ الشمِّ، وعن طريقِ إصدارِ بعضِ الروائحِ الكيماويةِ. والنحلُ يشمُّ رحيقَ الأزهارِ من مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشراتِ الكيلو مترات، ويشمُّ رائحةَ خليّتهِ. والبعوضةُ تشمُّ رائحةَ عرَقِ الإنسانِ من ستين كيلومتراً، فسبحان الذي أودع في الإنسانِ هذه الحاسَّةَ التي هي حصنٌ وتكريمٌ. 4-الغشاء البريتواني، والإحساس بالألم في الأمعاءِ الدقيقةِ غشاءٌ يحملُها أو يثبِّتُها، هذا الغشاءُ اسمُه عندَ الأطباءِ الغشاءُ البريتواني - المساريقي - ... لهذا الغشاءِ وظيفةٌ كبرى عظيمةٌ. لو أنّ الإنسانَ شَرِبَ ماءً ي غلي، فالأمعاءُ لا تشعرُ بالحرارةِ، ذلك أنّ حكمةَ اللهِ تعالى قد جعلتِ الأمعاءَ الدقيقةَ والغليظةَ خاليةً مِن أعصابِ حسٍّ خلُوّاً كاملاً، فالأمعاءُ محاطةٌ بغشاءٍ، هذا الغشاءُ له وظائفُ كثيرةٌ، مِن وظائفِه أنه يحمِلُها على نحو مرنٍ، أي يسمحُ لها بالحركةِ، وه ذا من أدقِّ الأعمالِ، لأن حركةَ الأمعاءِ في الهضمِ أساسُها ميكانيكيٌّ، وهذا الغشاءُ فيه نهاياتٌ عصبيةٌ، وهذا الغشاءُ فيه مراكزُ لمفاويةٌ، هذه المراكزُ بمنزلةِ أجهزةِ دفاعٍ في الجسمِ البشريِّ، فلو أنّ التهاباً حادّاً أصابَ الأمعاءَ، فانثقبتْ، لتحرَّكَ الغشا ءُ البريتوانيُّ ليصنعَ مصلاً يلتهمُ هذه الجراثيمَ، ويشعرُ الإنسانُ بالألمِ، وهذه الآلامُ التي يشعرُ بها الإنسان في بطنِه ليس مصدرُها الأمعاءَ، بل مصدرُها الغشاءُ البريتواني، الذي هو جهازُ الإنذارِ الأولِ، لو حدثَ ثقبٌ في الأمعاء، أو التهابٌ حادٌّ، وحدثتْ إ نتاناتٌ، فهذا الغشاءُ البريتواني فيه نهاياتٌ عصبيةٌ تُشعِرُ الإنسانَ بالألمِ (1). وثمة مراكزُ دفاعٍ تستخبرُ عن طبيعةِ الجرثومِ، وتصنعُ مصلاً مضاداً، وتلتهمُ الجرثومَ، وتطوِّقُ هذه المشكلةَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ تجدُه عندَ القصّابِ بين الأمعاءِ، فيه (1)ينظر: موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي ص131 .
عدد الصفحات ٢٦19 عُقَدٌ بلغميةٌ صغيرةٌ ككتل شحميةٍ، هذه العقدُ البلغميةُ أجهزةُ دفاعٍ من أرقى الأجهزةِ، فيها جنودٌ تكتشفُ طبيعةَ العدوِّ، وجنودٌ مقاتلةٌ، وفيها معملٌ للمُصولِ. وفي هذا الغشاءِ نهاياتٌ عصبيةٌ، فكلُّ آلامِ البطنِ تعدُّ جهازَ الإنذارِ المبكّرِ، وكلُّ هذه الغددِ تعدُّ أجهزةَ دفاعٍ عن هذه الأمعاءِ التي هي أساسيةٌ في حياةِ الإنسانِ، ولكنْ لحكمةٍ بالغةٍ ليس في الأمعاءِ أعصابُ حسٍّ، فمتى تنقلُ الألمَ لصاحبِه إذاً؟ إذَا حَدَثَ ثقبٌ في الأمعاءِ، تصبحُ الآلامُ لا تطاقُ، قال تعالى: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ [11. ] إنْ قُطِّعَتِ الأمع اءُ شعرَ الإنسانُ بالألمِ، إذا ثُقِبَتِ الأمعاءُ شَعَرَ الإنسانُ بالألمِ، لذلك: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ. هذه الآيةُ تتوافقُ مع أحدثِ مُعطياتِ العلمِ، ولولا أنّ القرآنَ كلامُ اللهِ لَمَا أمكنَ للنبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنْ يكشفَ هذه الحقيقةَ، لأنّ طبيعةَ العصرِ ا لذي نَزَلَ فيه القرآنُ في كلِّ معطياتِه العلميةِ لا ترقى إلى هذه الحقيقةِ، هذا الغشاءُ الذي يتمتَّعُ بنهاياتٍ عصبيةٍ حساسةٍ جداً لا يمكنُ لها أن تُشْعِرَ بالألمِ إلاّ في حال ثقبِ الأمعاءِ، وأمّا الإحساسُ بالألمِ في الأمعاءِ فغيرُ موجودٍ، فلو شرِبَ الإنسانُ ماءً يغلي لم يشعر في أمعائِه بشيءٍ. فمتَى يؤلِمُهم؟ حينما يقطِّعُ الماءُ الحميدُ أمعاءَهم، قال تعالى: ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ [11. ] كلّما كَشَفَ الإنسانُ حقيقةً في جسمِه ازدادَ تعظيماً للهِ عز وجل، فهذا كتابُ اللهِ، كتابُ خالقِ البشرِ، وهو الكتابُ المقرَّرُ ، والمنهجُ الحكيمُ، والصراطُ المستقيمُ، والنورُ المبينُ، والحبلُ المتينُ (1). المبحث الثالث الاعجاز العلمي في الكون (1)ينظر: موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي:ص132.
عدد الصفحات ٢٧18 الكون كله معجز بكواكبه ونجومه وشموسه واقماره ومجراته، وسنتناول في هذا المبحث نماذج من الآيات المعجزه في الشمس والقمر والارض. المطلب الاول: القمر كلّنا يعلمُ أنَّ القمرَ يدورُ حولَ الأرضِ في كلّ شهرٍ قمريٍّ مرَّةً واحدةً، وأنَّه يدورُ حولَ نفسِه في وقتٍ مساوٍ تماماً لِدَورتِه حولَ الأرضِ، لذلك لا نرى مِن القمرِ إلا وجهاً واحداً طوالَ الحياة، لأنّه يدورُ حولَ الأرضِ، وحولَ نفْسِه في وقتٍ واحدٍ، ويستكملُ دورتَهُ حولَ نفسِه في تسعةٍ وعشرين يوماً، وثماني ساعات، ويستكملُ دورتَهُ حول الأرضِ في تسعةٍ وعشرين يوماً وثماني ساعات. لكنّ الشيءَ الذي يَلفِتُ النّظرَ أنَّ القمرَ يقطعُ في كلّ يومٍ مِن دائرةِ سيْرِه مِن فَلَكِهِ حولَ الأرض ثلاثَ عشرةَ درجةً، وي تأخَّرُ في شُروقِه عن اليومِ السابقِ تسعاً وأربعين دقيقةً كلَّ يومٍ، ولولا هذا التأخُّرُ لبدَا القمرُ بدْراً طوالَ الحياةِ، ولكنَّ تأخُّرَه تسعاً وأربعين دقيقةً عن شُروقه السابقِ كلّ يومٍ هو الذي يُرِينا القمرَ في مراتبَ، مِن هلالٍ، إلى رُبْع، إلى بدْر، إلى عُرجونٍ، إلى غيابٍ كاملٍ، لذلك يقول ربّنا سبحانه وتعالى: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [1 ] . من الذي خلَقَ وأبْدَعَ، وجعلَ القمرَ يتأخَّرُ في شُروقِه كلّ يومٍ تسعاً وأربعين دقيقةً عن اليومِ السابقِ، حيث يبدو بهذا التأخُّرِ في هذه المراتبِ، حتى أصبحَ القمرُ تقويماً في كبد السّماء؛ لِتَعلموا عددَ السِّنينَ والحسابَ؟ إنه الله رب العالَمين. شيءٌ آخرُ، إنّ كتلةَ القمرِ جزءٌ من ثمانين جزءاً مِن كتلةِ الأرضِ، وتعادِلُ الجاذبيةُ على سطحِ القمرِ سدْسَ جاذبيّةِ الأرضِ، فالإنسانُ الذي يزنُ على الأرضِ ستِّين كيلو غراماً يزنُ على القمرِ عشرةَ كيلو غرامات، لذلك الجاذبيّةُ فيه أَقَلُّ (1). (1)ينظر: موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي:ص 86، موسوعة الاعجاز العلمي، يوسف الحاج احمد: 101-106.
عدد الصفحات ٢٨13 هناك أقمارٌ تدورُ حولَ نفْسِها في بضعِ سنواتٍ، هناك أقمارٌ تبتعدُ كثيراً، وهناك أقمارٌ تقتربُ كثيراً، ولكنّ التفكيرَ السليمَ، والتفكيرَ الدقيقَ هو أنَّه لو لم يكنِ القمرُ يدورُ حوْلَ نفسِه، وحولَ الأرضِ في وقتٍ واحدٍ، ولو لم يقطعْ في دورتِه ثلاثَ عشْرةَ درجةً، ولولا تأخُّرُ شُروقِه تسعاً وأربعين درجةً لَمَا وُجِد تقويمٌ، ولَمَا اسْتَفَدْنا منه. ماذا لو قَلَّتِ المسافةُ بينَ الأرضِ والقمرِ عمّا هي عليه الآن؟ قال سبحانه وتعالى: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ [1. ] إنّ بُعْدَ القمرِ عنِ الأرضِ بِحُسبانٍ دقيقٍ، فالمدُّ والجزْرُ يَقَعَانِ بِتَأثيرِ القمرِ، ولكنْ بِتَأثيرٍ محدودٍ، فلو قَلَّتْ هذه المسافةُ لارْتَفَعَ البحرُ، ولغطَّى اليابسةَ، ثمّ انْحسرَ عنها، وكانت الحياةُ على اليابسةِ مستحيلةً، ولو اقتربَ أكثرَ من ذلك لجذَبَتْهُ الأرضُ، وارتطمَ بها، ولو ابتعدَ القمرُ عن الأرضِ أكثرَ لانعدمَ المدُّ والجَزْرُ، وللمدِّ والجزْرِ في البحار وظيفةٌ خطيرةٌ، فلو ابتعدَ أكثرَ وأكثرَ لجذبتْهُ كواكبُ أخرى، ولدارَتِ الأرضُ حول نفسها في أربعِ ساعاتٍ!! فيُصبح ا لنهارُ ساعتين، والليلُ ساعتين (1)، هذا كلُّه مُنْطَوٍ تحت قوله تعالى: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ. يقول الله سبحانه وتعالى: ﭽ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ [ 13] النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُو نَ20]ﭽ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ [ }11. ] لا يخطرُ في بالِ أحدٍ ما امتدَّتْ به الحياةُ ألاَّ يبدوَ القمرُ، قال تعالى ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ [13.] ومِن آياتِه الدالةِ على عَظَمَتِه تعالى قولُه سبحانه: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ [61. ] (1)موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي:ص86
عدد الصفحات ٢٩20 وقال تعالىﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ [11-16. ] إنّ تربةَ القمرِ تربةٌ عاكسةٌ للضّوءِ، وهذا مِن حكمةِ اللهِ تعالى، فضَوْءُ القمرِ يُعد جزءاً مِن ثمانية عشر جزءاً مِن ضوء الشّمسِ ، وهو تقويمٌ دقيقٌ، جَعَلَهُ اللهُ في كَبِدِ السّماءِ، وجَعَلَ الشّمسَ سَاعةً يوميّةً، فالشّمسُ ساعةٌ، والقمرُ تقويمٌ، قال العليم الخبيرُ: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [1. ] هذه آياتُ اللهِ الكونيةُ تشهدُ له بالعظمة والوحدانية، وقد نعقتْ بها أبو اقُ الغربِ في سنين خلتْ، وهي مبثوثةٌ في القرآنِ منذ أربعةَ عشرَ قرناً، فأين تذهبُ أيُّها الإنسانُ؟ وهل شَردتَ عن التفكُّرِ فيها؟. المطلب الثاني: شمس الأرض قال تعالى: ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ [19-11. ] وقال تعالىﭽ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﭼ [101. ] هذه الشمسُ آيةٌ ساطعةٌ دالةٌ على اللهِ كسطوعِها، وهي نجمٌ متوسِّطُ الحجمِ إذا قِيستْ بالنجومِ الأخرى، ومع أنها تَكْبُ رُ الأرضَ بمليونٍ وثلاثمئة ألفِ مرةٍ حجماً، وتبعدُ عنها مئةً وستةً وخمسين مليونَ كيلو متر وَسَطِيّاً، ويقطعُ ضوءُ الشمسِ هذه المسافةَ في ثماني دقائقَ، وهناك نجومٌ يزيدُ حجمُ أحدِها على حجمِ الشمسِ والأرضِ مع المسافةِ بينهما.
عدد الصفحات ٣٠21 وأمَّا عن حرارَتِها فهي تصلُ إل ى عشرين مليونَ درجة في مركزِها، فلو أُلْقِيَتِ الأرضُ في جوفِ الشمسِ لتَبَخَّرَتْ في وقتٍ قصيرٍ، ويزيدُ طولُ ألسنةِ اللهبِ المنطلقةِ من سطحِها من نصفِ مليون كيلو مترٍ إلى مليون كيلو متر، وتُنتِج الشمسُ مِن الطاقةِ في كلّ ثانيةٍ ما يعادلُ إحراقَ أَلْفَيْ مليارِ طُنٍّ من الفحمِ الحَجَريِّ، وتفقدُ الشمسُ كلَّ يومٍ مِن كتلتِها ما يعادلُ ثلاثمئةٍ وستينَ ألفَ مليون طنٍّ، ويظنُّ علماءُ الفَلَكِ أنَّه مضَى على اتِّقادها ما يزيدُ على خمسةِ آلافِ مليون عامٍ، وهم يُطَمْئِنون الناسَ إلى أنّ الشمسَ لن تنطفئ قبلَ خمسة آلا ف مليون عام أخرى، ولو انطفأتِ الشمسُ فجأةً لَغَرِقَتِ الأرضُ في ظلامٍ دامسٍ، ولهبطتْ درجةُ الحرارةِ فيها إلى مئتين وسبعينَ درجةً تحتَ الصفرِ، ولتحوَّلتِ الأرضُ إلى قبرٍ جَلِيديٍّ، وا نّ انعدامَ الدفءِ والنورِ كافيان لقتلِ كلِّ مَظهرٍ من مظاهرِ الحياةِ على سطحِ الأرضِ (1). سَلِ الشمسَ مَن رفعَها ناراً، ونَصَبَها مَناراً، وضَرَبَها ديناراً، ومَن عَلَّقها في الجو ساعةً، يَدِبُّ عَقْرَبِاها في الجوِّ إلى قيام الساعةِ، ومَن الذي آتاها مِعراجَها، وهَدَاها أَدْراجَها، وَأَحَلَّها أبْراجَها، ونَقَّل في سماءِ الدنيا سِراجَها(1)؟ إنّ الزمانَ هي سببُ حصولِه، ومُنْشَعبُ فروعِه وأصولِه، وكتابُه بأجزائِه وفصولِه، لولاها ما اتّسقتْ أيامُه، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه، ولا اختلفَ نورُه وظلامُه، ذهبُ الأصيلُ من مناجمِها، والشفقُ يسيلُ من محاجمِها، تحطَّمتِ القرونُ على قَرْنِه ا، ولم يَمْحُ التقادمُ لَمحقال تعالى: ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟﯠﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥﯦﯧﯨ ﯩﯪﭼ [19]ﭽﯷﯸﯹﯺﯻ ﭼ [11] سبحانه وتعالىﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭼ [18. ] (1)ينظر: موسوعة الاعجاز العلمي،النابلسي: ص108 (1)المصدر نفسه،وينظر: آيات الله في خلق الكون ونشأة الحياة،د.ماهر احمد الصوفي:ص281.
عدد الصفحات ٣١21 المطلب الثالث: الاعجاز العلمي في الحشرات (البعوضة إنموذجاً مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه قولُه تعالى: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ [16. ] إذا وقفَتْ بعوضةٌ على يدك قتلتَها، ولا تشعرْ بشيءٍ، وكأنّ شيئاً لمْ يحدُثْ، لِهَوَانِها عليك، حتى إنّ النبيَّ ع ليه الصلاة والسلام قال: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ". إنّ في رأسِ البعوضة مئةَ عينٍ، ولو كُبِّر رأسُ البعوضةِ بالمِجْهَرِ الإلكترونيِّ لرأينا عيونَها المئةَ على شكلِ خليةِ النحلِ ، وفي فمها ثمان وأربعون سنّا، وفي صدرِ البعوضة ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، وفي كل قلبٍ أُذينان وبطينان ودسّامان. وهي تملك جهازاً لا تملكُه الطائراتُ الحديثةُ، إنه جهازُ (رادار)، أو مستقبلاتٌ حراريةٌ، بمعنى أن البعوضةَ لا ترى الأشياءَ بأشكالِها وألوانِها، بل بحرارتِها، فلو أنّ بعوضةً وُجِدَتْ في غرفةٍ مظلمةٍ فإنّها ترى فيها الإنسانَ النائمَ، لأن حرارتَه تزيدُ على درجة حرارة أثاث الغرفة، وحساسيةُ هذا الجهاز واحد من الألْفِ من درجة الحرارةِ المئويةِ. والبعوضةُ تملك جهازاً لتحليل الدمِ، فما كلُّ دمٍ يناسبها، فقد ينامُ طفلانِ على سريرٍ واحدٍ، وفي الصباحِ تجد جبينَ أحدِهما مليئاً بلسعاتِ البعوضِ، أمّا الثاني فلا تجد أثراً للسعِ البعوض فيه.
عدد الصفحات ٣٢