لقــد كان الأدب قبلــه شــعرا يتلــى علــى المســامع، وقصائــد تضــج بهــا مجالــس الخلفــاء والندمــاء، والنثــر يحبــوا حبــوًا ملتمســا طرقــا يســلكها وعقــولاً تتبنــاه ، فالنثــر لــم يكــن إلا رســائل مكــررة في قوالــب جامــدة أغراضهــا بســيطة جــدا، حتــى ولــد معلــم العقــل والأدب الــذي أرســى قواعــد النثــر وانتهــى بــه إلــى أبهــى غاياتــه ، ورفعــه مكانــة تضــارع وتــوازي الشــعر وبــدأت معــه قصــة النثــر العربــي ، لقــد كان أبــو عثمــان الجاحــظ علامــة فارقــة في تاريــح الأدب العربــي مــن حيــث الأصالة والبلاغــة والأســلوب وجمــال التراكيــب وســهولتها بــل ومتعتهــا . ولــد أديبنــا الأريــب في البصــرة وتشــبع مــن علمهــا وعلمائهــا، ودرس في المســاجد وفي حلقــات الكتــاب و كان أشــهر معلميــه أبــا زيــد الانصــاري، والأصمعــي والنظــام وكلهــم نوابــغ في فنونهــم وعلومهــم ، وتشــرب الجاحــظ علــوم العربيــة وفنونهــا وأخبــار العــرب وأنســابها في البصــرة وتحديــدا في المربــد التــي كانــت مثــل ســوق عــكاظ عنــد العــرب ، فــكان صــورة لمــا كانــت عليــه مدينتــه حيــث الأصالــة والعراقــة والواقعيــة والميــل إلــى العقلانيــة وكل هــذا ســتجده ملازمــا ملازمــة شــديدة في كتــب وأدب الجاحــظ .وبعــد أن شــيدت مدينــة العلــم والحضــارة بغــداد انتقــل الجاحــظ إليهــا ليبــدأ مرحلــة علميــة جديــدة في حياتــه ويكــون شــاهدا بــل مشــاركا فيهــا ويكــون المثقــف الأول في العالــم الإســلامي في ذلــك الزمــان . في عاصمــة الرشــيد قــرأ ونهــل مــن العلــوم الجديــدة التــي ترجمــت مــن اليونانيــة والفارســية والهنديــة فأصبــح الرجــل موســوعة تمشــي علــى الأرض، ذو ثقافــة عاليــة وعقــل جــريء لامــع وفكــر حــر، وبذلــك تكونــت لــه حصيلــة معرفيــة عظيمــة وخصوصــا إذا علمنــا أن أبــا عثمــان كان ينــام في دكاكــين الوراقــين ويســتأجرها ويقضــي الأيــام والليالــي مشــغولا فيهــا بالقــراءة والكتابــة، قــال عنــه أبــو هفــان أحــب الكتــب والعلــوم أكثــر مــن الجاحــظ فإنــه لــم يقــع بيــده كتــاب قــط إلا اســتوفى قراءتــه كائنــا مــا كان، حتــى إنــه كان يكتــري دكاكــين الوراقــين ويبيــت فيهــا للنظــر سعيد الزهراني drpolymath85 24
عدد الصفحات ٢٤كان يعشــق القــراءة والكتابــة فهــي ســلوته خلوتــه ، وفي عصــر كان يقــوم أغلــب تعليمــه علــى الســماع والحفــظ، بــدأ ينتقــد هــذه الطريقــة في التعليــم ويدعــو إلــى الكتابــة والتقييــد ويتفــن أديبنــا في وصــف الكتــاب وجمالــه فكتــب فصــلا كامــلا عــن الكتــاب يقــول فيــه حتــى يكثــر ســماعه ولابــد أن تكــون كتبــه أكثــر مــن ســماعه ولا يعلــم ولا يجمــع العلــم حتــى يكــون الإنفــاق عليــه مــن مالــه ألــذ عنــده مــن الإنفــاق مــن مــال عــدوه والعقــدة والجليــس والعمــدة ونعــم النشــوة والنزهة ونعــم الأنيــس ســاعة الوحــدة ونعــم المعرفــة ببــلاد الغربــة هــذه الصداقــة الشــديدة بينــه وبــين الكتــاب جعلتــه في عصــره إمامــا لــلأدب فــكان الخلفــاء يفاخــرون بقربــه وصداقتــه ، وكتبــه تبــاع بــآلاف الدنانيــر وهــذا مــا جعلــه يتفــرغ للعلــم والقــراءة والكتابــة حتــى وصلــت كتبــه ورســائله إلــى أكثــر من مائتــي كتــاب و رســالة حســب صاحــب الفهرســت ابــن النــديم، ورغــم أن الــذي وصلنــا لا يزيــد عــن ثلاثــين كتابــا ورســالة إلا أنهــا عاليــة القيمــة لا حــدود لثرائهــا اللغــوي والأدبــي والعلمــي ، وكانــت ذات قيمــة اجتماعيــة وتربويــة ، وعــد مــن أوائــل مــن أســس مفهــوم الإلتــزام في الأدب قبــل ظهــور النظريــات الأخلاقيــة المنطلقــة مــن واقــع المســؤولية التــي تقــع علــى عاتــق الأديــب ، والتــي تبلــورت فكرتهــا في أربعينيــات القــرن العشــرين علــى يــد الفيلســوف والأديــب الفرنســي جــون بــول ســارتر وبهــذا يعتبرأســتاذا للفكــر التربــوي والأخلاقــي وســابقا لزمانــه بقــرون عديــدة. ومــن خــلال كتبــه التــي عالــج فيها مســائل كثيرة ومــزج العلــم بــالأدب والفكاهــة فهــو فيلســوف الأدب الســاخر في الأدب العربــي كلــه ، فرســالة التربيــع والتدويــر خيــر مثــال يســتعرض الجاحــظ فيهــا قدرتــه علــى مــزج الجــد بالهــزل، ويجعــل مــن أحمــد ابــن عبدالوهــاب أفكوهــة ، ويتهكــم بــه في طــول الرســالة وعرضهــا فالرســالة موجهــة إليــه وفيهــا مــن قــوة البيــان والــذكاء اللغــوي والبلاغــة النــادرة حتــى قــال عنهــا المستشــرق الفرنســي شــارل بيــلا المتخصــص في أدب وفكــر الجاحــظ : إن كتــاب التربيــع والتدويــر تهكــم مســتمر تتخللــه مســائل جــادة عويصــة تتعلــق بالظواهــر الطبيعيــة ، والتاريــخ القــديم وأن الجاحــظ لــو لــم يخلــف لنــا إلا هــذا الكتيــب لاســتحق امتنــان العــرب وإعجــاب المســتعربين . لقــد صنعــت منــه القــراءة كنــز لا يفنــى مــع الزمــان ، وطوفــان جــارف مــن العلــوم تخطــى المعقــول فانظــر إلــى كتابــه الحيــوان عبــارة عــن دائــرة معــارف عظيمــة جــدا تشــمل فنونــا كثيــرة فيهــا مــن المحاججــة العقليــة ونظريــات النقــد الأدبــي وعلــم الاجتمــاع والتاريــخ وعلــم الحيــوان وإشــارات مهمــة إلــى علــوم جديــدة مثــل التطــور والأنثروبولوجيــا ، وأهــم مــن هــذا كلــه فهو صاحب الريــادة في مجــال الفكــر واســتخدام المنهــج العقلــي الــذي ســبق بــه فرانســيس بيكــون وديــكارت كمــا يقــول جميــل جبــر في كتابــه الجاحــظ معلــم العقــل والأدب، يقــول مفكرنــا العظيــم إلــى ماتريــك العــين واذهــب إلــى مايريــك العقــل وللأمــور حكمــان : حكــم ظاهــر للحــواس وحكــم باطــن للعقــول، والعقــل هــو الحجــة اشــتهر مثقفنــا الموســوعي بالاســتطراد في كتبــه ورســائله المجيــدة ومــن غيــره يســتطيع ذلــك
عدد الصفحات ٢٥كمــان : حكــم ظاهــر للحــواس وحكــم باطــن للعقــول، والعقــل هــو الحجــة اشــتهر مثقفنــا الموســوعي بالاســتطراد في كتبــه ورســائله المجيــدة ومــن غيــره يســتطيع ذلــك ولايرهقــك لايجعلــك تمــل وتســأم، فكتبــه رحــلات استكشــافية عبــر بحــور المعرفــة، ثــم إنــه قــرأ ألــوف الكتــب وحينمــا يكتــب تزدحــم الكلمــات والأفــكار والمعانــي وتكــون قــوة ضاغطــه تريــد أن تتفجــر علــى الــورق ، ولكنــه ينظمهــا ويتربهــا في عقلــه وثــم يبدعهــا ويرســمها كلمــات وجمــل مليئــة بجمــال البلاغــة والأســلوب، وعبقريــة الأفــكار لتكــون بعــد ذلــك قطعــة خالــدة علــى صفحــات الــورق. إن طريــق العظمــة والخلــود يبــدأ مــع القــراءة فمعلمنــا أبــو عثمــان ولــد فقيــرا يبيــع الخبــز والســمك وكان دميــم الوجــه كريــه المنظــر ، ولكــن القــراءة أعطتــه جمــال العلــم والأدب ونقشــت اســمه مــع زمــرة الخالديــن ، فكتبــه لاتــزال تــدرس وتقــرأ وطــلاب الحقيقــة والمعرفــة منكبــون علــى تراثــه بعــد أن مضــى عليــه أكثــر مــن وحتــى يــوم وفاتــه كان عجيبــا فقــد مــات قارئــا في مكتبتــه عندمــا ســقطت عليــه الكتــب وكان قــد تجــاوز عمــره التســعين، لقــد قــرأ معلــم العقــل والأدب حتــى أتــاه اليقــين وضمــت كتبــه إلــى تــراث الأدبــاء والمفكريــن الخالديــن . 25
عدد الصفحات ٢٥أغلقــت كتابــي، ورحــت أتأمــل رفــوف المكتبــة؛ مــا الــذي يدفــع كل هــؤلاء المؤلفــين إلى تقطيــع أرواحهم علــى شــكل أوراق، وضمهــا بــين دفتــين، وإرســالها في تابــوت يســميه النــاس كتابــا ! هــذا الخيــال المخيــف طــرق بــاب روحــي فأيقظها، وجعلني أســترجع ذكرياتــي مــع الكتــب؛ كــم دمعــة ســفحت علــى عتبــات نــص بائــس، وكــم ضحكــة فــرت لتختــرق جــو الصمــت المكانــي، وإن مــن لذائــذ الحيــاة التــي لا مثيــل لهــا: أن ينبــت الكاتــب لأحرفــه ذراعــين تعانــق غريبــاً طــوي في بئــر روحــك، فيعانقــه، ويحادثــه، ويبثــه وجــده . كيــف أنســى حســرة غشــيتني عنــد قــراءة فصــل الآمــال جــلال أمــين، وكيــف أصــف حالــي حــين قــرأت كلمــة فرانــز كافــكا في رســالته لأبيــه معاناتــي زارنــي مــراراً؛ فقــد كنــت أتحســس أظفــاري مــع مليكــة أوفقيــر عنــد حديثهــا عــن حفــر النفــق بيديهــا في كتابهــا أتضــور مــع كنــوت هامســون في روايتــه الغبــار مــع كل ســطر مــن لزوســكيند، وأحــس بضآلــة الدنيــا تجاوبــاً مــع لميعــة عبــاس عمــارة التــي أحبــت الســياب وأحبهــا، لكــن الله لــم يكتــب لهمــا جمعــاً، فمضــت الســنوات ورأت كتابــاً لهــا يجــاور كتابــا للســياب فقالــت : إذا بنا ورغمها نلتقي هنا كتابين على رف آمنــت أن الكتــب توابيــت المعرفــة، وأن فيهــا ســكينة، وبقيــة ممــا تــرك العباقــرة، والبائســون، وفرســان الشــعور الإنســاني . بدر الثوعي badrTH_313 26
عدد الصفحات ٢٦قبــل طــرح الكتــب المقترحــة لهــذا الغــرض لابــد وأن نضــع توصيفــاً لهــذا النــوع مــن الكتــب، فالروايــات لا تصلــح للقــراءة قبــل النــوم، لأنهــا ربمــا تسترســل بالإنســان وتفــوت عليــه موعــده المحــدد للنــوم . الكتــب الفلســفية أو المتخصصــة لا تصلــح كذلــك إذ لا بــد وأن يكــون الكتــاب بعيــداً عــن الإعمــال الفكــري الشــاق، وأن يكــون إيجابيــاً فــلا تقــرأ كتــب أدب الســجون مثــلاً قبــل النــوم، فإنهــا ســتطبع في نفســك تصــورات ســيئة، ربمــا أورثــت أحلامــاً وكوابيــس مرعبــة، وهــذا عــن تجربــة. يقتــرح قــراءة كتــب تحتــوي علــى مقطوعــات، ككتــب التراجــم والســير الذاتيــة، أو التاريــخ، أو حتــى الكتــب الأدبيــة، أو كتــب الخواطــر، أو الأقصوصــات القصيــرة. مــن الكتــب المقترحــة: صيــد الخاطــر لابــن الجــوزي. و ســير أعــلام النبــلاء للذهبــي، وهــذا الأخيــر كتــاب كبيــر كمــا هــو معــروف تقــع تراجمــه في ثلاثــة وعشــرين مجلــداً، أعــرف مــن قــرأه كامــلا في ســبع ســنين، قبــل النــوم، إذ كان هــو كتــاب الوســادة. مــن فوائــد القــراءة قبــل النــوم: الابتعاد عــن الأفــكار والهواجــس المقلقــة، وهــذا موجــود عنــد بعــض الشــخصيات القلقــة. فبعــض العقــول لا تكــف عــن التفكيــر، وهــذا مــن أنجــح المهدئــات لهــا. ومــن الفوائــد أيضــاً: الشــعور بحالــة الاســترخاء والرضــا عــن النفــس، ممــا يؤثــر إيجابــاً علــى المــزاج العــام أثنــاء النــوم. وبعــد: هــل تفضــل القــراءة علــى الســرير، أو علــى مقعــد منفصــل داخــل غرفــة النــوم ؟ لــك الحريــة في أنفعهمــا لــك، لكــن إغــراء القــراءة علــى الســرير لا يعدلــه شــيء . الإضــاءة الســريرية هــل تؤثــر علــى القــارئ، الجــواب: لا أظــن ذلــك .. (وهــذا رأي شــخصي وليــس لــه أي ســند علمي). يقــول العقــاد في (حيــاة قلــم الكتــاب الجديــد فيروقنــي مــا قرأتــه فيــه فــلا ألقيــه مــن يــدي حتــى أفــرغ منــه آخــر الليــل، ولا ضيــاء في البيــت غيــر شــمعة أو مصبــاح ذي فتيــل ويقــول أحمــد أمــين في (حياتــي) : « عشــرة فأنــام، وقــد وضعــت مصباحــا كهربائيــا بجانــب ســريري أقــرأ عليــه حتــى يغشــاني النــوم، ولمــا أصبــت في عينــي منعنــي الأطبــاء مــن القــراءة ليــلا فاســتعنت علــى مــلء وقتــي بمــن يقــرأ علــي . وإذا علقــت فكــرة بذهنــي كانــت شــغلي الشــاغل - أقــرأ الكثيــر عنهــا وأفكــر فيهــا وأحلــم بهــا نصيحــة أخيــرة -لســراة الليــل- ينصــح العقــاد بالكتابــة بالقلــم الأحمــر أثنــاء الليــل. (أنــا، العقــاد). كمــا أنــي بحثــت عــن مقالــة لطــه حســين عــن القــراءة قبــل النــوم في تــراث طــه حســين والــذي يقــع في ســتة مجلــدات ضخمــة، لكنــي لــم أســتطع الوقــوف عليهــا. يقــول العقــاد: الليــل للــروح والنهــار للجســد. (أنــا، العقــاد). هشام سعد dr.heshamm@gmail.com 27
عدد الصفحات ٢٧تشــرفت بطلــب مــن الأخــت الكريمــة تجربتــي مــع “نــدى إبراهيــم لكتابــة في المجلــة الفتيــة ”الكتــاب والقــراءة ، فانتهــزت الفرصــة لقــراءة ”قــوارئ“ متأنيــة لطبيعــة المجلــة ومحتواهــا، وأحســب أنهــا أول مجلــة متخصصــة في القــراءة تقنيــة وعوالمــا، وأتوقــع لهــا -إن وجــدت الدعــم- الــذي تســتحقه أن تكــون ذات شــأن ومنفعــة كبيــرة للقــراء، والجميــل فيهــا نشــأتها علــى يــد كــوادر شــابة، متطوعــة لتقــديم الفائــدة لمجتمعهــا. احتــرت كيــف أتطــرق لتجربتــي مــع القــراءة والكتــاب، فوجــدت أســهل الســبل ســرد قصصــي معهــا، فمــا التجــارب إلا قصــص، وليــس ســرد هــذه الحكايــات من بــاب العجــب بالنفــس، فهــي مــن القصَصِ العــادي الــذي قــد يكــون مــر في حيــاة أي قــارئ. حاولــت التــزام التسلســل الزمنــي وترابــط الحكايــات ببعضهــا، ولكنــي لا أضمــن قلمــي فمــن عادتــه الــزوغ عــن هــذا الالتــزام لإصابتــه بــداء الاســتطراد. بــدأت حكايتــي مــع القــراءة منــذ الصغــر، فقــد كنــت رابــع إخــوة أبنــاء وبنــات، وكانــوا بســبب التحاقهــم بالدراســة مشــغولين بمذاكرتهــم وحــل واجباتهــم، ولــم يجــد طفــلٌ صغيــر مثلــي -في أيــام لــم تكــن فيهــا ملهيــات التقنيــة شــائعة- وســيلة لقضــاء الوقــت، ســوى التلصــص عليهــم، ومشــاغبتهم، والاســتماع لنقاشــاتهم المدرســية مــع بعضهــم بعــد عودتهــم مــن المدرســة، والتعــرف بمســاعدتهم علــى الحــروف والكلمــات، ومحاولــة كتابتهــا وتهجئتهــا. أمــا في أثنــاء غيابهــم، فقــد أنشــأت أول في العالــم، وكنــت ”اســطوانية“مدرســة المالــك فيهــا والمعلــم والطالــب، كانــت اســطوانات الغــاز تُركــن تحــت الــدرج المــؤدي إلــى الســطح، فاتخــذت مــن هــذا المــكان مدرســة، أذهــب إليهــا بعــد ذهــاب إخوتــي إلــى مدارســهم، ومعــي حقيبتــي، وإفطــاراً أتناولــه وقــت الفســحة، كان لهــذه المدرســة الافتراضيــة مواعيــد (والطلعــة ”الطلعــة”للطابــور والفســحة و اســم شــعبي كان يطلــق علــى نهايــة اليــوم الدراســي)، غيــر أن مــا يميــز نظــام هــذه المدرســة عــن غيرهــا مــن المــدارس الحكوميــة، أن مواعيدهــا غيــر منضبطة، فبحكــم أنــي المالــك كانــت مواعيدهــا وفتحهــا وإقفالهــا تعتمــد علــى مزاجــي الشــخصي، ومــدى الملــل مــن الــدروس التــي ألقيهــا وأســمعها، وواجباتــي التــي أفرضهــا علــي وأحلهــا. كان لهذا الجو الدراســي الأخوي أثره في تعليمــي القــراءة قبــل دخولي المدرســة، ، لأن ”مســتمعا“وكان دخولــي المدرســة ســني حينهــا أصغــر بشــهور مــن الســن القانونيــة لدخــول الصــف الأول ابتدائــي، ابتــدأ مــدرس العربيــة أول حصــة لــه ، ”بســم الله الرحمــن الرحيــم “بكتابــة وســأل إن كان هنــاك مــن يســتطيع قراءتهــا، فمــددت يــدي بحمــاس شــديد، كادت تقلــع فيهــا يــدي كصــاروخ يحلــق إلــى الفضــاء، قرأتهــا، وكان هــذا أول اختبــار حقيقــي في القــراءة. كانــت هنــاك عــادة لطيفــة بــين أبنــاء وبنــات الحــي الواحــد، فبعــد نهايــة كل عــام دراســي يطــرق الطفــل بــاب جيــرانٍ نجــح ابنهــم، ليأخــذ منــه كتبــاً دراســية لــم يعــد بحاجتهــا بعــد انتقالــه إلــى صــف دراســي متقــدم، ولــم يكــن ذلــك لنقــص في الكتــب المدرســية التــي تُوفّــر للمــدارس، وإنمــا يفعلهــا الطفــل مــن بــاب اســتغلال الإجــازة للتهيــؤ للعــام المقبــل بقــراءة مناهجــه، حتــى يكــون علــى أهبــة الاســتعداد عنــد بــدء الدراســة للعــام المقبــل.
عدد الصفحات ٢٨نمــا يفعلهــا الطفــل مــن بــاب اســتغلال الإجــازة للتهيــؤ للعــام المقبــل بقــراءة مناهجــه، حتــى يكــون علــى أهبــة الاســتعداد عنــد بــدء الدراســة للعــام المقبــل. وكنــت أســتمتع بكتــب المطالعــة أو القــراءة وكتــاب الأناشــيد، صــور مــن “وفي مرحلــة متقدمــة بكتــب التــي ألفهــا الدكتــور ”حيــاة الصحابــة عبدالرحمــن رأفــت الباشــا، وكانــت مقــررة علــى طــلاب الابتدائــي مــع مــادة القــراءة في الصفــين الخامــس و الســادس صــور مــن حيــاة “الابتدائــي، ولــه أيضــا المقــررة في المرحلــة المتوســطة. ”التابعــين كان المنهــج المقــرر في مــادة القــراءة مواضيــع مختــارة، بينمــا كنــت خــلال الإجــازة قــد قرأت كل مواضيعها. ورددت أناشــيدها، ولــم أكــن أكتفــي بقراءتهــا بــل كنــت أنشــدها بتلحــين طفولــي في الصــف وفي الإذاعــة المدرســية، وذات يــوم اســتدعاني مــدرس المــواد العربيــة إلــى فصلــه في الصــف الخامــس، وكنــت أضرب أخماســا بأســداس طوال الطريق عــن ســر هــذا الاســتدعاء، إلــى أن وصلت معلمــي الــذي أراد أن يســهل علــى طلابــه حفــظ قصيــدة مقــررة عليهــم، بإنشــادها بلحــنٍ كنــت قــد أنشــدته العــام الماضــي. أ. فائق منيف fmuneef 28
عدد الصفحات ٢٨كنــت محظوظــا خــلال مراحلــي الدراســية بمدرســي لغــة عربيــة يوقــدون الحمــاس في عقلــي الصغيــر بحب القراءة والكتابــة، ففــي المرحلــة الابتدائيــة كان الأســتاذان الســودانيان علــي ومجــذوب محبــان للغــة وآدابهــا، وكان مجــذوب شــاعرا، حتــى إنــه كتــب في مــادة الخــط يومــا، بيتــان فيّ وفي زميلــي، لــم أعــد فــاق فائــقٌ “أذكــر منهــا إلا شــطر بيــت هــو ، وجعلنــا -نحــن الطــلاب- ”الآفــاق علمــا في الصــف نخــط هذيــن البيتــين كتابــة، فكانــت هــذه الحادثــة فاكهــة حديثــي بعــد العــودة إلــى المنــزل، وظللــت أحتفــظ بهــذا الخــط طويــلا. وفي المرحلــة المتوســطة كان الأســتاذ الســوري أحمــد أديبــا فكانــت مــواده العربيــة محفــزة علــى الاســتزادة مــن قــراءة الأدب والشــعر. وفي تلــك المرحلــة كانــت قــراءة الصحــف عــادة يوميــة، فكنــت إذا أحضــر الوالــد صحيفــة التهمــت مــا فيهــا مــن أخبــار ومقــالات، حتــى لا يــكاد يفلــت منهــا حــرف واحــد، ولــو كانــت إعلانــات مبوبــة، واســتمر عشــقي للصحــف، لدرجــة أنــي كنــت أوفــر مــن مصــروفي الدراســي اليومــي الــذي يبلــغ ريالــين لأشــتري بهــا صحيفــة، وكان ســعر الصحيفــة ريــالا واحــدا. ومــن المجــلات التــي كنــت أحــرص علــى قراءتهــا مجلــة اليمامــة والمجلــة العربيــة فقــد كانتــا مليئتــان بالمتعــة والفائــدة. المغامرون “ لا أذكر بداية تعلقي بسلسلة للكاتــب محمــود ســالم رحمــه ”الخمســة الله. ولكــن أذكــر أن أبطالهــا محــب ولــوزة ونوســة وعاطــف وتختــخ كانــوا أصدقائــي الورقيــين، وصــرت بهــم أعــرف أحيــاء ، ”الريــاض“ أكثــر مــن أحيــاء ”القاهــرة“ ”باســم” و”ماجــد“وتعرفــت علــى مجلتــي وإن كانــت الأولــى الأوفــر حظــا مــن المتابعــة والحــرص، وبلــغ الحــرص بــي أن غامــرت أكثــر مــن مــرة مــع أخــي الأصغــر بالمشــي إلــى محــل يبعــد كثيــرا عــن المنــزل لشــراء عددهــم الأســبوعي، وفي إحــدى المغامــرات، اعتــذر البائــع بــأن العــدد الجديــد لــم يصــل، ولا أدري أي قصــة أو مجلــة غيرهــا تأبطتهــا كــي لا يذهــب ســفري القصيــر هبــاء. أول مكتبــة حقيقــة لبيــع الكتــب زرتهــا ربمــا كانــت في نهايــات الســنة السادســة الابتدائيــة أو بدايــات الصــف الأول المتوســط ، حــين أخذنــي أخــي الأكبــر إلــى مكتبــة في مبنــى العقاريــة القديمــة التــي تقــع علــى شــارع الســتين في الملــز، وكان مــن ضمــن الكتــب التــي ابتعتهــا، لتوفيــق الحكيم، ”أهــل الكهــف “مســرحية اســتغرب البائــع شــرائي للكتــاب في هــذا العمــر، ناصحــا لــي باقتنــاء كتــب تناســب مرحلتــي العمريــة حتــى لا تكــون صعبــة الفهــم والاســتيعاب، وبكبريــاء طفــل لا يحــب أن يــراه الآخــرون طفــلا بــل رجــلا، شــكرت البائــع علــى نصيحتــه، ولكنــي اقتنيــت الكتــاب. وأول مــا ابتــدأت بــه بعــد العــودة مــن هــذه الرحلــة الجميلــة كان هــذا الكتــاب، اكتشــفت أن البائــع محــق في نصيحتــه، لكــن هــذه الحادثــة التــي ”توفيــق الحكيــم “عرفتنــي علــى أدب جعلتنــي مغرمــا بمؤلفاتــه وبأســلوبه الســلس العــذب في إيصــال فكرتــه، وقدرتــه علــى شــحن قصصــه بالتشــويق، فكنــت أقــرأ كتبــه الواحــد منهــا تلــو الآخــر، وعندمــا أســافر للقاهــرة أزور مكتبــة “ســور الأزبكيــة، وناشــر كتبــه لأبحــث عــن كتــاب لــه ليــس في ”مصــر مجموعتــي، وقــد أشــتري كتابــا، فأجــد في مكتبتــي مثلــه، ولكنــه هــرب مــن ذاكرتــي، فأهديــه لقريــب أو صديــق،
عدد الصفحات ٢٩وناشــر كتبــه لأبحــث عــن كتــاب لــه ليــس في ”مصــر مجموعتــي، وقــد أشــتري كتابــا، فأجــد في مكتبتــي مثلــه، ولكنــه هــرب مــن ذاكرتــي، فأهديــه لقريــب أو صديــق، وإبــان تعاونــي مــع الصفحــة الشــعبية في ، كتبــت ثلاثــة أربــاع ”الريــاض“جريــدة صفحــة عــن موقــف توفيــق الحكيــم مــن الأدب الشــعبي، وبعدهــا شــجعني الأســتاذ نايــف رشــدان المســؤول في القســم الثقــافي بالجريــدة علــى التعــاون مــع القســم، فكنــت أكتــب عرضــا للكتــب، أقــرأ بتــأن مــا يشــدني منهــا، وســريعا مــا يشــعرني بالملــل، حتــى حــان ابتعاثــي إلــى الولايــات المتحــدة الأمريكيــة فانقطــع هــذا التعــاون. 29
عدد الصفحات ٢٩تنوعــت القــراءات في أيــام المرحلــة المتوســطة، وكان لأجاتــا كريســتي نصيــب الأســد منهــا، فكنــت مشــدودا إلى سلســلة رواياتهــا البوليســة، ومشــدوهاً بقدرتهــا علــى إحــكام تصاعــد حبكــة قصصهــا لدرجــة يســتحيل معهــا مفارقــة القصــة حتــى إنهائهــا لمعرفــة المجــرم والبــريء. ومــن الأمــور التــي لــم أكتشــفها إلا بعــد حــين، أنــي كنــت أقــرأ روايــات شــهيرة مترجمــة ظنــا أنهــا كاملة، وهــي في الواقع ملخصــة ومبســطة لتناســب الناشــئة، كروايــات ديفيــد كوبرفيلــد وذهــب مــع الريــح والأرض الطيبــة والبؤســاء وبــين مدينتــين وغيرهــا. عرفــت بعــد طــول زمــن أن مــا قرأتــه، رغــم فائدتــه، كان اختصــارا يذهــب عبقريــة الروايــة وإبــداع الكاتــب، وكان علــي أن أعيــد قراءتهــا بترجماتهــا التامــة. وللكتــب الدينيــة والتراثيــة نصيــب مــن القــراءة، فالوالــد رحمــه الله كان يحتفــظ ببعــض منهــا، وكان مــن عادتــه قبــل الإفطــار في رمضــان، أن يجمعنــا نحــن أبنــاؤه، لنقــرأ في كتــاب نتناقلــه بيننــا، كلٌّ يقــرأ منــه بصــوت عــالٍ صفحتــين، وأتذكــر منهــا كتــاب ريــاض الصالحــين للنــووي، وكتــاب الطــب النبــوي لابــن قيــم الجوزيــة. في أواســط المرحلــة المتوســطة التحقــت بجمعيــة الثقافــة الإســلامية، وفي إحــدى مســابقاتها، ســأل المــدرس عــن مصــادر التشــريع، واختارنــي مــن بــين المتحفزيــن للإجابــة، فأجبتــه بفــرح مــن يعــرف المعلومــة، بأســماء كتــب منهــا المغنــي لابــن قدامــة، وفقــه الســنة للســيد ســابق، وكنــت قرأتهمــا فظننــت أنهمــا لــم يبقيــا ولــم يــذرا بعدهمــا مــن ضــروب الفقــه والتشــريع شــيئا، ومــا إن علمــت بجنوحــي بعيــدا عــن الإجابــة الصحيحــة، حتــى كان هــذا دافعــا لــي للاســتزادة مــن القــراءة في كتــب والفقــه. ولا أذكــر أنــي قــد ثنيــت الرُكــب عنــد عالــم، إلا في ســن متقدمــة، وكانــت لــدى الشــيخ عبدالكــريم الخضيــر حفظــه الله، فقــط حضــرت عنــده دروســا في شــرح لابــن آجــروم، ”مــن الآجروميــة“كتــاب ولكنــي توقفــت بســبب ضيــق الوقــت، وأعتقــد أن الشــيخ لــم يكملهــا أيضــا. واســتمعت بعدهــا لــدروس الشــيخ ابــن عثيمــين في شــرحها. وقــرأت المشــهور مــن الكتــب التراثيــة وهــي عديــدة لا أســتطيع حصرهــا، لكــن أتذكــر تململــي مــن الكتــب المحققة عندما أضطــر كل حــين لقــراءة معنــى أو متابعــة شــرح، فتذهــب متعــة القــراءة المتواصلــة لكلمــات الكاتــب بالقــراءة المتقطعــة بينهــا وبــين الشــروحات. رغــم أن القــراءة بــدون الشــروحات تحــرم أحيانــا مــن معرفــة كلمــات ومواقــع لهــا دلائلهــا وتأثيرهــا علــى ســياق الحديــث. وأمــا الشــعر فــلا أتذكــر في البدايــات أن شــاعرا حديثــا علــق بذهنــي، بــل جــل مــا أقــرأه كان لشــعراء قدامــى مــن الشــعر الجاهلــي حتــى العباســي. ومــا دمــت عرّجــت علــى الأخطــاء، فــإن إحداهــا أيضــاً تغيّــر عاداتــي القرائيــة، فبعــد أن كنــت مدمــن قــراءة، لدرجــة تفريــغ وقتــي كلــه لإنهــاء كتــاب بــدأت فيــه، أو عــدم أكل وجبــة طعــام إلا وبجانبــي صحيفــة أتصفحهــا أو كتابــا أقــرؤه، مــرّت ســنوات كانــت في بدايــة الحيــاة الجامعيــة، قّلــت فيهــا هــذه العــادة، وأصبحــت أحمــل كتابــا معــي للاســتراحة أو المقهــى، آمــلا أن أقــرأه هنــاك، فأعــود بــه دون أن يمُــسّ. وبعــد تصحيــح خطــأ هــذه الســنوات، احتجــت -ومــا زلــت في حاجــة- لاســتعادة لياقــة
عدد الصفحات ٣٠معــي للاســتراحة أو المقهــى، آمــلا أن أقــرأه هنــاك، فأعــود بــه دون أن يمُــسّ. وبعــد تصحيــح خطــأ هــذه الســنوات، احتجــت -ومــا زلــت في حاجــة- لاســتعادة لياقــة القــراءة مــن جديــد، فلــم تعــد كمــا كانــت بلذتهــا وســحرها وســرعتها. 30
عدد الصفحات ٣٠وفتحــت تجربــة الابتعــاث إلــى الولايــات المتحــدة الأمريكيــة البــاب لقــراءة كتــب مكتوبــة باللغــة الانجليزيــة، وكان أول كتــاب قرأتــه هنــاك روايــة باســم ويمكــن ترجمتهــا الملاحِــق أو e Stalker المطــارد، أهدانــي إياهــا كاتبهــا، الــذي كان أيضــا معلمــي في معهــد اللغــة، وبعــد أيــام ســألني عــن رأيــي فيهــا، فــكان ذلــك أول امتحــانٍ نقــدي أجنبــي، ذكــرت لــه محاســنها، وذكــرت أن مــن عيوبهــا الاســتطراد في تفاصيــل الأمكنــة ومواقــع الأحــداث حتــى بلغــت إحداهــا صفحتــين كاملتــين، وتنفســت الصعــداء بعــد أن ذكــر لــي أن هــذا فعــلا أحــد الانتقــادات التــي وجهــت للروايــة. كشــفت لــي القــراءة بلغــة أخــرى حجــم الكارثــة التــي يرتكبهــا بعض المترجمــين للعربيــة، فقــد كنــت أقــرأ كتبــا فكريــة وأدبيــة مترجمــة فأعجــب مــن شــهرتها، رغــم ثقلهــا علــى النفــس، وتعقيــد طرحهــا، وركاكــة أســلوبها. وبعــد مــا تيســر لــي قــراءة بعضهــا بلغتهــا الأم عرفــت أن المشــكلة مــن المترجــم لا مــن الكاتــب، ولــو علــم الكاتــب بمــا فعــل المترجــم في كتابــه لصــب عليــه غضبــه ولعناتــه. وهــذا مــا جعلنــي بعدهــا أدقّــق في اســم المترجــم قبــل المؤلــف، حتــى لا أظلــم الكاتــب بكــره الكتــاب. وفي الســنوات الأخيــرة، تصالحــت مــع الزمــن، وتكيّفــت مــع تقدّمــه، فأصبحــت أقــرأ الكتــب الإلكترونيــة أكثــر مــن قراءتــي للكتــب الورقيــة، وأنهــي كتبــا بمئــات الصفحــات بالقــراءة الســماعية، . لقــد ”الجــوال“ وكل ذلــك باســتخدام وفــرت علــي التقنيــة عنــاء حمــل الكتــب الــذي كان يرهقنــي ويثقــل حقائبــي عنــد الســفر، فصــرت أحمــل مكتبــة كبيــرة متنوعــة في جوالــي الصغيــر. وكان الأمــر في البدايــة صعبــا، بســبب الحنــين إلــى الــورق، وحميميــة تصفحــه، لكــن مــع الوقــت اعتــدت هــذه الوســائل الجديــدة للقــراءة، بــل وجــدت أنهــا زادت معــدل القــراءة بعدمــا ســهّلت حمــل الكتــاب في كل مــكان، وقراءتــه في أي موقــع، وســماعه إن لــم أســتطع قراءتــه بالعــين. وبقــدوم هــذه العــادة الجديــدة، اضمحلّــت عــادات أخــر، كزيــارة المكتبــات، وقضــاء الســاعات فيهــا، وزيــارة معــارض الكتــب، وعــدم التعــب مــن الــدوران فيهــا، وتصفــح الكتــب، واختيــار المناســب منهــا. ومــن بــاب إلــزام النفــس بالقراءة، أنشــأت ، كنــت ”تويتــر“وســما في موقــع التواصــل أســتعرض فيــه كل أســبوع اقتباســات مــن كتــاب، ونقلــت ذلــك أيضــا -بعــد نصيحــة الــذي ”قــود ريــدز“زميلــة- إلــى موقــع يتواصــل فيــه القــراء والكتــاب، ثــم زادت غلــة الكتــب المقــروءة أســبوعيا -وأقصــد بهــا غيــر العلميــة- فصــرت أقــرأ شــبه يومــي مــا بــ قــد تزيــد إلــى كتــاب كامــل عندمــا يتوفــر الوقــت. وتخليــت عــن عــادة ســيئة، وهــي عــدم القــراءة للحديــث مــن النتــاج الأدبــي والفكــري، فقــد كنــت أقــرأ فقــط لكبــار الأدبــاء وأعمالهــم الشــهيرة، حتــى اكتشــفت خطــأ ذلــك، لعزلــه القــارئ عــن عصــره، وجعلــه بعيــدا عــن التغيــرات والتطــورات التــي تســتجد علــى الأدب والمجتمــع إنتاجــا وذائقــة. فيكتــب الكاتــب حينئــذ بعــد تشــبعه مــن هــذه القــراءات بــروح مندثــرة وليــس بــروح معاصــرة. هــذه بعــض حكاياتــي مــع القراءة، التي كلمــا أوغلــت فيهــا اكتشــفت أنــي مــا زلــت في بقعــة صغيــرة منهــا، فهــي كالعالَــم لا تســتطيع وضعــه في جيبــك، لكــن تســتطيع
عدد الصفحات ٣١ــذه بعــض حكاياتــي مــع القراءة، التي كلمــا أوغلــت فيهــا اكتشــفت أنــي مــا زلــت في بقعــة صغيــرة منهــا، فهــي كالعالَــم لا تســتطيع وضعــه في جيبــك، لكــن تســتطيع بــين كل حــين زيــارة جــزء منــه للتعــرف عليــه، وحتــى لــو زرت هــذا المــكان مــرة أخــرى لاكتشــفت فيــه جماليــات ومباهــج لــم تكــن ظاهــرة في المــرة الأولــى. القــراءة عمليــة مســتمرة مــا اســتمرت الحيــاة، تفتــح الآفــاق وتســبر الأعمــاق، لذلــك حكاياتهــا لا تنتهــي، فمــع كل كتــاب تبــدأ حكايــة قرائيــة جديــدة. 31
عدد الصفحات ٣١!؟ ﺻﻐﺎﺭًﺍ ﻗﺮﺅﻭﺍ أمســكت معلمتــه الأمريكيــة مــن أصــل لبنانــي يــده ، و وضعتــه علــى طريــق القــراءة ، غرســت في روحــه بــذور حبهــا لتنمــو مــع الأيــام ، جعلــت منــه و هــو ابــن التســع ســنوات قارئًــا نهمًــا نوعيًّــا ، علمتــه كيــف يقــرأ ؟ و مــاذا يقــرأ ؟ دلتــه علــى معظــم الكتــاب الكبــار ، فقــرأ عــن جــورج واشــنطن و عــن بوليفــار ، وقــع بــين فكــي قصــص إيمرســون التــي تــدور حــول أبطــال لديهــم مشــكلة دائمًــا مــع الخالــق و الوجــود ، و مؤلفــات نيتشــة الــذي يصنــع أبطــالاً خارقــين بحيــث يكونــوا آلهــة ، و علــى الجانــب الآخــر خضــع لرغبــة جــده الــذي أقــرأه كتــب الشــيخ عبدالرحمــن الســعدي ، اســتقرت الحيــرة في روع هــذا الطفــل الصغيــر الــذي يقــرأ هــذا النتــاج الضخــم المتناقــض فكريًّا و لا يملــك الــرد و غيــر مؤهــل لاســتقبال هــذا التنــوع الفكــري لصغــر ســنه .. أثــر هــذا المزيــج ســلبًا و إيجابًــا علــى شــخصية هــذا الطفــل الصغيــر فكبــرت و تبلــورت هــذه الأفــكار لينتــج عنهــا المفكــر الســعودي و رائــد العمــل التطوعــي أ.نجيــب الزامــل ، و الــذي كتــب قصتــه عندمــا تــرك الصــلاة في عــدة مقــالات واصفًــا إياهــا بـــ( الخــروج مــن القصــر إلــى الكــوخ ) ، و كــم كانــت لهــذه القــراءات في صغــره أثــر كبيــر علــى مجــرى تفكيــره حيــث وصفهــا قائــلا ( لعبــت بمخــي ) ، كبــرت هــذه الاســتفهامات محصــورة بالحيــرة و الشــك حتــى وصــل معهــا لتــرك الصــلاة فتــرة مــن حياتــه عندمــا كان شــابًّا . هــذه التجربــة المريــرة المحفوفــة بمخاطــر الشــك و التــي مــر بهــا أ.نجيــب الزامــل ربمــا تعــرض لهــا بعــض مــن الأطفــال ممــن واجهــوا أمــواج الســؤال و لــم يجــدوا مــن يفتــح لهــم مغالــق الأبــواب، فيتولــى بنفســه مهمــة البحــث ليغــرق أكثــر، أو يصبــح كل مــا يســتقر بذهنــه مــن قــراءات حقائــق ماثلــة لا تقبــل الشــك و هنــا يبــدأ الصــراع الحقيقــي الــذي يهــدم أســوار الحصــن الــذي كان يقبــع فيــه فتــرة مــن الزمــن . ليــس أســوأ مــن أن يتــرك الطفــل فريســة الســؤال و مرتعًــا خصبــا للشــك، فأصعــب اللحظــات التــي يعيشــها العقــل البشــري أن يعيــا بالســؤال و لا يجــد الــدواء في أثنــاء رحلتــه بحثًــا عــن الحقيقــة. إن التجربــة التــي عاشــها أ. نجيــب الزامــل ، واجههــا الرئيــس الهنــدي الراحــل ( المهاتمــا غانــدي ) إلا أن تجربــة المهاتمــا تجربــة إيجابيــة بــكل مافيهــا و كانــت ســببا في تقويــة علاقتــه بوالديــه ، و ذلــك عندمــا وقعــت عينــاه علــى كتــاب كان أبــاه قــد اشــتراه و كان عبــارة عــن مســرحية عــن ( إخــلاص شــرافانا لوالديــه ) و لكــم أن تتخيلــوا كيــف اســتثار الكتــاب مشــاعره ، و حــدث أن وفــد إلــى بلــده بعــض العارضــين المتجولــين ، و كان مــن بــين الصــور التــي عرضــت عليهــم صــورة تمثــل ( شــرافانا ) و قــد حمــل والديــه الضريريــن إلــى الحــج بواســطة ألــواح مــن الخشــب شــدت إلــى كتفيــه ، فتــرك الكتــاب و الصــورة أثــرًا في ذهنــه لا ســبيل إلــى محــوه ، فقــد كان يقــول : إذا مــا قــدر لــي أن أقــرأ اليــوم هــذه المســرحية أنــا واثــق أن عواطفــي ستســتثار حــد البــكاء كشــأنها مــن قبــل . إن معالجة المعارف و الأفكار في ذهن الطفــل ليســت بالأمــر الهــين لأنــه لــن يرى في اقتحــام عقلــه و قلــب موازينــه اعتــداء طالمــا أنــه يعيــش مــع الآخــر الــذي يــدس
عدد الصفحات ٣٢إن معالجة المعارف و الأفكار في ذهن الطفــل ليســت بالأمــر الهــين لأنــه لــن يرى في اقتحــام عقلــه و قلــب موازينــه اعتــداء طالمــا أنــه يعيــش مــع الآخــر الــذي يــدس لــه الســم في العســل قمــة المتعــة و الإثــارة و هــذا مــا ينشــده الطفــل دائمًــا ، فيجــد بغيتــه في النصــوص الأجنبيــة و يفتقدهــا في النصــوص العربيــة . ندى إبراهيم ba7lah 32
عدد الصفحات ٣٢ندى إبراهيم سعيد الزهراني drpolymath85 33
عدد الصفحات ٣٣