مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 65 طبعة دار المحجة البيضاء 65 ” 65 “ الشيخ الأكبر ابنالعربي قمة من قمم الفكر العالمي عامة ، والفكر الإسلامي خاصة ، وقفت ملايين العيون عند كتبه ، وانبهرت ملايين العقول أمام مبتكراته ، شغل به الجهابذة من العلماء قديما بين اتهام ودفاع ، وبين رد وتعقيب ، فكان بركة على العلم ، حيث أسفرت تلك المعارك عن عشرات الكتب ، التي تناولت أمهات المسائل الصوفية بالبحث والتدقيق . وشغل به الجهابذة من العلماء ، حديثا في مدرجات الجامعات ، وأبهاء المناقشة في كل أنحاء العالم ، حتى صار فهم سطور قليلة من أقواله مؤهلا يؤهل الفائز به للتصدر بين أساتذة الجامعات ، فكان بركة على العلم حيث حرك العقول نحو تطور هائل في ميادين المعرفة ، وطفرات واسعة في مجالات اللانهائي المجهول وأسفرت تلك الحركة عن مئات الرسائل والكتب ، وتناولت علمه وفنه في مختلف المجالات . جلجل صوته في المشرق والمغرب ، وهو يجوب أقطار الأقطار استكشافا للمعرفة ، ويجتاز أوعر المسالك وأشقها على أعتى العقول البشرية ، وأشدها بأسا ، تحقيقا للسلوك ، وتأصيلا للوعي الروحي العميق . . . حتى صار الشيخ الأكبر بحق . الشيخ الأكبر . . . هكذا عرفه فلاسفة التصوف ، وشيوخ السلوك ، وأرباب السياحات والساحات ، والخلوات والجلوات ، وعمار المدائن والفلوات ، وفلاسفة العقل ، والأدباء والشعراء ، ومدارس العلم في أحقاب التاريخ القديم والجديد .
عدد الصفحات ٦٥مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 66 طبعة دار المحجة البيضاء 66 ” 66 “ هكذا عرفوه ، دون اسم ولا إشارة ولا وسم ولا علامة من علامات التمييز التي تعارف الناس عليها ، وتلك أم الدلالات على عظمة الرجل وطول باعه ، وعلى أنه مس الأفكار الراقية ، فأطلق فيها طاقة هائلة من طاقات العمل والقوة ، هزتها في عنف وعزم ورفق ، ووجهتها نحوه في اقتدار . وكانت تلك السمة الأولى من سمات عظمته ، هي شهرة العظمة ، لا عظمة الشهرة ، إذا حاولنا أن نميز عظمة أصيلة من عظمة زائفة ، وإذا علمنا أن عظمة الشهرة وحدها إنما تدفع صاحبها إلى أغوار النسيان إن لم تقذف به مع ذلك إلى الحضيض . فإذا استتمت للرجل العظيم شهرة العظمة ، جمع بينها وبين عظمة الشهرة ، واستحالت تلك التي كانت وحدها بالأمس مصدر توجس وقلق ، إلى لون من البريق الذي يؤازر شهرة العظمة ، فيخلد صاحبه على مر القرون . هكذا كان شيخنا الأكبر ( رضوان اللّه تعالى عليه ) ، عظيما في شهر ته ، شهيرا في عظمته . نبعت عظمته من عظمة الآفاق التي ارتادها . ومن عظمة العقول التي شغلت به مؤيده أو معترضه ، لأنها أجمع باحثة عن الحق ، مرتادة للقويم من العلم ، وإن أستنار الطريق أمام بعضها ، واستعصى على بعضها الآخر . ذلك هو الشيخ الأكبر ، أبو بكر محي الدين ، محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الطائي الحاتمي المرسي ، المعروف بابن العربي ، وبالشيخ الأكبر . ولد في “ مرسية “ من أعمال “ أند الوزي “ إحدى ولايات “ الأندلس “ المعروفة الآن “ بإسبانيا “ سنة خمسمائة وستين من الهجرة ، ألف ومائة وخمس وستين من الميلاد ، في شهر رمضان المبارك . كان أبوه رجلا صالحا عابدا تقيا ، يدمن قراءة سورة يس ، وكانت له معها صحبة جربها في دفعة نحو الخير والصلاح . وكان يحث ولده على مسلكه الذي اختاره لنفسه بنفسه . وأمه “ نور “ . كانت آية من آيات اللّه في التقوى والصلاح والورع . فلم تكن كالنساء تغار على ولدها ممن يصحب من الشيوخ ؛ حتى لقد دفعته دفعا إلى خدمة الشيخة الصالحة “ فاطمة بنت المثني القرطبي “ ، وكانت الشيخة الصالحة تقول للفتى محي الدين : “ أنا أمك الروحية . ونور أمك الترابية “ .
عدد الصفحات ٦٦مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 67 طبعة دار المحجة البيضاء 67 ” 67 “ وخاله“ يحيى بن يغان “ كان من ملوك تلمسان ، ولكنه هجر الملك . ولجأ إلى طريق اللّه عابدا زاهدا متقشفا . على أثر مناقشة بينه وبين أحد الزهاد ندد فيها الزاهد بمسالك الملوك وترفهم . فالبيت كله بيت تقوى وصلاح . والبيئة الأندلسية بما فيها من طيب الهواء والصفاء وذكاء الأفهام . ومرسيليا وأشبيلية اللتان تعتبران من أمهات حواضر الأندلس في عهد الموحدين ونشاط التصوف وفنون العلم الأخرى كل ذلك كان من العوامل التي تضافرت على خلق عبقرية الشيخ الأكبر . ولما ترعرع رحل إلى “ أسبيلية “ . وأخذ عن “ ابن بشكوال “ وغيره من المشاهير . ثم رحل إلى المشرق . فمكث في “ مكة المكرمة “ مدة ، ثم رحل إلى مصر والشام والعراق . و “ سيواس “ حتى وصل إلى “ قونيه “ ببلاد الروم ، وتزوج هناك بوالدة الشيخ “ صدر الدين القونوي “ وصار له أبا روحيا . وكان يلقب آنذاك بالشيخ الكبير . ثم رحل ثانيا إلى الشام . وتوفي هناك سنة ستمائة وثمان وثلاثين من الهجرة . ألف ومائتين وأربعين من الميلاد . ودفن في سفح “ قاسيون بالصالحية “ وترك ولدين . هما : محمد سعد الدين “ 1 “ .وثانيهما محمد عماد الدين“ 2 “ . وكان قد هز الفكر هزة لم يطقها كثير من العلماء فأخفوا قبره إلى أن رفعت عنه أيدي الإخفاء في أيام السلطان سليم الأول . وتروى عنه المراجع أنه تنبأ بذلك حيث قال : “ إذا دخل السين في الشين ، ظهر قبر محي الدين “ . ولقد بني على قبره قبة عظيمة . وعمر مسجد كبير وتكية للفقراء ، ولا زال المسجد معمورا إلى اليوم . حركات العلماء من حوله : أثار جمع من متأخري الحنابلة التأثرات حول كلمات مجازية للشيخ الأكبر . فطعنوا عليه . وأتهموه بالزندقة ، ولكن كثيرا من غير العلماء اشتهرت لديه تهمة ................................................ (1 ) ولد في رمضان عام618 هجرية في“ ملاطية “ وكان مدرسا للحديث راويا له وكان شاعرا وله ديوان وتوفي عام ستمائة وستة وخمسين . (2 ) توفي عام607 هجرية ودفن بجوار والده .
عدد الصفحات ٦٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 68 طبعة دار المحجة البيضاء 68 ” 68 “ الزندقة ودوافعها . وانبرى كثير من العلماء للدفاع عن الشيخ دفاعا مجيدا قائما على أصول الشريعة السمحة . فأقاموا الحق في نصابه ومنهم : 1 - الشيخ جلال الدين السيوطي : في كاتبه“ براءة ابن العربي من طعن الغبي “ . 2 - الشيخ صلاح الدين العشاقي : في كتابه“ مفتاح الوجود الأشهر في توجيه كلام الشيخ الأكبر “ . 3 - الشيخ عمر أفندي : حفيد العلامة الشيخ أحمد العطار في كتابه“ الفتح المبين في رد اعتراض المعترضين علي محي الدين “ . 4 - ملا كاتب جلبي ، في كتابه“ ميزان الحق في اختيار الأحق “ . 5 - الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه“ اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر “ وكتابه : “ تنبيه الأغنياء على قطرة من علوم الأولياء “ . 6 - الشيخ صاوي عبد اللّه أفندي شارح المثنوي . في كتابه “ مرآة الأصفياء “ . 7 - الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس . في كتابه“ الاغتباط “ . 8 - الشيخ شهاب الدين بن حجر العسقلاني في كتابه الفتاوي الحديثية . ذكر فصلا رد فيه على من أنكر على الشيخ الأكبر . وفي كتابه : “ الانتصار لأئمة الأمصار “ كذلك . 9 - الشيخ عبد النبي النابلسي . في كتابه“ الرد المتين على منتقص العارف محي الدين “ . 10 - الولي محمد بن محمد القاضي . في رسالته : “ إثبات خاتم الأولياء “ . 11 - جركس زادة توفيق أفندي . في كتابه“ اللوائح القدسية “ . 12 - الشيخ ملا عبد الرحمن الجامي . شارح الفصوص“ نفحات الأنس “ ذكر فصلا مستقلا في علو مكانة الشيخ الأكبر وتبرئة ساحته . 13 - الشيخ إسماعيل حقي ، صاحب “ روح البيان “ ذكر في كتابه : “ الخطاب “ كثيرا من مناقب الشيخ الأكبر وترجمه بالولاية الكبرى ، والسداد في كل آرائه . 14 - ما ذكره المقري في“ نفح الطيب “ واليافعي في “ مرآة الجنان “ مما يشهد له
عدد الصفحات ٦٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 69 طبعة دار المحجة البيضاء 69 ” 69 “ بمرتبته الكبرى . .15جميع شراح الفصوص للشيخ الأكبر شهدوا له بالإستقامة ، وعلو المنزلة ، وسلامة العقيدة ، وهم كثيرون ومنهم صدر الدين القونوي ، ومؤيد الدين الجندي ، والجامي ، وسعد الدين الفرغاني وداود القيصري ، والقاشاني ، وعبد اللّه بوسنوي ، وبالي أفندي صوفية وي ، وقرة باش ولي ، والإمام النابلسي ، وصدر الدين بركة ، وركن الدين الشيرازي ، وعفيف الدين التلمساني ، كمال الدين الزملكاني ، وبير علي الهندي ، وبايزيد الرومي ، ومظفر الدين الشيرازي ، ومحمود ودادي ، وخواجة بارسا ، والسيد علي الهمداني ، ومحمد بن علي القاضي ، ومصطفى معنوي أفندي ، وأمير علي ، ومحمد أفندي يازجي ومحمد وزير غياث الدين ، وبابا نعمة اللّه ، والشريف ناصر الدين الحسيني الجيلاني ، وفياض اللاهيجي ، وضياء الدين الأصفهاني ، ومحمد بن مصلح التبريزي ، ومحمد قطب الدين الزنبيقي ، ويعقوب خان كشغري ، وغيرهم “ 1 “ (رضي اللّه عنه م أجمعين ) . ومع هذه الكتب العديدة التي حفلت بالدفاع عن الشيخ الأكبر ، فإن هناك أسئلة رفعت إلى كبار العلماء في كل عصر من بعض المنكرين عليه أو الشاكين فيه ، وأجيب عليها بفتاوى هي مقطع الحق في تلك المشكلة ومنها : - 1جاء في فتوى علامة الروم“ ابن كمال “ . . . وبعد “ الشيخ الأكبر ، والمقتدي الأكرم ، قطب العارفين ، وإمام الموحدين ، محمد بن علي العربي الطائي الحاتمي الأندلسي ، مجتهد كامل ، ومرشد فاضل ، له مناقب عجيبة ، وخوارق عادة ، وتلامذة مقبولة عند العلماء والفضلاء ، ومن أنكر فقد أخطأ ، ومن أصر على إنكاره فقد ضل وله مصنفات كثيرة منها : “ فصوص حكمية ، وفتوحات مكية “ بعض مسائلها مفهوم اللفظ والمعنى ، وموافق للأمر الإلهي ، والشرع النبوي ، وبعضها خفي عن إدراك أهل الظاهر ، دون أهل الكشف والباطن ، فمن لم يطلع على المرام ، يجب عليه السكوت في هذا المقام ، لقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً . ...................................................... (1 ) البرهان الأزهر في مناقب الشيخ الأكبر .
عدد الصفحات ٦٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 70 طبعة دار المحجة البيضاء 70 ” 70 “ - 2وفي جواب قاضي القضاة ، أبي قاسم البيضاوي ، عن سؤال رفع إليه بشأن كتب الشيخ الأكبر ، هل يحل إقراؤها وقراءتها أم لا ؟ قال : “ الذي أعتقده في حال المسؤول عنه ، وأدين اللّه عليه ، أنه كان شيخ الطريقة علما وحالا ، وإمام التحقيق حقيقة ورسما ، ومحي رسوم المعارف فضلا واسما ، إذا نقل فكر المرء في طرف من مجده غرق : وما علي إذا ما قلت معتقدي * دع الجهول يظن الجهل عدوانا إن الذي قلت بعض من مناقبه * ما زدت إلاه لعلي زدت نقصانا ومن خواص كتبه ، أن من واظب على قراءتها والنظر فيها . أنشرح صدره على حل المشكلات . وفك المعضلات . 3 - في جواب الشيخ أحمد بن حجر العسقلاني عن سؤال رفع إليه من تلميذه شمس الدين السخاوي ، عن الشيخ الأكبر . . . وأما حضرة الشيخ . فهو البحر المواج الذي لا ساحل له . ولا يسمع لموجه غطيط ، بل كلامه صهباء في لجة عمياء ، الحاتمي لا نعت يضبطه ، ولا مقام ولا حال يعينه ، فمن قال إن له نعتا ، فليس له علم به “ . 4 - جاء في باب الردة ، في شرح كتاب الروض ، لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري “ والحق أن طائفة ابن العربي كلهم أخيار ، وكلامهم جار على اصطلاحهم كسائر الصوفية ، وهو حقيقة عندهم في مرادهم ، وإن إفتقر عند غيرهم - ممن لو اعتقد ظاهرا كفر - إلى التأويل ، واللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي ، مجاز في غيره ، فاعتقادهم بمعناه اعتقاد بمعنى صحيح ، وقد نص على ولاية ابن العربي جماعة عارفون علماء باللّه ، ومنهم الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه ، والشيخ عبد اللّه ا ليافعي ، ولا يقدح فيه ولا في طائفته ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية ، لما قلنا ولأنه قد يصدر من العارف باللّه إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان ، بحيث تضمحل ذاته في ذاته ، وصفاته في صفاته ، ويغيب عن كل ما سواه ، عبارات تشعر بالحلول والاتحاد ، لقصور العبارة عن بيان الحالة التي ترقى إليها ، وليس منها شيء كما قال العلامة سعد الدين التفتازاني وغيره : فإذا كنت في المعارف غرا * ثم أبصرت صادقا لا تمار لا تكن منكرا فثم أمور * لطوال الرجال لا للقصار
عدد الصفحات ٧٠مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 71 طبعة دار المحجة البيضاء 71 ” 71 “ وإذا لم تر الهلال فسلم * لأناس رأوه بالأبصار ثم قال : واللّه ، واللّه ، واللّه ما كتب ( رضي اللّه عنه ) إلاه ما علم ، وما علم إلاه ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه ، واضطربت العقول فيه لإنكارها ، وبالجملة ، فالسلامة أولى خصوصا في الشيخ ( رضي اللّه عنه ) “ . 5 - يقول الإمام اليافعي في مرآة الجنانعن الشيخ الأكبر : قدوة الأولياء علما وفقها ، ظاهرا وباطنا ، قد فخموه تفخيما عظيما ، ومدحوا كلامه مدحا كريما ، ووصفوه بعلو المقامات ، وأخبروا عنه بما يطول ذكره من الكرامات . ويقول في كتابه “ الإرشاد “ : أن الشيخ الأكبر كان يجتمع بالسهروردي فينشغل كل منهما بالمراقبة ، ثم يفترقان دون أن يتحدثا ، فإذا سئل الشيخ الأكبر عن الإمام السهروردي قال : إنه متصف من فرقه إلى أنامله بالسنة النبوية . وإذا سئل الإمام السهروردي عن الشيخ الأكبر يقول : إنه بحر الحقائق . ويقول ابن الزملكاني : من لم يدرك معاني الشيخ فليأتني لأحلها له واحدة واحدة . تلك شهادات أئمة العلم والسنة والشريعة ، للشيخ الأكبر ، فما علينا إذا لم يفقه الجامدون المتحجرون على ظواهر اللغة وبعض مجازاتها البلاغية والوصفية ، وكأن اللّه تعالى لم يخلق إدراكا بع د ذلك لمدرك أو علما لعالم ومن أمثلة ذلك الجمود أن المنكرين عليه أكفروه في مسألة الحائط التي مثلت به النبوة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم في منامه . روى البخاري في باب ختم النبيين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : “ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها ، إلاه موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ، ويتعجبون ويقولون : لولا موضع اللبنة ! ! فأنا اللبنة “ . ويقول الشيخ الأكبر في هذا الحديث : إنه صلى الله عليه وسلم أشار بهذا إلى أنه ختمت به النبوة ، وأن كمالها كان به ، حيث تم الحائط المذكور بجنانه الشريف ، حيث كان عبارة عن تلك اللبنة التي كان كمال الحائط بها . . . ثم قال : إن كل من له الختمية لا بد وأن يرى هذه الرؤيا في عالم المثال ، وذكر أن من له الختمية ثلاثة : محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه خاتم الأنبياء ، وعيسى لأنه خاتم الولاية مطلقا ، فلا ولي بعده “ 1 “ . ......................................................... ( 1 ) هذا لا يعني أن رسول اللّهصلى الله عليه وسلم ليس وليا مع نبوته ورسالته . فكل نبي ولي ولا عكس . فالولاية ثابتة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بحكم نبوته ، والولاية عامة وخاصة ، فعيسى عليه السلام خاتم -
عدد الصفحات ٧١مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 72 طبعة دار المحجة البيضاء 72 ” 72 “ فبقي الثالث وهو خاتم الولاية المحمدية وهو العارف محي الدين . وقد قال في ذلك شعرا : فلكل عصر واحد يسمو به * وأنا لباقي العصر ذاك الواحد وحيث أن الختمين “ 1 “ لا بد وأن يريا هذه الرؤيا ، فإن رأياها رأيا الحائط ناقصا عن موضع غضهما من حيث أنهما يأخذان عن اللّه تعالى ، وهي لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، حيث أنهما يأخذان عن اللّه تعالى بواسطة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فالفضة له صلى الله عليه وسلم ، والذهب لهما . قال السعد ( رحمه اللّه ) : أنظر إلى هذا الرجل كيف فضل نفسه على سيد الخلق ، ولم يرض بالمساواة حيث جعل لبنة نفسه الذهبية ، ولبنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الفضية ، وقد خالف في هذا الإجماع . وأوسعه سبا وشتما لا يليق في مجال البحث العلمي . وقد أجاب حفيد الشيخ الأكبر في : “ البرهان الأزهر “ على هذا فقال ليس المراد من ذكر الذهب والفضة التغالي في الثمن ، حتى يلزم ما يلزم من النقص عند إرادة الفضة ، وإنما المراد شدة الصفاء ، ومراعاة موطن التجلي الإلهي على قلوب العارفين ، وذلك أنه لا بد للتجلي الإلهي من صورة حاملة له ؛ وتلك الصورة الحاملة هي حقيقة المتجلي له ، فإذا صفت وخلصت من الشوائب الكونية كان التجلي بها أكمل وأعلى حتى يقرب من كونه ذاتيا . ومن المعلوم أنه لا حقيقة أعلى من حقيقته صلى الله عليه وسلم ولا أصفى منها ، فكانت بالفضة الصافية أشبه ، حيث كان الذهب بالصبغ . ومن هنا قال اللّه تعالى : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ ولم يقل : من ذهب . حيث كان الموطن يقتضي ظهور لون الماء ، وهو بالفضة يظهر لا بالذهب فإن الماء ربما أكتسب منه لون الصفرة غير المرغوبة في الماء . وحيث لم يكن لحقيقة من حقائق الكمل هذا الصفاء ، وكانت حقائقهم ليست كحقائق غيرهم ممن هو دونهم في المعرفة ، ناسب تشبيه حقائقهم بالذهب - الولاية العامة ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم خاتم الولاية الخاصة وابن العربي ( رضي اللّه عنه ) خاتم الولاية المحمدية ، ومن هذا البيان الموجز لا أ فضلية لعيسى على محمد صلى الله عليه وسلم . ................................................. (1 ) أي ختم الولاية العامة وختم الولاية المحمدية وقد أشار الشيخ في الفتوحات المكية إلى أن عيسى خاتم وهو خاتم .
عدد الصفحات ٧٢مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 73 طبعة دار المحجة البيضاء 73 ” 73 “ الخالص المشوب بنوع من الكدورة التي هي الحجب الكونية ، حيث لم تخلص خلاص المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ ولو شبهت حقائقهم بغير الذهب لفاتت المناسبة في المعدنية ، ولأدى ذلك إلى نقص في معرفة الشيخ الأكبر في العلم الإلهي ومراعاة المناسبة والتشبيه . إن الشيخ الأكبر هو المحقق الأوحد بين المحققين الذين تتبعوا دقائق الفضل والكمال للنبي صلى الله عليه وسلم حتى في أبسط الأشياء ، حيث تكون تلك البسائط دلالات كبرى على عظمة خارقة ليس لها نظير في الكون . فلقد استرعى نظره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين ، ونبىء يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ، فاستنبط من ذلك وجها من التفسير لقوله تعالى :قُلْ هُوَ اللَُّّ أَحَدٌفقال : “ إن اسم الأحد للّه ، واسم الواحد كذلك ، وليس بعد الواحد إلاه الاثنين زمانا وعدا ، وإن الاثنين لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين ، وإمام المتقين ، وسيد العالمين ، من نبىء وآدم بين الماء والطين “ فهل رأيت يا قارئي العزيز أطهر عقيدة ، ولا أنقى دينا ، ولا أروح سرا ، ولا أحرص على حب الرسول الكريم من هذا الإمام الجليل ؟ . ! ! هذا مثال واحد يقاس عليه كل ما ورد من اعتراضات على الشيخ الأكبر أما استقصاء جميع المسائل التي أثارها أقزام المعرفة ضده فلا تستطيع الإلمام بها في تلك العجالة السريعة فليرجع إليها من أرادها في أحد الكتب السابقة التي تخصصت في الدفاع عنه . وهناك أئمة كبار عارضوه بادىء الرأي ، ثم كانوا منصفين فعادوا ورجعوا عن أفكارهم ، وأنزلوه منزله الرفيع الذي يستحقه . وهم : سراج الدين البلقيني ، وتقي الدين السبكي ، وعز الدين عبد السلام . أما الشيخ تقي الدين السبكي فعاد يقول بعد إنكاره : “ كان الشيخ محي الدين آية من آيات اللّه ، وإن الفضل في زمانه رمي بمقاليده إليه ، ولا أعرف إلاه إياه “ . وأما الشيخ سراج الدين البلقيني فعاد يقول : “ إياكم والإنكار على شيء من كلام الشيخ محي الدين ، فإنه ( رحمه اللّه تعالى ) ، لما خاض في بحار المعرفة ، وتحقيق الحقائق ، عبر في أواخر عمره في “ الفصوص “ و “ الفتوحات “ و “ التنزلات “ بما لا يخفي على من هو في درجته من أهل الإشارة ، ثم جاء من بعده قوم عمي
عدد الصفحات ٧٣مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 74 طبعة دار المحجة البيضاء 74 ” 74 “ عن طريقه ، فغلطوه في ذلك ، بل وكفروه بتلك العبارات ، ولم يكن عندهم معرفة بإصطلاحه ، ولا سألوا من يسلك بهم إلى إيضاحه ؛ وذلك أن كلام الشيخ ( رضي اللّه عنه ) تحته رموز وروابط “ 1 “ ، وإشارات وضوابط ، وحذف مضافات ، هي في علمه وعلم أمثاله معلومة ، وعند غيرهم من الجهال مجهولة . فلو أنهم نظروا إلى كلماته بدلائلها وتطبيقاتها ، وعرفوا نتائجها ومقدماتها ، لنالوا الثمرات المرادة ، ولم يباين اعتقادهم اعتقاده ، وكذب واللّه وافترى من نسبه إلى الحلول والاتحاد ، ولم أزل أتتبع كلامه في العقائد وغيرها ، وأكثر من النظر في أسرار كلامه وروابطه حتى تحققت بمعرفة ما هو الحق ، ووافقت الجم الغفير من المعتقدين له من الخلق ، وحمدت اللّه عزه وجله إذ لم أكتب من الغافلين عن مقامه ، الجاحدين لكراماته وأحواله “ . وأما سلطان العلماء العز بن عبد السلام فقد ترجم الشيخ الأكبر بالولاية والعرقان حينما سمع الشيخ أبا الحسن الشاذلي وسلك طريقه ، وفهم الإشارات ، وذاق المشاهد . وإذا كان مدار الإنكار عند المنكرين هو المصطلح الصوفي ، والتعبيرات الإشارية الخاصة ، وكان عامة المنكرين من الحنابلة عامة ومن أتباع ابن تيمية خاصة ، فإنا نحيل هؤلاء جميعا على شيخ من شيوخهم ، وتلميذ من تلاميذ ابن تيمية هو الشيخ “ ابن مفلع المقدسي الحنبلي “ فقد قال :“ يخطر بقلوب العلماء نوع يقظة ، فإذا نطقوا بها وبحكمها نفرت منها قلوب غيرهم ولو من العلماء ، ولا أقول العوام . مثل قول أبي بكر ( رضي اللّه عنه : )لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . وإن رجلا لو صحا فقال كلمة ظاهرها يوجب عند العوام الكفر فقال : لست أجد للرقيب والعتيد حشمة ولا هيبة . فلو استفتى عليه جماعة من الفقهاء لقالوا : كافر . فظاهر هذا أنه ليس مصدقا بهما ، وهو يهون بحفظة اللّه تعالى على خلقه وملائكته . . . وكشف السر عن ذلك أنه قال : غلبت علي هيبة ربي ، وحشمة من يشهدني ، فسقط من عيني حشمة من يشهد علي ، وكنت أجد الحشمة لهما لغفلة أعقبها صحو ، وموجب اليقظة والصحو وزوال الغفلة السمع “ أو لم يكف بربك “ “ ونحن أقرب إليه منكم “ فإن من شهد الحق كان كمن شهد ........................................... (1 ) إنما أخفى الصوفية مواجيدهم تحت الرموز والمصطلح لئيعبث العامة بمعانيهم السامية فيقعوا في الانحراف والخطأ .
عدد الصفحات ٧٤مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 75 طبعة دار المحجة البيضاء 75 ” 75 “ الملك ومعه أصحاب أخباره فلا يبقى لأصحابه حكم في قلب من شهد الملك ، وإلاه لكان وهنا في معرفته بحكم الملك وسلطانه . فاحذر من الإقدام على الطعن على العلماء مع عدم بلوغك إلى مقامهم واختلاف أحوالهم ، حتى أنهم في حال كشخص ، وفي حال آخر كشخص آخر ، فإن للعبد عند كشف الحق محوا عن نفسه ، والعالم يتلاشي في عينه ، ولهذا قالت المتصوفة للصغار : يسلم للمشايخ الكبار حالهم ، وكلامهم سم قاتل لهم أولا ، ثم لمن لا يفهم كلامهم . . . وأما القائل فقال بحكم حال كشفت له خاصة ، وحجب عنها السامع . . . فمن علم أن الخلق لا يستوون في المقال ، ولا في الأحوال ، لا يعقد الظنون ببادرة الواقع ، فيقع ناقصا “ “ 1 “ . وإذا لم يقنع أتباع ابن تيمية من المنكرين على الصوفية عامة وعلى الشيخ الأكبر خاصة بشهادة ابن مفلح المقدسي فلعلهم يجدون في الرسالة الشهيرة التي وجهها الذهبي إلى شيخه القديم ابن تيمية مقنعا وملاذا من الخطأ “ 2 “ . وإذا بحثنا الدوافع التي تدفع إنسانا ما إلى الزندقة والإلحاد وجدناها تنحصر في اختلال العقل ، والطموح السياسي . وغلبة الهوى . فأين مكان الشيخ الأكبر من هذه الدوافع ؟ . ! أما الاختلال العقلي ، فلم يقل به قائل من أعدائه على الإطلاق ، والرجل الذي وجه عصره كله ، وقاد العقول في ميادين الحكمة ، وصار رائد الأرواح في عوالم المجهول ، مع شهادات كبار العقلاء من العلماء له بالاستقامة الفطرية والعقلية . لا يمكن أن يتطرق الشك إلى موازين عقله بأي حال من الأحوال . لا سيما إذا أخذنا في اعتبارنا حرصه الشديد على إيضاح العقيدة والدفاع عنها وتقويم انحراف المنحرفين فيها . والسمو الفريد في تقريرها . وأما الطموح السياسي فلا دليل عليه هو الآخر . وقد كان في مقدور هذا العقل الجبار أن يصعد على سلم السياسة حينما كان موقعا في قصور الحكم بالأندلس ولكنه هجر هذا المجد إلى مجد العلم والمعرفة . وكان بمقدوره كذلك أن يصعد سلم السياسة وهو في الشام حيث استتب له مجده لدى الحكام وعظماء ......................................... (1 ) الآداب الشرعية1 - 314 . ( 2 ) مقدمة سير أعلام النبلاء للذهبي .
عدد الصفحات ٧٥مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 76 طبعة دار المحجة البيضاء 76 ” 76 “ الدولة حتى لقد أنفق كل ما وصل إلى يده من مال على الفقراء والمحتاجين ، وتصدق بدار أهداها إليه أحد عظماء الشام لأنه لم يكن يملك غيرها . وأما غلبة الهوى ، فلم يقل به أحد إلاه بعض السطحيين من الباحثين حينما وقعوا على ديوان “ ترجمان الأشواق “ ولما ثارت عليه ثائرة الفقهاء شرحه بنفسه لينبه على هدفه من هذا الغزل الذي يبدو لأول وهلة غزلا ماديا مثل غزل خاصة الشعراء ، وقد أشار إلى غرضه من هذا الغزل حيث يقول فيه : كل ما أذكره مما جرى * ذكره أو مثله أن تفهما منه أسرار وأنوار جلت * أو علت جاء بها رب السما لفؤادي أو فؤادي من له * مثل مالي من شروط العلما صفة قدسية علوية * أعلمت أن لصدقي قدما فاصدف الخاطر عن ظاهرها * واطلب الباطن حتى تفهما لقد كان الشيخ يرسم في هذا الديوان قلبه ، ويترجم روحه ، ويوضح رقته البالغة ، حتى أنه حاول أن يرسم صورة مصغرة للوحدة ، حتى في الوجد ولواعج الشوق حيث يقول : ناحت مطوقة فحن حزين * وشجاه ترجيع لها وحنين جرت الدموع من العيون تفجعا * لحنينها فكأنهن عيون طارحتها ثكلا بفقد وحيدها * والثكل من فقد الحبيب يكون بي لاعج من حب رملة عالج * حيث الخيام بها وحيث العين من كل فاتكة اللحاظ مريضة * أجفانها لظبي اللحاظ جفون قضية الاقتباس : أثار جمع من الباحثين المعاصرين قضية الاقتباس ضد كل العقليات العربية الناهضة ، وجعلوها أساسا لإظهار البراعة العلمية ، ومقياسا تقاس به المواهب والرجال . ولا أدري لحساب من يجرد الباحثون المحدهثون علماء العرب من كل المواهب والملكات ؟ ! ! ويحلو لهم أن يضيفوا كل مجد عربي إلى أصل غير عربي ؟ . ! ! !
عدد الصفحات ٧٦مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 77 طبعة دار المحجة البيضاء 77 ” 77 “ وهل علم هؤلاء أن من الملكات الإنسانية ملكات تتحد نتائجها كما يتحد الإحساس بها ؟ وان هناك ملكات تختلف فيها النتائج بعض الاختلاف أو أكثر الاختلاف ؟ . وهل علموا أن ملكة الروح الصوفية الجائلة الصاعدة المولعة بالتحليق في المجهول يتحد الإحساس بها في كثير من الحالات ، ولا تختلف نتائجها إلاه في شيء واحد ، هو الوصول إلى كل الحقيقة . ومن المقرر الثابت بين العامة وأهل النظر إن سلامة أي جهاز ميكانيكي أو إنساني يعطي من نتائج العمل كلها ولا يمكن الاعتراض عليه ، وإن اختلال جزء من أجزاء تلك الأجهزة يعطي بعضا لا يمكن الاعتراض عليه أحيانا ، ويمكن الاعتراض عليه في أحيان أخرى ، ومن الثابت كذلك إن سلامة الأجهزة الروحية الإنسانية لا تكون إلاه في عقيدة قويمة ، وباطن حر ، وظاهر مقيد بما تعارف عليه العقلاء من قيود الآداب والأخلاق ، أو قيود المثالية الإنسانية الرفيعة . وإذا تقرر كل ذلك ، فكيف ننسب إلى المسلمين اقتباسهم من الأوروبيين في هذه الناحية من نواحي الإدراك ، ولا نقول باتفاق أحاسيس المتوجهين واختلاف نتائج تلك الأحاسيس تبعا للإيمان أو الإلحاد . أو التخليط أو التدرج على سلم المثالية ، أو سلامة المدارك أو فسادها بالاستقامة أو الانحراف ؟ . ! ! لقد فطن الشيخ الأكبر إلى تلك القضية فقال : ولا يحجبك أيها الناظر في هذا الصنف من العلوم ، الذي هو العلم النبوي الموروث عنهم ( صلوات اللّه وسلامه عليهم ) ، إذا وقعت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم ، أو صاحب نظر في أي علم كان . فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق : إن فيلسوفا قال بهذا ولا دين له . فلا تفعل يا أخي . فهذا قول من لا تحصيل له . إن الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فقد تكون تلك المسألة مما عنده من الحق ، ولا سيما إن وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قالها ، ولا سيما فيما وصفوه من الحكم والتبرؤ من الشهوات ومكائد النفوس . وما تنطوي عليه من سوء الضمائر ، فإن كنا لا نعرف الحقائق فينبغي أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة ، وإنها حق ، فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد قالها ، أو الصاحب أو مالكا أو الشافعي أو سفيان الثوري ، وأما قولك - إن قلت - سمعها من فيلسوف ، أو طالعها في كتبهم . فإنك تقع في الكذب والجهل . وأما الكذب فقولك : سمعها
عدد الصفحات ٧٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 78 طبعة دار المحجة البيضاء 78 ” 78 “ أو طالعها ، وأنت لم تشاهد ذلك منه . وأما الجهل فكونك لم تفرقبين الحق في تلك المسألة والباطل . وأما قولك : إن الفيلسوف لا دين له ، فلا يدل كونه لا دين له على أن كل ما عنده باطل . وهذا مدرك بأول العقل عند كل عاقل ، فقد خرجت باعتراضك على الصوفي في مثل هذه المسألة عن العلم والصدق والدين ، وانخرطت في سلك أهل الجهل والكذب والبهتان ونقص العقل والدين وفساد النظر والانحراف . وأنت ترى في هذا النقل مدى تحرر الشيخ الأكبر من كل قيد إلاه قيد الشريعة ، فهو يبيح لك أن تسمع أقوال المخالفين ، وألا تكون متعصبا ، بل يجب أن تحكم بالحق على الحق مهما اختلفت المشارب والأديان . مصادر معرفته : تلقى الشيخ الأكبر القراءات السبعة عن أبي بكر بن خلف ، أحد أكابر علماء أشبيلية ، وقد تلقى كتاب محمد بن شريح في القراءات السبع عن الشيخ أبي بكر ، وعن أبي القاسم الشراط القرطبي ، بالرواية عن ابن المؤلف ، أبي الحسن شريح ، وسمع كتاب النشر في القراءات العشر ، من الشيخ أبي بكر محمد بن أبي حمزة بالرواية عن أبيه المؤلف ، العلامة أبي حمزة الداني . وتلقى علوم النقل والعقل عن أبي الفرج بن عساكر . وابن الجوزي ، وابن سكينة ، وابن علوان ، وجابر بن أيوب ، وابن زرقون ، والشيخ أبي محمد عبد الحق الأشبيلي الأزدي ، والحافظ ابن أبي الجد ، وأبي الوليد الحضرمي . وتلقى كتبا في الحديث حدث بها ، كالمهتدي ، والأحكام الكبرى . والأحكام الوسطى ، والأحكام الصغرى . وكتاب التهجد ، وكتاب العاقبة ، ويروى عن الإمام أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح كتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم ، وسمع من كبار المحدثين في عصره كالإمام أبي القاسم الخوزستاني ، وسمع صحيح مسلم عام ست وستمائة من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر ، وروى الحديث عن الإمام أبي طاهر السلفي بالإجازة العامة . وأخذ طريق التصوف عن الشيخ أبي مدين المغربي ، والعارف جمال الدين يونس بن يحيى القصار ، والعارف أبي عبد اللّه التميمي الفاسي ، والعارف أبي الحسن بن جامع ، وغيرهم واستمد الطريق وعلومها بالتوجه من الغوث الشهير مولانا الشيخ
عدد الصفحات ٧٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 79 طبعة دار المحجة البيضاء 79 ” 79 “ عبد القادر الجيلي ، وأما اجتماعه بالخضر وصحبته له ، وأخذه الخزقة عنه ، فنحن نسلم به حيث يضر الإنكار وينفع التسليم ، والتحجير على فضل اللّه تحكم لا تسيغه العقول . وقد أجمع أهل الصلاح والعلم على أن مذهبه في العبادات والمعاملات كان طبق الآداب الشرعية الظاهرة ، وعلى أن مطمح نظره في الاعتقادات الباطنة كان التوجه نحو حقائق الكائنات ، وأن أفكاره لم تزل غائصة في تيار العبادات ، لاستخراج أبكار الإشارات . ولقد أوضح الشيخ الأكبر وسيلة الوصول إلى تلك الحقائق بقوله : “ ينبغي للعبد السالك أن يكون في حال نومه على حضور ، وأن يصرف همته لتصرف عقله في خياله حال منامه ، كتصرفه فيه حال اليقظة . فإذا حصل العبد على هذا الحضور ، وصار له طبيعة وخلقا ، وجد ثمرته في عالم البرزخ . واستفاد منه كثيرا . فعلى السالك طريق الحقيقة والآخرة أن يبذل وسعه في تحصيل هذا الحال . فإنه عظيم الفائدة “ . وهذه مرحلة من مراحل ، السلوك العلمي ليس للمبتدئين فيها نصيب . وإن كان لهم منها نظير . ولكنه أقل صعوبة وأسهل مراسا . فالمريد المبتدىء يتسلط بهمته على عقله عند نومه . ويصرفه في ذكر اللّه تعالى كما كان في حال يقظته . وينام على هذا الحال . فإن روحه تسبح مع ذلك في عوالم الملكوت ، وتصفو من كل كدر ومرض : أما الحال الذي أوضحه الشيخ فهو مرحلة تتبع تلك المرحلة بعد أن يتقن السالك طريقه . ويبدأ في استفاضة العلم المكنون في بواطن نفسه وأعماق روحه . وليس بعد ذلك براعة في التربية القويمة والتعليم العلوي ، يستحق من أجلها الشيخ الأكبر كل باقات الثناء التي لم يخل منها كتاب تحدث عنه . والتي ألممنا ببعضها فيما سبق . وقد كان من نتائج هذا العقل الجبار أربعمائة كتاب وصلت إلى الرواة تركها لنا هذا العملاق الأكبر في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ والأدب والتصوف ومنها : الفتوحات المكية ، والفتوحات المدنية ، والفتوحات المصرية والفتوحات الموصلية ، والديوان الكبير ، وفصوص الحكم ، والميزان في حقيقة الإنسان ، والتدبيرات الإلهية ، وعقلة المستوفز ، وإنشاء الدوائر ، والجلال والجمال ،
عدد الصفحات ٧٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 80 طبعة دار المحجة البيضاء 80 ” 80 “ والمصباح في الجمع بين الصحاح ، وسنن الأبرار في الحديث ، والجمع والتفصيل أسرار معاني التنزيل ، ومشكاة الأنوار في الحديث القدسي ، وفروع الشافعية ، والفطرة والاجتهاد ، وجامع الأحكام في الحلال والحرام ، والمنتخب في مآثر العرب ، ومحاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار . ولا غريب بعد ذلك في مصادر معرفته إلاه ما استكشفه في أغوار روحه الكبيرة من فرائد استعصت على قوى العقل في العصر الحديث فظنوها ثمرة اطلاع واقتباس . وحدة الوجود : “ إن علماء الكلام إنما وضعوا علومهم ردا على المنكرين ، لا تثبيتا للمؤمنين “ “ اتخذوا دلائل إيمانكم من القرآن . فاللّه تعالى يقول : قُلْ هُوَ اللَُّّ فأثبت الوجود أَحَدٌ ونفى العدد وأثبت الوحدانية اللَُّّ الصَّمَدُ “ 1 “ نفي للجسمية لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ونفي الوالد والولد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نفي الصاحبة والشريك . . . فياليت شعري : هذا الذي يطلب ويعرف اللّه من جهة الدليل . ويكفر من لا ينظر . كيف كانت حاله قبل النظر ؟ . ! ! ! تلك شذرة من أكداس تركها الشيخ الأكبر دفاعا عن العقيدة القويمة وتقويما للعقول المنحرفة . فهل دقق الباحثون الشكليون حينما وضعوا الشيخ الأكبر بين قوائم القائلين بالوحدة المطلقة النابعة من فلسفة العقل . إن الخداع النفسي حقيقة لا يستطيع إنكارها أي مشتغل بالنقول العلمية والنظر الفلسفي الصحيح . إننا نفعل الشيء في سن معينة من عمرنا . فإن رمانا أحد بالخطأ حقدنا عليه وازدريناه ، فإن تقدمت بنا السن قليلا ألقينا بخطأ ما كنا نفعل آنذاك . وصححنا سلوكنا واعتقدنا إن هذا هو الصواب الذي لا يجوز الاعتراض عليه . فإذا ما اعترضنا الشيوخ عاد لنا الشعور بالحقد عليهم . ورميهم بالعظائم مرة أخرى . وهكذا نقع دائما في الخطأ والخداع النفسي ، الذي ينصب لنا من أخطائنا هياكل نستمسك بها ونستعصم ، ما دمنا نسبح في بحار الوعي .................................................... (1 ) في تفسير قوله تعالى : اللَُّّ الصَّمَدُ رأى للشبلي . قال : هي خمسة أحرف . والألف أحديته واللام إلهيته وظهورهما في الكتابة دون النطق دليل على أن إلهيته وأحديته مستورتان عن مدارك البشر والتجريد والتفريد .
عدد الصفحات ٨٠