مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 17 طبعة دار المحجة البيضاء 17 ” 17 “ ولما تناجت القلوب بأسرارها وطلعت شموس الغيوب من سماء أنوارها ، وأخذ المجلس حده ودخل أبد العباس وصاحبه عنده انصرفت متحققا بما عرفت ولم تبق نكتة نادرة إلاه على باب حضرتي واردة وصادرة ، ولولا عهد الغيرة ما أخذ ، ودخيل إلاه فشا الذي نبذ لأبرزناه لكم في حلته وبيته ولكن سأجعله لكم وراء كنيته ، فمن اجترى ورفع سترة ، رأى سيره ، وهكذا فعله في شمس غربنا ، أظهرها لكم من وراء قلبنا في حجاب غيبنا ، فمن كان ذا كشف علوي ، وحزم قوي شق عن قلبي حتى يرى فيه شمس زلي ، فمن امتطا عتيق الافشا صلب ولحق ، ومن نزل عن متنه إلى ذلول الكتم نجا والتحق إلاه أن كان كما أفعله وفعله من قبلي من خفي رمز ، ودرج معنى في معمي ولغز ، ومن ذلك البحر المتقدم المذكور ارخا الستور على البدور ، ولما دخل شهر ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعث إلي سبحانه رسول الإلهام وهو الوحي الذي أبقاه علينا ، والخطاب الذي جعل منه إلينا ثم أردفه بميسرة ساطعة في روض يانعة ، يأمرني فيها بوضع هذا الكتاب المكنون ، والسر المصون المخزون وسلماه لي بكتاب الكشف والكتم ، في معرفة الخليفة والختم ، فراجعت الملك في هذه العلامة ، فقال أيها الفتى مه ، ثم عاد إلي وما رحل وفرش المحل الأقدس ونزل ، وقال الحضرة قد وسميته بكتاب سدرة المنتهى وسر الأنبياء في معرفة الخليفة وختم الأولياء ، فقلت إني لا أجد في نفسي لهذه السمة نكتة فلا تعجل علي ولا تأخذني بغتة فقال إني أستحي ، فقلت ربي الذي يميت ويحي فلما كان يوم الجمعة والخطيب على أعواده يدعو قلوب أولياء اللّه وعباده إذ وجدت برد كف الجذب من حضرة القرب فتلقيت في الغفلة الكلمات ، وتوفرت دواعي القلب لما يرد عليه من النسمات ، فإذا الخطاب الأنفس من المقام الأقدس هل تقنع أيها الخديب المعرب والمنتقد المعجب بعنقا مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب ونكتة سر الشفاء في القرن اللاحق بقرن المصطفى وصل وهذه الإشارات كلها راجعة إلى النسخة الصغرى لا إلى النسخة الكبرى فقد بينت لك آنفا أنه لا فائدة في معرفة ما خرج عن ذاتك ، إلاه أن يتعلق به سبيل نجاتك ، فشمس المغرب ما طلع في عالم غيبك من أقوال العلوم . وتجلى إلى قلبك من أسرار الخصوص والغموم . كما أن الختم ما ختم به على مقامك . عند منتهى مقامك وكذلك إذا كنت في زمانك . الخاص بك بين إخوانك على ما كان عليه من تقدم من صحابة النبي . من العمل السني والتجلي العلي فقد لحق زمانك بزمانهم وصرت من جملة
عدد الصفحات ١٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 18 طبعة دار المحجة البيضاء 18 ” 18 “ أقرانهم . ومن ذلك رفع ستر . ومجاهدة فكر . لما نص ما ذكرته ، وورد عليه بما سطرته قال هل رأيت يا محمد هذه الإشارة . في تأخر الوزارة عن الأمير في وقت الإمارة . لولا خلافة الصديق . لرجع الناس عن الطريق . لعدم الكشف ومعرفة الصرف . وهل الخليفة إلاه بعد ثبوت المستخلف . ولهذا توقف المجادل المتعسف . قل له يا محمد هيهات يا إنسان لا بد من كونه فكأنه قد كان ولكنه غير موجود في عالم التغيير . والحدثان وإنما الحكمة أخرته لسر أضمرته . سيظهر ذلك السر في أوانه حلول زمانه . فشمس المغرب دون رتبة للصديق فعليك بالكتم كما أن الصديق ومن دونه تحت لواء الختم . وذلك أن أنوار الغيوب الساطعة في القلوب التي كنينا عنها قد ينالها من ليس بصديق أكبر . ولا له ذلك المقام الأخطر الأزهر بل قد ينالها الممكور به المستدرج المغبون وسر هذا في قوله سنستدرجهم من حيث لا يعلمون والصديقية لا ينالها إلاه أهل الولاية . ومن كان له عند اللّه أزلا سابق عناية . وهي السبيل في نجات من أتصف بها . وتذهبها فلهذا جعلنا الشمس دونها وإليها ركونها كما أن الختم فوق رتبة الصديق إذا كان الممهد للطريق . الذي مشى عليه عتيق ، فالختم نبوي المحتد علوي المشهد فلهذا جعلناه فوق الصديق كما جعله الحق فالأخذ نوره من مشكاة النبوية أكبر ممن أخذه من مشكاة الصديقية فبين التابع والصاحب ما بين الشاهد والغائب ولما صح أن الختم متقدم الجماعة يوم قيام الساعة ثبت أن له حشرين وأنه صاحب الختمين ويشركه ذو الأجنحة في حشرية ، وينفرد الختم بخاتميه ، وذوا الأجنحة في الإنسان من غلبت على الروحانية ، والتحق بتطهير نفسه بالرتبة الملكية ولا دفاع عندنا في هذا المقام ولا نزاع ، وعلى قدر إرتقائه فيها يكون مع صاحب مثنى أو ثلاث أو رباع . فإن كان أمين الأرواح فيكون له ستمائة جناح ، ولا حرج عليه في ذلك ولا جناح ، وإنما سميناه خاتما ، وجعلناه على الأولياء حاكما لأنه يأتي يوم القيامة وفي يده اليمنى ، محل الملك الأسنى . خاتم مثالي جسماني وفي يده اليسرى محل الإمام الأسرى بخاتم نزالي روحاني ، وقد أنتشر باليسار باليمين في زمرة أهل التعيين وقد أنتشر باليسار مع أهل التمكين ، خصص بعلمين ، وخوطب باسمين ، فتفطن أيها اللبيب لهذه الأسرار واسعى لضياء هذه الأنوار ، ومن ذلك رهن أغلاق وأخذ ميثاق ، ولما سمعت ما ذكره وأظهر لعيني ما كان قبل ذلك ستره عزم علي في تقييده هذه النبذ الأقدسية وأخذ عليه العهد أن أجردها من غلائلها السندسية حتى لا تتبسم عن أغريض . ولا يظهر لبرقيها وميض
عدد الصفحات ١٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 19 طبعة دار المحجة البيضاء 19 ” 19 “ وقال أهو رهن بيدك وقد علق فلا تبتئس فامسك عليه ولا تخرجهفتعتلس فتوجه الأمر عليه عند ذلك في إفشاء هذا السر المكتوم والكتاب المختوم ، إفشاء تعريض لا تصريح وأعلام تنبيه وتلويح . وأعلام تنبيه وتلويح ، ولما تلقيت منه الأمر على هذا الحدود خلت تحت هذا العقد لزمني الوفاء بالعهد فأنا الآن أبدي وأعوض تارة وإياك أعني فاسمعي يا جارة وكيف أبوح بسر . وأبدي مكنون أمر وأنا الموصي به غير في غير ما صنع من نظمي ونثري نبه على السر ولا تفشه فالبوح بالسر له مقت على الذي يبديه ، فاصبر له وأكتمه حتى يصل الوقت ، فمن كان ذا قلب وفطنة ، شغله صلب الحكمة عن البطنة فوقف على ما رمزناه وفك المعمى الذي لغزناه ولولا الأمر الإلهي لشافهنا به الوارد والصادر ، وجعلنا قوة المقيم وزاد المسافر ولكن قد جف القلم بما سبق في القدم فما أشرف الإنسان حيث جعله اللّه محل روحانية هذه الأكوان ، فلقد أبدع اللّه سلخه حين أوجده وأكمل نسخه ، واللّه الكفيل ، وعلى اللّه قصد السبيل ولو شاء لهداكم أجمعين ومن ذلك موقف اختصاص ونتيجة إخلاص ولما كان هذا الأمر يدخله الصدق والمين ، ولو كان عند قائله عن مشاهدة عين ، لما كان يقطع بصدق السامع إلاه أن تأيد ذلك الخير بإعجاز قاطع أو نور حسن ظن بقلبه ساطع ولهذا قال الإمام أبو يزيد لموسى له يتلى أن المؤمن بكلام أهل هذه الطريقة مجاب الدعوة عند العلي فقد حصل للمؤمن الصديق الاشتراك مع الصادق بطريق حسن الظن لا بالدلائل الخوارق ولما كان الأمر عند الخلق بهذه النسبة ، وحجبوا عن ماله عند اللّه من عظيم النصبة ، أخفيناه عنهم رحمة بهم ، وجرينا معهم على مذهبهم فما أظهرت النبوة للجمهور إلاه قدر حمل عقولهم خوفا من نفورهم عنه وذهولهم فيقعوا في تكذيب المخبر الصادق التحل بهم لذلك مثلاث العوائق ثم جرى على هذا المهيع السلف الصالح من الصحابة ونزلوا من مقام الهيبة إلى مقام المزاح والدعابة اقتداء بمن مازح الشيخة وذاته التغير بما ظاهره موهم وباطنه خير وتستروا بالمعاملات في الظواهر وتكتموا بما حصل لهم من العلم المصون والسرائر وإن كان قد نبهوا ( رضوان اللّه عليهم ) على أمور ليست عند الجمهور وخوطبوا بها من وراء الستور فقال أبو هريرة لو تشته لقطع مني هذا البلعوم وقال ابن عباس لو فسرته لكنت فيكم الكافر المرجوم ، لما رأوا أن حقائق الغيوب ، فوق مراتب بعض القلوب فأخذوا الأمر من فوق معرفة مشاهدة وذوق ورثاء نبويا محفوظا ومقاما علويا ملحوظا إذا سار في أبنائه ، لما لقاه في ليلة إسرائه من تحصيل علم أخذ
عدد الصفحات ١٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 20 طبعة دار المحجة البيضاء 20 ” 20 “ عليه كتمهلما عسر على غيره فهمه ، ولما كانت هذه العلوم التي أنا واضعها في هذا المجموع وأشاهد من هذا القبيل ، ومتلقاه من مشكات هذا الجيل ومما لا يصح إلاه بعد مفارقة جبريل ، وكل صنف من الملأ الأعلى وقبيل لم يصح عندنا إذاعتها ، ولا أن نرفع حجابها فتكشف سريرتها فكلما أبرزناه لعين الناقد البصير إنما هو من تلقيات الروح الأمين ومن سطرة المنتهى السالكين ، وبعض تلقيات التعيين والتمكين من حضرة المناجاة بلغة الإنس لإزالة سطوة الهيبة ونزول رحمة الإنس ، فاظهر منها على قدر أبصار الناظرين ، فمنهم من فهم وسلم ومنهم من جال بها في ميدان المناظرين ، ومن ذلك موج مجرد مجنون تجرد عنه لؤلؤ مكنون ، ولما توالت عليه الأسرار وسطعت من جميع مسام نشأتي أشعة الأنوار اغتسلت بالماء القراح لسد المسام ، فانعكست الأنوار إلى محل الإلهام فتفجرت جداولها وأنهارها ، وأشتد الريح الغربي فتموجت بحارها فدخل الموج بعضه على بعض واسرع إلى ما أبرمه المبرم بالحل والنقض فلا تبصر إلاه سحابا مركوما ، وموجا مجنونا في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ومن فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض حتى ما بقي على ظهر هذا البحر فلك يجري ولا ظهر في جو فلك يسري إلى أن لطف المغيث سبحانه فسكن من الريح ما أشتد وكثر الموج بالساحل وامتد فرمي بزبده على سفينة زبد مخض لوضيع الوقت وشريفة قد علم كل أناس مشربهم وحققوا طريقهم ومذهبهم ، فذاك الزبد قدر ما خرج من بحر قلوب العارفين على ظواهرهم إلى الخلق ولا يعرف قدره إلاه صاحب ذوق ، وهذا الكتاب المحفوظ من طوارق العلل والمسمى في غيابات الأزل ، عنقا مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب ، ونكتة سر الشفاء في القرن اللاحق بقرن المصطفى من ذلك الزبد الزبد الذي رماه الموج يلوح للمنفرد به الفرد وللجامع عليه الزوج فمن شاء فليوتر ، ومن شاء فليشفع ومن شاء فليكتم ، ومن شاء فليشع ، وهذا القرن قد آن زمانه وقرب أوانه ، فليتأهب المتأهب لحلوله ، وليستغنم السعي لهذا النور الإلهي قبل أفوله ، لا تحجب يا أخي فإن القرن اللاحق بقرن المصطفى لم يزل موجودا ما دام الإنسان مع ربه سبحانه شاهدا له والحق له مشهودا ، وإن كان الذي أشار إليه الشرع ، وجاء به السمع في عبارة الهرج والقتل فذلك أو أن التقدم في الفضل فإن للعمل منهم ممن تقدم وإن كان الإمام المقدم فإنهم لا يجدون على الخير أعوانا كما وجدوا ، ولا يشهدون لإمامهم عينا كما شهدوا ، فلا شيء أقوى من إيمان غيب إذا لم يلحق بصاحبه ريب ، وذلك
عدد الصفحات ٢٠مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 21 طبعة دار المحجة البيضاء 21 ” 21 “ زمان الفتن ، وحلول البلايا والمحن ، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلاه الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ، فتأمل هذه الإشارات في نفسك واجتمع عليها بقلبك وحسك فإن الزمان شديد جبار عنيد ، وشيطان مريد ، فانسلخ منهم إنسلاخ النهار من الليل وإلاه فقد لحقت بأصحاب الثبور ، والويل ، وقد نصحتك فاعلم ، وأوضحت لك فالزم السبيل ومن ذلك نكاح عقد ، وعريس شهد ولما كان ما صدق من الرؤيا جزءا كبيرا نبويا ، قطعنا بتصديق ما تهديه ، وتنعم به من أيادي الحق وتبديه ، فدخلت بيت الأنوار وانسدلت الحجب والأستار . غيرة على الحرم والأبكار . فبينا أنا أناجيه بين يديه ، إذ جذبني جذبة عزيز إليه . فأقامني الحق في مقام البحر الذي على موجه وطمى ودخل بعضه في بعض ونما وأنار في حالة لا يعرفها إلاه من كابدها ، ولا يصفها إلاه من شاهدها كما قيل : لا يعرف الشوق إلاه من يكابده * ولا الصبابة إلاه من يعانيها فأقمت متكئا على اليمين ، وتركت قلبي في مقابلة عليين ، إذ هو محل الصدق الحق ومقعد الصدق وقد غمره الماء ، وأحاطت به الأنواء ، فلم تزل أمواجه تصطفق ، ورياحه تنزعج وتستبق ، إلى أن فتك في الورك الأيسر ، الأعلى قدر حرم الإبرة فرشح منه قدر رأس الشعرة رأيت فيها عبرة فكونها الحق سبحانه شخصا ملكيا ، وأنشأها إنشاء فلكيا فرأيته مسبحا ، ومهللا ، ومكبرا ، وملبيا ، فعرفت أن ذلك الشخص جسمانية هذا الكتاب الذي أنزله الحق عليه وأبرزه للعبادة على يدي . وإنه قطرة من ذلك البحر المتموج ، ورشحه من ذلك الموج الأهوج فالحمد للّه الذي صيرني له فلكا محيطا ، وجعلني له روحا بسيطا ، فانظر وتأمل أيها الولي الأكمل ، إلى نبي قد فقدت جثته ، وبقيت عند الأحاد سنته فبعث ليلة من قبره ، وسير به إلى حشره ، والتحق الحي بالميت فحشر وحصل رب البيت في البيت فخطب حميرة من عتيقة وانتزعها من يدي صديقه ، فاصدقها عدد أغاب عني ، وطلب الشهادة على ذلك مني ، فكتبت في خرقة حرير أحمر ، كتاب زهر يزهر وكنت أول الشهود في مهره عن أذنه صلى الله عليه وسلم وأمره ، وذلك بمنزله الأعلى ومقامه الأجل ، فلما صح أمره ترك بيدي مهره ودخل منزله بعرسه وخلي بها وبنفسه ، وبقي المهر بيدي إلى انقضاء أمدي ، فلما لاح الصبح لذي عينين وجمع لي بين النورين لم أجد عرسا ولا بعلا غير ذاتي ولا صداقا غير
عدد الصفحات ٢١مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 22 طبعة دار المحجة البيضاء 22 ” 22 “ خلقي وصفاتي . فكنت البعل والعرس ، وزوجة العقل بالنفس ، فتطرت الحميرةببعلها . وتأيدت بعزيمة عقلها ، فعجبت من الري لما لم يكون غير وهكذا وقفت عند رفع لستور على مخبات الأمور ، فمن ساحل ماله بحر يحتمي به زوجه ، ومن بحرك ساحل له يكسر عليه موجه ، ومن ناطق بحقائق بغير لسان ولا مخارق ومن صامت لا يبرح داعيا ، وإلى اللّه هاديا ، ومن كرة لامكان لها ما عرفها أحدا ، ولا جهلها ، ومن قبة مالها عمد ، ومن عمد مالها في الأرض مستند إلى أسرار تتدنس بالذكر ولا تخلص بالفكر إذ هي من حضرة ما خطر على قلب بشر ولا وعتها أذن واعية بخبر ، ولا أدركتها حقيقة بشر . عجبت من بحر بلا ساحل * وساحل ليس له بحر وصحوة ليس لها ظلمة * وليلة ليس لها فجر كرة ليس لها موضع * يعرفها الجاهل والحبر وقبة خضرا منصوبة * جارية مركزها القهر وعمد ليس لها قبة * ولامكان خفي السر حبطت سرا لم يعبره كمن * فقيل هل هيمك الفكر فقلت مالي قدرة فارفقو * عليه في الكون ولا صبر فإن بالفكر إذا ما استوى * في أجلدي يتقد الجمر فيصبح الكل حريقا فلا * شفع يرى فيه ولا وتر فقيل لي ما نجتني زهرة * من قال رفقا إنني حر من خاطب الحسنا في خدرها * متيما لم يغسله المهر أعينها المهر وأنكحتها * في ليلة حتى بدا الفجر فلم أجد غيري فمن ذا الذي * نكحته فلينظر الأمر فالشمس قد أدرج في ضوئها * القمر الساطع والزهر كالدهر مذموم وقد قال من * صلهى عليه ربك الدهر وإني أريد أن أظهر لك من هذه العجائب ما تيسر وأمهد لك منها ما توعر فو اللّه لو رأيت يا أخي حال العارفين إذا خرجوا من نفوسهم ودرجوا عن محسوسهم تطهرت قلوب ، وأظهرت غيوب ، ورفعت أستار فطلعت أنوار ، وكان التجليات على مقدار ، فمن شاهد قدسا ، ومن شاهد أنسا ، ومن شاهد عظمة وجمالا ، ومن شاهد ملطفة وجلالا ، ومن بهت في أينيه ، ومن خطف في هويه ،
عدد الصفحات ٢٢مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 23 طبعة دار المحجة البيضاء 23 ” 23 “ فلو أطلعت عليهم غيبا لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، لا نعدامك عند تلك المشاهدة وتعذيبك وسقوط قولك وحل تركيبك فإن سلكت باب المناصحة ، شهدت الحق منك مكافحة ، فتنشد عند ذلك ما يسوق السالك : ولما أتاني الحق ليلا مكلما * كفاحا وأبداه لعيني التواضع وارضعني ثدي الوجود تحققا * فما أنا مفطوم ولا أنا راضع ولم أقتل القبطي لكن زجرته * بعلم فلم تعسر علي المراضع وما ذبح الأبناء من أجل سطوتي * ولا جاء شرا يبطش رافع فكنت كموسى غير أني رحمة * بقومي ولم تحرم علي المراضع لغزت أمورا إن تحققت سرها * بدالك علم عند ربك نافع فإن كان هذا الأمر العظيم في الملك فعند المواجبة والتوجيه الموسي ، فما ظنك بالصراط السوي ، والمسلك المحمدي وفي الصراط السوي إشارة تعبر العبارة وانظرها آية وامارة ، واجعلها زفرا تقتبس ناره ، فإن المزج والعقار بالامتزاج والحلك تريك النار ، وهو أنا إن شاء اللّه أبدا لك من سرائر الكون والمكنون ، ما شاهده المقام والعين ، وما سبب البدء ومن كان أول النشيء ، وكيف كان ذلك الأول مشرق الأنوار ، وينبوع الأنهار وعنه كان العرش والعالم الأوسط والفرش والجماد والحيوان وهو أصل الأكوان ورأيك ذلك كله قد أودعه الرحمن في ذاتك ، وجعله من جملة صفاتك ، فأنت ذلك المثلى المشبه وذلك المثل المنزه ، فإن قلت وأين حظي من التنزيه ، وأين حظه من التشبيه ، فعند المواجهة والتوجيه يتردد كل واحد منكما بين التنزيه والتشبيه فإياك أن تغفل عن فتح هذا الباب المقفل واللّه يحسن عونك وإذا فتح لك أن يديم صوتك وبدايتنا إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب بمعرفة المعبود ، وإ نه لا يعرف من ذاته سوى الوجود ، ثم بعد ذلك أتكلم فيما ذكرته ، وأسوق على ما شرطته ، ومنه أمل وبه أستعين وعليه أتوكل وعنه أبين ، فأنا منه إليكم منكم من غير إلي ومن ، وأنا الأمين الحافظ المؤتمن وحسبنا اللّه ونعم الوكيل والحمد للّه رب العالمين والصلاة على خاتم النبيين وسلم تسليما كثيرا .
عدد الصفحات ٢٣مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 24 طبعة دار المحجة البيضاء 24 ” 24 “ بسم اللَّّ الرّحمن الرّحيم وصلّى اللَّّ على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما البحر المحيط الذي لا يسمع لموجه عطيط في معرفة الذات والصفات والأفعال بكر صهباء في لجة عمياء . وهي معرفة ذاته جلت عن الإدراك الكوني :والعلم الإحاطي غطس الغاطس ، ليخرج ياقوتها الأحمر ، في صدفة الأزهر ، فخرج إلينا من قعر ذلك البحر صفر اليدين ، مكسور الجناحين مكفوف العين ، أخرس لا ينطق مبهوتا لا يعقل فسئل بعد ما رجع إليه النفس ، وخرج من سدفة الغلس ، فقيل له ما رأيك ، وما هذا الأمر الذي أصابك . فقال هيهات لما يطلنون ، وبعد الماء يرومون واللّه لا أنا له أحد . ولا تضمن معرفته ولا جسد . هو العزيز الذي لا يدرك . والموجود الذي يملك ولا يملك إذا حارت العقول . وطاشت الألباب ، في تلقي صفاته ، فكيف لها بدرك ذاته ألا ترى حكم تجليه ، في ربوبية الأزل ، كيف خر الكليم صعقا ، وتدكدك الجبل ، فكيف لو تجلى في هذه الربوبية من غير واسطة الجبل لنبيه موسى لكان صاحب موسى زمانه لا يوسى ، بعد إندكاك وهلاك ، وبعث في نشأة مثلة وأملاك وإذا كان تجلي الربوبية على هذا الحد ، فأين أنت من تجلي الألوهية من بعد ، وإذا كان هذا خط المتبوع الكليم ، فكيف بخط التابع الحكيم ، فقد رمزنا في الصفات أمرا يعجز عنه ، ولا يصل أحد إلاه إلى ما قدر له منه . وأما معرفة الذات فمتفقة بالنور الأضواء في عمي محتجبة بحجاب العزة الأحمى ، مصون بالصفات والأسماء ، فغاية من غاب في الغيب ، الوصول إلى
عدد الصفحات ٢٤مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 25 طبعة دار المحجة البيضاء 25 ” 25 “ أقرب ، ونهاية الطلاب ، الوقوف خلف ذلك الحجاب ، هنا وفي الآخرة وفي نشأة الدنيا والحافرة ، فمن رام رفعه ، أو تولى صدعه في أي مقام كان عدم من جبنه ، وطويت سماؤه وأرضه بيمينه ، ورجع خاسرا ، وبقي حائرا وكان قاسطا جائرا ، ورد إلى أسفل سافلين والحق بالطين فمن كان من أهل البصائر والألباب . وتأدب بما يجب عليه من الآداب ، وصل إلى ذلك الحجاب ، الذي لا يرفعه سبحانه عن وجهه وكان يوقف على كنه والوقوف على كنهه محال ، فلا سبيل إلى رفع ذلك الحجاب بحال ، فإذا وصل إليه العاقل اللبيب ، والفطن المصيب وافرغ عليه رد الغيرة قال أغار عليه أن يعلمه غيره ، فوقف خلف الحجاب وناداه باسم الوهاب ، البعيد الأقرب إلينا من حبل الوريد فيحببه الحق بالمزيد وحقائق الوجود وتقدس وتنزه ، وتملك وتشبه . ودخل حيث شاء من جنة الصفات وارتاح في رياض الكمال وجال وصال بالمتجلي المتعالا لا يرد له أمر ولا يحجب عنه سر . ونادى الحق من عرش التنزيه . خلف حجاب عزة التشويه . هذا عبدي حقا وكلمتي صدقا . عرف فأصاب وتأدب فطاب . فليقبل . جميع ما تضمنه هذه الحضرة إليه . ولينصب ذلك كله بين يديه ، ليأخذ ما شاء مختارا ، ويترك ما يشاء إدخارا . فـ ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَ شاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلهِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . ( وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) . وهذا مقام الأدباء ومنزل الأمناء . وحضرة اللقاء . وكل واحد من الواصلين إليه على قدر علمه . وقوة عزمه . وإن شملهم المقام وعم فمنهم التام والأتم . ومن هذا المقام يرجع صاحب الجماعة . وفيه يبقى من قامت في حقه الساعة . فهو المنتهي والختام . ومقام الجلال والإكرام وفي هذا المقام قلت : مواقف الحق أدبتني * وإنما يوقف الأديب أشهدني ذاته كفاحا * فلم أجد شمسها تغيب واتحدت ذاته فلما * كنت أنا العاشق الحبيب أرسلني بالصفات كيما * يعرفني العاقل المصيب فيأخذ السر من فؤادي * فتهتدي باسمه القلوب فإن قلت فأين معرفة لياقوت الأحمر المصون في الصدق الأزهر فأقول إن معرفة لياقوت الأحمر أن لا يعرف ولا يجدر ولا يوصف . فإذا علمت أن ثم موجودا لا يعرف ، فقد عرفت وإذا أقررت بالعجز عن الوصول إلى كنهه فقد
عدد الصفحات ٢٥مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 26 طبعة دار المحجة البيضاء 26 ” 26 “ وصلت فقد صحت الحقيقة لديك واتضحت الطريقة بين يديك ، فإنه من لم يقف على هذا العلم ولا قام به هذا الحكم يدوم ما لا يحصل له ، وذلك ما زهل عنه وجهله ، فكفاك أن تعلم أن لا يعلم وهذا الحق قد انبلج صبحه فالزم ، واقتد بالنبي والصديق إذ قال صلى الله عليه وسلم لا أحصي قنا عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وهذا غاية الفخر ، أو معرفة من وقف عند حجاب العز وقال الصديق الأكبر ، العجز عن درك الإدراك إدراك فلا سبيل إلى الاشتراك ، وليس بعد حجاب العزة الإلهية إلاه الكيفية والماهية ، فسبحان من بعد وقرب وتعالى ونزل ، وعرفه العارفون على قدر ما وهب ، وحسب كل عارف به ما كسب فكسب وذلك من صفات السلب فغاية معرفتنا أنه موجود وأنه الخالق والمعبود . وأنه السيد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد ، وهذا كله راجع إلى التنزيه ، وسلب التشبيه ، فتعالى أن تعرف منه صفات الإثبات ، وجل إن تدرك كنه جلاله لمحدثات وإذا كانت صفات الجلال لا يحاط بها ، فكيف من قامت به واتصف بها فجل الكبير المتعال . العزيز الذي لا ينال ، فبحر الياقوت الأحمر هو المسمى بليس كمثله شيء ، و ( سُبْحانَ رَبهِكَ رَبهِ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) ، فقد أشار إلى حجاب العزة الذي ذكرناه . والسر الذي وصفناه الصفات لمحة بارق . وخيال طارق قل للباحث عما لا يصل إليه . والطالب فوق ما يكفيه هل عرف من الحق غير ما أوجده فيه وإلاه فهل أثبت له ما لم يتصف به . وهل زلت في معرفته عن الأمر المشتبه إلاه من طريق السلب والتنزيه والتقديس ونفي التشبيه وإن قلت هو الحي المتكلم القدير المريد العليم السميع البصير ، فأنت كذلك وإن قلت الرحيم القاهر حتى تستوفي أسماؤه فأنت هنالك . فما وصفته سبحانه بوصف إلاه اتصفت به ذاتك . ولا تسميه باسم وقد حصلت منه تخلفا وتحققا مقاماتك وصفاتك فأين ما أثبت له دونك من جهة العيم وغاية معرفتك به أن تسلب عنه نقائص الكون وسلب العبد من ربه تعالى ما لا يجوز عليه راجع إليه وفي هذا المقام قال من قال سبحانه ما أعظم شأني دون شؤوني هيهات وهل يعزي من شيء إلاه من لبسه أو يؤخذ شيء إلاه ممن حبسه ومتى لبس الحق صفات النقص حتى تسلبه عنها أو تعريه ، وو اللّه ما هذه حالة التنزيه . وإنما الملحد الجاحد . حكم على الغائب بالشاهد . وظن أن ذلك نص فنسب إليه النقص . فإذا أثره نفسي أن ألبس ما لبسه هذا الملحد . وأعريها منه حتى أكون المحقق الموحد فنفسي إذا نزهت وذاتي قدست . والباري سبحانه منزه عن التنزيه . فكيف عن التشبيه . فالتنزيه راجع إلى تطهير محلك لا
عدد الصفحات ٢٦مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 27 طبعة دار المحجة البيضاء 27 ” 27 “ إلى ذاته . وهو من جملة منحه لك وهباته . فالحمد للّه الذي قدسك . وعلى ثوب التنزيه الذي ألبسك . ولولانا ما لاح لعينك من ذلك لمحة بارق . وطرقك عند هجعتك منه خيال طارق . ما صحت لك هذه العناية ولا ألبسك ثوب الخلافة والولاية وخرجت بها في وجودك كما كنت عليها في الصفة العملية والمشيئة الاختيارية سابقة قدم قبل خط القلم فاعلم أنك متصل به في الصفات المعنوية من جهة الظلال من غير اتصال منفصل عنه بالصفات النفيسية المجهولة في كل حال من غير انفصال فلو لا ما وصفك بأوصافه . واعتنى بك في سورة إعرافه . وأنزلك فيها منزلته في وقت القبضتين والتعالي وقوله هو لا إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي . لما ارتفع عنه النفع والضرر وتنزه عن صفات البشر فقال تعالى : ( وَعَلَى الأَْعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاا بِسِيماهُمْ ) . وما كانوا له وفيه وما هم وذلك لما خلق سبحانه وتعالى هذا الشخص الإنساني على صورته وخصه بسريرته فصفاته الحق صفات العبد . فلا تعكس فتنكس . فانظر إلى ما أشرنا إليه في هذه الشذور وتأمل ما وراء هذه الستور . وتحقق ما حصل عندك من معرفة الصفات وإياك والالتفات . فما عرفت قط صفة على الحقيقة من معبودك وإنما عرفت ما تحصل من الأوصاف في أركان وجودك فما زلت عنك وما خرجت منك والتحقت صفاته بذاته فتنزهت عن تعلق علمك بماهيتها . واتصلت في ذلك معرفتك بذاتها . فأنت العاجز عنها . والواقف دونها . فعلى طريق التحقيق ، ما عرفت ربك من كل طريق . وما عرفت أيضا سواه . وما نزهت إلاه إياه فإن قلت عرفته قلت الحق وأنت تلاحق . وإن قلت لك أنك لم تعرفه قلت الصدق وأنت السابق . فاختر النفي لنفسك أو الإثبات فقد تنزهت الصفات . من تعلق العلم الحادث بها كما تنزهت الذات . الأفعال موج ضرب في الساحل وانصرف وترك به اللؤلؤ والصدف فمنهم من زهد ومنهم من اغترف . ولما كانت نجوم السماء السيهارة . تضاهي بعض الأسماء من باب الإشارة . وهي باب في الأحكام على صورة وأقسام فمنها ما هو لسلب النقائص والتشبيه ونفي المماثلة للتنزيه . وهو حظنا في هذا التركيب من علم الذات ومنها ما هو شرط الألوهية . ومنها ما لا ينقص بعدمه لو جاز على الماهية ، وهو علم الصفات ومنا ما هو لتعلق إيجاد العين ، والتأثير في عالم الكون وهو صفات الأفعال فنقول على هذا الصراط السوي في اسمه تعالى القدوس العزيز الغني صفات جلال ونقول في اسمه تعالى العليم السميع البصير صفال كمال ونقول في اسمه تعالى الخالق الباري المصور
عدد الصفحات ٢٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 28 طبعة دار المحجة البيضاء 28 ” 28 “ صفات أفعال وما فيها والحمد للّه صفة إلاه لنا فيها قدم ولنا إليها طريق أمم فهذا الباب لصفات الفعل وهو باب الطول والفضل والأنعام والبذل ، أمتن سبحانه وتعالى أولا بالايجاد من غير أن يجب ذلك عليه ، أو يضطره أمر إليه ، بل كان محتارا بين العدم والوجود ، فاختار أحد الجائزين ترجيحا وسعادة للعبيد ، فعلق بنا القدرة بين العدم والوجود ولا بعينيه ، فبرز للعين عن تعلقها دون كيفيته إذ كانت غير متعلقة بموجود ، ولا أيضا متعلقة بمفقود ، وهذا بحر ليس له قعر فرددناه للفضل المتقدم ، ولم أكن فيه بالجائز المتحكم . وذلك لو علمنا حقيقة القدرة الأزلية وماهيتها في العالمية . لعرفنا كيف تحققت ومتى تعلقت ولم نقدر في هذا الكتاب على قياس الغائب على الشاهد لأنا ما اجتمعنا على معنى واحد . إذ ليس للقدرة الحادثة تعلق بإيجاد كون وإنما هو سبب عادي لإبراز العين وحجاب نصبه الحق في أول الإنشاء ليضل به من يشاء ويهدي به من يشاء والفعل قد يكون نفس المفعول بالتشبيه والاشتباه كقوله تعالى : ( هذا خَلْقُ اللَِّّ ) . أي مخلوق اللّه . وقد يكون عبارة عن الحالة عند تعلق الفاعل با لمفعول وكيفية تعلق القدرة الأزلية بالإيجاد الذي حارت فيه المشاهد والعقول وكل من رام الوقوف على نكص على عقبه ورجع عن مذهبه وهو قوله تعالى : ( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) وقال في حق أنفسهم وأقدمهم حين قال رَبهِ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فأراه آثار القدرة لا تعلقها فعرف كيفية الإنشاء وإلتحام الأجزاء حتى قام شخصا سويا . وما رأى تعلق قدرة ولا تحققها . فقال له الخبير العليم . اعلم أن اللّه عزيز حكيم لما تقدمه من صورة الأطيار وتفريقه الأطوار . وكما نفخ المسيح في صورة الطين الروح . وانتفض طيرا وأظهر في الوجود خيرا . فكان النفخ له حجابا . وما فتح له من باب تعلق القدرة بابا . وكذلك يقول من سأل اللّه تعالى أن يقول للشيء كن فيكون . ذلك عنده أمرا وينفرد الحق بسر نشيئه ونشره . فالتفاضل بين الخلق إنما هو في الأمر الحق . فشخص يكون أمرا ربانيا لتحققه فيكون عنه ما يشاء . وآخر غير متحقق . ليس له ذلك . وإن كان قد ساوه في الإنشاء فسبحان من أنفرد بالاختراع والخلق وتسمى بالواحد الحق لا إله إلاه هو العزيز الحكيم . محاضرة أزلية على نشأة أبدية . اجتمعت الأسماء بحضرة المسمى اجتماعا وتريا منزها عن العدد في غير مادة ولا أمد . فلما أخذ كل اسم فيها مرتبته ولم يتعد منزلته . فتنازعوا الحديث دون محاورة وأشار كل اسم إلى الذي بجانبه
عدد الصفحات ٢٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 29 طبعة دار المحجة البيضاء 29 ” 29 “ دون ملاصقة ولا مجاورة . وقالت يا ليت شعرنا هل يتضمن الوجود غيرنا . فاعرف واحد منهم ما يكون . إلاه اسمان . أحدهما العلم المكنون فرجعت الأسماء وأشار إلى الاسم العليم الفاضل . وقالوا أنت لنا الحكم العادل فقال نعم بسم اللّه وأشار إلى الاسم الجامع الرحمن . وأشار إلى الاسم التابع الرحيم . وأشار إلى الاسم الأعظم العظيم وصلهى اللّه ورجع إلى الجامع من جهة الرحمة على النبي وأشار إلى الاسم الخبير . والعلي محمد الكريم . وأشار إلى الاسم الحميد ، خاتم الأنبياء ، وأول الأمة وصاحب لواء الحمد والنعمة ، فنظر من الأسماء من لم يكن له فيما ذكره العليم حظ ، ولا جري عليه من أسماء الكريم لفظ ، وقال العليم من ذا الذي صليت عليه ، وأشرت في كلامك إليه ، وقرنته بحضرة جمعنا ، وقرعت به باب سمعنا ، ثم خصصت بعضنا بالإشارة والتقييد إلى اسمه الرحيم والحميد فقال لهم عجبا وهذا هو الذي سألتموني عنه أن أبينه لكم تحقيقا ، وأوضح لكم إلى معرفته طريقا . هو موجود يضاهيكم في حضرتكم ، وظهر عليه آثار نفحتكم ، فلا يكون في هذه الحضرة شيء إلاه ويكون فيه ويحصله ويستوفيه ، ويشارككم في أسمائكم ، ويعلم بي حقائق أنبائكم ، وعن هذا الموجود المذكور ، الصادر من حضرتكم ، وأشار إلى بعض الأسماء ، منها الموجود والنور ، يكون الكنه والكيف وابن وفيه يظهر بالأسم الظاهر حقائكم ، وإليه بالاسم المنان وأصحابه يمتد رفائقكم ، فقالت نبهتنا عن أمر لم نكن به عليما وكان هذا الاسم إشارته إلى المفضل علينا عظيما ، فمتى يكون هذا الأمر ، ويلوح هذا السر ، فقال سألتكم الخبير واهتديتم بالبصير ، ولسنا في زمان فيكون بيننا وبين وجود هذا الكون مدة وأوان ، فغاية الزمان في حقنا ملاحظة المشيئة حضرة القديم والنسبة ، فتعالوا نسأل هذا الاسم الإحاطي في جنسه ، المنزه في نفسه ، وأشار إلى المريد فقيل له متى يكون عالم التقييد في الوجود الذي يكون لنا فيه الحكم والصولة وتجول بظهور آثارنا عليه الكون على ما ذكره الاسم العليم حوله ، فقال المريد ، وكان به قد كان ، ويوجد في الأعيال ، وقال الاسم العليم ، ويسمى بالإنسان ، ويصطفيه الاسم الرحمن ويقبض عليه الاسم المحسن وأصحابه سوابغ الإحسان فاطلق اسم الرحمن محيا وحيا المحسن وبياه ، وقال نعم الأخ ونعم الصاحب ، وكذا الاسم الواهب فقال اسم الوهاب فقال أنا المعطي بحساب وغير حساب فقال الاسم الحبيب أقيد عليكم ما تهبونه وأحسب عليكم ما تعطونه بشهادة الاسم الشهيد فإني صاحب الضبط والتقييد غير أن الاسم
عدد الصفحات ٢٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 30 طبعة دار المحجة البيضاء 30 ” 30 “ العليم قد يعرف المعطي له ما يحصل له في وقت . ويبهم عليه الاسم المزيد . في وقت أبهى ما يعلمه ولا يمضيه ويريد الشيء ويريد ضده . فلا يقبضه . فلا زوال لي عنكما ولا فراق لي منكما ، فأنا لكم لزيم ونعم الجار والحميم فوزعت الأسماء كلها مملكة العبد الإنساني على هذا الحد الرباني وتفاخرت في الحضرة الإلهية الذاتية بحقائقها وبينت حكم مسالكها وطرائقها وتعجلوا في وجود هذا الكون رغبة في أن يظهر لهم عين ، فلجوا إلى الاسم المريد الموقوف عليه تخصيص الوجود وقالوا سألناك بهذه الحضرة التي جمعتنا والدار التي تسلمتنا إلاه ما علقت نفسك بهذا الوجود المنتظر فاردته ، فأنت يا قادر سألتك بذلك إلاه ما أوجدته وأنت يا حكيم سألتك بذلك إلاه ما أحكمته وأنت يا رحمن سألناك إلاه ما رحمته ولم تزل كلها واحدا واحدا قائما قاعدا . فقال له القادر على المريد بالتعلق وعليه بالإيجاد وقال الحكيم على القادر بالوجود وعليه بالأحكام فقام الرحمن وقال عليه بصلة الأرحام فإنه سجنه مني فلا صبر له عني فقال له القادر كل ذلك تحت حكمي وقهري فقال القاهر لا تفعل إن ذلك لي وأنت خديمي وإن كنت صاحبي وحميمي فقال العليم أما الذي قال تحت حكمي فليقدم علمي فتوقف الأمر على جميع الأسماء وأن بجملتها وجود عالم الأرض والسماء وما بينهما إلى مقام الاستواء . ولو فتحنا عليك باب توقفها والتجأ بعضها إلى بعضها لرأيت أمرا يهولك منظره ويطلب لك خبره ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما سكتنا عنه ووترناه . فلنرجع ونقول . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل فعندها وقع هذا الكلام الأنفس في هذا الجمع الكريم الأقدس تعطشت الأسماء إلى ظهور آثارها في الوجود ولا سيما الاسم المعبود ولذلك خلقهم سبحانه وتعالى ليعرفوه بما عرفهم ويصفوه لما وصفهم فقال ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْ نْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعموه فلجأت الأسماء كلها إلى اسم اللّه الأعم والركن القوي الأعظم . فقال ما هذا اللجأ ولأي شيء هذا الالتجاء . فقالت أيها الإمام الجامع لما نحن عليه من الحقائق والمنافع الست العالم أن كل واحد منا في نفسه على حقيقته وعلى سنة وطريقة وقد علمت يقينا . إن المانع من إدراك الشيء مع وجود النظر كونك فيه لا أكثر . فلو تجرد عنك بمعزل لرأيته وتنزهت بظهوره . وعرفته ونحن بحقائقنا متحدون لا نسمع لها خبرا ، ولا نرى لها أثرا . فلو برز هذا الوجود الكوني وظهر هذا العالم الذي يقال له العلوي والسفلي . لامتدت إليه رقائقنا وظهرت فيه حقائقنا . فكنا نراه مشاهد عين . لما كان منا في
عدد الصفحات ٣٠مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 31 طبعة دار المحجة البيضاء 31 ” 31 “ أين . وفي حال فصل بين ونحن ياقون على تقديسنا من الأينية وتنزيهنا عن إحاطتهم بنا من جهة الماهية الكيفية فغايتهم أن يستدلوا برقائقنا على حقائقنا استدلال مثال وطرق ميال . وقد لجأنا إليك مضطرين . ووصلنا إليك قاصدين فلجأ الاسم الأعظم لي الذات كما لجأت الأسماء والصفات . وذكر الأمر وأخبر السر فأجاب نفسه المتكلم بنفسه العليم . إن ذلك قد كان بالرحمن فقل للاسم المريد يقول للقائل يأمر بكن . والقادر يتعلق بإيجاد الأعيان . فيظهر ما تمنيتم . ويبرز لعيانكم ما أشتهيتم فتعلقت بالإرادة والعلم والقبول . والقدرة ، فظهر أصل العدد والكثرة وذلك من حضرة الرحمة وفيض النعمة . أصل النباء وأول النشىء نشأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه وأبدع نظام بحر اللؤلؤ والمرجان المودع في العالم الأكبر والإنسان ولما تعلقت إرادة الحق سبحانه بإيجاد خلقه وتقدير رزقه برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية . في الحضرة الأحدية وذلك عندما تجلى لنفسه بنفسه من سماء الأوصاف وسأل ذاته بذاته موارد الإلصاق في إيجاد الجهات والأكناف فتلقى ذلك السؤال منه إليه بالقبول والاسعاف فكان المسؤول والسائل والداعي والمجيب والمنيل والنائل فكمن فيه كمون تنزيه ودخل جوده في حضرة علمه فوجد الحقيقة المحمدية . على صورة حكمه . فسلخها من ليل غيبه فكانت نهارا وفجرنا عيونا وأنهارا . ثم سلخ العالم منها فكانت سماء عليهم مدرارا وذلك أنه سبحانه اقتطع من نور غيبه . قطعة لم تكن به متصلة فتكون عنه عند التقاطع منفصلة . ولكن لما نظره سبحانه وتعالى الصورة فصار كان ثم جنسا بجمعها ضرورة فكان قطع هذا النور المنزل والممثل من ذلك الجنس التخيل . والباري منزه في نفسه عن قيام الفصل به والوصل والإضافة بالإنسان إلى جنسه فهو قطع مثلي أبدي أحدي عن معنى زلي فكان لحضرة ذلك المعنى بابا وعلى وجهها حجابا . ثم أن الحق صيره حجابا لا يرفع وبابا لا يقرع ومن خلق ذلك الحجاب ، يكون التجلي ومن وراء ذلك الباب يكون التدلي كما إليه ينتهي التداني والتوالي . وعلى باطن ذلك الحجاب يكون التجلي في الدنيا للعارفين ولو بلغوا أعلى مقامات التمكين وليس بين الدنيا والآخرة فروق العارف في التجلي عن غير الإحاطة بالحجاب الكلي وهو في حقنا حجاب العزة . إن شئت ردا الكبرياء كما أن ذلك الحجاب يكون تجلي الحق له خلف حجاب البهاء وإن شئت رد الثنا ، وما ذكرناه زبدة الحق اليقين وتحفة الواصلين فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من حسن النشأ . وقيله فنقول على ما قدمنا في حق الحق من التنزيه
عدد الصفحات ٣١مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 32 طبعة دار المحجة البيضاء 32 ” 32 “ ونفي المماثل من التشبيه أنه سبحانه ولما قطع القطعة المذكورة مضاهية للصورة أنشأ منها محمدا صلى الله عليه وسلم على النشأة التي لا تنجلي أعلامها ولا يظهر من صفاته إلاه أحكامها ثم اقتطع العالم كله تفصيلا على تلك الصورة وإقامة متفرقا على غير تلك النشأة المذكورة إلاه الصورة الآدمية الإنسانية فإنها كانت ثوبا على تلك الحقيقة المحمدية النورانية ثوبا يشبه الماء والهواء في حكم الدقة والصفا فتشكل بشكله فلذلك لم يخرج في العالم غيره على مثله . فصار حضرة الأجناس إليه يرجع الجماد والناطق والحساس وكان محمد صلى الله عليه وسلم نسخة من الحق بالأعلام ، وكان آدم نسخة منه على التمام وكنا نحن نسخة منهما (عليهما السلام ) ، وكان العالم أسفله وأعلاه نسخة منا وانتهت الأقلام غير أن في نسختنا من كتابي آدم ومحمد سر شريف ومعنى لطيف ، أما النبيون المرسلون وغير المرسلين والعارفون والوارثون منا فنسخا منهما على الكمال وأما العارفون والوارثون من سائر الأمم ، والمؤمنون منا فنسخة من آدم وواسط محمد ( عليهما السلام ) في حضرة الجلال . وأما أهل الشقاوة والشمال فنسخة من طين آدم لا غير . فلا سبيل لهم إلى خير . فتحقق أيها الطالب هذه النسخة تعش سعيدا وتكون في زمانك فردا وحيدا فالحقيقة المحمدية المنبه عليها بليس كمثله شيء وما نزل عليها من النسخ فعدم دليل وظل وفي أربعة الأربعة والحقيقة المنزه مرتفعة ، ثم خلق الخلق وفتق الرتق وقدر الرزق ومهد الأرض وأنزل الرفع والخفض وأقام النشأة الآدمية والصورة الابهامية ، وجعلها تتناسل وتتفاضل وتترافع وتتنازل إلى أن وصل أوانه وجاء زمانه فصير العالم كله في قبضته ومحضته فكان جسم محمد صلى الله عليه وسلم زبدة محصنة ، كما كانت حقيقة أصل نشأته فله الفضل بالإحاطة وهو المتبوع بالوساطة إذ كان البداية والختم ومحل الإفشاء والكتم فهذا هو بحد اللآلي دليل النواشي ، وقد تمهد فاستره وتجسد فأخبره ، فقد حصل في علمك شيء أول موجود وأين مرتبته من الوجود ومنزلته من الجود ثم علق العالم به تعلق اختيار الحق . لأنه استوجبه بحق حتى يصح أنه تعالى المنعم المفضل ابتداء على من شاء بما شاء لاحقة . ولما كان من العالم دوريا ونشأة فلكيا رجع العود على البدء ، واستوى الكل في النشأ وصار اللابس ملبوسا والمعقول محسوسا ، فوجود أسرار الكون الأكبر في العالم الأصغر إعادة وهو لها إشارة كما بدأكم تعودون ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون ولهذا جعلها المحجوبون ، بعقولهم كرة خاسرة فقالوا أينا لمردودون في الحافرة فليس هناك في النشأة حقيقة زائدة سوى أعراض واردة . إشارة وإن كان قد تبيهن
عدد الصفحات ٣٢