مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 177 طبعة دار المحجة البيضاء 177 ” 177 “ وقال : كما تدين تدان . فاذكر اللّه سرا يذكرك سرا ، وعلانية بعلانية ، وطاعة بطاعة وأنسا بأنس ، وحبا بحب ، ورضا برضا ، وأمرا بأمر ، وكل شيء بمثله . وقال : التذكر من النسيان “ 1 “ لا الذكر . وقال : الكتب قيمة بالصحف المطهرة ، تتلوها ألسن العصمة . وقال : القراءة بالاسم الخالق . وقال : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ بأي قلب يكون ، وعلى أي قلب ينزل . وقال : الميزان الموضوع في الأرض هو الشرع ، وأنت لسان ذلك الميزان ، فلأية كفة ملت كنت لها . وقال : لا يتقرب بالأعمال إلاه . للعامل فتحفظ فقد نبهتك “ 2 “ . وقال : ليس العجب من التحف والزوائد والطرف علىقلوب العارفين إنما العجب من قبولهم إياها مع أنهم لا يطلبون سواه . نعم يقبلونها من كونهم خزنة عن أمرا لهما ، وقد عرفوا أنه لا ينال . وقال : الوقوف من الحق سلب الحكم “ 3 “ . وقال : مواقع النجوم قلوب العارفين ، ومشارق الشموس أسرارهم ، ومطامع البدور حقائقهم ، وأقمار البدور توسط حال ، وإهلالها بقاياهم معهم ، وأنوار البروق تنزل رحمة عرشيته إلى كرسي مجيد “ 4 “ . ....................................................... ( 1 ) في الأصل : عند النسيان . (2 ) يقصد التقرب بالعمل على وجه المطالبة بالأجر ، أما تقرب غيرالعمال فيكون بالتوجه وعدم ملاحظة العمل ، وبالزهد في الأجر . (3 ) يعني إذا وقفت مع الحق وتحققت به في تلك المرتبة الصفاتية ارتفع عنك الحكم ، وتخلصت من مرتبة الحكم البشري ، لأنك صرت حينئذ محكوما لمرتبة الحق ، وصار الحق ملكة من ملكاتك . فلا يحكم على صاحب هذه المرتبة مثلا بأنه عابد . ولا بأنه يجب عليه كذا . لأنه قائم في عين رتبة الحق . (4 ) يعني أن العلم يقع على قلب العارف كالنجوم تقع في كبد السماء ، والحق شمس واضحة نشرق على أسرارهم ، فإذا اتحد السر مع العلم بدت بدور الحقيقة ، وتحول العلم إلى -
عدد الصفحات ١٧٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 178 طبعة دار المحجة البيضاء 178 ” 178 “ وقال : من كانت له وثيقة على غريمه استراح وارتفع الحرج عنه ، ولو كان الغريم عديما فلا بد له من سلطان عليه ، وهو المطلوب “ 1 “ . ومنهم ( رضي اللّه عنهم : * * * عبد اللّه بن داود بن عبد الغفار قال : العيش مع اللّه هو القوت الذي من أكله لا يجوع . وقال : من يأنس باللّه لم يستوحش من شيء . وقال : العبد مطلوب من حيث معناه ، لا من حيث صورته ، فصورته نكرة ، ومعناه معرفة ، ولكن عند الخلق . وهو عند اللّه مطلوب من حيث المعنى والصورة . وقد ينضبط المعنى بالصورة ، وقد لا ينضبط . فالذي انضبط معناه بصورته دون الذي لم ينضبط ، فإن الوجه أوسع “ 2 “ . وقال : للخلق مراتب في رؤية الحق ، فرؤية لا ترى بها سواه ، ورؤية تراه بها قبل كل شيء ، ورؤية تراه بها بقدر كل شيء ، ورؤية تراه بها مع كل شيء ، ورؤية تراه بها بعد كل شيء ، ورؤية تراه بها في كل شيء ، ولها مراتب في القرب والمعرفة . وقال : خطاب الحق لعبده “ 3 “ لا إجمال فيه ولا تفصيل . وقال : في معرفة الألوهية أنت الأصل ، وفي عين الوجود هو الأصل ، ومعرفة الذات لا أصل لها ولا فرع . - معرفة ، من حيث عرف حقيقة نفسه وشعور العارف بسطوع تلك البدور في باطنه حال متوسط
عدد الصفحات ١٧٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 179 طبعة دار المحجة البيضاء 179 ” 179 “ وقال : الصنعة واحدة ، والاختلاف في الموضوعات . وقال : إياكم والاغترار بصفاء الأوقات ، فإن طيها آفات لا يعرفها إلاه من أشهده الحق إياها . وقال : براءة من اللّه ورسوله لما وقع الاشتراك “ 1 “ مع الرسول بالعطف ، لذلك كانت من اللّه ، ولو لم يقع الاشتراك لم تصح البراءة ، لأن ه بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون وإليه يرجع الأمر كله ، وهو الفاعل لكل شيء ، وإليه يرجع كل شيء ، وقد يصح من طريق الأسماء . وقال : لا يرى من ليس كمثله شيء إلاه من ليس كمثله شيء . وقال : تفقد القلب من علامات التيقظ . وقال : تغلب هيبة اللّه تعالى على القلوب ، بحيث لا تظهر عليه حركة عبادة أصلا ولا عادة ، وقد مكث أبو يزيد“ 2 “ من هيبة اللّه حتى سأل ربه أن يرزقه “ 3 “ من الغفلة قدر ما يؤدهي به الصلاة . وقعد بعض شيوخنا سبعين يوما ما صلهى أو أكثر في هذا المقام . ولقيت رجلا من أهل الحديث استولت عليه العظمة ، بحيث إنه كان يدير النخامة في فيه ، ولا يقدر أن يرميها من هذا المقام ، لأنه كان لا يرى شيئا خارجا عنه “ 4 “ . وقال : كل بلاء أهون على العارف من صلاة ركعتين مع هيبة ، بل إذا .................................................................... (1 ) في الأصل : الإشراك . (2 ) في ه : لم يصل . (3 ) في ه : أن يهبه . (4 ) تلك مسألة جرت على الصوفية أقاويل كثيرة . ولكننا قبل أن نطعن أحدا يجب أن نحاول إدراك ماهية تلك الهيبة التي كانت تستولي على هؤلاء العارفين ، وما نحن ولا المعترض بمستطيعين إلاه ترديد ما نقرأ عن هيبة اللّه أما ذوق تلك الهيبة فلا يدركه إلاه من مارسه بالفعل . ونعتقد أن مقارنة بسيطة مع الفارق الشاسع يمكن أن تنير لنا الطريق فالرجل ينزل به بلاء دنيوي مزعج فلا يملك عقله ولا يكتفي بترك الصلاة بل بتهجم على اللّه بكلام يخرجه عن جادة الإسلام . وقد يصيبهم الذهول من لقاء إنسان له في الدنيا شأن . بل لقد يترك الصلاة تحت تأثير اللهو والسمر . وما شابه ذلك . فكيف بقوم أحسوا بما لم نحس به ، ومع ذلك يضرعون إلى اللّه أن يرزقهم الغفلة حتى يؤدوا فرائضهم . ونحن لا ندافع عن قوم دخلاء أدعياء لا يؤدون الفريضة بحجة الوله والوجد بل ندافع عن المحققين وحدهم .
عدد الصفحات ١٧٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 180 طبعة دار المحجة البيضاء 180 ” 180 “ استحكمت منه تحول بينه وبين الحركة . والصلاة حركة . وقال : صحبة اللّه بالحرمة والحياء . وقال : قدرك عند اللّه قدره عندك . ورأيت رجلا بإشبيلية قد سأله مسكن معروفا للّه تعالى ، فأخرج من جيبه كيسا فيه قطع من الفضة ، بين صغار وكبار . فأخذ يفتش عن أصغر قطعة فيها ، حتى يدفعها للسائل ، وكان معي رجل صالح يقال له “ الحاج بدور بن يوسف “ ، فقال لي : يا بن أخي ، تعرف على ماذا يفتش هذا ؟ . قلت : لا . قال : هذا سئل باللّه ، فأخذ يفتش على قدره عند اللّه “ 1 “ ، فعلى مرتبته عند اللّه يفتش . ثم رد وجهه للمعطي ، وقال له : على قدر ما تهب لوجه اللّه تعالى يكون وجهك عنده ، فكبر أو صغر وعظم أو حقره . ومنهم ( رضي اللّه عنهم ) : * * * عبد اللّه بن لوط بن عبد القائم قال المتعة مشروعة ، فاتخذ ملجأ تستند إليه من زمان قصة لوط ، حيث قال : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، يعني من القبيلة “ ما بعث نبي إلاه في منعة من قومه “ . قيل : “ ذل من ليس له سلطان يعضده ، وإن كان ظالما ، وضل من ليس له عالم يرشده وإن كان فاسقا “ . وقال : إذا امتلأ العبد بربه سرورا يعظم حتى لا يسعه شيء ، وإذا امتلأ منه حياء دق حتى هو لا يبين منه شيء . وقال : كن عرش الكائنات . وقال : لولا أنت لكان هو ، ولولا هو لكنت أنت ، وهو لا تجتمع . ............................................. (1 ) في هيبحث ، وهكذا في بقية الفقرة .
عدد الصفحات ١٨٠مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 181 طبعة دار المحجة البيضاء 181 ” 181 “ وقال : إن من عباد اللّه من أطلع على كيفية تدبير الأمور الإلهية الجارية في الكون ، وكيفية تقدير المقادير يجريان القضاء فيها ، وكيفية خلق المخلوقات من غير ممازحة ولا معالجة . وقال : رجال اللّه على قسمين ، وهما : أصحاب أنوار إلهية ، أطلع الحق على أسرارهم من غيب الغيب ، ومن عين ملك الملك ، فأشرقت بنور ربها . ومنهم رجال ظهر من تلك الأنوار على ألسنتهم ما ظهر ، فأولئك الذين يقتدى بهم . ومنهم رجال ظهر عليهم في أحوالهم من تلك الأنوار ما ظهر ، فأولئك الذين يهتدي بهم ، لأن النور في هؤلاء مشهود لك ، فتهتدي به في ظلمات برملكك ، وبحر ملكوتك . وقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَُّّ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . فإنه حصل له من طريق السمع . شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدهِينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ و أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً . وقال : من اعتصم بحبل اللّه أوصله الحبل إليه ، ومن اعتصم باللّه تنزل الحبل إليه “ 1 “ . وقال : الناس كلهم متعلقون بالقرآن ، وإن من عباد اللّه من تعلق بهم القرآن . وقال : إن من عباد اللّه من يقبلهم الحجر ، وتطوف بهم الكعبة . وقد رأيت ابن أبلج والكعبة تقبل رأسه “ 2 “ . ........................................... ( 1 ) جاء الترخيص بالسلوكين في القرآن . قال اللّه تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَِّّ وقال : وَاعْتَصِمُوا بِاللَِّّ . الأول للعابدين السالكين ، والثاني للعارفين . والقول التالي توضيح لذلك ، فالعابد معتصم بالقرآن والعارف معتصم به القرآن . لا من حيث الكلام القديم إلى ركن يأوي إليه ولكن من حيث فقه الأسرار وتوجيه بواطن العارفين نحو المعرفة العليا ، ومن حيث إحيائه على الأرض ونشره بين الناس . (2 ) أمر موسى بخلع نعليه احتراما للوادي المقدس . من حيث هو مكان لتجلي اللّه تعالى بالكلام الموجه إلى موسى . وجاء الحكم من اللّه تعالى بتكريم بني آدم وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ فما بالنا بالآدمي الخاص وهو العارف المحقق فلا عجب من تفضيل العارف على الحجر والكعبة ، من -
عدد الصفحات ١٨١مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 182 طبعة دار المحجة البيضاء 182 ” 182 “ وقال : في الناس من إذا صلهى وسلهم من صلاته ، ما تشتهي صلاته مفارقته ، حتى يرفع بها إلى عليين . وقال : الحج فرض على الناس كلهم ، إلاه على أهل مكة ، فإنهم فرض على الحج . قال : إذا شرع الإنسان في العمل فهو بين القبول والرد ، فإما وإما . وإذا رمى العبد نفسه بين يديه وطرحها عند بابه فقيرا ذليلا ، فهو مرحوم بلا شك “ 1 “ . وقال : الفقر من اللّه ذل لازم ، والفقر إلى اللّه عز دائم ، فالفقير من اللّه خائف من كل شيء ، والفقير إلى اللّه ما عنده خير من شيء . وقال : إذا أشرق القلب بنور الرب باتت الأعمال محصاة في إمام مبين ، وقامت الحجج لأصحاب الحقوق على غرمائهم ، فتلك قيامة العارفين قد قامت ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ” 2 “ . - حيث ولاية اللّه له وكذلك فضل الرسل والأنبياء . فالمقدسات والعارفون مستوون من حيث التكريم الإلهي ، إلاه إن العارف في مقام الفناء عن الكل في اللّه فإن الأكوان تخضع له من حيث حكم من تعلق به العارف وهو اللّه تعالى . ................................................. (1 ) لا تخصيص في الرحمة بمظهر من المظاهر التي تعارف الناس على أنها رحمة ، فقد يكون منع المطلوبات عن النفس عين الرحمة ، وكذلك الحال في مطالب الروح والعقل ، لأن السلوك لا ينتهي أبدا فإذا فقد الإنسان مطالبه في حال ذله أمام ربه . . . فهو بلا شك من أهل العطاء المخصوصين بالرحمة . وقد لا يشعر بذلك . (2 ) إذامات العبد قامت قيامته . والموت موتان : موت النفس ، وموت الجسد . فإذا ماتت النفوس فقد تحققت القيامة للعارف ، لأنه وحده الذي يستطيع الظفر بنفسه وقتلها ، وكبت جميع ميولها حتى تموت فيحاسب في الحال على ما تقدم من ذنبه ، ويوفق فيما تأخر من عمره ، بل قد يرى مقعده من الجنة أو من النار . وقد روى أن مريدا من أهل الكشف رأى شيخه مناما إنه من أهل النار فهجره زمانا ، فأرسل إليه الشيخ واستوضحه سبب هجره إياه ، فقص عليه ما رآى ، فقال له الشيخ ، يا ولدي منذ عشرين عاما وأنا أعلم إني من أهل النار ، واجتهد مع ذلك في العبادة رجاء رحمة اللّه . ثم رأى المريد شيخه ثانية أنه أصبح مرحوما ومن أهل الجنة فعاد إليه . وإذا شك بعض الدارسين كدأبهم حتى في وقائع المنامات . فإنها تربية تبعث الأمل ، وتعلي كلمة الخير ، لا نجد لها مثيلا في مناهج التربية النظرية .
عدد الصفحات ١٨٢مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 183 طبعة دار المحجة البيضاء 183 ” 183 “ وقال إنما كان لجهنمسبعة أبواب ، فإن الأمور الموبقات سبعة ، لكل باب منهم جزء معلوم . والباب الثامن لها مغلق ، ولذلك لم يذكره ، لأنه غير مسلوك ، وهو الحجاب الذي لهم عن ربهم يومئذ . ومنهم ( رضي اللّه عنهم ) : * * * عبد اللّه بن جرجيس بن عبد الشهيد لما قال القائل ، وهو الحلاج : يأكل كلي فكن لي * إن لم تكن لي فمن لي مالي سوى الروح خذها * جهد الفقير المقل فقال لي الآخر : وهو أب الحجاج يوسف المبتلي الدباغ الرباطي القرطبي ، بحضور مشايخ كانوا عندي ، وكان الوقت قد طاب لهم ، فقال : يا أخي ليس هذا بشيء . فقلت له يا أبا الحجاج ، رد عليه . قال : أسمع ما قلته أنا . ثم أشعرني مرتجلا في الحال : من الغرائب إني * أهديت بعضي لكلي ما لست أملك أهدي “ 1 “ *فعل الحبيب المدل فقلت له : لا فض اللّه فاك . ولنا من قصيدة في هذا المعنى وهو هذا : كيف أهدي لكم الروح وقد * صح بالبرهان أن الكل لك ولما قال القائل : فالليل إن وصلت كالليل إن هجرت * أشكو من الطول ما أشكو من القصر فقلت : واللّه ما أحسن هذا في قوله ، ولو قال مثلما قلت : شغلي بها ، وصلت ليلا وإن هجرت * فما أبالي أطال الليل أم قصرا ولما قال القائل : لئن ساءني أن نلتني بمساءة * لقد سرني أني خطرت ببالك ....................................... (1 ) في ه : ما ليس ملكي أهدي .
عدد الصفحات ١٨٣مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 184 طبعة دار المحجة البيضاء 184 ” 184 “ فقلت : ما هذا بشيء ، ولو قال مثل ما قلت : لئن سرني أن نلتني بمساءة * فما كان إلاه أن خطرت ببالك ولما قال القائل : ولقد هممت بقتلها من حبها * حتى تكون “ 1 “ خصيمتي في المحشر قلت : هذا لا يحسن ، لأنه جعل الحق لها ، فربما لا تطالبه لبغضها فيه . فلو قال : ولقد فرحت “ 2 “ بظلمها من حبها * كيما تكون خصيمتي في المحشر وقال الشريف الرضي في هذا الباب : أنت النعيم لقلبي والعذاب له * فما أمرك في قلبي وأحلاك وقال صاحب “ محاسن المجالس “ : فهل سمعتم بصب * سقيم طرف سليم منعم بعذاب * معذب بنعيم وقال أبو يزيد البسطامي : أريدك لا أريدك للثواب * ولكني أريدك للعقاب وكل مآربي قد ملت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ولنا تتميم نصف البيت الأول : أريدك لا أريدك للثواب * ولكني أريدك للثواب وقال : عجبي واللّه من مسألة * أعرض العاقل عنها وسلك صح أن الحق أسرى ليلة * بنبي وبراق وملك وعلا الأفلاك في دورتها * ووجود الكون في دور الفلك وهو لا يسكن في تحريكه * بطل التأثير وقتا “ 3 “ وهلك ....................................... (1 ) في الأصلكيما تكون . (2 ) في الأصل : ولقد سررت . (3 ) في ه : بطل العالم .
عدد الصفحات ١٨٤مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 185 طبعة دار المحجة البيضاء 185 ” 185 “ ومنهم ( رضي اللّه عنهم : * * * عبد اللّه بن زكريا بن عبد اللطيف قال : الغيرة على اللّه تعالى ليست من صفات الرجال ، ولكن من صفاتهم الغيرة للّه ، والغيرة في اللّه ، والغيرة من اللّه وإن كانت من صفات الرجال ، فهي دون هاتين . وقال : الصبر على اللّه تعالى من أعظم الصبر ، كما تقول : أخذت العلم عن اللّه ، ليس من الأجل ، وهو أن ينسب الصبر إليك نسبته إليه ، وعند ذلك تكون النيابة حقا ، والحرفة صرفا . وأما الصبر عن اللّه بمن حبس النفس عن اللّه بما يكون فيها من المخالفة التي هي سبب البعد والطرد والحجاب ، وليس ذلك بتحقيق الصبر من اللّه ، وأن ذلك تحقيق صبرك عما فيه نعيمك ولذتك ، فإن مرجعك إلى اللّه وباللّه ، فلا مفارقة عين ، ولكن نعيم وعذاب . فإن تشهده منعما شهدته معذبا . وقال : لما تعلقت الهمة بزكريا لطلب الولد ، من أجل قرة عينه بمريم ، واستفراغ سره في مشاهدة حالها ، وكانت كاملة بتولا ، كان يحيى سيدا وحصورا ، مطابقة . وقال : إنما كانت الشيخوخة والطفولة مرحومتان عن الخلق ، منظورا إليهما بعين الرحمة والشفقة والرفق من جانب الحق ، للضعف الذي بهما . ونحن بالشيخ أشد رحمة في هذا الباب ، لأنه صاحب ضعف وشيبة ، وعدم المربى بما ينبغي ، فإن تربية الشيخ مستقذرة ، تنفر عنها الطباع ، بخلاف تربية الطفل . فالطفل موقى ، والشيخ مسموع منه . وقال : الشيخ الضعيف المؤمن ألبسه اللّه سبحانه وتعالى خمسة أثواب بعضها فوق بعض . فالذي يلي بشرته وهو شعاره ، ثوب الصيانة ، ثم ثوب العناية ثم ثوب الولاية ، ثم ثوب الهداية ، والخامس هو للزينة ، ثم ثوب الحماية والكفاية .
عدد الصفحات ١٨٥مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 186 طبعة دار المحجة البيضاء 186 ” 186 “ ثم يغمس في الرحمة غمسة ، فلا يبقى عليه من درن المخالفة شيء ، فيخرج نقيا تقيا طاهرا مطهرا . ولا يبقى له من العمل إلاه هذا الذكر الخفي ، وهذا من الرحمة بالضعيف . وقال : إذا غلب الإنسان حكم الهرم يضعف عن الحركة ، فتقوم الخطرة من الذكر منه مقام عبادة العمر ، لأن الآخرة له مشهودة . وقال : ليس شيء أعز على اللّه من أوليائه ، ملكا كان أو ب شرا ، أو جنا ، ثم هم في الولاية على طبقات . فمنهم رسل ، ومنهم أنبياء ، ومنهم أهل حديث ، ومنهم أهل مسامرة ، ومنهم أهل مواصلة ، ومنهم أهل مؤانسة ، ومنهم ومنهم . وقال : المرآة من حيث هي مرآة لا تزال محلا للتجلي ، وإن كانت صدئة تجلي فيها صداها “ 1 “ ، فجلاؤهاعبارة عن إزالة صورة الصدأ عنها ، لتتجلى فيها صورة الرائي وغيره . فهي بجلائها صقيلة أبدا ، وتختلف عليها صورة المتجليات ، لأنها مرآة ، وأكثر الناس لا علم لهم ، وإذا لم تكن مرآة فهي قطعة حديد لا غير . وكذا صدأ مرآة القلب “ 2 “ إنما هو ظهور صورة الأكوان فيهفإذا أميطت عنه هذه الصورة بالذكر وبالمعرفة ، وهي أحسن من الذكر وأحلى ، كما ورد في الخبر : “ إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد “ . قيل : فما جلاؤها ؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : “ جلاؤها ذكر اللّه وحده “ . وقال : أتل القرآن من حيث ما هو كلام اللّه تعال ى ، لا من حيث ما تدل عليه الآيات من الأخبار والأحكام فإنه الران . وقال : أنت مجلي الحق الذي وسعه حين ضاقت الأرض والسماء . وقال : مرآة القلب لا جهة فيها ، فلذلك هي مجلي الحق سبحانه ، الذي لا يتصف بالجهات . ومنهم ( رضي اللّه عنهم ) : ..................................... (1 ) في ه : فإن صداها هو المتجلي فيها . (2 ) في ه : وكذا مرآة القلب صداها . .
عدد الصفحات ١٨٦مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 187 طبعة دار المحجة البيضاء 187 ” 187 “ عبد اللّه بن موسى بن عبد القوي قال : شخص كل شيء ذاته ، فليطلق هذا الاسم على كل ذات بحسب ما هي عليه ، وليس هو حقيقة في شيء ، مجازا في غيره . وقال : ما ثم مجاز أصلا . الكل حقيقة . وقال : صورة كل شيء حقيقة مثل الشخص ما هو مجاز في أمر ما من الأمور . فقال : أخبرني بصورة الأمر . فقال : القديم ثبات الألوهية ، والصورة ما تظهر فيه للأبصار عند الكشف ، والساق شأنها وأمرها ، واليد تصريفها ، والعين حفظها . وقال : وقوفك معك حجابك عنك “ 1 “ ، فلو زلت عنك لرأيتك“ 2 “ . وقال كن مع اللّه كما هو اللّه معك ، تكن أنت أنت ، وما يخبرك به فخذ مالك ، وافهم ماله ، وافهم لأي شيء أخبرك عنك وأنت تعلم خبرك “ 3 “ . ........................................... ( 1 ) في ه : حجاب عنك . (2 ) قال العارف علاء الدين العطار“ رؤيتك لنفسك أنك مؤدب خطأ في الأدب “ . فمعنى قول الشيخ الأكبر إذن : إن وقوفك مع نفسك من حيث الشهوات حجاب بينك وبين معرفة حقيقة نفسك ، ووقوفك مع معرفتك هذه حجاب عليك ، وبين حقيقية نفسك الحاملة للأسرار والفناء عن المعرفة يستلزم فيض المعرفة الحقة من أعلا ، حيث زال الحجاب . وحينئذ فكل ما يصدر عن العارف مما هو متصل بالبشرية لا يكون وقوفا مع النفس ، بل يكون تحقيقا لحقيقة المعرفة . يقول داود بن ما خلا “ العارف إذا اشتكى آثار بشرية يقال له : إنما أردنا أن نغمر بك دوائر الحس ، كما عمرنا بك دوائر القدس “ . فالعارف حين يزول عن نفسه يدرك سريان الأسرار إلى قلبه بلا واسطة ، ويدرك ما هو أعلى من الأسرار بواسطة الملأ الأعلى . (3 ) إنما جاء الإخبار عنا في القرآن ونحن نعلم خبرنا لأسرار دقيقة تظهر من الحروف لا من المعنى الكلي . فمثلا قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها فكثير من الناس يظن أن قلبه معه ، ومن ظن ذلك فقد أشرك شركا خفيا ، لأن الذي معك هو ربك وَهُوَ مَعَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ . فحرف الجر والضمير لَهُ ينبهان الإنسان إلى معنى عظيم هو وجوب التمييز بين ما هو لك وما هو معك ، حتى تفهم الأمر على حقيقته ، فلا يختلط عليك الحق بالخلق ، فإذا نودي البشر : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَِّّ إِلهاً آخَرَ فيجب النظر إلى القلب الذي هو بيت الداء وسر البلاء . وإذا نادى البشر بقوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَْ رْضِ وجب النظر إلى القلب في الحال لأنه لك ، وما كان لك يجب أن ترعاه وتصلحه ، ولو كان القلب معك لأصلحه اللّه ولم يكلفك بإصلاحه ، فإذا كان التكبر محله -
عدد الصفحات ١٨٧مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 188 طبعة دار المحجة البيضاء 188 ” 188 “ وقال : حضرة الخيال أوسع الحضرات ، فإنها تعم كل شيء ، تارة بحكم المطابقة ، وتارة بغيرها ، ولذلك ترى ربك في النوم وجميع المعاني ، وفيها قال : “ أعبد اللّه كأنك تراه “ . وقال : حضرة الخيال تجسد المعاني ، فإنها لا تقبل شيئا ما لم تصوره بصورة ، فإذا جعلته صورة قبلته . وقال : من خرج من حضرة خيال علم ، لم ير ولم يسمع حيثما كان . وقال : الحضور مع السوابق يرفع اللوم عن اللواحق حقيقة ، فيكون في اللوم حاكيا ، وفي رفع اللوم محققا ، وهذه المرتبة من قوى الإيمان “ 1 “ . وقال : لا تنال الأرواح إلاه بذهاب أرواح ، لأن قيمة كل شيء مثله . وقال : من لزم التقوى والآداب لم يكن لأحد عليه حق في الدنيا ولا في الآخرة . وقال : الرياء جهل ، سواء نسب المرائي فعله ذلك لنفسه ، أو نسبة للّه تعالى . وقال : الصادق في توبته علامته ألا بذكر ذنبه ، لأن التوبة لا تبقي له وجودا “ 2 “ ، إذ قد بدل بالنص المعصوم “ 3 “ ، فأي ذنب هناك حتى يشهد - القلب والنفس كانت النتيجة الصرف عن الأبصار . وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وللقلب بالعقل صلة . فقوله تعالى : وَكانَ الإِْنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً يكشف هذه الصلة فالجدل بالعقل ومبعثه الكبر والكبر في القلب والنفس . هذا مثال سقناه تقاس عليه أمثلة لا تحتملها هذه الحاشية ........................................ . (1 ) لتقريب المعنى نقول : إذا حضر القلب مع اللسان وبقية الجوارح في ابتداء الصلاة ، وصح التوجه ، وتطابقت النية مع الإرادة للّه وحده ، ثم وردت بعض الخواطر على القلب بعد ذلك ، ارتفع اللوم عن المصله ي في الحقيقة ، لأنه سلم نفسه إلى اللّه ، وأخلص في إلقاء نفسه بين يديه ، وصدور اللوم على ذلك سدا للذرائع وقصدا إلى التربية . ومن هنا كان المحقق حاكيا للوم من هذه الوجهة فقط ، إذا لام نفسه ، أو ربى غيره . وصلته بالإيمان واضحة بعد ذلك ، فصاحب هذا المقام موقن مشاهد دون شك . (2 ) في الأصل : لأنه ما بقي له وجود . (3 ) معنى قوله تعالى : يُبَدهِلُ اللَُّّ سَيهِئاتِهِمْ حَسَناتٍ ، وهذا تحقيق شرعي لا يخلو من عمق الوعي الروحي ، إذ أنه من تحقيقات أهل العزم والحزم وأما ما تواتر من ذكر كبار السلف -
عدد الصفحات ١٨٨مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 189 طبعة دار المحجة البيضاء 189 ” 189 “ ( المكلهف“ 1 “ ؟ فمتى ذكر التائب ذنبه فتوبته معلولة ، وإيمانه مختل بلا شك . وقال : متى ما ذكر العبد “ 2 “ ذنبه ، ولم تظهر عليه حالة من حلت به عقوبة الذنب فما هو تائب ، وإنما هو مستحل لما ذكر . واستحلاء الذنب أشد من الذنب بما لا يقارب . وهو حجاب عظيم بين اللّه تعالى وعبده ، ويخاف عليه لعدم حرمة الحق تعالى عنده . وقال : عندنا إن جميع المخالفات كبائر ، فإن الذي يعصي بها واحد إذا نظرنا من خولف بها ، ومن نظر إلى الحدود عليها جعلها كبائر وصغائر . وقال : التوبة لا تصح ما لم تعم ، فإن خصصت فهي ترك لا توبة . وقال : التمني تعطيل الوقت ، وقد قلنا في ذلك من قصيدة : خرج التوقيع لي بالأمان * فلتحاذر غائلات الأماني ينقضي الدهر “ 3 “ ولا شيء منها * حاصل قد ملكته اليدان ومنهم ( رضي اللّه عنهم ) : * * * عبد اللّه بن داود بن عبد الودود قال : الطرق إلى اللّه على قدر الرجال ، والرجال على قدر المعارف والمعارف على قدر السلوك ، والسلوك على قدر الطرق ، والطرق على قدر الرجال . وقال : أجهد أن تعرف من أين جئت ، وكيف جئت ، تعرف من أين ترجع ، وكيف ترجع . - لذنوبهم ، فإنما هي الخطرات ، أو هو تحقيق للعبودية . مشهد الشيخ الأكبر تحقيق العزة . ومشهد الذاكرين لذنوبهم تحقيق الذل ، ولذا جمع الشيخ الأكبر بين المشهدين في القول التالي . ............................................. (1 ) ساقطة من الأصل . (2 ) في ه : ينقضي العمر . (3 ) لا يخفي ما في القول من مذهب الشيخ الأكبر في الشهود ، وهو : اندراج البداية في النهاية ، والذي يعتبر عنه بالدائرة ، وقد ألف الشيخ كتابا سماه إنشاء الدوائر .
عدد الصفحات ١٨٩مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 190 طبعة دار المحجة البيضاء 190 “ 190 “ وقال : ما دامت عقول الأمزجة“ 1 “ باقية فالتكليف قائم ، فإذا غلبت العقول الإلهية ارتفع “ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك “ . وقال : اللّه ، اللّه . التسليم لأهل هذه الطريقة ، المنتسبين إلى اللّه تعالى فيما يظهر عليهم من المنكرات بالنظر إليك ، فإن في ذلك نجاتك ، لأن الذي انتسبوا إليه قادر على قلب الأعيان ، والأخذ بالأبصار عما هو المشهود عليه ، أين درجة من جبريل فانظر . وإن ذلك ليبلوك أتؤمن أم تكفر ، والعاقل كأنه لم ير ، باق على الأصل ، فانظر في العوم من حيث هو لا من حيث هم تسلم “ 2 “ . وقال : واجب على كل من طلب الحق تعالى أن يلزم الحق . وقال : خلق اللّه عزه وجله الخلق لينظروا إلى قبائح الدنيا ، ومحاسن الخلق ، فيؤديهم إلى الزهد في الدنيا ، وحسن الظن بالناس فعكس الناس القضية ، نظروا إلى محاسن الدنيا ، ورغبوا فيها ، وإلى قبائح الناس فاغتابوهم ومقتوهم . ومن حصل له ذلك التنزيه من جانب الحق يجد له حلاوة ما رآها قط ، وتورث عنده سكرا . وهذا المقام لما ذقته بدمشق أشهد لقد بقيت في لذاته كالسكر أياما كثيرة . وقال : إن اللّه طلب المؤمنين ليؤمنوا باللّه ورسوله والكتاب الذي أنزل من على رسوله والكتاب الذي أنزل قبل ، فماذا كان الإيمان الذي كانوا عليه حين خاطبهم بأن يؤمنوا “ 3 “ ؟ . ............................................. (1 ) في ه : عقولالمزاج . (2 ) لا أدل على ذلك من الكتاب من قصة الخضر وموسى وليس القول بأن اللّه قادر على قلب الأعيان يعني أن ذلك ما يحدث فعلا ، بل المراد إنه لو لم تكن حكمة عليا من ظهور ما ينكره الناس على العارف لأخذ بالأبصار وقلب العين حين حدوثه ، حتى لا يتعرضوا للقال ، ويلاحظ أن الشيخ الأكبر عبر بالمنكرات بدلا من المحرمات ، دلالة على أن ما يظهر إنما هو مما ينكره الناس عرفا ، لا مما تنكره الشريعة . (3 ) طالب اللّه تعالى الخلق أن يؤمنوا مرتين : أولاهما : حين أخذ اللّه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . والثانية : عن طريق الوحي إلى الرسل . وكان الخلق حينما خاطبهم اللّه بأن يؤمنوا على حال من الإيمان بالربوبية التي هي تنزل قريب -
عدد الصفحات ١٩٠مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 191 طبعة دار المحجة البيضاء 191 ” 191 “ ومنهم ( رضي اللّه عنهم : * * * عبد اللّه بن محمد بن عبد الصادق قال : الصادقان مثلان ، والمثلان لا يجتمعان “ 1 “ . وقال : الذكورية أصل في الإيجاد الإنساني ، فهذه درجة السببية التي للرجال على النساء . وقال : نهر طالوت نهر بلوى ، فهو نهر الدنيا ، من أخذ القوت منها لم يتعد ، فتلك الغرفة إذا اغترفها كسبا بيده ، فإن تجرد عن الكسب فهو قوله : “ فمن لم يطعمه فإنه مني “ . فقوت المتجرد ليس من الدنيا ، لأنه ما أخذ من النهر شيئا ، فما أحسن هذا التنبيه الإلهي . ! ! ومن شرب وأمعن فيه زائدا على الضروري في الكسب فليس مني . وليس على المتجرد تقييد في الإتساع من فضل اللّه ، فيشرب ويروي من جود اللّه الحق ، الذي لم تدنسه أيدي المحدثات بالكسب . فمن فهم هذه الإشارات علم ما بين الرزقين . وأدرك الفضل بين النوعين ، الكلب إذا أكل من صيده فلنفسه سعى ، فيحرم الصيد لذلك على المرسل وأنت المرسل جوارحك في الكسب ، فإذا أكلت منه حرم عليك مع نقصان مرتبة ، وتحجير للحلال المحض الإلهي عليك . فمعنى حرام : مانع بينك وبين من أكل - من الخلق بعيدا عن مرتبة الألوهية نزولا . فمرتبة الربوبية تختلط كثيرا بمراتب المنعمين والمربين من الخلق ، كما يبدو من المخاطبات الإلهية لآدم والوعد بألا يجوع ولا يعرى وهي مقام التربية الموصول من الربوبية . فطولبوا بأن يرفعوا همتهم إلى الإيمان بالألوهية في مقام الجمع ، لا في مرتبتها من الفرق وهي الربوبية . .................................................... (1 ) عند أهل النظر العقلي : لا يجتمع النقيضان ، وقد يجتمع المثلان . وعند محققي الصوفية العكس صحيح فلا يكون العارف عارفا حتى يجمع بين الأضداد ، كالعز والذل ، والغنى والفقر ، والعلم والجهل وغير ذلك ولا يجتمع المثلان في زمان واحد ومكان واحد أبدا من جهة المعرفة ، لأن اجتماعهما على هذه الصفة تكرار للحق ، والحق واحد . فلا بد من ذكورة وأنوثة ، أي من قابل ومفيض .
عدد الصفحات ١٩١مجموعه رسائل ابنالعربي الجزء الثالث ص 192 طبعة دار المحجة البيضاء 192 ” 192 “ من يد اللّه . وقال : لما غلبت الكثافة على غير الأمة المحمدية صار تنزل المعاني عليهم في صورة الحس ، لطمس قلوبهم وعيونهم عن إدراك الحقائق على ما هي عليه ، ونزلت على الأمة المحمدية على ما هي عليه في نفسها . ألا ترى إلى السكينة نزلت في قلوب المؤمنين فانتفعوا ، ونزلت على من تقدم في صورة ثور محمول في تابوت ، نظير قلب المؤمنين . ليس في قلوبهم منها شيء . قال تعالى :وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبهِكُمْ . وقال فينا :هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً بفضلهم على غيرهم من الأمم بقوله :وَللَِِّّ جُنُودُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ. نظير قوله :تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ . انتهى الجزء الخامس ، والحمد للّه وحده ويتلوه النصف الثاني من كتاب العبادلة في الحقائق بألسنة الأسماء
عدد الصفحات ١٩٢