المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخذ المال على أعمال القُرَب تحميل PDF

عادل شاهين

صفحة ٧ من ٥٢

9 أخن المال على أعمال القرب القسم الأول: المنصوص على مصارفه: هو القسم الذي يشمل الزكاة الواجبة والصدقات المستحبة» وأربعة أخماس الفيء عند من قال بتخميسه » وأربعة أخماس خمس الغنيمة. ومصارف هذه الأموال محددة بنص القرآن ؛ وذلك كما يلي : قال تعالى: [إِنّمَا الصّدَقَات لِلْفْمَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمؤَلمَةٍ قلوبُهُمْ وَفي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وي سَبيل الله وَابْنٍ السبيل...)1التوبة: ‎17٠‏ فهذا مصرف الزكاة الواجبة. وأما أربعة أخماس الفيء فهي منصوص على مصارفها في قوله تعالى: لما أفاً الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أل الْقَرَى فَلِلّهِ وَلِلِرسُول ولي القربى وَالَْتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْنِ السّبيل...16الحشر: 7. وأما أربعة ساس نخمس القنيمة فمصرقه تحدد يقوله تعالى: لوَاعْلمُوا ألما غَنمْكُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَلهِ خُمْسَه وَلِِرسُول وَلِذِي الَْربى والْيتَامَى وَالْمَسَاكِينٍ وَابْن السبيل...6[الأنفال: ‎١‏ 4]. والقسم الآخر: ما ليس منصوصاً على مصارفه: وهذا القسم راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره في المصلحة العامة فتصرفه فيها تصرف مصلحة يدور معها حيث دارت» وقد سبق الكلام على ذلك مفصلا. وموارد هذا القسم كل أنواع المال التي تقدم ذكرها عدا المنصوص على مصارفه منهاء وهي المتقدمة في القسم الأول. المسألة الرايعة: ضايط ما يؤخن من بيت المال: تقدم فيما سبق تعريف الرزق» والعطاء» والفرق بينهماء حيث تبين أن بعض العلماء حاول التفريق بينهما إلا أن عرف الاستعمال عند الفقهاء لم يفرق بينهما فنراهم يستعلمون لفظ "الرزق" بمعنى العطاء» و "العطاء'" بمعنى الرزق» والذي يهمنا

عدد الصفحات ٩٨

التمهيد 191 هنا أن الرزق مضبوط معروف عند العلماء» وبقي أن نعرف متى يكون المأخوذ من بيت المال رزقاً» ومتى يكون أجرة؛ أو نحوها؟ أما ما بخص الرزق من بيت المال فأمره واضح قد بينه العلماء» ومن ذلك ما سبق بيانه في تعريف الرزق» وأنه ما يرتبه الإمام من بيت المال» لمن يقوم بمصالح المسلمين» ويلزم كي يكون رزقاً ما يأني : ‎١‏ - أن يكون العامل مسلماً. أي: من أهل القربة. ‎-١‏ أن يكون العمل ما يختص المسلم بفعله دون الكافر ؛ كالأذان: والإمامة, ونحوهما. ‏*- أن يكون هذا العمل في مصالح المسلمين. ‏وهذا هو الذي عناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله : "أما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً» وأجرة» بل رزق» للإعانة على الطاعة؛ فمن عمل منهم لله أثيب» وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطاعة”"". ‏وعليه» فإذا اختلت الشروط السابقة بقي العمل مستحقاً بالأجرة. ‏فإنه بالشرط الأول يخرج العامل غير المسلم. وبالثاني ما لايختص المسلم بفعله ؛ كبناء الجسور» والقناطر» والمساجدء ونحوهاء فإن هذه الأعمال يعملها المسلم والكافر. الثالث ما لايكون في مصالح المسلمين ؛ فلا يؤخذ عليه الرزق من بيت المال. ‏ولبذا جاز للإمام الاستئجار على النفع الذي لايختص المسلم بفعله دون الكافر. قال شيخ الإسلام: "ومأخذ العلماء في عدم جواز الاستئجار على هذا النفع: أن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن» والحديث»؛ ‎)١(‏ الاختيارات الفقهية لابن تيمية للبعلي: ص ‎١67‏ تحقيق/ محمد حامد الفقي / مكتبة السنة المحمدية ‏بمصر. وانظر: الخراج لأبي يوسف؛» ص// ‎٠١7‏ وما بعدهاء الفروق للقرافي: 205/7 المغني لابن قدامة: ‎.١57/5‏

عدد الصفحات ٩٩

0 أخن المال على أعمال القرب والفقه؛ والإمامة» والأذان» لايجوز أن يفعله كافرء ولا يفعله إلا مسلم» بخلاف النفع الذي يفعله المسلم والكافر كالبناء» والخياط» والنسج» ونحو ذلك» وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله» فإنه يبقى مستحقاً بالعوض معمولاً لأجله» والعمل إذا عمل للعوضء لم يبق عبادة كالصناعات التي تعمل بالأجرة”"'. وهذا ما صرح به ابن قدامة حيث قال: "وما لايختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط» والحساب» والشعر المباح» وأشباهه؛ وبناء المساجد» والقناطر جاز أخذ الأجر عليه ؛ لأنه يقع تارة قربة» وتارة غير قربة» فلم يمنع من الاستئجار لفعله ؛ كغرس الأشجار» ويناء الببودت 0. وحينئذ يجوز للإمام الاستئجار على هذه الأعمال»؛ ويكون ما يأخذه العامل أجرة لا رزقاً. قال شمس الدين الرملي: "يكفي الإمام لا غيره إن استأجر من بيت المال أن يقول: استأجرتك كل شهر بكذا...”". وما سبق يتضح أن ما يؤخذ من بيت المال تارة يكون رزقاء وتارة يكون أجرة”*' ؛ وذلك على حسب ما ذكر من ضوابط » وعلى ضوء ما نقل عن أهل العلم في ذلك. ,5١17-505/17١ ‏مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية:‎ )١( (0) المغني لابن قدامة: ‎.١51/4‏ () نهاية امحتاج للرملي: ‎١‏ /518» وانظر: روضة الطالبين: ‎.5١5/١‏ () المحلى لابن حزم: 147/4١»؛‏ قال ابن حزم: " وإجارة الأمير من يقضي بين الناس مشاهرة جائزة . فهذا يدل على أن ما يخرج من بيت المال قد يكون أجرة؛ كما قد يكون رزقاً.

عدد الصفحات ١٠٠

التمهيد 3 الفرع الثاني ما يؤخن من غير بيت امال من مصادر المال المأخوذ على القرب -عدا بيت المال- ما يكون من الأفراد» أو البيئات: أو جهات البر المختلفة. ومن المعلوم أنه قد وجدت في هذا العصر جهات بر متعددة تقوم بجمع المال من أهل الخير على اختلاف أنواعه؛ ثم القيام بصرفه في مصارفه الشرعية المختلفة. وهذه الجهات تتمثل في: الجمعيات الخيرية المتنوعة التي تعتني بمصالح المسلمين» وقضاء حوائجهم» سواء في داخل البلاد» أو خارجهاء ومن هذه المؤسسات: ‎١‏ - جمعية البر السعودية. ‎١‏ - رابطة العالم الإسلامي. ‎-٠‏ هيئة الإغاثة العالمية. ‏- الندوة العالمية للشباب الإسلامي. ‏ه- مؤسسة الحرمين الخيرية. ‎-١‏ الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم. ‏وهناك غيرها الكثير» سواء أكانت هذه المؤسسات دائمة أم مؤقتة بحسب النوازل» والكوارث التي تحل بالمسلمين» ومثال ذلك : ‏#» البيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والبمرسك. وغيرها من مؤسسات ‏الخير”. ‎)١(‏ وقد ضربت المملكة العربية السعودية أروع المثل في ذلك ؛ حيث قامت على إنشاء هذه المؤسسات» ورعايتهاء والعناية بهاء» ومد يد العون والمساعدة» وقضاء حوائج المسلمين ومصالحهم في كافة أرجاء المحمورة» والعناية بكتاب الله العظيم حفظا وتدريسا وتطبيقا وطباعة» ما كان له الأثر في العالم الإسلامي كله بل وفي العالم أجمع.

عدد الصفحات ١٠١

0 ش أخد المال على أعمال القرب وجا أ هذه الموسسات تعد مصدرا مهما من مصادر الال الألحوة على أعمال القرب فكان لابد من تكييف عملها شرعاً» من حيث كونها مصدراًء ومصرفاً للمال المأخوذ على أعمال القرب. وسيكون التكييف الشرعي لعمل هذه المؤسسات من ناحيتين: الناحية الأولى: من حيث كونها مصدرا للمال المأخوذ على القرب. الناحية الثانية: من حيث كونها مصرفاً للمال المأخوذ على القرب. وبيان ذلك تفصيلاً كالآتي: - أولا: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصدراً للمال: تكييف عمل هذه المؤسسات مبني أساساً على أنواع المال الوارد إليهاء ولبذا كان من الضروري معرفة أنواع المال» وتكييف كل نوع على حدة. والمال الوارد إلى هذه المؤسسات لا يخلو: ‎-١‏ أن يكون زكاة واجبة: ‏وهذه الزكاة» سواء أكانت زكاة أموال نقدية؛ أم عروض تجارة» أو نحوهماء منصوص على مصارفها من الشارع» فلا يجوز صرفها إلا فيما نص عليه الشارع ؛ وهم الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ‏(إِنْمَا الصَّدَقَات للْفْمَرَاءِ وَالْمَسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والمُؤلفة قلوبهُم وَفِي الرّقاب وَالْغَارِمِينَ وَفي سبي الله وَابْنٍ السييل)التوبة: ‎.]1١‏ ‏وبناء على هذاء فإن عمل هذه المؤسسات في هذه الحالة هو القيام بتوزيع هذه الأموال في مصارفها نيابة عن أصحابهاء فهم وكلاء عن أصحاب الأموال؛ ووجه تخريج ذلك على الوكالة ظاهرء فإن الوكالة هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة» سواء أكان ذلك من حقوق الله؛ أم حقوق الآدميين”''» وتنعقد

عدد الصفحات ١٠٢

١ ‏التمهيد‎ الوكالة بكل قول» أو فعل دال عليها من حيث الإيجاب أو القبول» وسواء أكان القبول على الفور أم على التراخي» كما هو مقرر في باب الوكالة'"". قال ابن قدامة: 'وأما العبادات» فما كان منها له تعلق بالمال» كالزكاة» والصدقات؛ والمنذورات»: والكفارات» جاز التوكيل في قبضهاء وتفريقهاء ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجهاء ودفعها إلى مستحقها”". وبالجملة فقد اتفق الفقهاء على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة إلى أصحابها ؛ على تفاوت بينهم في بعض الشروط والضوابط” ". ثانياً: أن يكون هذا المال وقفاً: كأن يوقف بعض المحسنين عقاراء أو نحوه على المؤسسة اخيرية المعيئة» كجماعة تحفيظ القرآن الكريم » ونحوهاء ينفق من غلة هذا الوقف على هذه الجهة المعينة. فالإتفاق في هذه الحالة إنما يكون على شرط الواقف؛ ما لم يخالف كتاباً ولا سنة» بلا خلاف» ونص الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة؛ لا في وجوب العمل”). والواقف في هذه الحالة» إما أن يكون قد جعل نظارة الوقف إلى هذه المؤسسة المعينة» أو عين للوقف ناظراء ففي الحالة الأولى يكون عمل الجماعة هو عمل ناظر الوقف في القيام بشؤونه» وصرف غلته فيما عينه الواقف؛ وفي الحالة الثانية يكون ‎)١(‏ المرجع السابق» وانظر: بدائع الصنائع: 5 :؛ حاشية ابن عابدين: 517/5» الشرح الصغير للدردير: 005-000/7» مغني المحتاج : 3711//7: 777 المغني لابن قدامة : ‎.5١8-157/1/‏ ‎.7١37/1/ ‏المغني لابن قدامة:‎ )١( ‏(*) بدائع الصتائع : 7 وما بعدهاء الدر المختار: ‎١5/7‏ (بهامش رد المحتار)؛ والشرح الصغير للدردير: ‎»557/1١‏ المهذب للشيرازي: ١/178١ء‏ والمغني لابن قدامة: ‎.7٠17/1/‏ ‏(5) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: ‎.48-51//1١‏

عدد الصفحات ١٠٣

0 أخذن المال على أعمال القرب عملها هو عمل الوكيل في تسلّم غلة الوقف من الناظر» والقيام بصرفها إلى أربابها نيابة عنه 2 ثالثا: أن يكون وصية: إذا أوصى بشيء من ماله الثلث فما دونه لجهة بر معينة مؤسسة خيرية» أو جماعة خيرية لتحفيظ القرآن مثلاً نفذت الوصية بشروطها المعروفة عند الفقهاء؛ وتكون هذه الجهة بمنزلة الموصى إليه في تنفيذ هذه الوصية» وصرفها إلى مستحقيهاء وإذا عين الموصي وصياً في حياته في تنفيذ وصيته بعد موته, وكانت الوصية إلى جهة بر معينة -كما سبق-» فإنه يجوز للموصى إليه حينئذ أن يوصي إلى آخنء أو إلى الجهة التي عينها الموصي » سواء أذن له الموصي في حياته؛ أم لاء فإن له أن يوكل غيره» أو يوصي إلى غيره فيما لا يباشره مثله؛ أو يعجز عنه؛ وهو مذهب مالك» وأبي حنيفة » وأحمدء وعليه أكثر أهل العله”". وفي هذه الحالة فالجهة الموصى إليها تكون في حكم الموصى إليه؛ أو الوكيل في التصرف. رابعا: أن يكون هبة؛ أو غيرها من التبرعات: الببة -كما هو معلوم- ليك بلا عوض» فتدخل في ملك الموهوب له؛ إما بالقبض» وإما بالعقد على خلاف» فإذا دخلت في ملك الموهوب له جاز له التصرف فيها بشتى أنواع التصرفات الشرعية؛ كما يتصرف في ملكه تهاما. وعليه؛ فجهات البرالمختلفة تتصرف فيما يوهب لباء في مصالحها المختلفة 23510 2597/4 ‏الشرح الكبير حاشية الدسوقي: 4894/5 مغني المحتاج : 912/5", كشاف القناع:‎ )١( ‏للح الملكية‎ ‎)١(‏ المغني لابن قدامة: 008/8» الروض المربع مع حاشية ابن قاسم: 1/9/5 حاشية ابن عابدين: 405-06 » والشرح الصغير للدردير: 558/4.

عدد الصفحات ١٠٤

التمهيد نال والتي قامت من أجلها هذه الجهة”". ثانياً: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصرفاً تلمال الملأخوذ على القرب: من المعلوم أن عمل هذه المؤسسات إنما هو في مصالح المسلمين» وهي جهة قربة؛ فلايخلو ما يُعطى منها من أن يكون رزقاً» أو أجرة» أو جعلاء أو نحو ذلك؛ فما يختص فاعله أن يكون مسلماء ويتعدى نفعه إلى المسلمين» فيكون ما يأخذ رزقاً للإعانة على الطاعة» وما لايختص فاعله أن يكون مسلماً كان ما يأخذه أجرة: وتجرى عليه أحكام الإجارات» إذا فعله غير المسلم» وإذا فعله المسلم على نية القربة كان حكمه حكم الذي قبله. وأما الجعل فجائز أن تجعل مثلاً جماعة التحفيظ جعلاً لمن يحفظ القرآن» أو جزءاً منه» ويمكن القول إن عمل هذه البيئات كعمل بيت المال في الجملة» فيجرى عليها ما يجرى عليه من أحكام سواء بسواء فيما نحن بصدده. »١١١/4 ‏تنائج الأفكار لقاضي زاده: /79/1١ء حاشية الدسوقي:‎ 2١77/7 ‏بدائع الصنائع:‎ )١( ‏المنتقى على الموطأ: 7-117/57١1١ء المغنى لابن قدامة: 779/8 وما بعدها.‎

عدد الصفحات ١٠٥

ل أخذ المال على أعمال القرب المبحث الثاني حقيقة القرب وما يتعلق بها المطلب الأول ظ تعريف القرية ظ وفيه فرعان: ظ الفرع الأول تعريف القرية © اللغة قال ابن فارس : "القاف » والراءء والباء : أصل صحيح يدل على خلاف اليعد. 0 ا 0 يقال: "قرب يقرب قرباًء والقربان: ما قرّب إلى الله تعالى من نسيكة وغيرها ظ قلت: اتفقت كلمة علماء اللغة على أن القَرْبة مأخوذة من (قَرُبِ) -بالضم-» ظ بمعلى : دنا. يقال: قرب الشيء: يقرب قرباً وقربة: إذا دنا. ويقال: القَرْب في المكان» والقرْبة في المنزلة» والمكانة. وقيل لما يُتَقرّبٍ به إلى الله تعالى: قُربةٌ » والجمع : قَرّبُ» وقربات. وتقرب إلى الله بشيء: طلب به القربة عنده. والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى 9 . .4١1-85/08 : ‏معجم مقاييس اللغة‎ )١( ‏ومابعدهاء‎ 7/١ ‏المفردات للراغب: ص كت مختار الصحاح: ص77 هء لسان العرب:‎ (0 .١6!ص‎ : ‏والمصباح المنير: ص 596 » والقاموس المحيط‎

عدد الصفحات ١٠٦

التمهيد /ا١١‏ بالنظر في تعريفات للقرية العلماء تبين أن لبم في ذلك اتجاهين : الاتجاه الأول: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنها الشيء المتقربُ به إلى الله تعالى»؛ ولذا جاءت تعريفاتهم منصبة على ذات القربة ؛ إما بذكر جنسها الشامل لكل أنواعهاء وإما بتعداد بعض القرب. وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية”'؛ والمالكية””"'؛ والشافعية”", والمناءلة©, واختار هذا الاتجاه جمع من أهل العلم””". الاتجاه الآخر: هواتجاه من نظر إلى القربة على أنها فعل التقرب نفسه» دون النظر إلى ذات القربة من حيث جنسها. وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية”' ؛ والمالكية”"'» والشافعية". .7717//7 ‏حاشية ابن عابدين:‎ )١( .597/14 ‏الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:‎ )١( (2 المصباح المئير للفيومي: ص 540 » المنثور في القواعد للزركشي: ‎»5١177‏ البحر احيط للزركشي: /1.,. (4) المطلع على أبواب المقنع: ص7775. (5) فتح القدير للشوكاني: ؟/757؛ جامع البيان للطسبري: 1417//7» التفسير الكبير للرازي: الكليات لأبي البقاء الكفوي: 41/5. (5) حاشية ابن عابدين: ١/7ل.‏ (1) شرح حدود ابن عرفة : ‎.1١9/1١‏ (6) المنثور في القواعد للزركشي: 517-501/7.

عدد الصفحات ١٠٧

0 أخد المال على أعمال القرب وسوف أذكر تعريفات القربة عند أصحاب الاتجاهين: ثم أبين الراجح والمختار من هذه التعريفات -إن شاء الله تعالى-. أولا: القرية عند أصحاب الاتجاه الأول: جاءت تعريفات أصحاب هذا الاتجاه متقاربة في معناهاء وإن اختلفت في ألفاظهاء ولذا سوف أذكر ما اتفقوا عليه من القيود» ثم أذكر القيود التي زادها بعضهم على ما اتفقوا عليه : أما التعريف الذي اتفقوا على قيوده فهو أن القربة هي : "ما يتقرب به إلى الله تعامى”'". وسوف أبين مفردات هذا التعريف؛ ثم أذكر القيود التي زادها بعضهم عليه. مفردات التعريضف: ما: جنس يشمل كل ما يتقرب به ؛ سواء أكان من العبادات» أم من غيرها كالتبرعات» ونحوهاء ويشمل كذلك ما لايتقرب به من الأعمال ؛ كالبناء» والخياط » ونحو ذلكء؛ ما يفعل لأجل المال؛: وكذلك الأعمال التي يستوي في فعلها المسلم والكافر. ‎٠‏ يتقرب به: قيد لإخراج ما لايتقرب به من الأعمال التي لايختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. إلى الله تعالى: قيد لإخراج التقرب إلى المخلوقين لحاجة» أو منفعة دنيوية» فهذا قيد جيء به لبيان أن التقرب المراد هو التقرب إلى الله تعالى؛ لا إلى غيره مسن المخلوقين. * أما القيود التي زادها بعض الفقهاء فهي على النحو التالي : ‎)١(‏ حاشية ابن عابدين: ١/777؛‏ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 153/14» معالم التنزيل للبغوي: 15/7١.ء‏ المطلع على أبواب المقنع: ص777 .

عدد الصفحات ١٠٨

١ ‏التمهيد‎ زاد بعض الحنفية على التعريف المتقدم قيداًء وهو: "...فقط؛ أو مع الإحسان إلى الناس كبناء الرباط والمسجد”'". وذلك ليشمل نوعي القربة من حيث التعدي» وعدمه؛ فيشمل القرب غير المتعدية» وهي القرب المتعينة من صلاة» ونحوهاء والقرب المتعدية كالأذان» والإمامة» والقضاءء والإفتاء» والتعليم. والذي أراه: أن هذا القيد لا حاجة إليه في التعريف ؛ لأن كلمة (ما) تشمل كل أنواع القرب المتعدية التي فيها إحسان للناس» وغير المتعدية كما مثلنا من قبل. وزاد بعض المالكية"'''؛ والشافعية"" على التعريف المتقدم ما يأتي: "...من نسيكة » وصدقة ,» وعمل صالح ".وهذا بيان منهم لا يتقرب به إلى الله تعالى؛ وأرى كذلك أنه لا حاجة إليه في التعريف ؛ لأن كلمة (ما) تفيد العموم؛ والشمول ؛ فتشمل ما ذكروه » وغيره ما يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال» سواء أكانت من العبادات» أو غيرها من الأعمال الصالحة. وعليهء فلا حاجة لتقييد القربة بما ذكروه» ثم إن قولبم: "وعمل صالح » يشمل جميع القرب. وبناء على ذلك فإن هذه الزيادة تكرار في التعريف » وزيادة لا داعى لها. وبالتالي يسلم التعريف الذي اتفقوا على قيوده؛ ويعتبر حدا لمفهوم القربة عند أصحاب هذا الاتجاه. ثانيا: القرية عند أصحاب الاتجاه الآخر: وقد عرف هؤلاء القربة بعدة تعريفات: ‎)١(‏ حاشية ابن عابدين: 7//ا737 . (؟) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 797/14 . (9) معالم التنزيل للبغوي: ‎١5/5‏ .

عدد الصفحات ١٠٩

ل أخن المال على أعمال القرب التعريف الأول: أن القربة "هي فعل ما يثاب عليه؛ بعد معرفة من يتقرب إليه بهء وإن لم يتوقف على نية”". وهذا التعريف جار على مذهب المتكلمين ؛ وبيان ذلك : أن قوله: بعد معرفة من يتقرب إليه به"» يدل على أن من شرط القربة العلم بالمتقرّب إليه» وأنه لايمكن أن توجد قربة إلا بعد العلم بالمعبود سبحانه وتعالى» والعلم بالله تعالى لايكون إلا بعد النظرء والاستدلال؛ أو القصد إلى النظرء كما يزعم أرباب الكلام » فإنهم يقولون: إن أول واجب على المكلّف هو النظرء أو القصد إلى النظر.. . ولكن أهل السنة» وأئمة السلف متفقون على أن أول واجب على المكلّف هو الشهادتان: والتوحيد أول ما يُدخَلُ به في الإسلام» وآخر ما يخرج به في الدنيا'". والدليل على ذلك هو قول النبي ول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» وأن محمداً رسول الله...). وفي رواية : (حتى يقولوا لا إله إلا الله...)"". وهذا القيد ذكروه في التعريف ؛ ليبينوا أن هناك من الأفعال ما يكون طاعة» ولكن لايكون قربة؛ مثل قضية النظر المؤدي إلى معرفة الله التي ذكروهاء فإنها عندهم طاعة» وليست بقربة ؛ لعدم تحقق شرط القربة» وهو العلم بالمتقرب إليه. ‎)١(‏ حاشية ابن عابدين: ‎2١75/١‏ 17/؟الا. ‎)١(‏ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز: ‎71/١‏ : تحقيق د /التركي» وانظر: المنثور في القواعد للزركشي: 57-71/7» حاشية ابن عابدين: ‎.75/١‏ وانظر: درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية: /06/1٠54؛‏ 5754: 55-1/4. والفصل في الملل والنحل لابن حزم: 41-70/15. ففي هذين الكتابين رد وافر على أرباب هذه المقولة. ‏(') أخرجه البخاري في كتاب الإيمان»: باب 'فإن تابوا وأقاموا الصلاة ..." ‎15/١‏ (50). ومسلم في كتاب الإيمان» باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله: ‎07-61/١‏ (775-77) من حديث ‏أبي هريرة.

عدد الصفحات ١١٠

1١1١١ ‏التمهيد‎ وقوله: وإن لم يتوقف على نية: قيد ذُكِرَ لبيان أن من القرب ما لايشترط فيه النية» ومنها ما يشترط فيه ذلك» فأما ما لايشترط فيه النية فنحو: القرب التي لا لبس فيها كالإيمان بالله تعالى» وتعظيمه» وإجلاله» والخنوف» والرجاء» والتوكل» والتسبيح» وقراءة القرآن» ونحو ذلك : قال القرافي:" القربات التي لا لبس فيها لاتحتاج إلى نية ؛ كالإيمان بالله تعالى» وتعظيمه» وإجلاله» والخنوف من نقمه»ء والرجاء لنعمه» والتوكل على كرمه» والحياء من جلاله؛ والمحبة لجماله» والمهابة من سلطانه. وكذلك التسبيح» والتهليل» وقراءة القرآن» وسائر الأذكار» فإنها متميزة لجنابه سبيحاله تسا .“00 وأما القربات التي تحتاج إلى نية» وهي العبادات من صلاة» وصيام» وحج» وغيرهاء سواء أكانت واجبة» أم مندوبة» فلابد فيها من نية ؛ لأن صورة فعلها ليست كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منهاء وهي تعظيم الرب سبحانه وتعالى» والخضوع له» وإنما يحصل ذلك إذا قصدت من أجله ؛ لأن التعظيم بالفعل دون قصد المعظم محال» ولذلك اشترطت في هذه العبادات النية» وهي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى”". | وقد شرعت النية في هذا القسم لأمرين: الأول: تمييز العبادات عن العادات. فمثلاً: المُسُْل قد يكون تبرداء وقد يكون عبادة شرعية» ولايميز بينهما إلا النية» وكذلك الذبح» قد يكون نجرد الأكل» وقد يكون للتقرب إلى الله تعالى بإراقة : ‏الذخيرة للقرافي:١/17؟» دار الغرب الإسلامي. وانظر: الأمنية في إدراك النية للمؤلف نفسه‎ )١( .1١ص‎ . 580/7 : ‏المنثور في القواعد للزركشي‎ »550/١ ‏الذخيرة للقرافي:‎ )(

عدد الصفحات ١١١

َل أخد المال على أعمال القرب الدم» ولا يميز لنا ذلك إلا النية”". الآخر: تمييز مراتب العبادات: فالصلاة منها ما يكون فرضاً»ء ومنها ما يكون مندوباء والنية هنا لتمييز ما هو فرض مما هو غير ذلك. وكذلك الصدقة منها ما هو واجبء ومنها ما هو تطوع , ولايفرق بينهما إلا النية» وكذلك الصوم» وغيره من العبادات”". التعريف الثاني : منهم من عرّفها بأنها: "طلب القرب إلى الله تعالى؛ بما أمر به ؛ وتجقبه عاتيهى سعنه 377 وهذا التعريف لايختلف في مقصوده عن التعريف السابق ؛ لأن قو.له: طلب القرب إلى الله تعالى» يفيد أمرين : الأول: طلب القرب ؛ وقد بينه بقوله: بما أمر به -أي: بفعل الأوامر» وتجنب مانهى عنه. وهذا بعينه معنى قوبله في التعريف السابق : "فعل ما يثاب عليه" ؛ فإن الإنسان يثاب على فعل ما أمره الله به» وترك ما نهاه عنه. الآخر: أن التقرب إلى الله تعالى لايكون إلا بعد معرفته سبحانه وتعالى ؛ لأنه هو المقصود بالقربة. التعريف الثالث: ومنهم من عرفها بأنها: "ما كان معظم المقصود منه رجاء الثواب من الله تعالى"7. 00 التعريف الرابع : ومنهم من عرّفها بأنها : "ما يصير المتقرب به متقربا " . ‎)١(‏ الأشباه والنظائر للسيوطي: ص7١‏ دار الفكر. الأشباه والنظائر لابن جيم: ص 55» دار الكتب العلمية. المنثور في القواعد: 5880/7. الذخيرة للقرافي: ‎550/١‏ . ‏() المراجع السابقة» وانظر: قواعد الأحكام للعز بن عبدالسلام: ‎.1177-117/7/١‏ دار الكتب العلمية. ‏() شرح حدود ابن عرفة: ‎.١١9/1١‏ ‏() المنثور في القواعد للزركشي: 5177/7» والبحر المحيط له: ‎555/١‏ . ‏(0) المنثور في القواعد: /51 .

عدد الصفحات ١١٢

التمهيد ىمل 210" التعريف الخامس: ومنهم من عرفها بأنها: "الطاعة" '. وليس بصحيح ؛ للفرق بين القربة والطاعة -وسيأتي-. التعريف المختار: واتذي أراء راجحا من تعريفات القربة هره ماذهي إليةه أصحاب الاتجاء الأول ؛ وهو أن القربة هي : "ما يتقرب به إلى الله تعالى". وذلك لا يأتي : أولا : أنهم نظروا إلى حقيقة القربة في نفسهاء وهو المطلوب في التعريف. ثانياً: أنه بالنظر إلى النصوص الواردة في الكتاب والسنة المتعلقة بالقربة نجد أن مفهوم القربة فيها دائر على الأعمال نفسهاء ومن ذلك قوله تعالى: إوَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمنُ الله واليوْم الآخر وَيَشِّدُ مايق قربا عند الله وَصلوَاتو الرسُول ألا نا َربَةُ لهُم...)1التوبة : 144. وقوله تعالى: وَائْلٌ عَلَيْهِمْ نَأ اَي آدَمَ يالْحَقّ إِذ قبا قرباناً قبل مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يتَقبّلْ من الآخَر..)لالمائدة :1؟1. ومن السنة قول النبي يلكِ: (عليكم بقيام الليل» فإنه دَأُبْ الصالحين قبلكم؛ وهو قربة إلى ربكم » ومكْفَرَة للسيئات؛ ومنهاة للإثم)”". وقوله ييه: (اللهم فأيما مؤمن سببته» فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة)”". فهذه النصوص تدل على أن القربة تطلق في الغالب» ويراد بها أعمالها. . ‏المرجع السابق نفسه‎ )١( (؟) أخرجه الترمذي من حديث بلال وأبي أمامة رضي الله عنهما: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي ل (7019) ورا لم سلالهة. (*) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في الدعوات: باب قور له ول :. من آذيته...(551) ‎/1١‏ ‏0 (فتح) . ومسلم في البر والصلة : باب من لعنه النبي كلد أو سبه...(701١)‏ 68 («(طبعة محمد فؤاد عبدالباقي) .

عدد الصفحات ١١٣