المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخذ المال على أعمال القُرَب تحميل PDF

عادل شاهين

صفحة ٣٦ من ٥٢

أخذ المال على العبادات إلاه وليس معنى كون طالب العلم يعتبر عاجرًا عن التكسب بطلبه للعلم أن ذلك يكون شأنه دائمّاء فقد يكون متكسبًا حقيقة ومشتغلاً في ذات الوقت بطلب العلم إذا كان التكسب لا يمنعه ولا يشغله عن طلب العلم» كأن تكون له تجارة» أو عقارات أو نحو ذلك ما يدر عليه دخلاًء ولا يحتاج منه إلى تفرغ واشتغال بالكسب أو يحتاج منه إلى تفرغ لكنه لا يشغله عن طلب العلم» فمثل هذا لا تجب له النفقة ؛ إذ النفقة وجبت للحاجة والعجز عن التكسبء وهو في هذه الحالة ليس كذلك فلا نفقة له'"". .019 ‏الأحوال الشخصية لعبد العزيز عامر» ص:‎ )١(

عدد الصفحات ٥٧١

ف أخد المال على أعمال القرب المطلب الثاني أخن المال على تعليم العلوم الشرعية"") لا خلاف بين العلماء في أن تعليم العلوم الشرعية احتسابًا بدون أجرة جائز» بل هو من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى؛ وهذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام» ليس هذا مما يخفى على أحد ممن نشأ بديار الإسلام. والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه» إنما كانوا يعلمون بغير أجرة» ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلا... وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنه عمل صا ح فضلاً عن أن يكون جائرًاء بل هو من فروض الكفاية..."”". ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم العلوم الشرعية ؛ لأن ما يؤخذ من بيت المال ليس بعوض إنما هو إحسان ومعروف وإعانة على الطاعة””"؛ ولدعاء الحاجة إلى القيام بذلك ‎)١(‏ الكلام في هذه المسألة كالكلام في مسألة ( أخذ المال على تعليم القرآن )؛ وكان بالإمكان جعلهما مسألة واحدة؛ إلا أن بعض العلماء فرقوا في الحكم بين المسألتين كالمالكية» ولذا فقد جعلتها مسألة ‎.18 / ” ‏أضواء البيان للشيقيطي‎ ؛»5١00‎ :7١ 5 / 7١ ‏مجموع الفتاوى لابن تيمية‎ )١( ‏(*) المبسوط للسرخسي 18/7» الاختيار لتعليل المختار للموصلي ‎»١51/5‏ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ‎:777/١‏ الفروق للقرافي “5/7 » الشرح الصغير للدردير؟ /750؟» حاشية قليوبي: /595؟ » المغني لابن قدامة 79/4١ء‏ كشاف القناع للبهوتي 217/5 551/15»: مجموع الفتاوى لابن تيمية ‎»5577/7٠‏ الاختيارات الفقهية لابن تيمية ص : ‎١017‏ » الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 7'/ قال الخنطيب رحمه الله: "وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام» ما يغنيه عن الاحتراف والتكسب» ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين". أضواء البيان ‏للشنقيطي 77/7.

عدد الصفحات ٥٧٢

أخذ المال على العبادات بان والانقطاع له""". وأما أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية فقد اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية» وذلك للحاجة والضرورة. وبهذا قال متأخرو الحنفية وعليه الفتوى”"؛ وهو وجه في المذهب عند الشافعية”"ء وقول عند الحنابلة”'؛ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى 2 . القول الثاني : يكره أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية. وبهذا قال المالكية في المعتمد عندهم”''. القول الثالث : يجوز مطلقاً أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية. وبهذا قال بعض المالكية”" » وبه قال الشافعية بشرط تعيين المتعلم وما يتعلمه من .591/7 ‏كشاف القناع للبهوتي‎ )١( (1) المبسوط للسرخسي ‎/١١‏ /ا"» تبيين الحقائق للزيلعي 5/ 5؟١؛‏ مجموعة رسائل ابن عابدين . (؟) تكملة المجموع للمطيعي ‎.0/١16‏ (؟) الفروع لابن مفلح 470/5 » الإنصاف للمرداوي 57/7 »؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية 1؟1/ /711. (0) مجموع الفتاوى لابن تيمية ‎.501/-15١0/7١‏ (5) المدونة للإمام مالك /5197» التاج والإكليل للمواقة/518» مواهب الجليل للحطابة/2»118 حاشية الدسوقي 18/5 » المعيار المعرب للونشريسي 717/7. (0) التاج والإكليل للمواق ‎١8/6‏ 5؛ حاشية الدسوقي 5 /18» منح الجليل لعليش 7/ /441.

عدد الصفحات ٥٧٣

0/4 أخن المال على أعمال القرب مسائل مضبوطة يعلمها زونك وهو قول عند الحنابلة”"', قال المرداوي: "وهو الصحيح”", ووه قال الظاهرية”'. لا يجوز مطلقا أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية. وبهذا قال متقدمو الحنفية”'» وهو المشهور من المذهب عند الحنابلة”" . قال الحجاوي”"' : 'ويحرم ولا تصح إجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة وهو المسلم» ولا يقع إلا قربة لفاعله كالحج... وتعليم قرآن وفقه وحديث » وكذا القضاء» قاله ابن حانت0 60 .197/6 ‏روضة الطالبين للنووي 188/0» مغني المحتاج للشربيني 2755/7 نهاية الحتاج للرملي‎ )١( () الفروع لابن مفلح 4/ 575 » الإنصاف للمرداوي 5/ 57. () تصحيح الفروع 4 /470. وقال في الإنصاف 7/ 17 : "وهو المذهب على المصطلح". (:) المحلى لابن حزم 197//8. (0) المبسوط للسرخسي ‎7١1‏ 7 بدائع الصنائع للكاساني 191/5» البداية للمرغيناني مع شرحها فتح القدير لابن البمام 1794/1 : مجموعة رسائل ابن عابدين ‎.١95/١‏ (7) الإنصاف للمرداوي 57/7 » تصحيح الفروع للمرداوي 570/54 » كشاف القناع للبهوتي ‎.١7/5‏ (0) هو: شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي المقدسي مفتي الحنابلة بدمشق من مؤلفاته : الإقناع لطالب الانتفاع في الفقه» شرح المفردات» زاد المستنقع وغيرهاء توفي سنة: 4314 ه. انظر: النعت الأكمل للعامري ص : ‎»١74‏ مختصر طبقات الحنابلة لابن شطي ص : 97. (6) هو: أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان» أبو عبد الله ابن أبي الثناء» النميري الحراني» الفقيه الحنبلي الأصولي القاضي» نجم الدين» ولد سنة 1507 ه بحران» برع في شتى العلوم؛ وله تصانيف كثيرة منها: مختصر المغني» صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» والواقي وغيرهاء توفي سنة 5665 ه. انظر: المنهج الأحمد للعليمي 4:/ 2505 المقصد الأرشد لابن مفلح 0 (9) الإقناع للحجاوي 01/7".

عدد الصفحات ٥٧٤

أخن المال على العبادات ولاه سبب الخلاف: سبب خلاف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة على تعليم العلوم الشرعية هو نفسه سبب الخلاف الذي تقدم ذكره في حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم» وقد تقدم مفصلاً فأغنى عن الإعادة”". الأدلة والمناقشة: من الملاحظ أن الأقوال في هذه المسألة هي نفس الأقوال في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن مع اختلاف يسير يأتي بيانه. من أجل ذلك كانت أدلتهم في المسألتين واحدة» فأدلة من منع مطلقا من أخذ الأجرة على تعليم القرآن هي نفس أدلتهم في المنع من أخذه الأجرة على تعليم العلوم الشرعية» وهكذا أدلة من أجاز مطلقاء وأدلة من أجاز للحاجة والضرورة؛ وقد تقدمت كل هذه الأدلة مع مناقشاتها فأغنى عن إعادتها”". وقد استدل المالكية على كراهة الاستئجار على تعليم العلوم الشرعية بما يأتي : الدليل الأول: قالوا: إنه يخشى أن يؤدي الاستئجار على التعليم تقليل الطلب للعلم الشرعي؛ والمطلوب هو كثرة طلبه» فلهذا تكره الإجار عليه ". مناقشة الاستدلال: تمكن مناقشة هذا الدليل : بأن أخذ الأجرة على تعليم القرآن إنما تجوز للضرورة والحاجة» وهذا فيه محافظة على العلم وتكثير طلبه ؛ لأنه إذا لم تراع حاجة المعلم انصرف إلى الكسب وترك التعليم»: وهذا فيه من الفساد وذهاب العلم ما لا يخفى ؛ فإذا جاز للضرورة والحاجة فلا كراهة حينئذ. .4717 ‏راجع ص:‎ )١( ‏(؟) راجع ص 457 مبحث أخذ المال على تعليم القرآن الكريم.‎ .19/17 ‏حاشية الدسوقي 18/5» الخرشي على خليل‎ )*(

عدد الصفحات ٥٧٥

1لا أخن المال على أعمال القرب 7 يري سس الدليل الثاني : قالوا: إن الإجارة على تعليم العلم الشرعي خلاف ما عليه السلف الصالح”". تمكن مناقشة هذا الدليل: بأن السلف كان يكثر فيهم الاحتساب» وكان للعلماء أعطيات من بيت المال؛ وتكثر في المتعلمين المروءة فلم يكن السلف بحاجة إلى الاستئجار على التعليه”". الترجيح: الترجيح في هذه المسألة كالترجيح في مسألة تعليم القرآن الكريم» حيث يترجح القول الأول الذي يقضي بجواز الاستئجار على تعليم العلوم الشرعية للحاجة والضرورة ؛ لما في هذا القول من الجمع بين الأدلة والعمل بها جميعًا والعمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهماء ولغير ذلك من المرجحات التي سبق ذكرها في مسألة أخذ المال على القرآن الكريم”". .١174/7 ‏حاشية الدسوقي 4 الخرشي على خليل 217/17 الفواكه الدواني‎ )١( .7ا//١5 ‏المبسوط للسرخسي‎ )١( ‏راجع ص 448 مطلب أخذ المال على تعليم القرآن الكريم.‎ )*(

عدد الصفحات ٥٧٦

أخد المال على العلوم الشرعية /لاه 022222 000060002222 المطلب الثالثك أخن المال على كتاية العلم الشرعي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أخد المال على نسخ كتب العلم وطباعتها القول في هذه المسألة كالقول في مسألة أخذ الأجرة على كتابة المصحف وطباعته » فإن كثيرًا من العلماء لم يفرقوا بين المسألتين. فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم وطباعتهاء وممن قال بذلك: الحنفية”' ؛ وهو المعتمد عند المتأخرين من المالكية"", وهو قول الشافعية”' والحنابلة”'' والظاهرية. قال الإمام السرخسي : "ولو استأجر رجلاً يكتب له مصحفاً أو فقهاً معلوماً كان ان" . وقال عليش : ولا أرى أن يختلف فيه اليوم لنقص فهم الناس وحفظهم عمن تقدم "...وعلى هذا فتجوز الإجارة على تعليمه وكتابته وهو أحسن» يلك ‎)١(‏ المبسوط للسرخسي ‎»47/١5‏ حاشية ابن عابدين 87/©8»: ا0. ‏(؟) حاشية الدسوقي ‎١18/15‏ حاشية البناني على الزرقاني ‎:7١/1‏ منح الجليل لعليش 441/1. ‏(7) حاشية قليوبي 5/7/. ‏(5) المغني لابن قدامة 78/4 كشاف القناع للبهوتي ‎.٠١/54‏ ‏(6) المحلى لابن حزم 197/8. ‏(1) المبسوط للسرخسي ‎.47/١7‏ ‏(0) هو: محمد بن أحمد بن محمدء أبو عبد الله المعروف بالشيخ عليش الفقيه المالكي» أصله مغربي »؛ ولد في القاهرة سنة ‎١7١1/‏ هء وتعلم في الأزهرء ثم درس فيهء له مؤلفات كثيرة في الفقه المالكي من ذلك: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك؛ منح الجليل على مختصر خليل»؛ حاشية على الشرح الصغير للدردير» وغير ذلك كثيرء توفي بالقاهرة سنة ‎١7994‏ ه. انظر: شجرة النور الزكية لمخلوف؛ ص : 27865 الأعلام للزركلي ‎.١19/57‏ ‏(8) منح الجليل لعليش 481//17.

عدد الصفحات ٥٧٧

ماه أخن المال على أعمال القرب وقال قليوبي"'': "يصح الاستئجار للنساخة يبين كيفية الخط ورقته وغلظه: وعدد الأوراق وسطور كل صفحة كذا”". وقال ابن قدامة: 'ويجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث أو شعر م باح أو س جلات. نص عليه.... ولاابد من التقدير بالمدةأو العمل””". وقال ابن حزم: "والإجارة جائزة على تعليم القرآن...ونسخ كتب العله”. وأما المالكية فقد ذهبوا في المعتمد في المذهب إلى كراهة أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم” ؛ وقد بنوا هذا القول على القول بكراهة بيع كتب الفقه؛ فإذا كره بيع كتب الفقه كرهت كتابتهاء كما يكره كذلك أخذ الأجرة على تعليم الفقه ونحوه؛ وقد تقدم قولهم في ذلك وما ذكروه من أدلة وما ورد عليها من مناقشات. والحق الذي لا ريب فيه أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب وهو الأولى بالأخذ لما يأتي : أولا : لما تقدم من أدلة على جواز كتابة المصحف وطبعه”. ثانيًا: أن الكتابة عمل معلوم» وهو يتحقق من المسلم والكافر فلا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة» فجاز أخذ الأجرة عليه”". ‎)١(‏ هو: أحمد بن أحمد بن سلامة» أبو العباس» شهاب الدين القليوبي المصري» فقيه شافعي متأدب» له مؤلفات كثيرة وحواشي» منها: تحفة الراغب» تذكرة القليوبي؛ فضائل مكة والمدينة» وغيرهاء توفي سنة ‎١٠١79‏ ه. انظر: خلاصة الأثر للمحبي ‎2170/١‏ الأعلام للزركلي ‎.57/١‏ ‏(1) حاشية قليوبي 5/7/,. ‏(9) المغني لابن قدامة //58. ‏(4) المحلى لابن حزم 197//8. ‏(0) شرح الزرقاني على خليل ‎23١/1‏ منح الجليل لعليش 4817//1. ‏(1) راجع ص 018. ‏(7) المبسوط للسرخسي ‎.45/١5‏

عدد الصفحات ٥٧٨

أخن المال على العلوم الشرعية فلات ثالمًا: إن الاستئجار على كتابة العلم الشرعي أمر متعارف عليه من غير نكير» فدل على جوازه”" . وأما ما ذهب إليه المالكية من القول بالكراهة» فقد رد ذلك المحققون من أهل المذهب”'"'؛ وبينوا أنه لا ينبغي أن يختلف في جواز ذلك خاصة في هذا الزمان وعللوا ذلك بما يأتي : 1 أولاً: إن حفظ الناس للعلم قد نتقصء وكذلك أفهامهم قد نقصت بخلاف ما كان عليه الصدر الأول من العلماء؛ وعليه فلا وجه للكراهة» بل القول بجواز ذلك هو الأولى والأحسن””". ثانيا: أن القول بكراهة كتابة العلم وطباعته يؤدي إلى ضياع العلم وذهاب رسمه فلا يصح القول بالكراهة””. )00. المسألة الثانية: أخد المال على التأليف””'' والتحقيق المراد بهذه المسألة هو أخذ المال على التأليف والتحقيق في مجال العلوم الشرعية .575/١5 ‏المبسوط للسرخسى‎ )١( ‏منح الجليل للشيخ عليش‎ »75١/1 ‏انظر: حاشية الدسوقي 18/54» حاشية البناني على الزرقاني‎ )١( ‏لاللامةغ.‎ (2) حاشية البناني ‎23١/1‏ منح الجليل لعليش 4417/1. (5) حاشية الدسوقي 18/5١؛‏ حاشية البناني على الزرقاني /ا ‎.5١/‏ (0) التأليف لغة: الجمع» والوصل» من ألفت الشيء تأليفاً: إذا وصلت بعضه ببعض» ومنه تأليف الكتب» يقال: ألف الكتاب: إذا جمعه ووضعه» والمؤلف هو: الكتاب» يدون فيه علم أو فن أو أدب. انظر: لسان العرب لابن منظور ‎21١/9‏ مادة: (ألف). المعجم الوسيط ‎75/١‏ مادة: (ألف). ‎)١‏ التحقيق لغة: الإحكام والتصحيح» والإثبات» يقال: أحق الشيء: إذا أحكمه وصححهء وحقق الشيءَ: أحكمه؛ ومنه كلام محقق: محكم الصنعة رصين. انظر: لسان العرب لابن منظور ‎»49/٠١‏ مادة: (حقق)» المعجم الوسيط ‎.147/١‏ والمراد بالتحقيق: هو خدمة النص من حيث إخراجه مصححا أقرب ما يكون إلى لفظ مؤلفه؛ مع إدخال علامات الترقيم» وتمييز مقاطع الكلام وتخريج النصوصء» وتفسير الغريب والتعريف بالأعلام ووضع الفهارس ونحو ذلك ما هو متعارف عليه: تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون» ص : 57 وما بعدها.

عدد الصفحات ٥٧٩

1 أخن المال على أعمال القرب من تفسير وفقه وحديث ودعوة وغيرها من علوم الشريعة المطهرة. والتأليف في مجال العلوم الشرعية هو من أهم الوسائل لتقييد العلم وتداوله ونشره بين الناس في كل عصر وفي كل مصر وما زال الناس ينتفعون بذلك؛ وإلى ما شاء الله تعالى» ولولا ذلك ما وصل إلينا ما وصل من علوم الشريعة. والتأليف بهذه المثابة من أجل القرب وأفضل الطاعات؛ وهو من العلم الذي ينتفع به صاحبه في حياته وبعد ثماته ففي الدنيا برفع ذكره وثناء الناس عليه ودعائهم لهء وفي الآخرة بالجزاء الأوفى من الله تعالى؛ وهو من عمل المرء الصاح الذي ينتفع به في حياته ولا ينقطع بوفاته. ويدل لذلك ما رواه أبو هريرة ذه قال: قال رسول الله يكهِّ: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به» وولد صالح يدعو له)'''. والعلم الذي ينفع صاحبه في حياته وبعد موته يحصل بأمرين أو بأحدهما: الأمرالأول: جلوسه للتعليم مشافهة وهذا شأن العلماء في كل عصر وفي كل مصر من لدن النبي يك وإلى عصرنا هذاء يجلسون لتعليم العلم في كل فن ويحمله عنهم طلابهم » ثم يقومون بدورهم بنشر هذا العلم ونقله إلى بعدهم» وهكذا. فيلحق العالم ثواب ذلك كله إلى ما شاء الله أن يكون. الأمرالثاني: التأليف والتصنيف وهذه الطريقة من أجل الطرق لحفظ العلم وبقائه» فينتفع الناس بذلك في حياة المؤلف وبعد وفاته» وإلى أجيال كثيرة» وما نراه اليوم من كثرة المؤلفات ووفرة الأمهات في كل فن من فنون الشريعة ما هو إلا ثمرة من ثمرات التأليف وكتابة العلم وتحريره. ‎)١(‏ سبق تخريجه » راجع ص ‎١77‏ مبحث أخذ المال على الصلاة.

عدد الصفحات ٥٨٠

أخن المال على العلوم الشرعية ١مه‏ أما ما يتعلق بالأمر الأول وهو الجلوس للتعليم فقد سبق الكلام عليه من حيث جواز أخذ الرزق على التعليم وكذلك جواز أخذ الأجرة عليه على الراجح من أقوال العلماء. وأما ما يتعلق بالأمر الثاني وهو التأليف والتصنيف في مجال العلوم الشرعية فلا خلاف في أن من ألف كتابًا أو حقق كتاباً في علوم الشريعة التي يحتاج إليها المسلمون . واحتسب ذلك فلم يأخذ عليه عوضًا أن ذلك من أفضل القرب وأحبها إلى الله تعالى» وذلك أن الأصل هو نشر العلم احتسابًاء وهذا كان شأن علماء الأمة منذ البعثة الحمدية وإلى يومنا هذاء فقد كان الصحابة رضي الله عنهم» والتابعون وتابعوهم بإحسان» وغيرهم من الأئمة الأعلام» في الفقه والحديث والقرآن وغيرها من العلوم» يقومون بالتعليم ونشر العلم بين عامة الناس وفي كافة الأمصار احتسابًا لوجه الله تعالى» سواء أكان ذلك بالمشافهة أم بالكتابة”". ولم تعرف هذه النازلة وهي أخذ الحقوق المالية على التأليف ونشر العلم إلا في هذا العصرء وهذه النازلة تسمى (حق التأليف): وهي أحد مفردات ما يسمى بالحقوق المعنوية. وقد برزت هذه النازلة في هذا العصرء في أعقاب التطور البائل والسريع في وسائل الطباعة ونشر الكتب والأبمحاث» وكان ذلك على إثر التوجه الكبير والعناية الفائقة» بالعلم الشرعي والتأليف فيه'". والذي يعنينا هنا من هذه الحقوق» هو العوض المالي على حق التأليف والتحقيق» وقد انبرى العلماء من أهل العصر لدراسة هذه النازلة وبيان حكمها الشرعي؛ والذي يهمنا هنا هو: حق التأليف في مجال العلوم الشرعية باعتباره قربة إلى الله تعالى. .18/7 ‏أضواء البيان للشيخ الشنقيطي‎ 273١86-7١ 5/٠ ‏مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية‎ )١( ‏فقه النوازل لبكر أبو زيد 7//الا.‎ )١(

عدد الصفحات ٥٨١

مه أخن المال على أعمال القرب وسيكون البحث في هذه المسألة على النحو التالي : أولاً: صورة المسألة: إذا قام عالم أو باحث بتأليف كتاب في العلم الشرعي» أو قام بتحقيق كتاب لأحد العلماء السابقين» فهل يجوز له أخذ العوض المالي من أجرة أو جعالة على هذا العلم أم لا؟ ثانيا: تحرير محل النزاع: ١-لا‏ خلاف بأن التأليف أو التحقيق في غير العلوم الشرعية يجوز أخذه الأجرة عليه والاحتفاظ بحقوق التأليف فيها وبخاصة ا حق المالي ؛ لأن التأليف أو التحقيق في هذه الحالة ليس بقربة بل هو أمر مباح» فيجوز أخذ العوض عليه؛ ومن نظائره: تعليم الخط والحساب والشعر ونحوهاء فإنه يجوز أخذ الأجرة على ذلك بغير خلاف” . ‎١‏ - ولا خلاف بأن المؤلف أو المحقق إذا قام بطبع عمله أن له أن يأخذ عوض ما أنفقه من تكاليف النسخ والطبع والتوزيع؛ فإذا قام المؤلف ببيع كتابه بسعر ما تكلفه فلا حرج عليه في أخذ ذلك ؛ لأنه حقه أنفقه » فله استرجاعه"'". ‏*- إذا قام المؤلف أو المحقق بنشر عمله هذا متبرعاً محتسباً فهذا من أحب الأعمال إلى الله تعالى» والله تعالى يجزيه على ذلك”". ‎)١(‏ هذا النوع من التأليف لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة» فجاز أخذ العوض المالي عليه» على ما سبق تفصيله في التمهيد. وانظر: المبسوط للسرخسي 54 /108» والمغني لابن قدامة ‎.١51/4‏ ‎)١(‏ وهذا ما يسمى عند أرباب الطباعة والنشر بسعر التكلفة» فالمؤلف يأخذ ما أنفقه من ماله الخاص دون زيادة في مقابلة التأليف أو التحقيق» وعليه فيكون ما يأخذه المؤلف في هذه الحالة خارج عن محل النزاع. ‏() لأن هذا من باب نشر العلم» ونشر العلم احتسابًا هو ما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وتقدم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذلك في مسألة أخذ الأجرة على التعليم.

عدد الصفحات ٥٨٢

أخذ المال على العلوم الشرعية ره 5 - إذا قام المؤلف أو المحقق ببيع كتابة أو تأليفه إلى أحد دور النشر وأخذ العوض على ذلك ؛ وكان غرضه هو الربح المادي » والاحتفاظ بحق التأليف المالي فهل يجوز له ذلك أم لا؟ اختلف فقهاء العصر والباحثون في حكم ذلك على قولين: القول الأول: يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في مجال العلوم الشرعية» وأن يحتفظ بهذا الحق» ويعد هذا حق مصون يحرم الاعتداء عليه”"". القول الثاني : لا يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في العلوم س8؟) الشرعية . سبب الخلاف: يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يلي : أن التأليف والتحقيق في العلوم الشرعية قربة إلى الله تعالى كتعليم القرآن وأمور الاعتقاد والحلال والحرام وهذه الأمور مختلف فيهاء فجاء الخلاف هنا أثر الخلاف هناك؛ فمن قال: بجواز الاستئجار على القرب قال: بجواز أخذ العوض على التأليف لكونه قربة» ومن منع من الاستئجار على القرب» منع من أخذ العوض هناء يجامع القربة في كل”". ‎)١(‏ مجلة المجمع الفقهي بجدة» الدورة الخامسة» العدد الخامس ‎275081١77‏ فقه النوازل لبكر أبو زيدء : حتق المؤلف للدكتور نواف كنعان» ص:١2730-7‏ الملكية للدكتور العبادي ‎2١95/١‏ ‏حق الابتكار للدكتور الدريئي» ص : 14 وما بعدها. ‏(؟) ملاحظات حول حقوق التأليف للدكتور عماد الدين خليل» نقلا عن تقي الدي الدين النبهاني في كتابه مقدمة الدستور الإسلامي» حق الابتكار للدريني ص: 210 فقه النوازل للشيخ بكر أبو زيد57/17١.‏ ‏(") فقه النوازل للدكتور بكر أبو زيد ‎.١717/1‏

عدد الصفحات ٥٨٣

4م60 أخن المال على أعمال القرب الأدلة والمناقشة: أولا: أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه من المنع من أخذ العوص المالي على التأليف أو التحقيق في العلوم الشرعية بما يأتي : الدليل الأول : عن أبي هريرة #ه أن رسول الله ويد قال: (من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)”"". وجه الاستدلال: أن حبس المؤلف لكتابه عن الطبع والتداول إلا بثمن باب من أبواب كتم العلم ؛ فيناله الوعيد» فيمتنع ذلك والله أعله”". مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي : أن الوعيد في هذا الحديث متوجه لمن كتم العلم الذي يلزمه تعليمه إياه» ويتعين عليه فرضه» كمن رأى كافرًا يريد الإسلام فيقول: علموني ما الإسلام وما الدين؟ وكمن يرى رجلاً حديث عهد بالإسلام» ولا بحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول : علموني كيف أصلّي؟ وكمن جاء مستفتياً في حلال أو حرام يقول: أفتوني ‎)١(‏ أخرجه أبو داودء كتاب العلمء باب كراهية منع العلم ‎77١/7‏ (0708)», والترمذي» كتاب العلم» باب: ما جاء في كتمان العلم 59/8 (5519).؛ وابن ماجه في المقدمة» باب من سئل عن علم فكتمه ‎:)51١( 95/١‏ والحديث صحيح فقد صححه الترمذي فقال: حديث أبي هريرة حديث صحيح » وصححه ابن حبان ‎7917/١‏ والحاكم ‎2٠١١/١‏ ووافقه الذهبي. ‏() فقه النوازل لبكر أبو زيد ‎.١57/5‏

عدد الصفحات ٥٨٤

أخذ المال على العلوم الشرعية مره أرشدوني» فإنه يلزم في مثل ذلك أن يعرف الجواب»؛ فمن منعه استحق الوعيد؛ : فامء ( وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا يلزم تعليمها"'". الدليل الثاني : قالوا: إنه لا يجوز التعبد بعوض» والعلم عبادة ليس صناعة أو تجارة » فالتأليف في العلوم الشرعية عبادة» وعليه فلا تجوز المعاوضة عليه”". مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتى : أن التأليف في العلوم الشرعية وإن كان عبادة إلا أنه يجوز المعاوضة عليه» قياساً على تعليم القرآن والعلوم الشرعية؛ فإن الراجح -كما تقدم- جوز المعاوضة عليهاء وهي من القربات» فكذلك التأليف والتحقيق؛ بجامع أن كلا منها نشر للعلم الشرعي وبيان لدين الله عز وجل. الدليل الثالث : قالوا: إن حق المؤلف لا يعدو أن يكون حقا مجرداء والحق المجرد لا يقوّم بمال ولا يستعاض عنه بالمال كحق الشفعة» وعليه فلا يجوز أخذ العوض المالي على التأليف أو التحقيق”". الدليل الرابع : قالوا: إن عدم الاحتفاظ بحق التأليف أو الاعتياض عنه بمال؛ بمعنى أن يكون حق الطبع لكل مسلم» يحقق مقصدا من مقاصد الشريعة؛ ألا وهو نشر العلم الشرعي» وراوجة بين الناس وإغناء المكتبة الإسلامية به'". .17-١7//8 ‏جامع الأصول لابن الأثير‎ )١( .04 : ‏فقه النوازل لبكر أبو زيد 5517/1؟» نقلاً عن مجلة البدى النبوي» ص‎ )1( .711 /7 ‏فقه النوازل لبكر أبو زيد‎ » ١177 ‏حق الابتكار للدريني ص:‎ )4(

عدد الصفحات ٥٨٥

كمه أخد المال على أعمال القرب ثانيا: أدئة أصحاب القول الأول: استدل هؤلاء بعدد من الأدلة» ومن جملتها الأدلة الدالة على جواز الاستئجار على تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية» وكذلك الأدلة الدالة على نسخ المصحف» ونسخ كتب العلم ومن هذه الأدلة: الدليل الأول : حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرقية» وفيه قول النبي ككِ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)""". وجه الاستدلال: أن هذا الحديث دل على جواز أخذ العوض على القرآن الكريم» وعليه فيجوز أخذ العوض على السنة من باب أولى» وإذا جاز أخذ العوض على الوحيين» ففيما تفرع عنهما من الاستنباط والفهومء وتقعيد القواعد» وتأصيل الأصول من باب أولى» فصارت دلالة هذا الحديث على جواز أخذ العوض على التأليف أولى من مورد النص”". الدليل الثاني : حديث سهل بن سعد الساعدي #5 في قصة جعل القرآن صداقاً حيث جاء فيه قول النبي يَلُ: (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) ". وجه الاستدلال: أنه إذا جاز جعل تعليم القرآن عوضًا تستحل به الأبضاع فمن باب أولى أخذ العوض عليه لتعليمه ونشره»؛ وأولى منهما أخذ العوض على التأليف ؛ لأنه يحمل .5 ١7 ‏سبق تخريجه» انظر ص‎ )١( .7717 /7 ‏فقه النوازل لبكر أبو زيد‎ )١( .55١ ‏سبق تخريجه» انظر ص‎ )"(

عدد الصفحات ٥٨٦