3ك أخذالمال على أعمال القرب اللبحث الثاني أخن المال على القتال المطلب الأول استتجارالمسلم للقتال الجهاد في سبيل الله» حكمه في الأصل أنه فرض كفاية”" »؛ وقد يتعين في حالات ذكرها العلماء”". فإذا كان الجهاد فرض عين» فإنه لايجوز الاستئجار عليه باتفاق أهل العلم» حكمه في ذلك حكم فروض الأعيان التي لايجوز الاستئجار عليها ؛ كصلاة الإنسان لنفسه » وصيامه لنفسه؛ وحجه لنفسه”". )١( حاشية ابن عابدين: 8/7١5؟2 69, بداية المجتهد لابن رشد: 2780/١ وقد نقل الإجماع على أن الجهاد فرض كفاية ؛ قال: " فأما حكم هذه الوظيفة» فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين...'» روضة الطالبين للنووي: مغني المحتاج للشربيني: 27١9/5 المغني لابن قدامة : 3/17» السيل الجرار للشوكاني : 5 /618. : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجهاد يكون فرض عين في الحالات الآتية )١( أ - إذا التقى الزحفان» وتقابل الصفان ؛ أي : أنه إذا حضر ميدان المعركة» ففي هذه الحالة يتعين عليه المقام» قال تعالى: (يا أيه الذي آمتُوا ذا لَقِيكمْ فِنةَ فَائيُوا...)سورة الأنفال: آية: 45. ب - إذا هجم العدو على البلد» فيتعين حينئذ الدفع, ويحرم الانصراف ؛ لأن دفع ضرره عن الدين » والنفس» والحرمة واجب إجماعا. 5 . إذا استنفر الإمام قوم بأعينهم» » فإنه يتعين عليهم النفير معه ؛ قال تعالى : : ييا الذي آمنُوا مَالَكُمْ إِدًا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبيل الله الَاقَنيُمْ إلى الأَرْض أَرَضِيثُمْ ياْحَيّاةٍ الدنيًا مِنَ الآخِرَة...)الآية: سورة التوبة/ آية: 8: حاشية ابن عابدين : 771/7» حاشية الدسوقى: 5 ؛»؛ روضة الطالبين للنووي: »5١190/٠١ الروض المربع ممع حاشية ابن قاسم: 4 2508-7 الاختيارات الفقهية لابن تيمية؛ ص/08٠7: زاد المعاد لابن القيم: 008/7. () السير الكبير محمد بن الحسن مع شرحه للإمام السرخسي: 877/7. المدونة للإمام مالك: 14/7 » شرح السنة للبغوي: »17/١١ روضة الطالبين للنووي: »51٠0/٠١١ مغني المحتاج للشربيني: 7 / 14" الإنصاف للمرداوي: 181/5.
عدد الصفحات ٤٢٦أخد المال على أعمال القرب /5 أما إذا كان الجهاد فرض كفاية» فقد اختلف العلماء في حكم الاستئجار عليه على قولين: القول الأول: المنع مطلقا من الاستئجار على الجهاد ؛ سواء أكان المستأجر هو الإمام؛ أم غيره من أفراد الرعية» وسواء أكان الأجير ممن يلزمه الجهاد في الأصل » وهو المسلم الحرء أم كان تمن لايلزمه الجهاد في الأصل ؛ كالعبد» والمرأة. وإلى هذا القول ذهب الحنفية'"' ؛ قال السرخسي: "...واستئجار المسلم على الجهاد باطل”"'؛ وهو المذهب عند المالكية؛ كما في المدونة””". قال ابن القاسم: "والذي يؤاجر نفسه في الغزوء أن ذلك لايجوز في قول مالك ؛ وهو رأيي» أنه لايجوز...”1". وهو مذهب الشافعية”'؛ قال النووي: "لايجوز أن يستأجر الإمام؛ ولا أحد الرعية مسلماً للجهاد."20. وهذا القول هو المشهور من المذهب عند الحنابلة”""؛ قال ابن النجار الفتوحي : "ولاتصح الإجارة على الجهاد على الأصه”". )١( كتاب السير الكبير محمد الحسن مع شرح السرخسي: 219/١ 8575/7, لالم 444. بدائع الصنائع للكاساني: 1511/4. (؟) شرح السير الكبير محمد بن الحسن» للإمام السرخسي: 877/7. (؟) المدونة للإمام مالك: 44/7. (5) المدونة للإمام مالك: ؟/45. (4) شرح السنة للبغوي: ١ه نهاية ا محتاج للرملي: 590/4. (5) روضة الطالبين للنووي: .58١0/١٠١١ (0) الإنصاف للمرداوي: »18٠07/15 كشاف القناع للبهوتي: 40/7. (4) معونة أولي النهى لابن النجار: 7/ 017لا 904
عدد الصفحات ٤٢٧3 أخذ المال على أعمال اثقرب القول الثاني: يجوز الاستئجار على الجهادء إذا كان فرض كفاية ؛ سواء أكان المستأجر الإمام: أم غيره ؛ وسواء أكان الأجير تمن يلزمه الجهاد ؛ كالمسلم الجر أم من لايلزمه ؛ كالعبد» والمرأة. وإلى هذا القول ذهب بعض امالكية”''؛ وخصه ابن عبدالبر بالإمام خاصة ؛ : 2" . لاه . س . اإفرف قال: ولابأس أن يستأج”" الغازي يغزو معه؛ ولاحرج على من آجر نفسه منه : وما ذهب إليه ابن عبدالبر هو قول الصيدلاني”'' من الشافعية ؛ قال النووي : "وعن الصيدلاني: أنه يجوز للإمام أن يستأجره؛ ويعطيه أجره من سهم المصالح””. وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى» وهو قول الخرقي» وإليه مال ابن قدامة في المغني”". .705/7 مواهب الجليل للحطاب: 707/7, التاج والإكليل للمواق بهامش مواهب الجليل: )١( (1) أي : الإمام خاصة دون غيره من آحاد الرعية. (*) الكافي لابن عبدالبر: .550/١ (4:) هو: محمد بن داود بن محمد المروزي الداوودي» أبوبكر الصيدلاني»: من أئمة الشافعية» ومن عظماء تلامذة أبي بكر القفال المروزي» له مؤلفات كثيرة منها: شرح مختصر المزني» وشرع فروع الفقه لابن الحداد» تآخرت وفاته عن أبي بكر القفال بنحو عشرين سنة » ولم تذكر له كتب التراجم تاريخاً لوفاته» وقيل: : إنه توفي في حدود سئة 411ه تقريباً : طبقات الشافعية الكبرى للسبكي : 1أ؛ 1/0 ", وطبقات الشافعية للاسنوي: 2159/7 217١ طبقات الشافعية لابن هداية اللهء ص/67١: 167. (0) روضة الطالبين للنووي: »540/٠١ وقد ذكر في حكم استئجار العبيد وجوهاً واحتمالات. )١ المغني لابن قدامة: 177/17 174» شرح الزركشي على الخرقي: 0575/7 الفررع لابن مفلح: 171/7» المبدع لبرهان الدين بن مفلح: 910/7 الإنصاف للمرداوي: ١19/4 وما بعدها. وقد ورد عن الإمام أحمد ما يحتمل القول بجواز الاستئجار على الجهاد بإطلاق» من ذلك ما جاء في مسائل الإمام أحمد من رواية ابنه عبدالله ؛ قال:" سألت أبي عن الإمام يستأجر قوماً قبل أن يدخل البلادء يغزو بهم» فما غنموا فله دونهم ؛ فقال: لايسهم لهم» ولكن يوفي لهم ما استؤجروا عليه'اه.ص/14 27 فقند حمل القاضي أبو يعلى كلام الإمام أحمد على من لايجب عليه الجهاد ؛ كالعبد والكفار: المغني لابن قدامة: 154/17» المقنع في شرح مختصر الخرفي لابن البنا: .١١180/17
عدد الصفحات ٤٢٨أخن المال على أعمال القرب فق الأدلة والمناقشة: أولا: أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول» وهم القائلون بالجوازء بأدلة من السئة» والمعقول: أ- أدلتهم من السنة: الدليل الأول: عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهماء أن رسول الله كل قال: (للغازي أجره»؛ وللجاعل أجرةُ؛ وأجر الغازي)”". وجه الاستدلال: حيث أجاز النبي يله الجعل على الجهاد ؛ وذلك بإثبات الأجر للغازي» فإذا جاز الجعل على الجهاد جاز أخذ الأجرة عليه ؛ لأنها في معناه. مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذا الحديث من عدة وجوه: الأول: أن هذا الحديث محمول على من يجهز الغازي المتطوع ؛ أي : أن النبي كَل قد أخبر بحصول الأجر الأخروي لمن أراد أن يجهز غازياً» من غير أن يشترط عليه أن يغزو بما أعطاه» فيكون الغزو تطوعاًء لا استئجارا". الثاني: يمكن مناقشة هذا الحديث كذلك: بأنه خاص بالجعل على القتال» )١( أخرجه أحمد في المسند: 75771(777/7)» وأبو داودء كتاب الجهاد»ء باب الرخصة في أخذ الجعائل: 75077(137/7)» والبيهقي في السئن الكبرى؛ كتاب السير» باب ما جاء في تجهيز الغازي» وأجر الجاعل: »)١17845(58/9 والطحاوي في مشكل الآثار» باب مشكل ما ورد عن النبي يل من قوله:" للغازي أجره ": 03773777017177/8» والبغوي في شرح السنة» كتاب السير والجهاد؛ باب أخذ الجعل: 50١ و الحديث صحيح صححه الألباني في صحيح أبي داود: 580/5» وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه على شرح مشكل الآثار للطحاوي: .7١9// (؟) معرفة السنن والآثار للبيهقي 2١77/١7: تحقيق قلعجي» عون المعبود للعظيم آبادي: ١414/17 .
عدد الصفحات ٤٢٩7 أخد المال على أعمال القرب وقياس الاستئجار على الجعالة قياس مع الفارق» فإن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة» حيث إنها تصح مع جهالة العمل» والمدة» والعامل؛ بخلاف الإجارة؛ وقد سبق بيان ذلك مرارا”". الثالث: لو سلمنا جواز القياس على الجعالة» فإنه لايصح هنا ؛ لأن الجعالة على الجهاد مختلف فيهاء كما سيأتي؛ والقياس على أمر مختلف فيه لايصح ؛ فإن من شرط القياس أن يكون حكم الأصل متفقا عليه» وقد سبق بيان ذلك”". الدليل الثاني: عن جبير بن نفير"" ؛ قال: قال رسول الله كيُ: (مثل الذين يغزون من أمتي » ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدهاء وتأخذ أجرها)". وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه» وحاصله قياس الإجارة في الجهاد على الجعالة في الجواز بجامع أن كلا منهما من عقود المعاوضة. مناقشة الاستدلال: أولا : يناقش هذا الحديث بما نوقش به الحديث السابق. )١( راجع» ص/ 55-0١ لبيان الفروق بين الإجارة والجعالة. (0) راجع؛ ص/ .١5١ (؟) هو: جبيربن نفير -بنون وفاء مصغر- ابن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي» ثقة جليل من الثانية» مخضرم» ولأبيه صحبة» ما وفد إلى المدينة إلا في عهد عمر» توفي عام ٠ه على الصحيح: تهذيب التهذيب لابن حجر: 54/7. (:) أخرجه أبو داود في المراسيل» ص/ 5 ١ن تحقيق الشيخ/ شعيب الأرناؤوط» وأخرجه سعيد ابن منصور في سئئنه » كتاب الجهادء باب ما جاء في الرجل يغزو بالجعل : 2)77751(117/5/7 والبيهقتي في الكبرى» كتاب السير» باب ما جاء في كراهية أخذ الجعائل: 17840(417/4). وابن أبي شيبة في المصنف » كتاب الجهاد» باب ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه: 7817//06.
عدد الصفحات ٤٣٠أخذ المال على أعمال القرب 3 قال السرخسي مبيئاً المراد بالحديث: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم ؛ قال تعالى: (إِن أَحْسَكمْ أَحْسَُّمْ لأنفسِكم)الإسراء: 17: ثم يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين ليتقووا به على عدوهم» وذلك لبهم حلال» كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدهاء وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى بها على الإرضاع؛ وكان ذلك حلالاً لبا””". ثانيا : أن الحديث مرسل ؛ فهو أحد أنواع الحديث الضعيف» فلا يحتج بها" . ثالثاً: الحديث ضعيف ؛ في إسناده إسماعيل بن عياش”"» وقد ضعفه جماعة من أهل العلم؛ وتركوا حديثه. ب- أدلتهم من المعقول: الدليل الأول: قالوا: إن الجهاد أمر لايختص فاعله أن يكون من أهل القربة ؛ فصح الاستئجار عليه» كبناء المساجد”“". .١5٠/١ شرح كتاب السير الكبير محمد بن الحسن: )١( )١( ووجه الإرسال: أن جبيربن نفيرلم يسمع من النبي ول حيث إنه لم يفد إلى المدينة إلا في عهد عمر َيه كما في ترجمته المتقدمة. (*) هو: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي» أبو عتبة الحمصي» ولد سئة 7١٠١هء ضعفه جمع من أهل العلم منهم: النسائي» وأبو حاتم» وابن حبان» وأبو إسحاق الفزاري» والإمام أحمد بن حنبل» وقد وثقه جماعة منهم الفسويء قال: تكلم قوم في إسماعيل» وهو ثقة عدل» أعلم الناس بحديث الشام؛ أكثر من تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازيين» وابن معين قال: إسماعيل ابن عياش ثقَة» وتوسط فيه قوم؛ وهو الصحيح» فقالوا: ما رواه عن الشاميين فصحيح» ومارواه عن غيرهم فلا يحتج به» وقد ذهب إلى ذلك البخاري» والذهبي»؛ والحافظ ابن حجرء قال: صدوق في روايته عن أهل بلده» مخلط في غيرهم» ومعنى ذلك أنه لايقبل حديثه إلا بالمتابعة: ميزان الاعتدال للذهبي: »51٠0/١ تهذيب التهذيب لابن حجر: 2771/١ تقريب التهذيب لابن حجر» ص/ 157١ء الكامل في الضعفاء لابن عدي: .788/١ (4) المقنع شرح مختصر الخرفي لابن البناء : 80/7١١ء المغني لابن قدامة: »154/1١1 المبدع لابن
عدد الصفحات ٤٣١1ك أخن المال على أعمال القرب مناقشة الاستدلال: إن قياس الجهاد على بناء المساجد قياس مع الفارق ؛ فلا يصح. وبيان ذلك : -١ أن الجهاد فرض على المسلمين في الجملة ؛ فهو إما فرض كفاية » وإما فرض عين» فإذا كان الجهاد بهذه المثابة فهو من هذا الجانب قربة يختص بفعلها المسلم دون الكافرء وأما جواز فعله من الكافر فمحل خلاف بين العلماء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب مع المسلمين» وإن جاز فللضرورة» وحكم الضرورة حكم خاص يختلف عن الحكم في الحالات العادية ”". ثم إن فعل الكفار حين الاستعانة بهم ليس بجهاد؛ فإن الجهاد ينال به الثواب» والكافر ليس من أهل الثواب» والجهاد نما يتقرب به العبد إلى ربه» وهم لايتقربون بذلك» بخلاف المسلم”". - أن القياس على بناء المساجد لايصح ؛ لأن البناء ما لايختص بفعله المسلم» وفعل البناء في نفسه ليس بقربة» ولبذا جاز فعله من الكافر””". الدليل الثاني : قالوا: إن الجهاد إذا كان فرض عفاية فإنه لايتعين عليه » فيجوز أن يؤجر نفسه عليه, كالعيد”). : شرح السير الكبير للسرخسي: 577/5١»؛ حاشية ابن عابدين: 770/7» الفتاوى- البندية )١( ؛ حاشية الدسوقي: 2178/17 القوانين الشرعية لابن جزي» ص/15١» الأم للشافعي: 4 مخني المحتاج للشربيني: 177/4؛ المغني لابن قدامة: 248/17 وانظر: الاستعانة بغير “14 المسلمين في الفقه الإسلامي: «.عبدالله بن إبراهيم الطريقي» ص/١77؛ الجهاد والقتال في السياسة . الشرعية للدكتور / محمد خير هيكل () شرح السير الكبير للسرخسي : 858/7. (*) مجموع الفتاوى لابن تيمية: .75١5/17١ (4) المغني لابن قدامة: .١54/1١1“
عدد الصفحات ٤٣٢أخذ المال على أعمال القرب قد مناقشة الاستدلال: أولا : أن الجهادء وإن كان فرض كفاية في الأصل» إلا أنه متى حضر الصف تعين عليه» ولايخوز أخذ الأجرة على فرض العين”'". ثانياً: أن القياس على العبد قياس مع الفارق ؛ فلا يصح ؛ لأن العبد لايلزمه الجهاد في الأصل» سواء أكان فرض عين؛ أم فرض كفاية ؛ لأنه محبوس لخدمة سيده»؛ فلا يملك التصرف في نفسه بالجهاد» ولا بغيره» إلا أن يأذن له؛ فلايصح قياس الحر عليه. ثالثاً: أنه لا حاجة بالمسلم الحر» أو غيره ؛ لأخذه الأجرة على جهاده؛ لأن الجهاد قربة إلى الله حض الله تعالى عليهاء ورغب فيهاء ثم بإمكان المجاهد الأخذ من بيت المال» أو من الزكاة» أو النفقة من إخوانه القادرين» فيأخذ من هذه المصارف حاجته؛ وحاجة عياله» وما يلزمه من نفقة» ونحو ذلك'". ثانيا: أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب هذا القول -وهم جمهور أهل العلم- الذين منعوا الاستئجار على الجهاد بأدلة كثيرة من المعقول» ومن هذه الأدلة : الدليل الأول: قالوا: إن الغزو يتعين بحضورهء على من كان من أهله» فإذا تعين عليه الفرض» لم يجز أن يفعله عن غيره» كمن عليه حجة الإسلام» لايجوز أن يحج عن غيره» وعليه فالاستئجار عليه لايجوز' ". : المغني لابن قدامة »550/٠١ شرح السير الكبير للس رخسي : 455/7» روضة الطالبين للنووي: )١( . "54/1 (0) وقد سبق بيان الموارد المالية للجهاد والمجاهدين» وأن الله تعالى قد أوسع فيهاء ورغب سبحانه وتعالى في الجهاد بالمال والنفقة في سبيل اللهء وحض رسوله الكريم يله على ذلك . وبين أن المجاهد بماله كالغازي ببدنه» وسيأتي بيان ذلك في الترجيح إن شاء الله تعالى. () بدائع الصنائع للكاساني : 24/5 المغني لابن قدامة : 55/11 .
عدد الصفحات ٤٣٣و3 أخذ المال على أعمال القرب الدليل الثاني: قالوا: إن الجهادء وإن كان فرضاً على الكفاية» فكل من باشره يكون مؤديا فرضاء والاستئجار على أداء الفرض باطل » كالاستغجار للصلاة” . الدليل الثالث: قالوا: إن الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة ؛ فلا تصح الإجارة عليه ؛ كالصلاة'". الدليل الرابع : قالوا: إن الجهاد حق لله تعالى؛ فلايجوز أخذ الأجرة عليه ". الترجيح: بعد عرض أقوال الفقهاء في هذه المسألة » وذكر أدلتهم» وبيان ما ورد عليها من مناقشات» يتبين أن القول القاضي بالمنع من الاستئجار على الجهاد هو الراجح, ويعود هذا الترجيح إلى الأسباب التالية : أولاً: قوة القول القاضي بالمنع لقوة أدلته» حيث جاءت الأدلة التي عللوا بها متفقة مع أصول الشرع» وقواعده العامة؛ ومن ذلك أن فروض الأعيان التي تطلب من كل فرد بعينه » لايجوز لغيره فعلها عنه كما في صلاة الإنسان لنفسهء وحجه لنفسه » وصيامه لنفسه » ومن ذلك : الجهاد » فإن الأئمة متفقون على أنه إذا حضر الصف تعين عليه » فكيف يسوغ له بعد ذلك أخذ العوض عليه. ثانياً: ضعف ما استدل به المجيزون» فإنه أمكن مناقشة جميع ما استدلوا به من أحاديث» وأدلة عقلية تما أضعف من دلالتهاء» وأخرجها عن حجيتها. ثالاً: أنه لا حاجة بالمرء لأن يأخذ أجراً على غزوه ؛ وذلك لما يأتي : )١( شرح السير الكبير للسرخسي: 877/7» 455» الكافي لابن عبدالبر: »470/١ روطة الطالبين للنووي: .510/٠١ (؟) كشاف القناع للبهوتي: 40/7. () تبيين الحقائق للزيلعي : 5777 75» البناية شرح الجداية للعيني: 490/57.
عدد الصفحات ٤٣٤أخذ المال على أعمال القرب 1 -١ كثرة الموارد المالية للجند من زكاة» وعطاء؛ ونحو ذلك. ١ - أن الله تعالى حث أهل الخير» وأصحاب الأموال على الإنفاق في سبيله؛ ووعد على ذلك الثواب العظيم'''» مما يوفر للغازي كل ما يحتاج إليه في خاصة نفسه» ومن يعول» وما يحتاج إليه من عتادء وسلاح بما لا يكون معه حاجة» أو ضرورة تدفعه إلى إجارة نفسه على عمل من أجل وأعظم القرب إلى الله تعالى. )١( ومن ذلك قوله تعالى: (إمثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» سورة البقرة آية: »77١ قال مكحول: " يعني به الانفاق في الجهاد..": تفسير ابن كثير: 71/١ 4» وقوله ي: " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزاء ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا ". أخرجه البخاري في الجهادء باب فضل من جهز غازياً: 1847(98/7): ومسلم في الإمارة» باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله: (١61/7 6 )2 من حديث زيد بن خالد الجهني #ه .
عدد الصفحات ٤٣٥فق أخد المال على أعمال القرب المطلب الثاني أخذ الجعل على الجهاد أولا : المراد بالجعل""' : من خلال النظر في كلام العلماء حول الجعائل في باب الجهاد» يتبين أن الجعل يرد عندهم على معنيين : أحدهما: على معنى النفقة في سبيل الله» وعليه فتكون الجعالة هنا ليست على بابها من كونها عقد معاوضة. والمعنى الآخر: أن يكون بمعنى المعاوضة» فتكون على بابهاء وسنفصل القول في المعنيين على النحو التالي : المعنى الأول : أن يكون على معنى النفقة في سبيل الله : وهذا المعنى هو الذي يُعرف عند الفقهاء ب (الجهاد بالمال)""2؛ وحكم هذا النوع من الجهاد كحكم الجهاد بالنفس» ولافرق» فقد يكون فرض عين» وقد يكون فرض كفاية. وهذا النوع قد جاء الشرع بالترغيب فيهء والحض عليه؛ والوعد عليه بالثواب الجزيل في الآخرة» ومن ذلك : ١ - قوله تعالى: ْآوَعِدوا لَّهُمْ ما استَطَعُْمْ مِنْ فَوةٍ وَمِنْ رياط الخَيْل تر هِبُونَ يه )١( لقد سبق تعريف الجعالة» وبيان الفرق بينها وبين الإجارة» ولكن لما كان لبا هنا مفهوم آخر غير ما ذكرء ناسب ذكر ذلك المفهوم هناء وبيان المراد بها ؛ لأن ذلك ينبني عليه تحرير محل النزاع بين النقهاء في هذه المسألة ببيان ما اتفقوا عليهء وما اختلفوا فيهء ومن ثم تفصيل القول فيما اختلفوا فيه. (1) المبسوط للسرخسي: »19/١ قال السرخسي: "..والتجاعل ليس باستكجار»ء ولكنه إعانة على السير» وهو مندوب إليهء وجهاد بالمال...”
عدد الصفحات ٤٣٦أخن المال على العبادات هذ 0007 عاق ف ف وم دم همد و4 وقمه عَدُوَ الله وَحَدُوَكُم وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِم لاَْلَمُوتَهُم الله يَحلَمهُمْ وَمَا تنِْقُوا مِنْ شيء في سبي الله يُوَفّإِلَيِكم وَأَكُم لأتظْلَمُونَ)الأنفال: 1١ -١ قوله تعالى: لمَكَلُ النيين يُنْقِقَونَ أمْوَالهُمْ في سَبيل الله كَمكلٍ حب نبت سَبْعَ سَتَايلَ فِي كل سُثْلَةٍ انه حَبَ وله يُضَاءِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَامِمٌ علي [البقرة: 511). ؟- قوله تعالى: لإِْرُوا خِمَافاً وَِقَالاً وَجَاهِدُوا يأسوَالِكُمْ وَانْفْسِكُمْ في سَييل لله دُلِكُمْ حير لَكُمْ إِنْ كم تَخْلَمُونٌُ)1التوبة : 4١ 4- عن زيد بن خالد الجهني ذا ؛ عن النبي وله أنه قال: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزاء ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)”". وغير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على فضل الجهاد بالمال» وإعانة الغازي في سبيل الله. قال الإمام ابن قيم الجوزية مبيئاً هذا النوع عند حديثه عن فقه وفوائد غزوة تبوك: "ومنها: وجوب الجهاد بالمال» كما يجب بالنفس» وهذا إحدى الروايتين عن أحمدء وهي الصواب الذي لاريب فيهء فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن» وقرينه» بل جاء مقدما على الجهاد بالنفس في كل موضعء إلا موضعاً واحداًء وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس» ولاريب أنه أحد الجهادين: كما قال النبي و9: (من جهز غازيا فقد غزا»؛ فيجب على القادر عليهء كما يحب على القادر بالبدن» ولايتم الجهاد بالبدن إلا ببذدله؛ ولاينتصر إلا بالعدد والعدد, فإن لم يقدر أن يكثر العدد وجب عليه أن يعد باثال والعنة "27 .187 سبق تخريجه. راجع ص )١( . 009 ,00/8/7“ زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم: )0(
عدد الصفحات ٤٣٧4 أخن المال على أعمال القرب وقال ابن تيمية رحمه الله: "ومن عجز عن الجهاد ببدنه» وقدر على الجهاد بماله» وجب عليه الجهاد بماله» هو نص أحمد في رواية أبي الحكم» وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله تعالى: " (نْرُوا ماف وئقالة) فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله...”". فإذا قصر الأغنياء» والقادرون في النفقة في سبيل الله أو كان ما ينفقونه لايسد حاجة الجند من النفقة والعتاد» فهل للإمام أن يفرض على القادرين من الرعية من الملل ما يسد به حاجة المجاهدين من نفقة» وسلاح» وغير ذلك؟ لا خلاف بين المذاهب في جواز ذلك للإمام » ولكن بشرط خلو بيت المال من الأموال التي تكفي حاجة نو . قال محمد بن الحسن : "لو أراد الإمام أن يجهز جيشاًء فإن كان في بيت المال سعة؛ فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال؛ ولايأخذ من الناس شيئاً» وإن لم يكن في بيت المال سعة كان له أن يتحكم على الناس بما يتقوى به الذين يخرجون للجهاد"9". وقال الشاطبي: "إنا إذا قررنا إماماً مطاعاً مفتقرأً إلى تكثير الجنود لسدّ الثغور, وحماية الملك المتسع الأقطارء وخلا بيت المال» وارتفعت حاجات الجند إلى ما 7١/8/ص الاختيارات الفقهية لابن تيمية: )١( وقد بين شيخ الإسلام أن الخلاف في وجوب الجهاد بالمال إنما هو عندما يكون الجهاد فرض كفاية ؛ فأما إذاتعين » فيجب إجماعاًء قال رحمه الله: " ... وينبغي أن يكون محل الروايتين في واإجب الكفاية» فإذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه» فإن دفع ضررهم عن الدين» والنفس» والحرمة .)32١8/ص واجب إجماعا" (الاختيارات: (0) المبسوط للسرخسي: :7١/٠١ شرح فتح القدير لابن البمام 4 الاعتصام للشاطبي : 05 النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: 07/ , 58ء وقد نقل ذلك عن العز بن عبدالسلام. (”") السير الكبير مع شرحه للسرخسي: 759/١ .
عدد الصفحات ٤٣٨أخذ المال على العبادات عرق لايكفيهم فللإمام -إذا كان عدلاً- أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لبم في الحال إلى أن يظهر بيت المال”7". هذه بعض نقول أهل العلم في هذه المسألة» وهناك نقول أخرى عن بقية المذاهب» ما يؤكد سلطة الإمام في التصرف على الرعية بما يحقق المصلحة عملاً بالقاعدة الشرعية: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”". وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب على القادرين في هذه الحالة تجميع المال اللازم ؛ لدفع العدوء قال: إن المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدو وجب على القادرين الاشتراك في ذلك”””". بناء على ما سبق» فقد عرف الحنفية الجعل ؛ فقالوا في تعريفه : "هو أن يكلف الإمام الناس بأن يقوي بعضهم بعضا بالسلاح» والكراع » وغير ذلك من النفقة» والزاد”7». وفي تعريف آخر: 'هوما يضربه الإمام للغزاة على الناس بما يحصل به التقوي للخروج إلى الحرب"00. وهذا النوع من الجعل لاحرج على المجاهدين في أخذه؛ بل قد يجب عليه الأخذ إذا كان هذا هو سبيله للتقوي على الجهاد في سبيل الله؛ ودفع العدوء والذّبْ عن . الاعتصام للشاطبي: 5194/7» تحقيق سليم البلالي )١( (1) الأشباه والنظائر للسبيوطي» ص/7717؛ شرح القواعد الفقهية للزرقاء» ص/747 . (9) مجموع الفتاوى لابن تيمية : 3817/7١ . (:) شرح فتح القدير لابن البمام: 787/54: 1854. (0) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 5137/7 .
عدد الصفحات ٤٣٩4 أخن المال على أعمال القرب حياض الإسلام » ونصرة دين الله كبك , وهذا لانزاع فيه بين العلماء ع قال ابن بطال: "إن أخرج الرجل من ماله شيئأء فتطوع به» أو أعان الغازي على غزوه بفرس» ونحوهاء فلا نزاع فيه”". ويدل على هذا : أولاً: النصوص الكثيرة التي سبق ذكرها في وجوب الجهاد بالمال» والترغيب في ذلك؛ فهي دالة على جواز أخذ المجاهد من هذا المال ما يتقوى به على الجهاد ؛ فيكون هو يجاهدا بنفسه؛ وصاحب المال مجاهداً بماله9. ثانيا: النصوص النبوية التي استدل بها من أجاز الاستئجار على الغزو. ومن تلك النصوص : ١ - حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهماء قال: قال رسول الله وو: (للغازي أجرهء وللجاعل أجره»؛ وأجر الغازي)””". وجه الاستدلال: حيث أخبر النبي يك بأن للجاعل» وهو من يقوم بتجهيز الغزاة» وبذل النفقة في ذلكء أن له أجرين: أجر ما أنفق» وأجر مثل أجر من غزاء قال البغوي: "فيه ترغيب للجاغل : وربخصه للمجعول و7 : البناية شرح البداية للعيني: 5 6ه المدونة للإمام مالك 219/٠١ المسوط للسرخسي: )١( نهاية المحتاج ٠ حاشية الدسوقي: 1487/7: روضة الطالبين للنووي: +458 1 ٍ للرملي: 57/4» المغني لابن قدامة : 41/8 150 القواعد لابن رجب» ص/1174, القاعدة "ل قال ابن رجب: : "إذا أخذ الغازي نفقة؛ أو فرساً ؛ ليغزو عليه» فإنه يجوزء ويكون عقداً جائزاء لا لازماًء وهو إعانة على الجهاد؛ لا استئجار عليه". .١51/7 فتح الباري لابن حجر: )١( (*) شرح السير الكبير للسرخسي: .178/١ (4) سبق تخريجه؛ راجع ص 479. (6) شرح السنة للبغوي: .١16/١١
عدد الصفحات ٤٤٠أخن المال على العبادات 44١ ١ - حديث جبير بن نفير عن أبيه ؛ قال: قال رسول الله عل : '"مثل الذين يغزون من أمتي » ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم؛ مثل أم موسى ترضع ولدهاء تسل الجر وجه الاستدلال: حيث بين النبي يل أن الذين يغزون» ويأخذون الجعل بغرض الاستعانة به على الجهادء أن ذلك جائز؛ قال السرخسي: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم ؛ قال تعالى: (إِن أَحْسَّكمْ أَحْسَُم لأنفسِكم)الإسراء: 17» ثم يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين ؛ ليتقووا به على عدوهم» وذلك لهم حلال؛ كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدهاء وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى به على الإرضاع ؛ وكان ذلك حلالاً لبا "9 . تالأ سأ ورة من للك عن الصحابة 6 : -١ عن جرير بن عبدالله البجلي 5ه أن معاوية كتب إليه في بعث ضربه: "أما بعد: فقد رفعنا عنك؛ وعن ولدك الجعل". فكتب إليه جرير: إني بايعت رسول الله كك على الإسلام؛ فأمسك رسول الله يلِةُ بيدي؛ فاشترط عليّ: (النصح لكل مسلم)ء فإن أنشط في هذا البعث نخرج فيهء وإلاء أعطينا من أموالنا ما ينطلق المنطلت"9. قال المسعودي”': هذا أحسن ما سمعناه في الجعائل*. .47١ سبق تخريجه؛ راجع ص )١( () شرح السير الكبير للسرخسي: .١5٠0/١ 39 أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: .7"١5/8 (4) هو: عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود الكوفي» صدوق» اختلط قبل موته» وضابطه؛ أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط؛ من السابعة» مات سنة 10١ه على الصحيح : تهذيب الكمال للمزي: 27١19/1١1 تقريب التهذيب لابن حجر؛ء ص/085. (5) مشكل الآثار للطحاوي: .7١6/8
عدد الصفحات ٤٤١