المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخذ المال على أعمال القُرَب تحميل PDF

عادل شاهين

صفحة ٢٥ من ٥٢

أخن المال على أعمال القرب فلك النوع الأؤل: إجارة العين. النوع الآخر: إجارة الذمة. وقد سبق الكلام عنهماء وبيان معناهما في كلام الحطاب""". .611//7 ‏مواهب الجليل للحطاب:‎ )١(

عدد الصفحات ٣٩٣

0 أخذ المال على أعمال القرب الفرع الثاني الاستئجار على الحج والعمرة الإجارة على الحج مبنية على صحة النيابة فيه وعليه فإن كل من لا تجوز النيابة عنهم» لا تجوز الإجارة في حقهم. ومن ذلك : الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله؛ لا تجوز النيابة في حقه؛ بل عليه المبادرة بالحج بنفسه؛ وهذا محل إجماع بين العلماء -كما تقدم-"'", فهذا لا خلاف في عدم جواز الاستئجار على الحج والعمرة في حقه. وبالجملة» فحيث لا تجوز النيابة -على ما سبق بيانه- فلا تجوز الإجارة. وعلى هذا يصبح المراد بقولنا: الاستئجار على الحج والعمرة هو الاستئجار على الحج والعمرة في الحالات التي تقبل النيابة”'". وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستئجار على الحج والعمرة على ثلاثة أقوال: ‎)١(‏ بدائع الصنائع للكاساني: ‎»5١7/7‏ الاختيار للموصلي: ‎170/١‏ » قوانين الأحكام الشرعية لابن جزيء ص/147١»‏ المهذب للشيرازي: ‎»14994/1١‏ المغني لابن قدامة: 277/6 وانظر ص /747 من هذا البحث. ‎)١(‏ تقدم معنا أن المالكية لا يجيزون النيابة في الحج» ومع ذلك نجدهم يجيزون الإجارة على الحج مع الكراهة» ونراهم تكلموا عن أنواع الإجارة في الحج ؛ فكيف ذلك ؟ الجواب عن هذا: أن قولبم بجواز الإجارة على الحج مع الكراهة» مفرع عن صحة الوصية بالحج عندهم» فإنهم يقولون إن الرجل إذا أوصى عند موته أن يحج عنه» فإنه ينفذ ما أوصى بهء قال الإمام مالك: ' إذا أوصى أنفذ ذلك» ويحمج عنه من قد حج أحب إلي". فهذا نص مالك كما في المدونة: ‎491/١‏ قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير ‎:1١9/57‏ * وإنما نفذت الوصية به عند مالك » وإن كان لا يجيز النيابة فيه ؛ مراعاة نلاف الشافعي .القائل بجواز النيابة فيه ...".

عدد الصفحات ٣٩٤

أخذ المال على أعمال القرب وم القول الأول: يجوز مطلقا الاستئجار على الحج والعمرة. 200 270 ع » والحنابلة في رواية'"؛ وهو قول الظاهرية » وقلك نقل هذا القول عن بعض الحنفية » وفيه نظد). القول الثاني : يجوز الاستئجار على الحج» لكن مع الكراهة ؛ وذلك إذا أوصى الميت أن حج عنه ؛ فتنفذ وصيته. وإلى هذا ذهب الشافعر .000 له 0 وهذا هو قول المالكية, وهو منصوص الإمام مالك» كما في المدو القول الثالث: لا يجوز مطلقاً الاستئجار على الحج والعمرة. وإلى هذا ذهب الحنفية'"' ؛ وهو المذهب عند الحنابلة . ‎)١(‏ الأم للشافعي: ‎»١74/7‏ الجاوي الكبير للماوردي: 47/0 ”*: المجموع للنووي: 17/١15»؛‏ قال الشافعي : " للرجل أن يستأجر الرجل يحج عنه» إذا كان لايقدر على المركب لضعفه» وكان ذا قدرة بماله» ولوارثه بعده» والإجارة على الحج جائزة» جوازها في الأعمال سواه؛ بل الإجارة إن شاء الله تعالى على البر خير منها على ما لا بر فيه". الأم: 54/7؟١.‏ ‏() المغني لابن قدامة: 717/0» الإنصاف للمرداوي: 50/7. ‏(9) المحلى لابن حزم : 707/17 *الالاء 5لا 1/8وكء 975ل ‏(4) ذكر العيني في عمدة القاري: 7١/40؛‏ أن هذا قول بعض متأخري الحنفية كأبي نصرء وأبي الليث وغيرهماء وذكر ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص/176١»‏ الجواز نقلا'عن الخانية» وقد تتبع ذلك كله ابن عابدين وبين أن نسبة هذا إلى هؤلاء الفقهاء لا تصح» وأن القول الصحيح الذي عليه جميع فقهاء المذهب سوء المتقدمين منهم» أو المتأخرين أن الاستئجار على الحج لايجوز. وانظر تفصيل ذلك في مجموع رسائل ابن عابدين: ‎.155-١05/١‏ ‏(0) المدونة للإمام مالك: ‎:541/١‏ 5/١57»؛‏ الكافي لابن عبدالبر: ‎»408/١‏ مواهب الجليل للحطاب: ‎:5057/١‏ 047/7» حاشية الدسوقي: 18/1 19. ‎.45٠/ 15 ‏المدونة للإمام مالك:‎ )١( ‏0 المبسوط للسرخسي: 158/5 ‎»١159‏ بدائع الصنائع للكاساني: » تبيين الحقائق للزيلعي: ‎»١74/0‏ حاشية ابن عابدين: 2777/7 رسائل ابن عابدين: ‎.151-1١057/١‏ ‏(8) المغني لابن قدامة: 75/05؛ 057//8» الإنصاف للمرداوي: 240/7 الروض المربع مع حاشية ابن قاأسم: ه/١75.‏

عدد الصفحات ٣٩٥

الى أخن المال على أعمال القرب سبب الخلاف: الحج كغيره من العبادات قربة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى» ونفع هذه القربات راجع إلى العبد حين قيامه بهاء فإذا وقعت الإجارة عليهاء فهل نفعها يكون للمستأجرء أم يكون للأجير الذي باشر فعل القربة بنفسه؟ فمن قال إن النفع يحصل للمستأجرء قال بجواز الأجرة» ومن قال إن النفع لايحصل إلا للأجيرء قال بعدم جواز الاستئجار على الحج”". الأدلة والمناقشة: أولاً: أدلة أصحاب القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول؛ وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الحج والعمرة بأدلة من القرآن» والسنة» والمعقول. أ-أدلتهم من القرآن: الدليل الأول: قوله تعالى: ون ليس لِلإنْسّان إلا ما سَعَى)1النجم: 189 وقد تقدم وجه الاستدلال من هذه الآية مراراً»ء وما ورد عليها من مناقشات» وقد منعوا بها النيابة» وإذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة ؛ لأن الإجارة لاتكون إلا بنيابة» وقد أمكن مناقشة ذلك بما يغني عن الإعادة'") الدليل الثاني: قوله تعالى: #ولله عَلَى الئاس حِج لبنس من امسْمَطاع إلْيْ سييلاً #[آل عمران: /141. ‎)١(‏ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: ‎.1١1/ »7١7/7٠‏ وانظرء ص 154 من هذا الكتاب عند الكلام حول شروط الإجارة. ‏(0) انظر: رسائل ابن عابدين: ‎4١51/١‏ تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 151/5 المحلى لابن حزم: /608/1.

عدد الصفحات ٣٩٦

أخن المال على أعمال القرب ‎١‏ وجه الاستد لال: قالوا في وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة : إن الله تبارك وتعالى إنما فرض الحج على المستطيع إجماعاً» والمريض والمعضوب واميت لا استطاعة لهم» ولا يتناولهم الخطاب بالآية الكريمة. ثم إن الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هي الاستطاعة البدنية ؛ إذ لو كانت الاستطاعة مالية لقال: إحجاج البيت ؛ فدل ذلك كله على عدم صحة النيابة. وعليه؛ فلا تصح الوجارة. مناقشة الاستدلال: تقدم مناقشة وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة» وحاصله أن وجه الاستدلال مبني على أن الاستطاعة كلها بدنية» لا مالية» ويناقش ذلك بأن الآية جاءت عامة شاملة لنوعي الاستطاعة البدنية وا مالية» فمن كان عاجزاً ببدنه فهو مستطيع بماله» وبغيره» فيدخل تحت عموم الآية» فيستأجر من يؤدي عنه هذه العبادة'''. ب - الأدلة من السنة: الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله و بمرداس المعلم» فقال: "إياك وحطب الصبيان» وخبز الرقاق» وإياك والشرط على كتاب 50" 7" .51 /0 ‏أضواء البيان للشنقيطي:‎ »٠١١/1 ‏المجموع للنووي:‎ » ١17/05 : ‏الحاوي الكبير للماوردي‎ )١( (؟) هذا الحديث موضوعء فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ‎2778/١‏ 575, وأعلّه بنهشل ابن سعيد بن وردان البصري فهو كذابء كما قال إسحاق بن راهويه» وأخرجه الجوزقاني في موضوعاته؛ وقال: هذا حديث باطل» وإسناده مجهول منكرء ذكر ذلك السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ‎700/١‏ 707ء وذكره الشوكاني في الفوائد الجموعة ص //7171» وحكم عليه بالوضع.

عدد الصفحات ٣٩٧

‎١‏ أخد المال على أعمال القرب ‏وجه الاستد لال: ‏حيث دل الحديث على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم» وهو قربة من القربات ؛ فيلحق به سائر القرب» ومنها الحج» فيحرم أخذ الأجرة عليه''". ‏مناقشة الاستدلال: ‏هذا حديث موضوع -كما تقدم في نخريجه- ؛ فيرد جملة وتفصيلاً» وبناء على ذلك» فلا عبرة بالاحتجاج به ؛ لسقوطه. ‏الدليل الثاني: عن أبي بن كعب #ه قال: علمت رجلا القرآن» فأهدى إلي قوساًء فذكرت ذلك لرسول الله يي فقال: (إن أخذتهاء أخذت قوسا من نار). قال أبي : فرددتها". ‏وجه الاستد لال: ‏وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه ؛ حيث دل على تحريم الأجرة على القرآن» هو قربة ؛ فيلحق به سائر القرب» ومنها الحج. ‎)١(‏ المبسوط للسرخسي: ‎»١169 :١168/5‏ رسائل ابن عابدين: ‎١04/١‏ وما بعدها. المحلى لابن حزم: 195/48. ‏(؟) أخرجه ابن ماجهء كتاب التجارات» باب الأجر على تعليم القرآن: ‎»235١108(17١/75‏ والبيهقي في السئن الكبرى» كتاب الإجارة» باب من كره أخذ الأجرة على تعليم القرآن: ‎23١1/5‏ ( +6 »>» كلاهما من طريق ثور بن يزيد» ثنا خالد بن معدان -وخالد هذا ذكره ابن ماجه» وأسقطه البيهقي- ثني عبدالرحمن بن سلم» عن عطية الكلاعي عن أبي بن كعب» قال: فذكره..» وقد أعل هذا الحديث بعلل بثلاث: الأولى: الانقطاع بين عطية الكلاعي» وبين أبي بن كعبء والثانية: جهالة عبدالرحمن بن سلم ؛ الثالثة: الاضطراب؛ وهو واقع من جهة عبدالرحمن بن سلم.إلا أن للحديث شواهد يرتقي بها إلى الصحة من حديث عبادة بن الصامت» وأبي الدرداء» كما سيأتي في مبحث أخذ المال على القرآن»؛ والحديث صححه الألباني كما في الإرواء: ‎.)١597(‏

عدد الصفحات ٣٩٨

أخذن المال على أعمال القرب 4 مناقشة الاستدلال: أولاً: أن هذا الحديث؛ وما في معناه من الأحاديث التي جاءت بالوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق؛ بل هي وقائع أحوال محتملة التأويل ؛ لتوافق الأحاديث الصحيحة الواردة في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ وهي في الصحيه”'". ثانياً: أن هذا الحديث» وما في معئاه من الأحاديث» ليس فيها ما تقوم به الحجة ؛ فلا تنهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن» وهي في الصحيح؛ وقد تقدم ذكر ذلك”". الدليل الثالث: حديث عثمان بن أبي العاص» قال: قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي ؛ قال يك: (أنت إمامهم , واقتد بأضعفهم» واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذاته أسرا)!. وفي رواية أخرى: قال عثمان #ه: (إن من آخر ما عهد إلي رسول الله كَل أن . أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا)". وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذه الروايات كسابقتهاء حيث نهى رسول الله كيْةٌ عن أخذ الأجرة على الأذان؛ فدل على التحريم» والأذان قربة» فكذلك الحج» بمجامع القربة في كل. وعليه» فلا يجوز أخذ الأجرة عليه. .07١/15 ‏فتح الباري للحافظ ابن حجر:‎ )١( .070/ 5 ‏فتح الباري لابن حجر:‎ )1( (*) سبق تخريجه» ص ‎١95‏ من هذا الكتاب. (1) سبق تخريجه. ص ‎١55‏ من هذا الكتاب.

عدد الصفحات ٣٩٩

5 أخد المال على أعمال القرب مناقشة الاستدلال: أولاً: يناقش هذا الحديث بما سبق أن نوقش به وحاصله أنه لا دلالة فيه على تحريم أخذ الأجرة على الأذان. وعليه فلا حجة فيه ؛ لما ذهب إليه الحنفية"". ثانياً: أنه ليس نصاً صريحاً فيما نحن بصددهء فضلاً عن أنه معارض بالأدلة القوية الصريحة على جواز الاستئجار على الحج”" ؛ وستأتي إن شاء الله تعالى. ج- أدلتهم من المعقول: الدليل الأول: قالوا: إن المباشر لعمل الطاعة عمله لله تعالى ؛ فلا يصير مسلماً إلى المستأجرء فلا يجب الأجر عليه؛ بخلاف بناء الرباط » والمسجد» فالعمل هناك ليس بعبادة محضة» بدليل أنه يصح من الكافر'". مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدليل : بأننا قد أثبتنا صحة النيابة في الحج» كما مرّ معنا في مباحث النيابة» وأنتم أيها الحنفية توافقوننا على ذلك» فإذا صحت النيابة» ووقع الحج عن انحجوج عنهء فقد حصل له النفع» فإذا كان الأمر كذلك صحت الإجارة» ويجب الأجر على المستأجر. الدليل الثاني: قالوا: إن الحج عبادة؛ يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة» فلم يجز أخذ الأجرة عليهاء كالصلاة؛ والصوه”". مناقشة الاستدلال: أولاً: إن قياس الحج على الصلاة؛ والصوم» قياس مع الفارق» فلا يصح ؛ ‎)١(‏ انظر لبيان ما ورد على هذا الحديث من مناقشات» ص ‎191/-1١97‏ من هذا الكتاب. () انظر: فتح الباري لابن حجر: 010/5 المحلى لابن حزم: //117. ‏() المبسوط للسرخسي: 108/7. ‏() الاختيار للموصلي: 01/7؛» المغني لابن قدامة: 75/0.

عدد الصفحات ٤٠٠

أخد المال على أعمال القرب 4 لأن الحج عبادة يدخلها المال» بخلاف الصوم» والصلاة”'". ثانيً: إنه قد ثبت أن الحج يقبل النيابة» وإذا صحت النيابة صحت الإجارة. ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: وهؤلاء هم الذين قالوا بالجواز مع الكراهة. فأما دليلهم على الجواز: فقالوا: إن الحج عمل تدخله النيابة» فجازت الأجرة عليه”". وهناك أدلة أخرى على الجوازء ستأتي عند ذكر أدلة أصحاب القول الأول. أما وجه الكراهة عندهم فلما يأتي : ‎-١‏ أن أخذ الأجرة على الحج إنما هو من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة”". ‏- أن أخذ العوض عن العبادة ليس من شيم أهل الخير”". ‏قلت: وهذا الذي ذهب إليه المالكية» ليس على إطلاقه؛ وإنما يحمل على ما إذا كان قصده من الحج عن الغير إنما هو الاكتساب بذلك؛ وهو أن يستفضل مالاً» وليس غرضه الإحسان إلى المحجوج عنه؛ أو رؤية المشاعر» ومحبته للحج» وسيأتي تفصيل ذلك في الترجيح» إن شاء الله تعالى. ‏ثالثا: أدلة أصحاب القول الأول: ‏استدل من قال بالجواز مطلقاً -وهم أصحاب القول الأول- بأدلة كثيرة من السنة» والمعقول» ومعظم أدلتهم من السنة قد تقدمت في مباحث النيابة في الحج فكل ما استدلوا به على جواز النيابة قد استدلوا به على جواز الإجارة*' ؛ وذلك ‎.١٠١١/17 ‏المجموع للنووي:‎ )١( ‏(؟) مواهب الجليل للحطاب : 055/57. ‏(9) مواهب الجليل للحطاب: 7/7. ‏(4) حاشية الدسوقي: ‎2١14 ١18/7‏ حاشية البناني على الزرقاني: 1415/7. (5) الحاوي للماوردي: 715/0.

عدد الصفحات ٤٠١

4 أخن المال على أعمال القرب لأن الحج دين لله وَبْكَ في ذمة المحجوج عنه» فإذا لم يوجد متبرع به» تعين الاستئجار حينئذ طريقا لسداد هذا الدين. ولأصحاب هذا القول أدلة أخرى من السنة؛ والمعقول» نذكرها: أ -أدلتهم من السنة: الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهماء أن النبي ييه قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله)”". وجه الاستدلال: حيث دل الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم» وهومن القرب» فكذلك الحج ؛ لأنه من القرب» فيجوز أخذ الأجرة عليه. مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي : أولاً: أن المراد بالأجر في الحديث هو الأجر الأخروي»؛ وهو الثواب”") الجواب عن هذه المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة: بأن هذا تأويل للحديث يأباه سياق القصة» فإن السياق يدل دلالة قاطعة على أن المراد بالأجر في الحديث هو المال»؛ والعوض المأخوذ على كتاب الله" 2014/4 ‏أخرجه البخاري معلقاً في كتاب الإجارة» باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب:‎ )١( .)01/1(15١9/١١ ‏ووصله في كتاب الطب» باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب:‎ (1) فتح الباري لابن حجر: رسائل ابن عابدين: ‎.١66/1١‏ () فتح الباري لابن حجر : 8 .؛ وسياق الحديث كالآتي: عن ابن عباس رضي الله عنهماء أن نفراً من أصحاب النبي يل مروا بماء فيهم لديغ -أو سليم- فعرض لهم رجل من أهل الماء» فقال: هل فيكم من راق ؟ إن في الماء رجلاً لديغاً» » أو سليماً » فانطلق رجل منهم» ‎٠‏ فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءء فبرأء فجاء بالشاء إلى أصحابه» فكرهوا ذلك» وقالوا : أخذت على كتاب الله أجراء حتى قدموا المدينة» فقالوا: يا رسول اللهء أخذ على كتاب الله أجراء فقال رسول الله يعْ: فذكره...

عدد الصفحات ٤٠٢

أخن المال على أعمال القرب 4 ثانيا: قالوا: إن هذا الحديث منسوخ بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن”". الجواب عن هذه المناقشة : أجيب عن هذه المناقشة بجوابين : الجواب الأول: أن هذا إثبات للنسخ بالاحتمال؛ وهو مردود؛ لأن من شرط الناسخ أن يكون متأخراء ولا سبيل إلى هذا هنا”". الجواب الآخر: هوما سبق أن أجيب به عن النصوص الواردة في الوعيد على أخذ الأجر على القرآن عند ذكر أدلة أصحاب القول الثالث كما تقدم. الدليل الثاني : قصة أبي سعيد الخدري وأصحابه في أخذ الجعل على الرقية بكتاب الله ؛ حيث رقى أبو سعيد الخدري 8 الرجل بفاتحة الكتاب على جعل , فلما قدموا على رسول الله ذكروا له ذلك؛ فقال ي: (وما يدريك أنها رقية)؟, ثم . قال عَم : (لقد أصبتم ؛ اقسمواء واضربوا لي معكم بسهم)'". وجه الاستدلال: حيث دل الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم» فكذلك الحج ؛ لأن كلا منهما مما يتعدى نفعه» ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة”*'. .١100/١ ‏رسائل ابن عابدين:‎ )١( (؟) رسائل ابن عابدين: ‎»١56/١‏ فتح الباري للحافظ ابن حجر: 070/15. () أخرجه البخاري» كتاب الإجارة» باب من ما يعطى في الرقية على أحياء العرب...: 079/5 (57177)؛ ومسلم في كتاب السلام؛ باب جواز الأجسرة على الرقية بالقرآن والأذكار: ‎١1/71/54‏ ‏(07601)). (5) المغني لابن قدامة: 51/0 .

عدد الصفحات ٤٠٣

40 أخن المال على أعمال القرب مناقشة الاستدلال: قالوا: إن الصحابي لم يقرأ القرآن هنا بغرض القربة» بل للتداوي ؛ فهو كصنعة الطب» وغيرها من الصنائع. وعليه؛ فلا حجة فيه على جواز الاستئجار على القرآن» وغيره من القرب» ومنها الحج'". ب - أدلتهم من المعقول: الدليل الأول: قالوا: إن الحج يجوز أخذ النفقة عليهء فجاز الاستئجار عليه ؛ كبناء المساجد» والقناطر”". مناقشة الاستدلال: أولا : لا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الأجرة» بدليل القضاءء والشهادة» والإمامة» يؤخذ عليها الرزق من بيت المال» وهو نفقة في المعنى» ولا غوة أذ الأجرة غليها””". ثانياً: أن القياس على بناء المساجد والقناطر قياس مع الفارق ؛ فإن بناء المساجد والقناطر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة» ويجوز أن يقع قربة» وغير قربة ؛ بخلاف الحج» فإنه يختص فاعله أن يكون من أهل القربة» ولايصح هاهنا أن يكون 25( غير عبادة الدليل الثاني : قالوا: إن الحج عبادة لبا تعلق بالمال» فصحت النيابة فيها بالأجرة» كالزكاة 2. .١6ا//١ ‏رسائل ابن عابدين:‎ )١( .55 2717/0 ‏المغني لابن قدامة:‎ )1( .71/6 ‏المغني لابن قدامة:‎ )9( (5) المغني لابن قدامة: 55/6. (6) المنتقى للباجي : 7 ‎.71/1١/‏

عدد الصفحات ٤٠٤

أخن المال على أعمال القرب َك الدليل الثالث: قالوا: إنه يصح الاستئجار على كتابة المصحف»؛ وبناء عليه ؛ لأنه قربة إلى الله تعالى 7" . الدليل الرابع : قالوا: إن الحاجة تدعو إلى الاستئجار على الحج » فإنه يحتاج إلى الاستنابة فيه عمن وجب عليه وعجز عن فعله, ولايكاد يوجد متبرع بذلك ؛ فيحتاج إلى بذل الأجر فيه'". الدليل الخامس: قالوا: إن الحج عبادة تدخلها النيابة» فجاز أخذ العوض عليه ؛ كتفرقة الزكاة» وغيرها من الأعمال””". مئاقشة الاستدلال: قالوا: إنا لانسلم أن الحج تدخله النيابة» فإنه يقع عن الفاعل”'. الجواب عن المناقشة: إن القول بعدم دخول النيابة في الحج» وأنه يقع عن الفاعل» قولٌ غير صحيح ؛ وذلك لمنابذته للأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز النيابة في الحج» وقد تقدمت في مباحث النيابة بالحج مفصلة””". الدليل السادس: قالوا: إن الاستئجار لم يأت عنه نهي ؛ فهو داخل في عموم أمر النبي ولك بالمؤاجرة”"". .١79//9 ‏التمهيد لابن عبدالبر:‎ )١( ( المغني لابن قدامة: 178/48. () المجموع للنووي: 1794/17. (5) المجموع للنووي: 179/17. والمراد بالفاعل هنا: النائب في الحج. (5) المجموع للنووي: 1794/17. (5) المحلى لابن حزم: 197/8.

عدد الصفحات ٤٠٥

6 أخن المال على أعمال القرب الترجيح: بعد ذكر أدلة الأقوال؛ وما ورد عليها من مناقشات» وما أمكن الجواب به عن هذه المناقشات» فإنه يترجح القول الأول القائل بجواز الاستئجار على الج والعمرة ؛ وذلك لما يأتي : أولاً: قنوةها استدل به أصحاب هذا القول» ويخاصة مآ يععلق يأولة جواك النيابة في الحج» فإنها نصوص صحيحة صريحة » وبعضها صريح في وقوع الحج عن الحجوج عنه» فإذا جازت النيابة» وحصل النفع للمستنيب جاز أخذ الأجرة. ثانياً: أن ما استدل به المانعون أمكن مناقشته» والجواب عنه ما أضعف دلالته على المنع. ثالثاً: أنه من المتقرر أن الحج يتكون من المال» والبدن» فإن تعذر البدن لمرض» أو موتء أو زمانه» بقيت الاستطاعة المالية» وقد تقدم أن المستطيع بماله يدخل تحت عموم قوله تعالى: من امْعَطَاع إِليِْ سّبيلا»: وليس معنى ذلك إلا إعطاء الغيرما يحج به عن المستنيب» ولا يمكن إلزامه أن يحج بالنفقة فقط» أو متبرعاً» فإنه لا قائل بذلك»: فإن تعذر وجود اللمتبرع» أو من يكتفي بالنفقة» فإنه يتعين حينئز الاستئجار طريقاً لقضاء ما وجب في ذمة المحجوج عنه من الحج الواجب» وإلا بقيت ذمته مشغولة. ثم إن النائب قد يكون فقيراًء وهو كاسب أهله؛ ويحتاج إلى امال ؛ لينفق منه على نفسه وأهلهء أو يقضي دينه ؛ فيكون من العدل حينئذ القول بجواز الاستئجار”". رابعاً: أن القول بجواز الاستئجار قول يتفق مع أصول الشريعة» ومقاصدها العظيمة ؛ حيث جاءت بالتيسير» ورفع الحرج» والمشقة عن المكلفين» وتيسير سبل .11//77 ‏مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية:‎ )١(

عدد الصفحات ٤٠٦

أخذ المال على أعمال القرب 41 الخير لبم» فإن الأخذ بهذا القول يمكن المكلف من إبراء ذمته» وتدارك ما فاته» مما أوجبه الله غليه» في الوقت الذي لايمكن فيه إلزام الغير بالتطوع عنه بذلك. وما يحب التنبيه عليه هنا أن القول بجواز الاستئجار على الحج؛ لا يعني أن يكون كل هم النائب هو جمع المال؛ أو يكون قصده من الحج هو استفضال المال» والاكتساب بذلك فقطء فإن هذا -وإن قيل بجوازه- لايستحب» ولا يحسن بالمسلم أن يفعل ذلك ؛ لأن عمله حينئذ خرج من باب الطاعات؛ والقربات؛ إلى باب المباحات» فيحل له المال الذي يأخذه» لكن لا ثواب له في الآخرة. ويقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية تقريرا حسناً بديعاً» فيقول: "وأما إذا كان قصده الاكتساب بذلك؛ وأن يستفضل مالا فهذا صورة الإجارة والجعالة والصواب أنه لايستحب -وإن قيل بجوازه- ؛ لأن العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح في نفسه» إذا لم يقصد به إلا المال» فيكون من نوع المباحات» ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق". ثم يقول رحمه الله تعالى: "ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البر التي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب» لم نجعلها في هذه الحالة إلا بمنزلة المباحات» لا نجعلها من "باب القرب"» فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يعاقب على العمل بهذه النية» أو يثاب» أو لايثاب» و لايعاقب؛ وكذلك المال المأخوذ: إما منهي عنه؛ وإما مستحب» وإما مباح» فهذا هذاء والله أعلم. ولكن قد رجحت الإجارة على”" .. .إذا كان محتاجاً إلى ذلك المال للنفقة مدة الحج» وللنفقة بعد رجوعه؛ أو قضاء دينه» فيقصد إقامة النفقة» وقضاء الدين الواجب. وعليه فهنا تصير الأقسام ثلاثة : # إما أن يقصد الحج» والإحسان”'' فقط. ع8

عدد الصفحات ٤٠٧

44 أخد المال على أعمال القرب * وإما أن يقصد النفقة المشروعة له فقط. وإما أن يقصد كلاهما. فمتى قصد الأول فهو حسن» وإن قصدهما معاً فهو حسن إن شاء الله ؛ لأنهما مقصودان صالحان» وإما إن لم يقصد إلا الكسب لنفقته» فهذا فيه نظر”". ‎)١(‏ المراد بالإحسان هو الإحسان إلى المحجوج عنهء كما سبق تفصيله في النفقة. ‎)١(‏ مجموع الفتاوى لابن تيمية: 217/77 ‎.١1‏

عدد الصفحات ٤٠٨