240 باب أسنان الإبل في دية الخطإ قال أبو بكر اختلف السلف في ذلك فروى علقمة عن الأسود عن عبد الله بن مسعود في دية الخطأ أخماسا وعشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعن عمر بن الخطاب أخماسا أيضا وروى عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطإ أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون أربعة". (1) 224. 45-"كان جميعها في حكم واحد منها فإذا بين حكم واحد منها فقد دل على حكم الجميع قوله تعالى ولا اله دي ولا القلائد أما الهدي فإنه يقع على كل ما يتقرب به م ن الذبائح والصدقات قال النبي صلى الله عليه وسلم المبتكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم الذي يليه كالمهدي بيضة فسمى الدجاجة والبيضة هديا وأراد به الصدقة وكذلك قال أصحابنا فيمن قال ثوبي هذا هدي أن عليه أن يتصدق به إلا أن الإطلاق إنما يتناول أحد هذه الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم إلى الحرم وذبحه فيه قال الله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا خلاف بين السلف والخلف من أهل العلم أن أدناه شاة وقال تعالى من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وقال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وأقله شاة عند جميع الفقهاء فاسم الهدي إذا أطلق يتناول ذبح أحد هذه الأصناف الثلاثة في الحرم وقوله ولا الهدي أراد به النهي عن إح لال الهدي الذي قد جعل للذبح في الحرم وإحلاله استباحة لغير ما سيق إليه من القربة وفيه دلالة على حظر الانتفاع بالهدي إذا ساقه صاحبه إلى البيت أو أوجبه هديا من جهة نذر أو غيره وفيه دلالة على حظر الأكل من الهدايا نذرا كان أو واجبا من إحصار أو أجزاء صيد وظاهره يمنع جواز الأكل من هدي المتعة والقران لشمول الاسم له إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على جواز الأكل منه وأما قوله عز وجل ولا القلائد فإن معناه لا تحلوا القلائد وقد روي في (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 3/205
عدد الصفحات ٢٤٠241 تأويل القلائد وجوه عن السلف فقال ابن عباس أراد الهدي المقلد قال أبو بكر هذا يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد والذي يقلد الإبل والبقر والذي لا يقلد الغنم فحظر تعالى إحلال الهدي مقلدا وغير مقلد وقال مجاهد كانوا إذا أحرموا يقلدون أنفسهم والبهائم من لحاء شجر الحرم فكان ذلك أمنا لهم فحظر الله تعالى استباحة ما هذا وصفه وذلك منسوخ في النا س وفي البهائم غير الهدايا وروي نحوه عن قتادة في تقليد الناس لحاء شجر الحرم وقال بعض أهل العلم أراد به قلائد الهدي بأن يتصدقوا بها ولا ينتفعوا بها وروي عن الحسن أنه قال يقلد الهدي بالنعال فإذا لم توجد فالجفاف «1 »تقور ثم تجعل في أعناقها ثم يتصدق بها وقيل هو صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي قال أبو __________ (1) قوله فالجفاف جمع جف بضم الجيم وتشديد الفاء وهو وعاء الطلع ويقال للوطب الخلق جف أيضا.". (1) 225. 46-"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا روي عن ابن عمر أنه قال أريد به الريح التجارة وهو نحو قوله تعالى ليس عليكم ج ناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التجارة في الحج فأنزل الله تعالى ذلك وقد ذكرناه فيما تقدم وقال مجاهد في قوله تعالى يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا الأجرة والتجارة قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قال مجاهد وعطاء في آخرين هو تعليم إن شاء صاد وإن شاء لم يصد قال أبو بكر هو إطلاق من حظر بمنزلة قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله لما حظر البيع بقوله وذروا البيع عقبه بالإطلاق بعد الصلاة بقوله فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قد تضمن إحراما متقدما لأن الإحلال لا يكون إلا بعد الإحرام وهذا يدل على أن قوله ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام قد اقتضى كون من فعل ذلك محرما فيدل على أن سوق الهدي وتقليده يوجب الإحرام ويبدل قوله ولا آمين البيت الحرام على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام إذ كان قوله وإذا حللتم فاصطادوا قد يضمن أن يكون من (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 3/292
عدد الصفحات ٢٤١242 أم البيت الحرام فعليه إحرام يحل منه ويحل له الاصطياد بعده وقوله وإذا حللتم فاصطادوا قد أراد به الإحلال من الإحرام والخروج من الحرم أيضا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حظر الاصطياد في الحرم بقوله ولا ينفر صيدها ولا خلاف بين السلف والخلف فيه فعلمنا أنه قد أراد به الخروج من الحرم والإحرام جميعا وهو يدل على جواز الاصطياد لمن حل من إحرامه بالحلق وأن بقاء طواف الزيارة عليه لا يمنع لقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وهذا قد حل إذ كان هذا الحلق واقعا للإحلال وقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا قال ابن عباس وقتادة لا يجر منكم لا يحملنكم وقال أهل اللغة يقال جرمني زيد على بغضك أو حملني عليه وقال الفراء لا يكسبنكم يقال جرمت على أهلي أي كسبت لهم وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال الشاعر: جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا «1» __________ (1) قوله جريمة إلى آخره البيت لأبى خراش الهذلي يصف عقابا تكسب لفرخها الناهض وتزقه ما تأكله من لحم طيرا كلته وتبقى العظاء يسيل منها الصليب وهو الودك كما في التهذيب للأزهر ى(1) 226. 47-"أبي نجيح عن مجاهد والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال الحرائر قال أبو بكر الاختلاف في نكاح الكتابية على أنحاء مختلفة منها إباحة نكاح الحرائر منهن إذا كن ذميات فهذا لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار فيه إلا شيئا يروى عن ابن عمر أنه كرهه حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب ويكره نكاح نسائهم قال جعفر وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله حرم المشركات على المسلمين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من أن (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 3/295
عدد الصفحات ٢٤٢243 تقول ربها عيسى بن مريم أو عبد من عبيد الله قال أبو عبيد وحدثني علي بن معبد عن أ المليح عن ميمون بن مهران قال قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب أفننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم قال قلت إني أقرأ ما تقرأ أفننكح نسائهم ونأكل طعامهم قال فأعاد علي آية التحليل وآية التحريم قال أبو بكر يعني بآية التحليل والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب م ن قبلكم وبآية التحريم ولا تنكح وا المشركات حتى يؤمن فلما رأى ابن عمر الآيتين في نظامها تقتضي إحداهما التحليل والأخرى التحريم وقف فيه ولم يقطع بإباحته واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات سوى ابن عمر وجعلوا قوله ولا تنكحوا المشركات خاصا في غير أهل الكتاب حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حماد قال سألت سعيد ابن جبير عن نكاح اليهودية والنصرانية قال لا بأس قال قلت فإن الله تعالى قال ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قال أهل الأوثان والمجوس وقد روي عن عمر ما قدمنا ذكره وروي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة «1 »الكلبية وهي نصرانية وتزوجها على نسائه وروي عن طلحة بن عبيد أنه تزوج يهودية من أهل الشام وتروى إباحة ذلك عن عامة التابعين منهم الحسن وإبراهيم والشعبي في آخرين منهم ولا يخلو قوله __________ (1) قوله الفرافصة بفتح الفاء الأولى وكسر الفاء الثانية قال ابن الأنبارى كل ما في العرب فرافصة بضم الفاء الأولى إلا فرافصة أبا نائلة امرأة عثمان رضى الله عنه.". (1) 227. 48-"ما وصفنا فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب وأنه تؤك ل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. باب الطهارة للصلاة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية قال أبو بكر (1) أحكام القرآن للجصا ص ت قمحاوي 3/324
عدد الصفحات ٢٤٣244 ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط ألا ترى أن من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع الطلاق بعد الدخول وإذا قيل إذا لقيت زيدا فأكرمه أنه موجب للإكرام بعد اللقاء وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته ولا خلاف بين السلف والخلف أن القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة وأن وجوب الطهارة متعلق بسبب آخر غير قيام فليس إذا هذا اللفظ عموما في إيجاب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة إذ كان الحكم فيه متعلقا بضمير غير مذكور وليس في اللفظ أيضا ما يوجب تكرار وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة من وجهين أحدهما ما ذكرنا من تعلق الحكم بضمير غير مذكور يحتاج فيه إلى طلب الدلالة عليه من غيره والثاني أن إذا لا توجب التكرار في لغة العرب ألا ترى أن من قال لرجل إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فدخلها مرة أنه يستحق درهما فإن دخلها مرة أخرى لم يستحق شيئا وكذلك من قال لامرأته إذا دخلت الدار ف أنت طالق فدخلتها مرة طلقت فإن دخلتها مرة أخرى لم تطلق فثبت بذلك أنه ليس في الآية دلالة على وجوب تكرار الطهارة لتكرار القيام بها فإن قيل فلم يتوضأ أحد بالآية إلا مرة واحدة قيل له قد بينا أن الآية غير مكتفية بنفسها في إيجاب الطهارة دون بيان مراد الضمير بها فقول القائل إنه لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة خطأ لأن الآية في معنى المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد به البيان فهو المراد الذي به تعلق الحكم على وجه الإفراد أو التكرار على حسب ما اقتضاه بيان المراد ولو كان لفظ الآية عموما مقتضيا للحكم فيما ورد غير مفتقر إلى البيان لم يكن أيضا موجبا لتكرار الطهارة عند القيام إليها من جهة اللفظ وإنما كان يوجب التكرار من جهة المعنى الذي علق به وجوب الطهارة وهو الحدث دون القيام إليها وقد حدثنا من لا أتهم قال حدثنا أبو مسلم الكرخي قال حدثنا أبو عاصم عن سفيان عن علقمة". (1) 228. 49-"ويدل عليه أيضا ما روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وسعى في (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 3/329
عدد الصفحات ٢٤٤245 الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه فكتب علي رضي الله عنه إلى عامله بالبصرة إن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه فلا تعرضن إلا بخير فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع الطريق فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع الطريق وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قط ع الطريق وإن كان من أهل الملة وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف ويدل على أن المراد به قطع الطريق من أهل الملة قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفو ر رح يم ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة وأن توبتهم من الفع ل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم وأيضا فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة والمذكور في الآية من استحق القتل بالمحاربة فعلمنا أنه لم يرد المرتد وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتد لا ينفى فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل المل ة وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر وإن الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ولا تقطع يده ولا رجله وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب منه شيئا آخر ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرجل دون غيره وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب فعلمنا أن الآية في غير أهل الردة ويدل عليه أيضا قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال في المحاربين إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود التوبة منهم قبل القدرة عليهم وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة
عدد الصفحات ٢٤٥246 قبل القدرة وبعدها فلما علم أنه لم يرد (1) 229. 50-"اقتضى عموم اللفظ القطع من المنكب إلى أن تقوم الدلالة على أن المراد م ا دونه وجائز أن يقال إن الاسم لما تناولها إلى الكوع ولم يجز أن يقال إن ذلك بعض اليد بل يطلق عليه اسم اليد من غير تقييد وإن كان قد يطلق أيضا على ما فوقه إلى المرفق تارة وإلى المنكب أخرى ثم قال تعالى فاقطعوا أيديهما وكانت اليد محظور ة في الأصل فمتى قطعناها من الفصل فقد قضينا عهدة الآية لم يجز لنا قطع ما فوقه إلا بدلالة كما لو قال أعط هذا رجالا فأعطاه ثلاثة منهم فقد فعل المأمور به إذ كان الاسم يتناولهم وإن كان اسم الرجال يتناول ما فوقهم فإن قال قائل يلزمكم في التيمم مثله بقوله تعالى فا مسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وقد قلتم فيه أن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق اقتضاه العموم ولم ينزل عنه إلا بدليل قيل له هما مختلفان من قبل أن اليد لما كانت محظورة في الأصل ثم كان الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى المرفق لم يجز لنا قطع الزيادة بالشك ولما ك ان الأصل الحدث واحتاج إلى استباحة الصلاة لم يزل أيضا إلا بيقين وهو التيمم إلى المرفق ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من المنكب لوقوع الاسم عليه وهم شذوذ لا يعدون خلافا وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق من الكوع وعن عمر وعلي أنهما قطعا اليد من المفصل ويدل على أن دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على الإطلاق قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ولم يقل أحد أنه يقتصر بالتيمم على ما دون المفصل وإنما اختلفوا فيما فوقه واختلفوا في قطع الرجل من أي موضع هو فروي عن علي أنه قطع سارقا من خصر القدم وروى صالح السمان قال رأيت الذي قطعه علي رضي الله عنه مقطوعا من أطراف الأصابع فقيل له من قطعك فقال خير الناس (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 4/52
عدد الصفحات ٢٤٦247 قال أبو رزين سمعت ابن عباس يقول أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابي يعني نحوه فلقد قطع فما أخطأ يقطع الرجل ويذر عقبها وروي مثله عن عطاء وأبي جعفر من قولهما وعن عمر رضي الله عنه في آخرين يقطع الرجل من المفصل وهو قول فقهاء الأمصار والنظر يدل على هذا القول لاتفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر و هو الذي يلي الزند وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتي وأيضا لما اتفقوا على أنه لا يترك". (1) 230. 51-"لأن الناس في دم القران والمتعة على قولين منهم من لا يجيز الأكل منه ومنهم من يبيح الأكل منه ولا يوجبه ولا خلاف بين السلف ومن بعدهم من الفقهاء أن قوله فكلوا منها ليس على الوجوب وقد روي عن عطاء والحسن وإبراهيم ومجاهد قالوا إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل قال مجاهد إنما هو بمنزلة قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقال إبراهيم كان المشركون لا يأكلون من البدن حتى نزلت فكلوا منها فإن شاء أكل وإ ن شاء لم يأكل وروى يونس بن بكير عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال كان الناس في الجاهلية إذا ذبحوا لطخوا بالدم وجه الكعبة وشرحوا اللحم ووضعوه على الحجارة وقالوا لا يحل لنا أن نأكل شيئا جعلناه لله حتى تأكله السباع والطير فلما جاء الإسلام جاء الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا شيئا كنا نصنعه في الجاهلية ألا نصنعه الآن فإنما هو لله فأنزل الله تع الى فكلوا منها وأطعموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا فإن ذلك ليس لله وقال الحسن فلم يعزم عليهم الأكل فإن شئت فكل وإن شئت فدع وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من لحم الأضحية قال أبو بكر وظاهر الآية يقتضي أن يكون المذكور في هذه الآية من بهيمة الأنعام التي أمرنا بالتسمية عليها هي دم القران والمتعة وأقل أحوالها أن تكون شاملة لدم القران والمتعة وسائر الدماء وإن كان الذي يقتضيه ظاهره دم المتعة و القران والدليل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 4/70
عدد الصفحات ٢٤٧248 والقران إذ كان سائر الدماء جائزا له فعلها قبل هذه الأفعال وبعدها فثبت أن ا ر اد بها دم القران والمتعة وزعم الشافعي أن دم المتعة والقران لا يؤكل منهما وظاهر الآية يقتضي بطلان قوله وقد روى جابر وأنس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا في حجة الوداع وروى جابر أيضا وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجة الوداع مائ ة بدنة نحر بيده منها ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر وطبخت وأكل منها وتحسى من المرقة فأكل صلى الله عليه وسلم من دم القران وأيضا لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وأنه لم يكن ليختار من الأعمال إلا أفضلها فثبت أن القران أفضل من الإفراد وأن الدم الواجب به إنما هو نسك وليس بجبران لنقص أدخله في الإحرام ولما كان نسكا جاز الأكل منه كما يأكل من الأضاحي". (1) 231. 52-"بالزنا دون غيره وقد اختلف السلف والفقهاء في التعريض بالزنا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد بن شبرمة والثوري والح سن بن صالح والشافعي لا حد في التعريض بالقذف وقال مالك عليه فيه الحد وروى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال كان عمر يضرب الحد في التعريض وروى ابن وهب عن مالك عن أبى الرحال عن أمه عمرة أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخ ر والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر الناس فقال قائل مدح أباه وأمه وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن يجلد الحد فجلده عمر الحد ثمانين ومعلوم أن عمر لم يشاور في ذلك إلا الصحابة الذين إذا خالفوا قبل خلافهم فثبت بذلك حصول الخلاف بين السلف ثم لما ثبت أن المراد بقوله والذين يرمون المحصنات هو الرمي بالزنا لم يجز لنا إيجاب الحد على غيره إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها الاتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف وأنه قال اجتهادا ورأيا وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة للمعاني وغير جائز إيجاب الحد بالاحتمال لوجهين أحدهما أن الأصل أن (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 5/70
عدد الصفحات ٢٤٨249 القائل بريء الظهر من الجلد فلا نجلده بالشك والمحتمل مشكوك فيه ألا ترى أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته ألبت ة استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت إلا واحدة فلم يلز مه الثلاث بالاحتمال ولذلك قال الفقهاء في كنايات الطلاق إنها لا تجعل طلاقا إلا بدلالة والوجه الآخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ادرءوا الحدود بالشبهات وأقل أحوال التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون شبهة في سقوطه وأيضا قد فرق الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبين التصريح فقال ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا يعني نكاحا فجعل التعريض بمنزلة الإضمار في النفس فوجب أن ي كون كذلك حكم التعريض بالقذف والمعنى الجامع بينهما أن التعريض لما كان فيه احتمال كان في حكم الضمير لوجود الاحتمال فيه واختلف الفقهاء في حد العبد في القذف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي والثوري والشافعي إذا قذف العبد حرا فعليه أربعون جلدة وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وروى الثوري عن جعفر بن محمد". (1) 232. 53-"القول في هل هي من أوائل السور قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها، على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها؛ إذ ليس من قول أحد أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدها أحد آية من سائر السور. ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديث سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها (1) أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي 5/111
عدد الصفحات ٢٤٩250 لعبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال قالعلي عبدي، وإذا قال الدين عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول عبدي لعبدي ما سأل" فلو كانت من فاتحة الكتاب لذكرها فيما ذكر من آي السورة، فدل ذلك على أنها ليست منها. ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب وجعلها نصفين، فانتفى بذلك أن تكون أنه لم يذكرها في القسمة؛ الثاني أنها لو صارت في القسمة لما كانت نصف ين، بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأن فيه. فإن قال قائل: إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة، قيل". (1) 233. 54-"القول في هل هي من أوائل السور قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها، على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها؛ إذ ليس من قول أحد أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدها أحد آية من سائر السور. ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديث سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال قال (1) أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 1/8
عدد الصفحات ٢٥٠251 الدين عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول عبدي لعبدي ما سأل" فلو كانت من فاتحة الكتاب لذكرها فيما ذكر من آي السورة، فدل ذلك على أنها ليست منها. ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب وجعلها نصفين، فانتفى بذلك أن تكون أنه لم يذكرها في القسمة؛ الثاني أنها لو صارت في القسمة لما كانت نصفين، بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأند فيه. فإن قال قائل: إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة، قيل". (1) 234. 55-"وجوب الزكاة لا ينفي بقاء وجوب صدقة الفطر، وعلى أن الأولى أن فرض الزكاة متقدم على صدقة ال فطر لأنه لا خلاف بين السلف في أن "حم السجدة" مكية، وأنها من أوائل ما نزل من القرآن، وفيها وعيد تارك الزكاة عند قوله لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون 7] بالمدينة، فدل ذلك على أن فرض الزكاة متقدم لصدقة الفطر. وقد روي عن ابن عمر ومجاهد في قوله تعا141] عند القوم غير الزكاة وأما الحقوق التي تجب بأسباب من قبل العبد نحو الكفارات والنذور، فلا خلاف أن الزكاة لم تنسخها. واليتامى المرادون بالآية هم الصغار الفقراء الذين مات آباؤهم. والمساكين مختلف فيه، وسنذكر ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى. وابن السبيل روي عن مجاهد أنه المسافر، وعن قتادة أنه الضيف. والقول الأول أشبه لأنه إنما سمي ابن السبيل لأنه على الطريق، كما قيل للطير الإوز: ابن ماء لملازمت ه له. قال ذو الرمة: (1) أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 1/8
عدد الصفحات ٢٥١252 وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق والسائلين يعني به الطالبين للصدقة، قال الله تعا والمحروم24- 25] حدثنامد بن كثير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا مصعب بن محمد قال: حدثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للسائل حق، وإن جاء على فرس". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد بن شريك: حدثن ا أبو الجماهر قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطوا السائل وإن أتى على فرس" والله تعالى أعلم.". (1) 235. 56-"يكون موليا إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار والغضب. والثاني: ما روي عن ابن عباس: أن كل يمين حالت دون الجماع إيلاء؛ ولم يفرق بين الرضا والغضب، وهو قول إبراهيم وابن سيرين والشعبي. والثالث: ما روي عن سعيد بن المسيب: أنه في الجماع وغيره من الصفات، نحو أن يحلف أن لا يكلمها فيكون موليا. وقد روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: تزوجت فلقيت اب ن عباس فقال: بلغني أن في حلقها شيئا قال: تالله لقد خرجت وما أكلمها قال: عليك بها قبل أن تمضي أربعة أشهر. فهذا يدل على موافقة قول سعيد بن المسيب، ويدل على موافقة ابن عمر في أن الهجران من غير يمين هو الإيلاء والرابع: قول ابن عمر أنه إن هجرها فهو إيلاء، ولم ي ذكر الحلف. فأما من ف رق بين حلفه على ترك جماعها ضرارا وبينه على غير وجه الضرار، فإنه ذهب إلى أن الجماع حق لها ولها المطالبة به وليس له منعها حقها من ذلك، فإذا حلف على ترك حقها من الجماع كان موليا حتى تصل إلى حقها من الفرقة؛ إذ ليس له إلا إمساكها بمعروف أو ت سريح بإحسان. وأما إذا قصد الصلاح في ذلك، بأن تكون مرضعة فحلف أن لا يجامعها لئلا يضر ذلك بالصبي، فهذا لم يقصد منع حقها ولا هو غير ممسك لها بمعروف فلا يلزم التسريح بالإحسان ولا يتعلق بيمينه حكم الفرقة. (1) أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 1/162
عدد الصفحات ٢٥٢253 وقولهالضرار؛ لأن ذلك ي قتضي أن يكون مذنبا يقتضي الفيء غفرانه. وهذا عندنا لا يدل على تخصيصه من كان هذا وصفه؛ لأن الآية قد شملت الجميع، وقاصد الضرر أحد من شمله العموم، فرجع هذا الحكم إليه دون غيره. ويدل على استواء حال المطيع والعاصي في ذلك أنهما يستويان في وجوب ال كفارة بالحنث، كذلك يجب أن يستويا في إيجاب الطلاق بمضي المدة. وأيضا سائر الأيمان المعقودة لا يختلف فيه حكم المطيع والعاصي فيما يتعلق بها من إيجاب الكفارة، وجب أن يكون كذلك حكم الطلاق؛ لأنهما جميعا يتعلقان باليمين. وأيضا لا يختلف حكم الرجعة على وجه الضرار وغ يره، وكذلك الإيلاء، وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك؛ لأن الآية لم تفرق بين المطيع والعاصي فهي عامة في الجميع. وأما قول من قال إنه إذا قصد ضرارها بيمين على الكلام ونحوه فلا معنى له؛ لأن قوله أضمر فيه اليمين على ترك الجماع ، لاتفاق الجميع على أن الحالف على ترك جماعها مول، فترك الجماع مضمر في الآية عند الجميع فأثبتناه، وما عدا ذلك من ترك الكلام ونحوه لم تقم الدلالة على إضماره في الآية فلم يضمره. ويدل على ما بيناه قوله غفور رحيم د بالفيء هو الجماع ولا خلاف بين السلف فيه فدل ذلك على أن". (1) 236. 57-"عدتها، فدل على أنه لا تعلق للزوم الإحصاء ولا لوقت طلاق السنة بكونه هو المعتد به دون غيره. وقال القائل الذي قدمنا ذكر اعتراضه في هذا الفصل: وقد اعتبرتم يعني أهل العراق معاني أخر غير الأقراء ، من الاغتسال أو مضي وقت الصلاة، والله تعالى إنما أوجب العدة بالأقراء وليس الاغتسال ولا مضي وقت الصلاة في شيء. فيقال له: لم نعتبر غير الأقراء التي هي عندنا، ولكنا لم نتيقن انقضاء الحيض والحكم بمضيه إلا بأحد معنيين لمن كانت أيامها دون العشرة: وهو الاغتسال و استباحة الصلاة به، فتكون طاهرا بالاتفاق على ما روي عن عمر وعلي وعبد الله وعظماء السلف من بقاء الرجعة إلى أن تغتسل، أو يمضي عليها وقت (1) أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 1/431
عدد الصفحات ٢٥٣254 الصلاة فيلزمها فرضها، فيكون لزوم فرض الصلاة منافيا لبقاء حكم الحيض. وهذا إنما هو كلام في مضي الحيضة الثالثة ووقوع الطهر منه ا، وليس ذلك من الكلام في المسألة في شيء، ألا ترى أنا نقول: إن أيامها إذا كانت عشرة انقضت عدتها بمضي العشرة اغتسلت أو لم تغتسل؟ لحصول اليقين بانقضاء الحيضة؛ إذ لا يكون الحيض عندنا أكثر من عشرة، فالملزم لنا ذلك على اعتبار الحيض مغفل في إلزامه واضع للأقراء في غير مو ضعها. قال أبو بكر رحمه الله: وقد أفردنا لهذه المسألة كتابا واستقصينا القول فيها أكثر من هذا، وفيما ذكرناه ههنا كفاية. وهذا الذي ذكره الله تعالى من العدة ثلاثة قروء ومراده مقصور على الحرة دون الأمة، وذلك؛ لأنه لا خلاف بين السلف أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة؛ وقد روينا عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين منهم: أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" والسنة والإجماع قد دلا على أن مراد الله تعالى في قوله روءئر دون الإماء. قوله تعا الضحى عن مسروق عن أبي بن كعب قال: كان من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها. وروى نافع عن ابن عمر في قوله تعاحامهن قال: "الحيض والحبل". وقال عكرمة: الحيض والحكم عن مجاهد وإبراهيم، أحدهما: "الحمل" وقال الآخر: "الحيض". وعن علي أنه استحلف امرأة أنها لم تستكمل الحيض؛ وقضى بذلك عثمان.". (1) 237. 58-"عنها زوجها، وإن كان مذكورا عقيب ذكر الطلاق، لاعتبار الجميع بالحمل في انقضاء العدة؛ لأنهم قالوا جميعا: "إن مضي الشهور لا تنقضي به عدتها إذا كانت حاملا حتى تضع حملها" فوجب أن يكون قوله تعا [4] (1) أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 1/449
عدد الصفحات ٢٥٤255 ذلك أيضا أن عدة الشهور خاصة في غير المتوفى عنها زوجها. ويدل عليه أيضا أن قوله تعا الأقراء غير مشروطة مع الحمل في الحامل، بل كانت عدة الحامل المطلقة وضع الحمل من غير ضم الأقراء إليها. وقد كان جائزا أن ي كون الحمل والأقراء مجموعين عدة لها بأن لا تنقضي عدتها بوضع الحمل حتى تحيض ثلاث حيض، فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي الحمل غير مضموم إليه الشهور. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله في هذه الآية حين نزلت ال أجلهن أن يضعن حملهن4] روت أم سلمة أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج. وروى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك: "أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج". وهذا حديث قد ورد من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنه مع ما عضده من ظاهر الكتاب. وهذه الآية خاصة في الحرائر دون الإماء؛ لأنه لا خلاف بين السلف فيما نعلمه وبين فقهاء الأمصار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام نصف عدة الحرة. وقد حكي عن الأصم أنها عامة في الأمة والحرة، وكذلك يقول في عدة الأمة في الطلاق "إنها ثلاث حيض" وهو قول شاذ خارج عن أقاويل السلف والخلف مخالف للسنة؛ لأن السلف لم يختلفوا في أن عدة الأمة من الحيض والشهور على النصف من عدة الحرة؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" وهذا خبر قد تلقاه الفقهاء بالقبول واستعملوه في تنصيف عدة الأمة، فهو في حيز التواتر الموجب للعلم عندنا. واختلف السلف في المتوفى عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد: "عدتها منذ يوم يموت، وكذلك في الطلاق من يوم طلق" وهو قول الأسود بن يزيد في آخرين، وهو قول فقهاء الأمصار. وقال علي والحسن
عدد الصفحات ٢٥٥