89 الف .)1(ووفقا للشكل الأخير بويع أبو بكر ا لم تكن عملية وصول الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى السلطة وتوليه القيادة (الخلافة) قد سارت بشكل تقليدي روتيني كالخلفاء الذين سبقوْ، إذ إن الإمام علياً (عليه السلام)قد بويع بالخلافة بعد ثورة جماهيرية واسعة قادتها قطاعات واسعة من المسلمين آنذاك، بعد ان مارست دور المعارضة ردحاً من الزمن. ولقد انتشرت هذه الثورة وعمليات التمرد على الولاة في معظم الأمصار والولايات الرئيسة وكانت هذه الثورة حصيلة مجموعة من الممارسات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية-غير التنظيمية-التي مارسها الخليفة الثالث عثمان بن عفان وبعض ولاته. وقد مهدت هذه الممارسات عموما التي بدأت من سقيفة بني ساعدة التي بويع فيها . )2(بالخلافة لأبي بكر، ترسيخ وتكريس مبدأ-افضلية قريشي-على سائر القبائل العربية هذا التكريس جذر لـ ((ايديولوجيا افضلية قرشي)) المبالغ فيها والتي تعززت اكثر بعد وصول عثمان بن عفان للسلطة بعد ما بويع له من رجال الشورى ((القرشيين)) الذين . وفي هذا الموضع يذكر الدكتور (*)عينهم عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة من بعده . 16 ابو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أي كتاب ؟مصدر سابق، ص )1( . وينظــر كذلــك136-129 د. محمــد عابــد الجابــري، العقــل الســياسي العــربي، مصــدر ســابق، ص )2( .15-12الدينــوري، الإمامــة والسياســة، مصــدر ســابق، ص (*) أوصى ابــو بكــر بالخلافــة مــن بعــده لعمــر بــن الخطــاب، أمــا عمــر فلــم يــوص ولكنــه أوجــد نظــام شــورى مصغــراً مكونــاً مــن رجــال ســتة كلهــم مــن قريــش وهــم عــلي بــن ابي طالــب، عبــد الرحمــن بــن عــوف، ســعد بــن ابي وقــاص، الزبــير بــن العــوام، عثــمان بــن عفــان وطلحــة بــن عبــد الله ولقــد مالــت الكفــة لعثــمان لأن عبــد الرحمــن بــن عــوف معــه اذ أوصى عمــر ان الجهــة التــي بهــا ابــن عــوف خــير مــن الأخــرى فرجحــت كفــة عثــمان الــذي مالــت اليــه قلــوب القرشــيين بعدمــا اشــتد عليهــم عمــر بحزمــه وصرامتــه فمالــوا له.ينظــر: . 31-28الدينــوري، المصــدر الســابق نفســه، ص
عدد الصفحات ٨٩90 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الجابري أن وقائع الشورى قد ولدت صراعاً شديداً بين علي وأنصاره وعثمان وأهله مرة . )2(أخرى وبعبارة أخرى برز الصراع بين بني هاشم الممثل بعلي والأمويين الممثل بعثمان مما انعكس هذا الأمر بعد ذلك على سياسة عثمان بن عفان في تقريبه للقرشيين عموماً وأولاد عمومته ((الأمويين)) خصوصاً وتفضيلهم على سائر الصحابة من ذوي السابقة في الإسلام إيماناً وجهاداً، فقد أورد الدينوري في كتابه ((الإمامة والسياسة)) ابرز الممارسات التي وقع فيها عثمان بن عفان قائلا: ((وذكروا انه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول وسنة صاحبيه، وما كان من هبته خمس افريقيا لمروان وفيه حق الله ورسوله ومنهم (*)الله . وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا سبع دور (**)ذوو القربى واليتامى والمساكين بناها في المدينة: دارا لنائلة، ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته وبنيان مروان القصور بذي خشب ((بضم الخاء والشين/موضع بالمدينة)) وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله، وما كان من إفشائه العمل في الولايات في أهله وبني عمه من بني . (***)أمية . 146)د. محمد عابد الجابر، العقل السياسي العربي، مصدر سابق، ص2( ). ينظــر: طــه حســين، Y(*) لقــد احــى الدكتــور طــه حســين جملــة مــن المخالفــات الصريحــة لســنة الرســول . 186-175، ص1976،9الفتنــة الكــبرى عثــمان، طبــع دار المعــارف بمصـــر، ط (**) كــما وهــب أمــوال الصدقــات المجموعــة مــن قضاعــة لابــن عمــه الحــارث بــن الحكــم، ينظــر: طــه . 194حســين، مصــدر ســابق، ص (***) فــوالي البــصرة ابــن خالــه عبــد الله بــن عامــر بــن كريــز ولاّه وعمــره خمــس وعــشرون ســنة، ينظــر: ، وولى أخــاه مــن الرضاعــة عبــد الله بــن ســعد ابــن ابي سرح عــلى مــصر 115طــه حســين، مصــدر ســابق، ص بعــد عمــرو بــن العــاص، وابــن ســعد هــذا كان يســخر مــن القــرآن وقــد اهــدر النبــي (صــلى الله عليــه وآلــه وسلم) دمه يوم الفتح، ولكن عثمان جاء به مسلماً الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ، امــا ابــن عمــه معاويــة بــن ابي ســفيان فــكان واليــه عــلى الشــام التــي 124ينظــر: المصــدر الســابق نفســه، ص ضــم إليهــا ولايــات ((حمــص وفلســطين والاردن)) وكان يرســل المعارضــين لــه ليؤدبهــم ويغــير أفكارهــم:
عدد الصفحات ٩٠91 الف وكذلك ما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة اذ صلى بالناس الصبح وقت إمراته عليها وهوسكران أربع ركعات ثم قال لهم: ان شئتم ازيدكم صلاة زدتكم، وتعطيل إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لايستعملهم على شيء ولا يستشيرهم، استغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدارة القطائع والأرزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليس لهم صحبة من النبي في مثل ظروف اجتماعية كهذة كان )1((صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يغزون ولا يذبون من الطبيعي ان تفرز مشكلات اجتماعية عديدة منها انتشار ظاهرة الفساد الإداري تلك الظاهرة التي تجلت نتيجة العوامل الآتية: أولاً:- إن معيار وأساس التعيين الوظيفي في أي منصب زمن الخليفة الثالث كان مرتكزا على مدى القرابة الدموية منه وليس معيار الكفاءة الإدارية والمقدرة التنظيمية. ثانياً:- وما دامت الثوابت الدينية التي بُني عليها البناء التنظيمي الإسلامي قد عُطلت أوألغي العمل بها من قبيل السبق في الإسلام والدور الجهادي والمنزلة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أن هذه المنزلة تجسدت وانعكست في سلوك تربوي-أخلاقي مهم لاسيما وأن عنصر البناء التنظيمي في الإسلام هي مسألة التقوى، فضلا عن تأثره بقيادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإدارته الدولة، هذا من ناحية، ومن نواح أخرى الصفات الأخلاقية للمسلم الذي يتبوأ مركزاً او منصباً إدارياً، ما دامت هذه الثوابت قد عطلت او ألغي العمل ببعضها من زمن الخليفة عثمان فقد كانت المحصلة كالآتي:- ، امــا الوليــد بــن عقبــة واليــه عــلى الكوفــة فــكان أخــوه مــن امــه. ينظــر: 119-112المصــدر الســابق نفســه، ص تفاصيــل ذلــك د. فاضــل الأنصــاري، قصــة الاســتبداد، أنظمــة الغلبــة في تاريــخ المنطقــة العربيــة، منشــورات . 369، ص2004وزارة الثقافــة الســورية، . 35 الدينوري، الإمامة والسياسة، مصدر سابق، ص )1(
عدد الصفحات ٩١92 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال ا. استثمار واسع للأموال العامة واستخدامها في مشاريع وأمور لا تخدم المصلحة العامة، وهذا يعكس بطبيعة الحال انعدام الرقابة المالية والإدارية. ب. الثراء الفاحش من الأموال العامة ((للأقلية في المجتمع)) ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يصل الى التبجح بذلك والتسيد على الناس والاستعلاء عليهم كما فعل والي . )1(الخليفة الثالث على الكوفة سعيد بن العاص جـ. الرد بقسوة تجاه أي صوت معارض يوضح او يَبّين المفاسد الإدارية والتنظيمية التي تسري في بناء الدولة حتى لو كان هذا المعارض صحابياً عظيم المنزلة في الإسلام . )2(إيماناً وجهاداً ولكنّ المشكلة الحقيقية والرئيسة التي وسّعت عدد المعارضين وفئاتهم واسهمت في احداث الثورة على الخليفة مطالبة بخلعه او عزله هي مسألة الفيء ((الأموال)). وعلى حد تعبير الكاتب جورج جرداق كانت سياسة عثمان المالية-والإدارية ومستلزماتها وفي ذلــك يقــول الأســتاذ عبــاس محمــود العقــاد: وكانــت قبائــل الباديــة تنفــس عــلى قريــش غنائــم )1( الولايــة ومناصــب الدولــة وينظــرون إليهــم نظرتهــم إلى القــوي المســتأثر بجــاه الديــن والدنيــا وحــق الخلافــة والســطوة، وهــي حالــة كان احجــى بالــولاة أن يخفوهــا ويتلطفــوا في إصلاحهــا او تبديلهــا مــا اســتطاعوا ولكنهــم عــلى نقيــض ذلــك كانــوا يباهــون بهــا ويجهــرون بحديثهــا حتــى قــال ســعيد بــن العــاص والي الكوفــة: انــما الســواد بســتان قريــش. ينظــر تفاصيــل ذلــك كتابــه ، عبقريــة الإمــام وطــه حســين، الفتنــة الكــبرى، مصــدر ســابق، 54، ص1981،5عــلي، طبــع دار المعــارف بمــصر، ط . 113-110ص فقــد نفــي الصحــابي ابــو ذر الغفــاري إلى الشــام أولاً ثــم إلى الربــذة ((مــن نواحــي المدينــة)) ثانيــاً )2( -163لأنــه عـــاب السياســة الماليــة للخليفة وولاتـــه: ينظـــر: طـــه حســين، المصدر الســابق نفســه، ص . كــما ضرب عــمار بــن يــاسر حتــى غــشي عليــه ينظــر، طــه حســين، المصــدر الســابق نفســه، 165 ، وينظــر كذلــك36. وينظــر كذلــك الدينــوري، الإمامــة والسياســة، مصــدر ســابق، ص167ص . 66عبــاس محمــود العقــاد، المصــدر الســابق، ص
عدد الصفحات ٩٢93 الف تشطر الناس شطرين على ما لا عهد لهم به: الحكام والانسباء وحصتهم الثراء والطغيان، والعامة ونصيبها الحرمان واحتمال الجور، وقد تركزت هذه السياسة الرأسمالية الخالصة الى الناس حيث أقاموا في بلاد العرب فكان الترف (*)بعد اقتراح عثمان بنقل الفيء . )2(والتبطل من نصيب الأثرياء الذين أفادوا من هذا التدب كانت لهذا القرار تداعياته الشديدة على مسألة التراتب الاجتماعي للمجتمع الإسلامي آنذاك، حيث ولد تفاوتاً طبقياً حاداً بين المالكين لتلك الأراضي والمعدمين وممن سواهم، وبرؤية تحليلية أوسع لطه حسين نجده يرى ان هذا النظام الذي استحدثه الخليفة الثالث عن رأيه هو أو عن رأي مشيريه، لم تكن له نتائجه السياسية وحدها من نشأة هذه الطبقة الغنية المسرفة في الغنى، التي استهوت الناس وفرقتهم أحزاباً وتنازعت السلطان فيما بينها بفضل هذه التفرقة، وإنما كانت له نتائجه الاجتماعية أيضاً، فقد بلغ نظام الطبقات غايته بحكم هذا الانقلاب فوجدت طبقة الأرستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع. ووجدت طبقة البائسين الذين يعملون في الأرض ويقومون على مرافق هؤلاء السادة. ووجدت بين هاتين الطبقتين المتباعدتين طبقة (*) ومعنــى ذلــك ان عثــمان عــرض عــلى أهــل الحجــاز أولاً ثــم عــم ذلــك في بــلاد العــرب كلهــا فيــما بعــد، ان يســتبدلوا بــما كان لهــم في العــراق وفي الأقاليــم مــن الأرض أرضــا في الحجــاز او في غيرهــا مــن بــلاد العــرب. فــإذا فعلــوا ذلــك قامــوا في بلادهــم لم ينتقلــوا عنهــا، وأقــام معهــم أهلهــم وذوي أســبابهم، فخــف الضغــط عــلى الأقاليــم وقلــت هجــرة الإعــراب إليهــا. وســيحتاج هــؤلاء الذيــن يشــترون ارض الحجــاز وبــلاد العــرب مــكان أرض الأقاليــم، الى كثــير مــن الأيــدي العاملــة لاســتصلاحها واســتثمارها، فيكثــر اجتــلاب الرقيــق والمــوالي الى بــلاد العــرب ويخفــف الضغــط عــلى الأقاليــم مــن هــؤلاء الاســارى الذيــن كانــوا يطــرأون عــلى الأمصــار في غــير انقطــاع، ينظر: للاســتزادة . 110-104طــه حســين، الفتنــة الكــبرى، مصــدر ســابق، ص ، دار ومكتبــة صعصعــة، 4 جــورج جــرداق، الإمــام عــلي صــوت العدالــة الإنســانية، عــلي وعــصره، ج )2( .125، ص2003،1البحريــن، ط
عدد الصفحات ٩٣94 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال متوسطة هي طبقة العامة من العرب، الذين كانوا يقيمون في الأمصار ويغيرون ع العدو ويحمون الثغور، ويذودون عمن وراءهم من الناس وعما وراءهم من الثراء، وهذه . )1(الطبقة المتوسطة هي التي تنازعها الأغنياء ففرقوها شيعاً وأحزاباً في ظل هذه المعطيات الاجتماعية المتردية من فساد إداري وسياسة اقتصادية خاطئة تولدت المعارضة في صفوف المسلمين من عامة الناس، واندفع أبرز الصحابة في مقدمتها كما نوهنا لذلك مسبقاً، ولما لم تنجح العهود والمواثيق المأخوذة على الخليفة في تغيير سياسته عموماً على الرغم من عزل بعض ولاته واعتذاره عن اخطائه وأخطائهم، فضلاً عن فشل سياسة التهدئة حيناً وسياسة القسوة والعنف حيناً آخر، اندفع المعارضون من مصريين أ ولا ومن تبعهم من أبناء الأمصار والولايات آنذاك، اندفعوا نحو ((المدينة)) لخلع او عزل الخليفة. ولما فشلت هذه المسألة اتفق بعض منهم على قتله على الرغم من رفض كبار الصحابة ذلك الأمر، وفعلاً تم قتل الخليفة عثمان بعد ان أحدث تنظيماً اجتماعياً غريباً وغير مألوف لدى المسلمين لا في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في عهد الخليفتين ابي بكر وعمر، هذا التنظيم الذي افرز-مجتمع الفتنة-في حينه و ((الحرب الأهلية)) في حينٍ اخر في عهد خلافة الإمام علي (عليه السلام) الذي تحمل وبعض الصحابة الاجلاء . )2( عملية إصلاح وتعديـل أخطاء التنظيمات الإدارية التي جاء بها عثمان مما تقدم يتضح أمامنا ثقل المسؤولية الاجتماعية المنبثقة عن الظروف المجتمعية المتدهورة والأوضاع الاجتماعية المتردية التي كانت بحاجة ماسة الى عملية تغيير اجتماعي . 109 طه حسين، الفتنة الكبرى عثمان، مصدر سابق، ص )1( ، وعبــاس 109 في تفاصيــل ذلــك كلــه، ينظــر: طــه حســين، الفتنــة الكــبرى عثــمان، مصــدر ســابق، ص )2( . ومحمــد 175-121. وجــورج جــرداق، مصــدر ســابق ص 77-54محمــود العقــاد، المصــدر الســابق، ص . 24-14عــمارة وآخــرون، عــلي بــن ابي طالــب نظــرة عصريــة جديــدة مصــدر ســابق، ص
عدد الصفحات ٩٤95 الف أولاً ثم عملية إعادة التنظيم ثانياً وهذا ما قام به وتحمله الإمام علي (عليه السلام)بعد ذلك. وستحاول الباحثة في المباحث اللاحقة توضيح الأسس والقواعد الشرعية للسلطة والقيادة لدى الإمام علي (عليه السلام) التي من خلالها استطاع ادارة دفة التغيير الاجتماعي وبالتالي إحداث تنظيم اجتماعي وسياسي واقتصادي وقضائي مغاير لما سبقه.
عدد الصفحات ٩٥97 الف المبحث الأول ال نستطيع أن نحدد الغاية من هذا المبحث من خلال الإجابة عن تساؤلين رئيسين، لا يبنى عليها هذا المبحث فحسب، بل سائر المباحث الأخرى، وهذان التساؤلان هما:- أولاً:- ما الأسس والقواعد الشرعية التي استندت إليها سلطة الإمام علي (عليه السلام) وقيادته؟ وما هو البعد التنظيمي في تلك الأسس والقواعد؟ ثانياً:- ما أسس ومرتكزات السياسة التنظيمية العامة التي مارسها الإمام علي (عليه السلام) في المجتمع الإسلامي آنذاك؟ وللإجابة عن التساؤل الأول ينبغي الانطلاق من نقطة غاية في الأهمية، الإ هي: إن رغبة المسلمين في تولي الإمام الخلافة بعد مقتل عثمان كانت مرتكزة على نظرتهم للإمام بوصفه قائداً دينياً وشعبياً لهم أولا قبل أن يكون حاكماً عليهم أو يبايعونه لأجل ذلك أي ((السلطة))، وهذه المسألة ترتكز على التفريق بين مدلولي ((القيادة)) و ((السلطة)) وعلى حد قول الباحثين: فالقيادة (*)لدى الإمام، وكما يشير إلى ذلك التفريق المفاهيمي تعني ان الفرد الذي في المركز او الدور يتمتع بقبول ورضى من الجماعة التي يقودها، فالعلاقة هنا علاقة القبول والموافقة، مع درجة معينة من تفضل ذلك الشخص على غيره في ذلك الموقع، وهذا المعنى يميز القيادة عن السلطة التي تعني الحق الرسمي او العلاقة
عدد الصفحات ٩٧98 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الرسمية بين صاحب الأمر ومن يتلقى الأمر وينفذه ويميزها عن ((الرئاسة)) كذلك التي تعني وجود علاقة رئيس ومرؤوس من دون التضمين بوجود موافقة او قبول من . )1(عدمه فالثائرون على عثمان نظروا للإمام علي (عليه السلام) بوصفه قائدا لهم على الرغم من أنه كان رافضاً إراقة دم الخليفة، إلا أنه كان معهم في إصلاحه وتعديل وتنظيم ما كان خطأ. وعلى حد تعبير محمد عمارة... بل لانغالي اذا قلنا ان صوت معارضته ونقده كان أعلى هذه الأصوات... ومن ثم فإن حركة المعارضة والنقد ثم الثورة ضد هذه الأوضاع الجديدة قد اتخذت من علي رمزا لها، وقيادة تلتف من حولها، كي تمارس الضغط والنقد لأصحاب المصلحة الحقيقية في هذه الأوضاع التي طرأت على المجتمع في ذلك الحين، . )2(حدث ذلك قبل مقتل عثمان ومبايعة علي بالخلافة ولما كان دور القيادة الذي يمثله الإمام (عليه السلام) فهؤلاء الثائرون الذين استولوا على المدينة بعد مقتل عثمان لم يكن هذا الدور كافيا اجتمع رأيهم ورأي الكثير . الا ان الإمام (عليه السلام) رفض ذلك )3( من الصحابة على توليته السلطة ((الخلافة مصرا على أهمية رأي المسلمين عامة ((جمهور المسلمين)) وفـي ذلك يذكر الدينوري ((انه لما اجتمع المسلمون وأتوا عليا في داره، فقالوا نبايعك، فمد يدك، لابد من أمير، فأنت أحق بها، قال: ليس ذلك إليكم، إنما هـو لأهـل الشورى وأهل بدر، فمن رضى به أهل الشورى واهـل بـدر فهو الخليفة، فنجتمع وننظر في هذا الأمر، فأبى أن يبايعهم، فانصرفوا عنه، وكلم بعضهم بعضا فقالوا: يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون د. بشــير محمــد الخــضر، النمــط النبوي-الخليفــي في القيــادة السياســة العربيــة والديمقراطيــة، مصــدر )1( .79ســابق، ص . 23-22 محمد عمارة وآخرون، علي بن ابي طالب، نظرة عصرية جديدة، مصدر سابق، ص )2( ،2004،1 ابــن ابي الحديــد المعتــزلي، شرح نهــج البلاغــة، مؤسســة الاعلمــي للمطبوعــات، بــيروت، ط )3( .246، ص2م
عدد الصفحات ٩٨99 الف بقتله ولا يسمعون انه بويع لأحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية، فلا نأمن ان يكون في ذلك الفساد، فارجعوا الى علي، فلا تتركوه حتى يبايع، فيسير مع قتل عثمان بيعة . )1(علي، فيطمئن الناس ويكنون فرجعوا إلى ع إلا إن الإمام (عليه السلام) رفض البيعة أول الأمر وفي ذلك يقول المعتزلي ((وسألوه بسط يده، فقبضها فتداكوا عليه ((ازدحموا)) تداك الابل الهيم على وردها، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا، فلما رأى منهم ما رأى، سألهم ان تكون بيعته في المسجد ظاهرة . )2(للناس وقال: إن كرهني رجل واحد من الناس لم ادخل في هذا الامر وقال الإمام (عليه السلام) في وصف هذه البيعة، ((وبسطتم يدي فكففتها ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم (العطاش) على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس بيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج اليها الكبير ((مشى مشية الخفيف)) وتحامل نحوها العليل . )3( وحسرت اليها الكعاب (أي كشفت النساء عن وجهها متوجهة الى البيعة في ظل هذه المعطيات كانت الشرعية تأخذ دلالاتها ومدياتها، بعد عملية البيعة الواسعة التي مكنت الإمام (عليه السلام) من الحصول على السلطة ((الخلافة)) التي تمثل حجر الزاوية في البناء التنظيمي للمجتمع، وفي الوقت نفسه فإن هذه المعطيات تكشف بجلاء عن حاجة الناس-المجتمع الإسلامي-الى اعادة التنظيم القديم بآخر يحل محله ويعالج الخلل الواضح واللا معيارية المهيمنة التي يكشف عنها ويبرزها هذا التوافد والتحاشد على الإمام لاختياره خليفة وقائداً يتمتع بسلطة شرعية لينهض بهذه المهمة. . 47 ابو محمد عبد الله الدينوري، الإمامة والسياسة، مصدر سابق، ص )1( .246 ابن ابي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )2( ، منشــورات 2 الشــيخ محمــد عبــده، شرح نهــج البلاغــة للامــام عــلي بــن ابي طالــب (عليــه الســلام)، ج )3( .222، ص2، ج1984مكتبــة النهضــة، بغــداد،
عدد الصفحات ٩٩100 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال وفي مقاربات سوسيولوجية لذلك الأمر ولمعرفة البعد التنظيمي لمسألتي السلطة والشرعية هنا، نجد أن نظرية فيبر في التنظيم تستند استنادا أساسياً إلى مفهوم السلطة الذي قصد به عموماً احتمال ان تطيع جماعة معينة من الناس الأوامر المحددة Authority التي تصدر عن مصدر معين. ولكنه سرعان ما أقام تفرقة بين هذا المفهوم وبعض المفاهيم )، موضحاً ان السلطة persuation) والتأث powerالأخرى المرتبطة به مثل القوة تتميز بأن صاحبها لديه الحق في ممارستها وإن من يخضع لها يرى ان من واجبه طاعتها، ) يمنحها Legitimacyبعبارة اخرى فإن السلطة تفترض وجود ضرب من الشرعية استقرار نسبي يحدد ابعادها فالجماعة هنا على استعداد للطاعة لان أعضاءها يؤمنون . )1(بالفعل بأن مصدر الضبط مصدر شرعي فالسلطة الشرعية هي سلطة القادر على فرض قراراتها بوصفها قرارات نافذة ومثبتة، وهي من جهة التفاعل والمسلك السلطة التي تكون توجيهاتها موضع تأييد واستحسان من جانب أولئك الذين تخاطبهم. وفي المقابل تعتبر الطاعة او التأييد المتحمس من عوامل الإسهام في جعل السلطة واجباً معنوياً او حقوقياً يربط بين المهيمن والمهمين عليه، او بين . )2(الحاكم والمحكوم تصنيف وتحديد أنماط السلطة في M. Weberواستنادا الى هذا الفهم حاول في ضوء التوجه القيمي العام الذي يسندها، ذلك التوجه الذي يجد تعبيره المثالي في إيمان الناس بشرعية السلطة. فذهب الى ان هناك ثلاثة انماط للسلطة هي السلطة الروحية والسلطة القانونية Traditional والسلطة التقليدية charismaticالمستندة إلى الالهام . )3( Legel .47-46 د. السيد محمد الحسيني، النظرية الاجتماعية ودراسة التنظيم، مصدر سابق، ص)1( .122 د. خليل احمد خليل، المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، مصدر سابق، ص )2( .47 د. السيد محمد الحسني، مصدر سابق، ص )3(
عدد الصفحات ١٠٠101 الف فالسلطة الأخيرة تقوم على أسس معقولة او رشيدة تستند الى الاعتقاد في شرعية القواعد المعيارية وأحقية أولئك الذين ارتقوا الى مناصب السلطة في ظل هذه القواعد ليصدروا الأوامر، وتقوم السلطة التقليدية على أسس كلاسيكية تعتمد على اعتقاد قائم في قداسة الأعراف والتقاليد القديمة ومشروعية مكانة أولئك الذين يمارسون السلطة في ظلها، وترتكز السلطة الملهمة الى أسس-عظيمة-ترتكز على الولاء الى البطولة والقداسة الخاصة او الاستثنائية-او الشخصية المثالية لأحد الأفراد او الأنماط المعيارية او النظام . )1(الذي يفرضه او يرسم معالمه وحاول احد الباحثين استدماج أنواع السلطات الثلاث وشرعيتها المذكورة آنفاً مع السلطة وشرعيتها التي حاز عليها الإمام علي (عليه السلام) من الامة معتبراً ان السلطة الكرزماتيكية ((الملهمة)) قد حاز عليها من خلال قرابته الدموية والنسبية من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فضلا عن قربه الدائم منه وشجاعته الواضحة في بدايات . )2(الدعوة الإسلامية وحروب الإسلام اما السلطة التقليدية فقد تمثلت لديه بقداسة الموروث الديني عن الرسول (صلى أي ((الحكام)) وهذا (*)الله عليه وآله وسلم) عندما أشار إلى أن ((الائمة من قريش)) الأمر لا يعدو الإمام (عليه السلام) بطبيعة الحال لأنه ينتمي لأحد بطون قريش ((بني هاشم)) اما الشرعية الأخيرة التي نالها الإمام (عليه السلام) فهي بنظر الباحث من . 114-111 جوليان فروند، سوسيولوجيا ماكس فيبر، مركز الانماء القومي، بيروت، د.ت، ص )1( واشــار عبــاس محمــود العقــاد الى صفاتــه الجســمية وشــجاعته التــي تعــد احــدى ســمات القائــد )2( الكرزماتيكــي قائــلاً: ((وتــدل أخبــاره كــما تــدل صفاتــه عــلى قــوة جســمية بالغــة في المكانــة والصلابــة والصــ عــلى العــوارض والآفــات فربــما رفــع الفــارس بيــده فجلــد بــه الأرض غــير جاهــد ولا حافــل، ويمســك بــذراع الرجــل فكأنــه يمســك بنفســه فــلا يســتطيع ان يتنفــس واشــتهر عنــه انــه لم يصــارع أحــداً الا صرعــه ولم يبــارز احــدا إلا قتلــه وقــد يزحــزح الحجــر الضخــم لا يزحزحــه رجــال ويحمــل البــاب الكبــير يعيــا بقلبــه الأشــداء . 12ويصيــح الصيحــة فتخلــع لهــا قلــوب الشــجعان)). عبقريــة الإمــام عــلي، مصــدر ســابق، ص
عدد الصفحات ١٠١102 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال خلال عملية ((البيعة)) ((التي عرضنا تفاصيلها مسبقا)) اذ عدها الباحث هنا محورا للسلطة العقلانية-القانونية على اساس حدوث عملية تعاقد اجتماعي-حقيقي بين . )1(الحاكم والمحكوم عبر آلية البيعة وتأسيسا على ما تقدم فإن الذي نخلص اليه أن البعد التنظيمي لشرعية سلطة الإمام تتمثل بالآتي:- أولاً:- ان مصدر شرعية سلطة الإمام علي (عليه السلام) تمثل محوراً مهماً ارتكز عليه الإمام في أحداث سياسته التنظيمية على اساس انه مخول من الامة لإصلاح شؤونها الإدارية عموما لاسيما أنها مرت بظروف لم تألفها في زمن الخليفة السابق. ثانياً:- ان أي معترض أو رافض لمقررات أو تشريعات الخليفة الإمام علي (عليه السلام) إنما يعد متجاوزا على إرادة الامة التي خولت الإمام بالسلطة لتتيح له وضع هذه التشريعات، ومن ثم فالراد على الإمام والمعارض له هو راد على الامة برمتها، ولاسيما أنه وصل الى سدة الحكم عن طريق عملية البيعة ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة. ثالثاً:- ان سلطة الإمام (عليه السلام) لا تعكس قيادته السياسية فحسب بوصفه شخصا مبايعا، بل تعكس خصائصه وسماته ((الشخصية)) التي نظر إليها آنذاك بوصفها إحدى مقومات سلطته وقيادته عموما. وهذا ما يلتقي او يرتبط بمسألتين مهمتين هما السلطة الكرزماتيكية التي أشار إليها فيبر من جهة وما أشار إليها وبعض الباحثين في نظريات القيادة ألا وهي ((نظرية السمات ) مصطفــى جعفــر وآخــرون، الديــن والسياســة، نظريــات الحكــم في الفكــر الســياسي الإســلامي، كتــاب 1( المنهــاج، سلســلة بحــوث ثقافيــة تصدرهــا مجلــة المنهــاج التابعــة لمركــز الغديــر للدراســات الإســلامية، بــيروت، .879، ص10، ج2003
عدد الصفحات ١٠٢103 الف .)*( ))traits theory وقد تعزز هذا الأمر في شخص الإمام عبر عدّه بنظر المسلمين آنذاك الشخصية القيادية التي تحمل صفات اجتماعية عدة أبرزها انحداره من قريش/بني هاشم الذين كانوا يحظون باحترام المسلمين عموما. وفي الوقت نفسه تحمل صفات دينية-اجتماعية (قرابته من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) ومصاهرته له عبر زواجه من فاطمة الزهراء (عليها السلام)، واسلامه المبكر وتفقهه في الدين. وكذلك صفات سياسية (بصفته مستشارا لأغلب الخلفاء الذين سبقوه) وصفات جسمانية (قوته وشجاعته). ويرتكز ذلك كله ببروزه في موقف تفاعلي-سياسي-اجتماعي-حرج ألا هو قضية الفتنة التي حدثت زمن الخليفة عثمان وموقفه من الثائرين ومن مقتله، هذا الموقف عموماً يرتبط بمدخلين رئيسين فسر في ضوئها مسألة القيادة الا وهما المدخل الموقفي/ النظرية الموقفية ))، اذ يرى أصحاب هذه النظرية ان صفات الشخص (سماته) situatioal Theory(( ليست المحدد الوحيد لظهوره قائداً، وان الموقف او البيئة ((المحيط والظروف الاجتماعية)) هي الأهم ،وتشدد هذه النظرية على اختلاف الظروف والأحوال الاجتماعية والتنظيمية لكل مجموعة بشرية وان أي شخص في جماعة ما يمكن ان يكون .)2(قائدا في موقف معين او ظرف مع وكذلك تستند هذه النظرية الى ما يتاح للقائد في مواقف وظروف معينة (*) يفــسر اصحــاب مدخــل الســمات ((نظريــة الســمات)) ظهــور شــخص مــا كقائــد واســتمراره في القيــادة عــلى اســاس توافــر صفــات شــخصية معينــة موجــودة فيــه شــخصياً تجعــل الآخريــن يقبلــون ان يقودهــم، وتنطلــق هــذه النظريــة كذلــك مــن ان وجــود القائــد في أي مجتمــع يعــود الى جملــة مــن الصفــات والســمات والخصائــص التــي يتمتــع بهــا، بعضهــا يتعلــق بالجوانــب النفســية واخــرى تتعلــق بالجوانــب البدنيــة والاخــرى تتعلــق بالجوانــب الحســية، ينظــر: د. هوشــيار معــروف، القيــادة والتنظيــم، دار الشــؤون الثقافيــة العامــة، .51، ص1992،1بغــداد، ط .89 د. بشير محمد الخضر، مصدر سابق نفسه، ص )2(
عدد الصفحات ١٠٣104 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال تمهد لظهوره فيستخدم فيها مهارته لتحقيق مطامحه من خلال تفاعله ب . والمدخل او النظرية الثانية هي النظرية التفاعلية )3(الناس في تلك المواقف )) التي تعبر ((القيادة)) فيها عن محصلة لشخصية الفرد Interactional Theory(( .)4(وتفاعلها الحركي او الديناميكي مع المنظومة الاجتماعية الســلام) لذلــك فــإن هــذا الموقــف التفاعــلي هــو الــذي مهــد للامــام (عليــه وتبعــا ذكرناهــا انفــا الوصــول الى الســلطة ((الخلافــة)) مضافــا اليــه العوامــل الاخــرى التــي والتــي تتضــح مــن خــلال الترســيمة الآتيــة: 51 هوشيار معروف، القيادة والتنظيم، مصدر سابق نفسه، ص)3( . .90 د. بشير محمد الخضر، مصدر سابق، ص )4(
عدد الصفحات ١٠٤105 الف السمات والصفات الشخصية والنفسية والجسمية للإمام (عليه السلام) تفاعل كل من السمات والموقف في ظل تلك الظروف بيعة جمهور المسلمين للإمام (عليه السلام) اختياره قائداً وخليفة للمجتمع الإسلامي إعادته تنظيم المجتمع الإسلامي الموقف والظروف الاجتماعية التي أحاطت بالإمام (عليه السلام) ) يوضح المراحل التي مر بها الإمام وصولاً لتنظيم المجتمع2[
عدد الصفحات ١٠٥