المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التنظيم الاجتماعي في فكر الامام علي نضال عيسى النعيمي

غير معروف

صفحة ٥ من ١٥

71 الف )1(3 ((علي بن اأبي طالب اإمام الدين والدولة احتوت هذه الدراسة على أربعة فصول أساسية تضمن الفصل الأول منها موضوع السيرة والتكوين لشخصية الإمام (عليه السلام) وأثر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام في بناء شخصيته القيادية فضلا عن امتلاكه ملكات ذهنية وفكرية وإدارية عالية المستوى. أما الفصل الثاني فقد اختص بالحديث عن الممارسات او الأدوار او الأنشطة التي قام بها الإمام (عليه السلام) في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومواقفه الإرشادية والتوجيهية زمن الخلفاء الثلاثة حيث كان ينظر للإمام حينها مستشاراً يلجأون إليه عند الشدائد والمعضلات والمشكلات الاجتماعية طلبا لحلها وأخذ مشورته لإدارة الأزمات ولاسيما في مسائل الحروب والقضاء وغيرهما من القضايا الاجتماعية المتنوعة. في حين جاء الفصل الثالث ليلقي الضوء على سياسة الإمام عندما تولى السلطة ((الخلافة)) ولعل هذا الفصل يمثل بالنسبة لدراستنا المحور الأساس الذي يمكن تسليط الضوء عليه لأجل بيان وتوضيح ابرز مفاصل سياسة الإمام (عليه السلام) والتي تتضمن بالضرورة تنظيمات عدة أبرزها التنظيم السياسي والاقتصادي والقضائي. إذ يرى الباحث ان الإمام (عليه السلام) يمتلك من المقومات السياسية الشيء الكثير والمتطابقة مع روح القرآن الكريم والسنة النبوية. وقد تمثلت هذه المقومات في مختلف أدوار حياة الإمام وأنماط سياسته ومرتكزاتها وأبعادها وما يرتبط بها من تنظيمات الشــيخ محســن عــلي المعلــم، عــلي بــن ابي طالــب (عليــه الســلام) امــام الديــن والدولــة، بحــث مقــدم الى )1( ،1، ج1999 تمــوز، 18-17النــدوة العلميــة التــي عقدهــا مركــز كربــلاء للبحــوث والدراســات في لنــدن مــن . 2000، لنــدن، 1ط

عدد الصفحات ٧١

72 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال متنوعة، التي تتمحور عموما حول ا ا. إقامة الحق والعدل. ب. الوضوح في المنهج والعمل. جـ. الإصرار على انه صاحب قيادة قرآنية (ينهل من القرآن في كل سياساته). د. التسامح فيما يعود الى حقه والشدة فيما يتعلق بحق الأمة. هـ. سعة الأفق في تأسيس الدولة وإدارتها وتنظيمها. ويذهب الباحث إلى ان هذه المقومات او المحاور تمتلك شعباً وقضايا وفيما يلي عرض نماذج من ذلك وشواهد على ما يحمله فكر الإمام وما يمتاز به في خلقه وقوله وفعله وكالآتي: أولاً: مما قاله في الحق ((وأيم الله لأبقرنّ الباطل حتى أُخرج الحق من خاصرته)) ((وأعظم ما افترض الله تعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إلى الرعية حقها عز الحق بينهم)). ثانياً: الموضوعية والوضوح: وتلك سمة سياسته حيث لا خداع ولا شراء ضمائر وأصوات وإنما هي مقولة الحق ودعوة الصدق، وقد صدح بها قولا ومثلها عملا إذ قال (رضي الله عنه) وقد ازدحمت عليه الأمة بعد مقتل عثمان ((دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه والوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الافاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إذ أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ الى قول القائل وعتب العاتب)). ثالثاً: إمامة الأمة: لم يكن عليا يوما في لبسٍ من أمره بل كان على بينة من ربه وعلم بمقامه إذ كان يرى نفسه أميناً على مصالح الأمة أكثر من رؤيته نفسه بأنه حاكم على الرعية، بعبارة أخرى إنه كان يسحب علاقته الدينية بربه من خوف ورهبة، يسحبها إلى

عدد الصفحات ٧٢

73 الف علاقته السياسية بينه وبين المحكومين ((أفراد المجتمع))، فقد كان ينظر إليهم نظرة الخائف على مصالحهم ومعيشتهم الكريمة فضلا عن دفاعه الواضح عن حرياتهم الفكرية والسياسية لاسيما مع خصومه من الخوارج وغيرهم. وبعد ذلك ينتقل الباحث للحديث عن الكيفية التي رعى بها الإمام الرعية وأسسها. إذ يذكر الباحث أن الإمام (عليه السلام) كان يولي الرعية همه واهتمامه وينص على ذلك في دستور حكمّه وبنوده فيوصي الوالي من قبله: ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)). ويختتم الباحث دراسته بطرح سؤال مؤداه هل نجح الإمام في سياسته بإدارة الدولة؟ ويجيب بالنقاط الآتية: أولاً: إن الإمام ينطلق في شؤونه الإدارية من مبادئ مقدسة وقواعد ثابتة لا يحيد عنها وهي المستندة الى الشريعة الإسلامية. ثانياً: إن الإمام قد كشف عن منطلقاته التي لا تكسبه نجاحا ظاهرا مع منطلقات غيره التي حققت لهم ما يريدون كما في حديثه الآتي ((وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم ! قاتلهم الله؟!)). ثالثاً: إن الإمام (عليه السلام) ورث تركة ثقيلة جدا حيث تولى الحكم بعد حكام ثلاثة كانت لهم آراء ومشارب في الأحكام والأموال وقد حملوا الأمة عليها وارتاحت لذلك نفوس فلم ترغب عنها متحولا، ولا بسواها بدلاً ولا سيما زمن الخليفة الثالث. رابعاً: تفاقم الأمر وتعاظمت الخطوب يوم رفع معاوية بن أبي سفيان رأسه وفعل

عدد الصفحات ٧٣

74 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الافاعيل وغدر وفجر واحتال وقتل وشرى الضمائر فمالت الناس إلى دنياه ورغبوا ). عن دين علي وعدله وحقه الذي هو دين محمد ويرى الباحث أنه وإن كانت تلك الأساليب نقاط ضعف في سياسة الإمام علي (عليه السلام) كما يرى بعضهم، فهي نقاط القوة والعظمة في مقياس القرآن والسنة النبوية. وأخيرا اختتم الباحث دراسته بالفصل الرابع الذي ضمَّ مآثر الإمام علي ومنزلته عند المسلمين وغير المسلمين من فلاسفة وحكماء وأدباء وغيرهم بما يؤكد عظيم دور هذه الشخصية الإسلامية في الفكر الإنساني عموما.

عدد الصفحات ٧٤

75 الف المبحث الثالث مناق يتناول هذا المبحث مناقشة للدراسات السابقة وذلك بغية التعرف على مدى الاستفادة من هذه الدراسات التي ضمّت مجموعة من الأفكار الإدارية والتنظيمية في المجال الاجتماعي، بما يمهد لنا السبل لتقديم الاضافة العلمية الملائمة لدراستنا التنظيمية لتكون اوسع رؤية واكثر شمولاً. وعلى الرغم من أن كل هذه الدراسات عالجت موضوع الإدارة والتنظيم من الواجهة الدينية والإدارية بينما ظلت الواجهة السوسيولوجية مغيبة إلا أن هذه الدراسات قدمت بعض الرؤى والمعالجات التاريخية المفيدة التي استعانت بها الباحثة فيما بعد بتحليلاتها السوسيولوجية التي اعتمدتها. لقد كانت دراسة الباحث محسن القزويني المتضمنة دراسة الخصائص الإدارية في فكر الإمام علي (عليه السلام) منطلقة من القاعدة الإنسانية للحاجة إلى الإدارة والتنظيم، وتُعد هذه الدراسة من أكثر الدراسات قرباً لدراستنا لكونها تطرقت بشكل جزئي الى الحاجة الاجتماعية للتنظيم والإدارة وفقا لرؤية الإمام علي (عليه السلام). وقد كانت دراسة شاملة لصفات الإدارة الإسلامية في فكر الإمام وهي ((الإنسانية- التنظيمية-الجماعية-الهدفية))، وقد أبدع الباحث في تتبعه لمعنى النظام في الإسلام

عدد الصفحات ٧٥

76 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال وكيف ينشأ ويتقوى واسباب انهياره داعماً آراءه وطروحاته بنصوص واقتباسات من أقوال وخطب ووصايا الإمام وبشكل علمي وموضوعي. وهذا ما يجعل هذه الدراسة الأقرب الى موضوع دراستنا هذه، ومن جهة اخرى فقد تناولت هذه الدراسة دور العقل والعلم والحلم في عملية إدارة شؤون المجتمع وتنظيمه مما يجعل من عملية الإدارة التي جاءت مرادفة لعملية التنظيم ناجحة ومحققة للمصالح الاجتماعية بشكل عام. أما دراسة الباحث محمد أحمد العيساوي ((التنظيمات الإدارية في عصر الرسالة والراشدين)) فقد تبنت المنهج التاريخي والاتجاه الديني في عرضها للتنظيمات الإدارية التي حدثت إبان عصر الرسالة وما بعدها واقتصرت معالجتها لموضوع الإدارة في زمن الخليفة الرابع على الإدارة السياسية والعسكرية والإدارة الاقتصادية. وقد قام الباحث بتقديم عدد من الجداول والترسيمات التي توضح وتبين التنظيم الإداري السياسي والاقتصادي والعسكري الذي قاده الإمام في الأقاليم والأمصار داخل الدولة العربية الإسلامية، فضلا عن قائمة المصادر التاريخية التي توثق عمال وولاة الإمام في الأمصار المختلفة مما افاد الدراسة بالشيء الكثير لمعرفة الأسس التنظيمية للعمال والولاة الذين ترتكز عليهم عملية تنظيم المجتمع وإدارته سياسيا واقتصاديا. في حين كانت دراسة الباحث ليث شاكر العبيدي ((وصايا الخلفاء الراشدين السياسية والإدارية)) مقتصرة على الوصايا التي عرفها الباحث بأنها الأوامر والتعاليم السياسية وهذا ما يجعل من الوصايا أداة إدارية وتنظيمية في المجتمع، علماً ان هذه الوصايا كانت موجهة بشكل مباشر وغير مباشر إلى عماله وولاته والقائمين بالعملية الإدارية والسياسية في الدولة الإسلامية. وقد استخلصت هذه الدراسة الجانب السياسي والإداري التنظيمي لشؤون المجتمع

عدد الصفحات ٧٦

77 الف الإسلامي عبر وصايا الإمام الى قواده وعماله وولاته بشتى انحاء الدولة الإسلامية وعبرت عن الأسس العقائدية للإمام (عليه السلام) في محاسبة عماله وولاته المقصرين في اداء مهاتهم الوظيفية الإدارية والسياسية في المجتمع والتي تنظم شؤون الرعية والبلاد. وتختص هذه الدراسة كسابقتها بالجانب الإداري والسياسي البحت للوصايا الخاصة بالإمام علي (عليه السلام) من دون التركيز على الجانب الاجتماعي للإدارة السياسية في فكر الإمام (عليه السلام). ولكن يبقى لنا القول إن هذه الدراسة خدمت موضوع بحثنا من ناحية توضيحها الخطوط الإدارية والتنظيمية والسياسية الكامنة في وصايا الإمام الى ولاته وعماله وقادته الذين كانوا يعملون تحت أمرته. على الرغم من تركيزها المكثف على الجانب الديني والتاريخي لتلك الوصايا. أما الدراسات العربية والتي منها دراسة الباحث محمد عمارة فقد جاءت كدراسة تاريخية واجتماعية ودينية لفكر الإمام علي بن ابي طالب وقد أفادت هذه الدراسة بحثنا من ناحية مناقشتها الوضع الاجتماعي الذي نشأ به الإمام ودوره وموقفه في الإسلام. فضلا عن ذلك فإن الدراسة أفادت موضوع بحثنا في توضيحها التداعيات الاقتصادية والاجتماعية في زمن عثمان بن عفان والتي تركت الأثر السلبي الواضح في سياسة الإمام (عليه السلام) بوصفه الخليفة الرابع الذي ورث تركة العهد السابق. وهذه الافكار الاجتماعية اوضحت لنا أهمية الظروف الاجتماعية والاوضاع السائدة في المجتمع وانعكاساتها على الجانب السياسي والحـربي (العسكري) والاقتصادي زمن خلافة الإمام (عليه السلام). كما افادت هذه الدراسة مما طرحه الباحث من اصطلاح الثورة الذي أفاد موضوع بحثنا ولاسيما أن الثورة غالباً ما تسبق وترافق أي تنظيم اجتماعي مزمع القيام به. وعلى

عدد الصفحات ٧٧

78 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الرغم من ان هذه الدراسة لم تكشف عن شخصية الإمام القيادية بكل تفاصيلها و تتطرق الى آليات ووسائل التنظيم الاجتماعي في فكر الإمام بشكل واضح وجلي إلا أنها كشفت النقاب عن التفاوت الطبقي والتمايز بين الطبقات في المجتمع الإسلامي في الفترة السابقة لخلافة الإمام، فضلا عن ذلك فإن الباحث قدم تقسيما للطبقات ((الفئات)) التي يتكون منها المجتمع وفقا لتنظيم الإمام علي لها وتصنيفها وتحديد حقوقها وواجباتها بما مهد لنا السبيل لاقتفاء اثر هذا التصنيف وتحليله سوسيولوجياً وبشكل أشمل وأوسع. والدراسة العربية الثانية كانت للباحث فهمي خليفة الفهداوي التي عالجت موضوع الإدارة في الإسلام من الناحية المنهجية والتطبيق والقواعد المؤسسة عليها؛ علما ان طرح الباحث للإدارة جاء مرادفاً للتنظيم السياسي والاجتماعي، وبالوقت نفسه فإن هذه الدراسة قد تبنت منظوراً دينياً محضاً في رؤيتها للإدارة في الإسلام وعلى وفق ما طرحه الباحث من مزاوجة بين مفهومي الإدارة في الإسلام وتدبير المصالح الشرعية التي جاءت معبرة عن بعض جوانب التنظيم الاجتماعي بحسب طرحنا له. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الدراسة تتفق مع توجهات دراستنا فيما يخص ما خلصت إليه من ناحية الخصائص المميزة لإدارة الإمام علي (عليه السلام) وذلك في خطبه الداعية الى إرساء المبادئ التنظيمية الممزوجة بالقيم الدينية والأخلاقية من ناحية طاعة الله تعالى والعمل بما يرضي ثم السعي لإنصاف الرعية من ظلم العمال والولاة، فضلا عن سياسته في عملية التغير الاجتماعي والسياسي التي قام بها الإمام أبان فترة خلافته. وبالوقت نفسه فقد أفادت هذه الدراسة بحثنا عبر ما قدمه الباحث من خصائص رسمية للإدارة في فترة الخلافة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) التي يشكل الإمام أحد أعمدتها من ناحية العمل القيادي، وتأثره بشخصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القيادية واستخدام الخطط والبرامج السياسية لادارة وتنظيم شؤون الرعية

عدد الصفحات ٧٨

79 الف لتنفيذ النشاطات والمسؤوليات، مما أضاف رؤية جديدةعبر الاعتماد على ملاك متخصص أفادت وأثرت موضوع دراستنا لكونها أكدت أن إدارة وتنظيم شؤون المجتمع الإسلامي يتكون من أجزاء متساندة ومراحل متلاحقة وهو ما يتفق مع توجهات دراستنا. بينما نرى أن دراسة الباحث محسن علي المعلم قد زاوجت بين المنظور الديني والمنظور السياسي في شخصية الإمام علي فهو رجل دين ودولة وبالتالي فإن إدارته المجتمع وتنظيمه شؤون المجتمع من نواحيه المختلفة قد سارت في اتجاهين: ديني وسياسي في آن واحد. وهذا يخدم موضوع دراستنا لكون دراستنا سعت الى معرفة الأسس الدينية والسياسية التي اعتمدها الإمام عندما نهض بعملية التنظيم الاجتماعي الذي يرتبط بالناحيتين الدينية والسياسية بشكل واضح. ومن جانب آخر فإن هذه الدراسة هدفت إلى تقصي مقومات سياسة الإمام في تنظيمه أمور الدين والدولة من ناحية إقامة الحق والعدل والوضوح في المنهج والعمل والدمج بين التسامح والشدة وسعة الأفق في تأسيس الدولة وتنظيم أمورها مما يجعل من الإمام شخصية قيادية ناجحة وكرزماتيكية وهو بالفعل ما ستحاول دراستنا التوجه نحوه واستقصاءها من ناحية وصف قيادة الإمام الكرزماتيكية للمجتمع وتأثر أتباعه به، فضلا عن ذلك فإن هذه الدراسة اقتربت من دراستنا في توضيحها لأثر الدين الإسلامي وأثر شخصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في جعل علي بن ابي طالب قائداً إسلامياً قادراً على إدارة وتنظيم شؤون المجتمع الإسلامي من خلال استناده وارتكازه على مقررات وأوامر الدين الإسلامي قرآناً وسنة. وبهذا فأن اغلب الدراسات السابقة أكدت أهمية الإدارة في الإسلام، الواردة على وفق منظور الإمام علي (عليه السلام) كمرادف لعملية التنظيم في الإسلام من ناحية، ومن ناحية أخرى أكدت هذه الدراسات ان التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي قام به الإمام منبثق عن قواعد وأسس الدين الإسلامي قرآناً وسنة شريفة مما يجعلها متميزة بطابع الاستمرارية والصلاحية لكل زمان ومكان.

عدد الصفحات ٧٩

التنظيم ال روؤية تحليلية 

عدد الصفحات ٨١

83 الف تمهيد إن الحديث عن التنظيم السياسي الذي أداره ونظمه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)وتحليله سوسيولوجيا يتطلب الوقوف عند مسألتين مهمتين وهما: أ. المرجعية الإسلامية للحكم التي يتبين من خلالها الأسس أو القواعد التي استندت بموجبها سلطة وقيادة الإمام (عليه السلام) وشرعيتها في إدارة الدولة الإسلامية. ب. الظروف المجتمعية، التي نقصد بها طبيعة الحياة الاجتماعية بجوانبها ومناحيها كافة التي تصدى فيها الإمام (عليه السلام) لتولي السلطة والقيادة، وبعبارة اخرى بيان المعطيات الاجتماعية المتنوعة التي واجهها الإمام عند توليه الحكم آنذاك. ولكي تتضح هاتان المسألتان المهمتان سنعمد الى الحديث عنهما بشكل منفصل وعلى النحو الآتي: ا إن مسألة الحكم أو النظام السياسي (إدارة الدولة وقيادتها) شأنه شأن أية مسألة او نظام آخر في الإسلام (الأنظمة القضائية-الاجتماعية-الاقتصادية...الخ) انما تستند في أسسها وقواعدها من حيث النظرية والمسار والغاية الى ما اقره وشرعه الإسلام ونظمه. إذ إن للدين أهمية كبرى في الحياة الاجتماعية نظرا لما يقوم به من وضع القواعد والقوانين التي تنظم علاقة الافراد بالمجتمع، والتي من دونها لا يقوم تضامن كامل او معاملة

عدد الصفحات ٨٣

84 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(فاصلة بين الأفراد وتحت عنوان فكرة الدولة في الإسلام يحاول الباحث توفيق السيف عرض مجموعة من العناصر او الأفكار التي يعدها موارد اهتمام شرعي فيما يتعلق بمسألة السلطة في الإسلام وذلك بعد استقرائه واستناده الى النصوص التشريعية والتجربة التاريخية الإسلامية، إذ هو يرى ان بعض هذه العناصر ثوابت عقلية قبل أن تكون شرعية. جاءت الشريعة الإسلامية فأقرتها بنفسها، أو مع بعض التعديلات، وبعضها مستحدث من جانب الشريعة، جرى تأكيدها في النص القرآني او النبوي، ويرجع القسم الثالث الى التجربة التاريخية التي بلورت مفاهيم لم تكن معروفة أو سائدة قبل الإسلام أو زمن الوحي وهذه العناصر برأيه هي:- الأول:- إن الهدف المركزي للشريعة هو بناء الأمة، وهي من حيث السعة والقيمة فوق السلطة. الثاني:- أصالة النظام، وكون قيام السلطة مبرراً بضرورته، ولذلك فإن قدرتها على تجاوز حقوق الأفراد او مختصاتهم مشروطة بحاجات النظام الذي يعد مصلحة عامة كبرى يمكن تغليب مقتضياتها عندما تتعارض مع المصالح الفردية. الثالث:- تقديم اعتماد الردع الداخلي/الردع النفسي ((الورع)) على الردع الخارجي ((القانون)) وحصر مجال عمل السلطة في حال خروج الفرد على النظام العام، وبالتالي فإن صلاحية السلطة محدودة في حال افتقار الفرد للردع الذاتي عن الاثم في نفسه (الفسق) ولكونه ممارسة متعارضة مع النظام العام. الرابع:- كون السلطة ولاية، أي ان مشروعيتها نابعة من علاقة نشطة وتفاعلية بين صاحبها وموضوع العمل وهذا يستبعد فكرة الملك الناشئ عن حق أصلي أو خاص . 177، ص1970،3 د. احمد الخشاب، علم الاجتماع الديني، مكتبة القاهرة الحديثة، ط )1(

عدد الصفحات ٨٤

85 الف يستمد مشروعيته من المال أو الانتساب العائلي او الغلبة الخامس:- قيام السلطة على أساس التعاقد ((البيعة)) التي تتضمن حق الرفض والعزل وإمكانية المنافسة، وهذا الأصل محل الاختلاف في جانبه النظري وفي تطبيقاته، كما في تحديد الوصف القانوني للبيعة، ولكونها شرطاً او ركناً للمشروعية ومن ثم َّ في . )1(قيمة السلطة التي تقوم بناءً عليها او من دونها وتأسيساً على ما تقدم مع الالتفات لطبيعة التجربة الدينية والسياسية التي كان يعيشها المجتمع العربي الإسلامي والتي تمثلت بأن الإسلام بالنسبة له دين ودولة وان النبي . )2(محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بمثابة قائداً دينيٍّ وسياسيٍّ في الوقت نفسه لذلك فإن طبيعة المرجعية الإسلامية للحكم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما نشأت تحت ظروف واقعية حاولت الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الصبغة الدينية للسلطة. وعلى العموم فإن الأمور او المسائل التي استندت إليها هذه المرجعية الإسلامية في بواكيرها السياسية إنما ترتكز في بنائها الرئيس حسب ما نراه في محاولتها الإجابة عن سؤالين رئيسيين هما:- السؤال الأول:- ما الشكل السياسي الجديد للحكم الذي يتولى إدارة الدولة الإسلامية بعد وفاة القائد الديني والسياسي لها (الرسول) (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ السؤال الثاني:- ما الشرعية التي يستند إليها الشكل السياسي الجديد في الحكم او ، 2002،1 توفيــق الســيف، نظريــة الســلطة في الفقــه الشــيعي، المركــز الثقــافي، الدار البيضــاء، المغــرب، ط )1( .26-25ص ينظــر: د. بشــير محمــد الخــضرا، النمــط النبوي-الخليفــي في القيــادة السياســية العربيــة والديمقراطيــة، )2( .132-128مصــدر ســابق، ص

عدد الصفحات ٨٥

86 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال يعتقد بأستنادها إليه؟ ان الإجابة عن السؤال الأول تكمن وبشكل واقعي في التجربة التاريخية السياسية ليسَ في تاريخ الإسلام فحسب بل في تاريخ العرب عموماً. اذ عكست هذه التجربة ارتباط العرب وتماهيهم مع جذورهم الجاهلية اكثر من الإسلامية، فضلا عن نزعتهم البدوية الموغلة فيهم وذلك من خلال ارتكازهم على الولاء القبلي في تحديد القيادة النائبة، وعلى حد قول احد الباحثين إن التجربة الأولى في القيادة بدأت بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل أن يدفن النبي اجتمع نفر من المسلمين في سقيفة بني ليبحثوا أمر الخلافة، خلافة الرسول. وقد تبلورت القضية بداية في الخلاف (*)ساعدة بشأن القبيلة التي يجب ان تحكم المسلمين فظهر في السقيفة فريقان، المهاجرون والانصار وقد تمت المداولة بينهما وانتهت الى-الاتفاق-على أن يتولى ابو بكر الخلافة وفي واقع الأمر كان هنالك فريق ثالث لم يظهر في السقيفة، وكان دوره خافتا في البداية ثم قوي مع الزمن وأصبح تياراً أساسياً وحزباً رئيساً من الأحزاب الإسلامية ذلك هو فريق او تيار التشيع لآل البيت الذي أصبح له دور كبير في ما بعد من حيث تطوير نظرية الإمامة التي . )1(يؤمن بها الشيعة والنتيجة التي تفرض نفسها في هذا الموضع هي ان الصحابة عالجوا مسألة الخلافة معالجة سياسية محضة، وقد كان المنطق السائد هو منطق ((القبيلة)) بمعنى انه لم يكن لا لـ ((العقيدة)) ولا لـ ((الغنيمة)) دور يستحق الذكر في ترجيح احدى وجهات النظر التي . )2(ادلي بها في سقيفة بني ساعدة (*) في تفاصيــل واقعــة ســقيفة بنــي ســاعدة ينظــر: ابــو محمــد عبــد الله بــن مســلم بــن قتيبــة الدنيــوري، .15-12، دار الاندلــس، د.ت، ص1الإمامــة والسياســية، تحقيــق: د. طــه محمــد الزينــي، ج . 137-136 د. بشير محمد الخضر، النمط النبوي-الخليفي في القيادة السياسية، مصدر سابق، ص )1( د. محمــد عابــد الجابــري، العقــل الســياسي العــربي، محدداتــه، تجلياتــه، مركــز دراســات الوحــدة العربيــة، ) 2( .136، ص1995، بــيروت، 3ط

عدد الصفحات ٨٦

87 الف وهذا يعزز الطبيعة البدوية التي تعلي وترفع من دور القبيلة كعامل سياسي فعال لاختيار القائد او الخليفة وبالوقت نفسه تكشف بأن التنظيم القبلي اكثر المظاهر . )1(الاجتماعية بروزاً وهيمنة عند العرب وبشكل عام فإن ما آل إليه الأمر هو جعل أبي بكر القائد السياسي الجديد، ولما كانت الدولة الإسلامية قد أسست على يد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان قائدها الديني والسياسي، فقد نُظِر ــ اهل السقيفة ــ الى أبي بكر بوصفه النائب عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخلف له، ولهذا اتفق المسلمون على تسمية الشكل السياسي الجديد للحكم بـ((الخلافة)). وفي هذا الموضع يشير احد الباحثين إلى ذلك قائلا: ((والخلافة، والإمامة العامة، وإمارة المؤمنين أنماط مترادفة بمعنى واحد، وإنْ كان لكل منهم نشأة وملابسات تاريخية لدى اختيار أبي بكر 2يتكون منها مغزى معين، وقد عرف لقب(الخليفة-لأول مرة عقب مبايعته ليخلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتسمية خليفة تعود إلى انه . )3( يخلف النبي في أمته ورئاسته لها وإدارة شؤونها وفي السياق نفسه يرى ابن خلدون ان الخلافة تعني ((حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة إليها، اذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في ، 1 د. حليــم بــركات، المجتمــع العــربي في القــرن العشريــن، مركــز دراســات الوحــدة العربيــة، بــيروت، ط )1( .191، ص2000 وهــذا لا يصــح فقــد عــرف المســلمون وغيرهــم أن لقــب الخليفــة لــه جــذوره في القــرآن والســنة فأمــا)2( القــرآن تحــدّث عــن خلــق آدام وإنــه خليفــة الله في الأرض. وأمــا الســنة فقــد عرفــوا بلقــب الخليفــة منــذ انطلاقــة الدعــوة إلى التوحيــد والنبــوّة فحــدد (صــلى الله عليــه وآلــه وســلم) الخليفــة مــن بعــده في دعوتــه .344، ص13لعشــيرته الأقربــين وإنذارهــم كــما في حديــث الــدار، ينظــر: (شرح نهــج البلاغــة للمعتــزلي، ج . 124، ص1984 محمد محمد جاهين، التنظيمات الإدارية في الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، )3(

عدد الصفحات ٨٧

88 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1( حراسة الدين وسياسة الدنيا به إن ما نخلص اليه مما تقدم هو أن الشكل السياسي الجديد للحكم ((الخلافة)) كان الأنسب بنظر المسلمين آنذاك وبما يتلائم مع توجهاتهم عموما، وإن هذا الشكل بدأ بأخذ مدياته من حادثة السقيفة وبدأ يستقر في بناء الدولة الإسلامية اومن ناحية أخرى فان مفهوم الشرعية يعالج العلاقة بين ((الحق)) و((القوة)) وبصورة موجزة فإنه يجيب على السؤال التالي: ((ما المبرر الذي يسمح لفرد او جماعة بإصدار الأمر والنهي والحكم على الآخرين؟ وما المبرر الذي يجعل المأمورين يقبلون ذلك الأمر وينصاعون اليه؟)) وبهذا المعنى فإن الشرعية عنوان لمنظومة من القيم والمفاهيم والتبريرات الثقافية المترسخة في ذهنية المجموعة الحاكمة والمجتمع المحكوم وتمثل مورد توافق بين الطرفين بحيث يمكن في إطارها وتبعا لمتطلباتها ممارسة السلطة من جانب الحاكمين بما فيها من امر ونهي وتجاوز لمختصات الأفراد، كما توفر للمجتمع المحكوم أساساً مناسبا لتبرير طاعته للسلطة وقبوله بتحديدها الخاص لحدود حركته وحريته، بحيث يعتبر التنازل عن هذه . )2(المختصات أمراً مستساغا ومقبو وما كان لحادثة السقيفة التي افتتحت الشكل السياسي الجديد للحكم أن تمر دون ان تصوغ شرعية لها، فلهذا اعتمدت على ((البيعة)) كصيغة لإسناد السلطة للحاكم او كتفويض سياسي له بإدارة شؤون الدولة الإسلامية. وفي معنى البيعة يقول ابن خلدون ((اعلم ان البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على انه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط . )3( والمكره ، وكانوا اذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد . 191، ص1978،1 عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، دار القلم، بيروت، ط )1( .42-41 توفيق السيف، نظرية السلطة في الفقه الشيعي، مصدر سابق، ص )2( .209 ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، مصدر سابق، ص )3(

عدد الصفحات ٨٨