207 الف فقد صاغ الإمام (عليه السلام) إجراءات جديدة تمثلت بركنين جديدين هما . فصل الشهود عن بعضهم بعضاً عند أخذ شهادتهم. 1 . تدوين شهادتهم على انفراد2 ولعل الذي دعاه لهذه الإجراءات-كما يبدو-قصور بعض القضاة عن كشف الحقائق وإحقاق الحق، اذ شكا إليه شاب نفرا، فقال: ((ان هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يعد ابي، فسألتهم عنه، فقالوا مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا ما ترك شيئا ! وكان معه مال كثير فترافعنا إلى شريح (القاضي) فاستحلفهم وخلى سبيلهم ! فدعا علي بالشرط (الشرطة) فوكل بكل رجل رجلين، وأوصاهم أن لا يمكنوا بعضهم أن يدنوا من بعض، ولا يسمحوا لأحد أن يكلمهم ودعـا كاتبه ودعا أحدهم، فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى، أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن غسله ودفنه ومن تولى الصلاة عليه وأين دفن؟ ونحو ذلك والكاتب يكتب، ثم دعا الآخر بعد أن غيّب الأول عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبه، ثم الآخر هكذا حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد منهم يخبر بغير ما .)1(أخبر به صاحبه فضيّق عليهم فأقروا بالقصة، فأغرمهم المال وأفاد منهم بالقتل وما تقدم ذكره يقودنا بالضرورة إلى التعرف على أهم ركن من أركان العمل القضائي-التنظيمي وعملية الضبط الاجتماعي على حد سواء، ألا هو مسألة العقوبات او الجزاء؛ التي تسمى بالإسلام بـ((الحدود)). إذ إن تشريع العقوبات في الإسلام ينطلق اساسا من أن السلوك الاجتماعي للأفراد لا يسير وفقا لامتثال روتيني-رتيب منظم وطاعة تامة، فكانت العقوبات سببا في صيانة المجتمع قبل وبعد الانتهاك والتعدي، وتحت قوة تنفيذ العقوبات وقسوتها يضطر الفرد ((المنتهك)) الى مسايرة النظام والخضوع لقواعده ومقرراته، علما أن بعض العقوبات . 108-107 د. عطية مصطفى مشرفة، القضاء في الإسلام، مصدر سابق، ص )1(
عدد الصفحات ٢٠٧208 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الإسلامية التي تتضح فيها معالم الحزم والشدة التي نفذت إبان عصر الإمام (عليه السلام) كالرجم وقطع اليد والنفي... الخ، إنما كان الهدف من ورائها تحقيق وظيفة اجتماعية نابعة عنها تتمثل بقطع دابر الجريمة والانحراف والتصدي لكل اعتداء بحق المجتمع وأفراده من خلال قوة العقوبات الإسلامية. الى أن القوة ضرورة اجتماعية، K. Mannheimوفي هذا الصدد يشير كارل منهايم وقد قسمها الى قوة وظيفية وقوة تعسفية، والقوة الوظيفية هي القوة الهادفة التي يقصد بها ممارسة السلطة في المجتمع من خلال الصلاحيات الممنوحة للقائم عليها، أما القوة . )1(التعسفية فتتمثل باستخدام البطش والاستبداد وعلى العموم فإن تقرير الجزاء لا يتنافى مع الإخلاص للنظام الاجتماعي والثقة في تحقيق أهدافه، فهو اصطلاح اجتماعي نافع ويؤدي وظيفة اجتماعية لأنه يترجم عن ظاهرة القهر والإرغام الذي يمارسه المجتمع إزاء العابثين بنظمه والخارجين على قواعده . )2(بفعل القانون وهنا نقصد بطبيعة الحال القانون الإسلامي/التشريع الآلهي السنة النبوية، وفي الإسلام مجموعة الحدود/الجزاءات أو العقوبات التي وضعت لكل مخالفة سلوكية او أخلاقية معينة تمس حدود الشريعة بالتجاوز والعصيان، ومن ثم تواجه بالردع الملائم لها لأجل حفظ المجتمع وحرمته من كل خرق أو عبث. والحدود بشكل عام في الإسلام تقع على جسد ((المنتهك أو المعتدي))؛ والذي يجاوره في القانون الإسلامي مسألة (الديات) أي التغريمات التي تؤخذ من هذا الفرد المعتدي في حال لم تصل عملية الضبط الاجتماعي إلى مراحلها العليا من الاقتصاص من . 294 د. إبراهيم ابو الغار، علم الاجتماع القانوني والضبط الاجتماعي، مصدر سابق، ص )1( .234 د. مصطفى الخشاب، دراسة المجتمع، مصدر سابق، ص )2(
عدد الصفحات ٢٠٨209 الف الجسد، فيقضى من أموال المعتدي وبحسب نوع الاعتداء الواقع على جسد (الضحية أو المعتدى عليه). وفي هذا المجال يروى انه ((كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضرب بالسوط، ونصف السوط، وثلث السوط، وببعضه في الحدود، وإذا أتي بغلام أو جارية لم يدركا- . ومعنى نصف السوط وربعه وثلثه إنه كان يأخذ )1(حده-ولم يبطل حدا من حدود ا . )2(السوط بيده في نصفه وثلثه وربعه على قدر أسنانهم وكذلك يروى عنه (عليه السلام) أنه قضى في رجل سرق ولم يقدر عليه حتى سرق مرة أخرى فأخذ فجاء الشهود فشهدوا عليه بالسرقة الأولى والثانية فقال: تقطع يده بالسرقة الأولى لا تقطع رجله بالسرقة الأخيرة، وذلك لأن الشهود شهدوا عليه في مقام واحد بالسرقتين، وقال (عليه السلام):((لو أنكما شهدتما عليه بالسرقة الأولى وسكتما . )3(حتى تقطع يده، ثم شهدتما عليه بالسرقة الثانية لقطعت رجله ووفقا لما جاء تتضح معالم الشدة والصرامة في تطبيق العقوبة التي غالبا ما يكون الهدف من ورائها تحقيق ضبط اجتماعي يسود المجتمع، لا سيما وأنه (عليه السلام) غالبا ما ينفذ العقوبة الصارمة بنفسه، هذا مع مراعاة انه (عليه السلام) يمثل أعلى سلطة في المجتمع فضلا عن أنه ممثل الدولة الإسلامية-خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ما يرجع بنا إلى ما طرحه دوركايم عندما تصدى لدراسة الضبط الاجتماعي الملازم لمجتمع التضامن الميكانيكي حيث تطبق العقوبة فيه من السلطة المركزية وبشكل حازم وصارم، اذ انه ركز على دور الدولة المستقل بوصفه عاملاً في تطور العقوبات ، فشدة العقوبة . 101 أبو اسحاق الكوفي، قضايا أمير المؤمنين، مصدر سابق، ص )1( .102 المصدر السابق نفسه، ص )2( المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها )3(
عدد الصفحات ٢٠٩210 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال . وهذا)1(وقسوتها تصبح أكثر فاعلية وتأثيراً كلما كانت السلطة المركزية في صورة أقوى يتجسد في تولي الإمام (عليه السلام) السلطة في المجتمع وتنفيذه العقوبات الإسلامية بشكل صارم وحازم. وفي الاتجاه نفسه يشير الدكتور محمد عاطف غيث إلى هذه المسألة، إذ يرى أن القانون المنطوي على العقاب يكون عاملاً كافاً عن الإنحراف وله فاعلية إذا )2( ما توافرت له الشروط الأربعة وهي كا . أن يكون العقاب قاسياً بدرجة كافية ليعيد التوازن بهدف الوصول إلى الامتثال.1 . أن يكون مباشرا بدرجة كافية ليربط بالأذهان العلاقة الوثيقة بين العقاب والانحراف2 . أن يكون واحداً نسبياً بمعنى أن ينطبق على جميع الأشخاص الذين يرتكبون انحرافا3 معينا . أن يكون مؤكدا وموثوقاً به لتصبح للشروط الأخرى فاعلية محققة. 4 ولعل هذه الشروط الأربعة متوافرة في العقوبات الإسلامية التي عبرت عنها الوقائع القضائية التي قضى فيها الإمام (عليه السلام). ومن الأمور الملاحظة في القانون الإسلامي كذلك ،التي سعى الإمام (عليه السلام) إلى تنفيذها هي أن مسألتي الحدود والديات على حدٍ سواء لها أصولها الخاصة أيضاً بحد الذمي (اليهودي-والنصراني) وديّتها اذا وقع عليهما أو منهما الأذى والاعتداء يشابهما في هذه المسألة (العبد) أي الشخص المملوك لفرد ما، فقد ورد على سبيل المثال عن الاصبغ ابن نباته قال: ((حضر عمر بن الخطاب خمسة نفر أخذوا في زنا، فأمر أن يقام على كل رجل منهم الحد، وكان قد حضر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقال له: يا عمر ليس . 161 د. إبراهيم ابو الغار، علم الاجتماعي القانوني والضبط الاجتماعي، مصدر سابق، ص )1( ،1967 د. محمــد عاطــف غيــث، المشــاكل الاجتماعيــة والســلوك المنحــرف، دار المعــارف، الاســكندرية، )2( .198ص
عدد الصفحات ٢١٠211 الف هكذا حكمهم فقال له عمر: ((فأقم الحكم عليهم. قال فقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) واحداً منهم فساره، ثم ضرب عنقه، وقدم الثاني فساره، ثـم رجمه، وقدم الثالث فساره، ثم ضربه الحد كاملا، وقدم الرابع فساره، ثم ضربه نصف الحد، وقدم الخامس فساره، ثم عزرّه وأطلقه فعجب الناس لذلك وتحير عمر وقال يا أبا الحسن، في قضية واحدة أقمت عليهم خمسة أحكام مختلفة؟ فقال (عليه السلام): نعم، أما الأول فذمي، فالحكم فيه السيف، والآخر محصن زنى فرجمناه، والاخر غير محصن زنى، فحددناه، والآخر عبد . )1(زنى، فضربناه نصف الحد، والآخر مجنون مغلوب على عقله عزرناه وهذه الرواية تكشف بوضوح عن القسوة الكامنة في العقوبة من جانب، وتناسب العقوبة مع الموقف ومع مركز ودور الفرد المقبل على الجريمة والانحراف، وكل حسب موقعه وحجم خطئه؛ ولا سيما الفئات المحددة بالمجتمع كما في الذميين والعبيد. ومن قبيل ذلك ما قاله (عليه السلام) في ديات أهل الذمة، إذ قال: ودياّت أعضاء أهل الذمة من ديات انفسهم من المسلمين يد الذمي فأسلم الذمي، ثم مات فيها فلا قصاص، وعلى الجاني المسلم دية مسلم، فكذلك إن قطع مسلم يد ذمي فلم تبرأ حتى أسلم، ثم مات منها فعلى الجاني دية . )2(مسلم ولا قصاص وكذلك ما قاله (عليه السلام) في جنايات العبيد: ((ودية جرح العبيد من قيمته كدية جرح الحر من ديته؛ ففي عينه نصف الدية، وفي اصبعه عشر قيمته، ومن أعتق بعضه . 116 أبو اسحاق الكوفي، قضايا أمير المؤمنين، مصدر سابق، ص )1( .223أبو اسحاق الكوفي، قضايا أمير المؤمنين، مصدر سابق، ص )2(
عدد الصفحات ٢١١212 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(فجنايته عليه بحساب ما أعتق منه جناية حر وما بقي منه في الرق جناية عبد وفي توصيف لما تقدم ذكره من قواعد القضاء وإجراءاته ومسألتي العقوبات : )2((الحدود) والتغريمات (الديات) نورد الترسيمة الآتية المصدر السابق نفسه، والصفحة نفسها. )1( في تفاصيــل ذلــك كلــه، ينظــر: كتــاب قضايــا أمــير المؤمنــين، ابــو اســحاق الكــوفي، مصــدر ســابق، )2( .345-328، وكذلــك كتــاب عــلي (عليــه الســلام) الجامعــة، مصــدر ســابق، ص227-220ص
عدد الصفحات ٢١٢213 الف القضاء في الإسلام ب. إجراءات الحاكمة (عمليات التحقيق القضائي) أ. قواعد القضاء إجراءات الحكم 1 2 .)*(3 .)**(4 5 6 ) لها[ أي الذي طرأ عليه الحد سابقا فعاد الى الجريمة(*) أي حدود ما يقف عليه المذنب.(**) 1 2 3 4 1 2 (انفــراد أ. الدية العمد ب. الدية الخطأ 1 وعظــم الــرأس اليديــن 11 والكــف 17 20 الجنــ الحدود/الجزاءات (عمليات التنفيذ القضائي) الديات/التغريمت
عدد الصفحات ٢١٣214 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال وفي نهاية هذا الفصل نخلص الى القول أن التنظيم القضائي في فكر الإمام (عليه السلام) إنما كان يؤشر عليه أو يلحظ عليه ثلاث ملاحظات رئيسة يمكن إيجازها على النحو الآتي:- أولاً:- إن التشريعات الإسلامية (من قرآن كريم وسنة نبوية) وجدت مكانتها الحقيقية في المجتمع الإسلامي آنذاك ليس من خلال الممارسة القضائية-التنظيمية الدقيقة التي طبقها الإمام (عليه السلام) من اجل إيجاد قضاء عادل وإحقاق الحق ودفع الإفساد والفساد الذي يقوض كل التنظيمات والبناءات الاجتماعية فحسب بل حاول ايجاد عدالة اجتماعية يقضي بموجبها على مبررات او دوافع السلوك المنحرف. ثانياً:- على الرغم من أن سائر الأدبيات السوسيولوجية التنظيمية الخاصة بالضبط الاجتماعي تتحدث عن أهمية تعزيز هيبة القانون داخل المجتمع لأجل تعزيز هيبة الدولة في نهاية الأمر، لأن القانون جزء من الدولة ومن استقرار تنظيماتها الاجتماعية بسائر أنواعها، إلا أن الإمام (عليه السلام) سعى لإحلال هيبة القانون الإسلامي بالدرجة الأولى قبل سعيه لإحلال هيبة الدولة، إذ إن مدار التنظيم القضائي للإمام (عليه السلام) كان مرتكزا على ان سلطة الشريعة وقوانينها هي الأولى بالتعزيز قبل هيبة الدولة لأنه (عليه السلام) كان ينظر إلى ديمومة القانون الإسلامي وسلطته دون ديمومة السلطة وأشكالها وهذا الأمر يوحي لنا على أن الإمام (عليه السلام) كان يقدم المجتمع ومصالحه المرتبطة بالقوانين الإلهية على مصالح الدولة التي ترتبط في كثير من الأحيان بمصالح الحاكم. ثالثاً:- من الملاحظ على الممارسة القضائية التي أتبعها الإمام (عليه السلام) في متابعة شؤون الوقائع الميدانية التي تمس أمن المجتمع وسلامته أنه كان حريصا على استيعاب او إدراك القضايا كافة التي تطرح أمامه، بعبارة أخرى حاول أن يعيد الحق الى نصابه وبشكل دقيق وشرعي فلهذا وجدناه يبتكر في كل حين من وحي القرآن
عدد الصفحات ٢١٤215 الف والسنة؛ طرق جديدة في استقصاء القضية المطروحة وإدراك كنهها، محاولا تدعيم التنظيم القضائي كلما أعوزه الدقة أو الشدة في الحكم، وبالتالي كانت لإسهاماته الشخصية دور مباشر في إعطاء تاريخ التنظيم القضائي في عصره خصوصية كبيرة يعرج عليها كل باحث او مستقصٍ عن تاريخ التنظيم القضائي في الإسلام.
عدد الصفحات ٢١٥مناق وعر
عدد الصفحات ٢١٧219 الف اأولً: مناق ستحاول الباحثة مناقشة تساؤلات الدراسة الخمسة كلاً على حدا من خلال الاستناد إلى ما جاء في متون الدراسة وعلى النحو الآتي: 1 ما المصادر الرئيسة التي استند إليها الإمام علي (عليه السلام) في فكره التنظيمي والإداري للمجتمع الإسلامي آنذاك؟ هناك عدة مصادر للقواعد التي استند إليها الإمام علي (عليه السلام) في تنظيمه للمجتمع الإسلامي وهي كالآتي: أولاً: استند الإمام علي (عليه السلام) إلى عناصر وسمات سياسته التنظيمية التي صاغ بموجبها مجموع تنظيماته الاجتماعية والإدارية (فيما بعد) من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك لقرابته من الرسول التي جعلت الإمام يستقي أمرين رئيسين من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهما: ا. إن اعتناق الإمام للإسلام على يد الرسول عليه الصلاة والسلام إذ كان من اوائل المؤمنين بالدعوة الإسلامية منحه القدرة على التشبع والاستيعاب للكثير من
عدد الصفحات ٢١٩220 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال المبادئ القرآنية والسنن النبوية اللتين تعدان مصادر أساسية لأي تنظيم (اجتماعي إسلامي)، إذ كان الإمام مدركا تلك الركائز التنظيمية الإسلامية عبر درايته واطلاعه لعلة أي حكم او تشريع يصدر عن القرآن والسنّة ويسهم في تحقيق تنظيم اجتماعي، مما مهد له القدرة على بناء منظومة نظرية متكاملة حاول جاهداً ان يطبقها على نفسه وعلى المجتمع. ب. إن تلك المنظومة النظرية-التي أشرنا إليها آنفاً-تكاملت نظرياً وميدانياً لدى الإمام من خلال تحويلها الى ممارسة تنظيمية على يد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أسس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وأرسى أولى القواعد التنظيمية فيها وهي بناء أول مؤسسة تنظيمية في المدينة عبر بناء المسجد، والمؤاخاة، ووثيقة المدينة) ، وبطبيعة الحال كان الإمام على اطلاع تام بكيفية تحويل الحكم الشرعي في أية قضية اجتماعية او سياسية او اقتصادية الى ممارسة تنظيمية كان يدير بموجبها الرسول (صلى الله عليه وسلم) دولته الإسلامية الحديثة، وبعبارة أخرى إن الإمام كان قريباً من أولى الممارسات التنظيمية في الإسلام عبر تأثره بالتجربة النبوية مما أمدته بالخبرات التنظيمية التي حاول إحياءها وممارستها زمن حكمه لأنه نظر الى هذه الممارسة التنظيمية بوصفها المعين الأصلي والأصلح والأقدر على تنظيم المجتمع الإسلامي. -العقيدة (المنظومة الفكرية للتوجيه)، (*)ثانياً: كان الإسلام-بعناصره الرئيسة الثلاث والمفاهيم (الرؤى التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء)، والعواطف (أي تحويل العنصرين السابقين الى شعور وجداني يأخذ مداه في التطبيق الفردي قبل التطبيق المجتمعي)، مرتكزاً رئيسياً بالنسبة للإمام، وهي التي دفعته الى قولبة الكثير من قواعده التنظيمية ولاسيما (عقيدة التقوى) التي كانت بالنسبة إليه مفهوماً وعاطفة تحولت بعد ينظر تفاصيل ذلك في الفصل الثالث من الدراسة.(*)
عدد الصفحات ٢٢٠221 الف ذلك الى موجه رئيس لسلوكه التنظيمي أولاً، ولسلوك الولاة والإداريين الذين كان يشرع لهم الكثير من اللوائح التنظيمية التي يلزمهم باتباعها. ولهذا نجد أن التوجه الديني-التنظيمي للإمام كان يصبغ كل توجهاته التنظيمية، بعبارة أخرى كان يحاول تأسيس سلوك تنظيمي لسائر الولاة والإداريين يجعلهم يسيرون وفقه، ومبدأه الرئيس في ذلك هو الخشية من الله تعالى حفاظاً على مصلحة الجماعة والمجتمع. ثالثاً: كان الإمام (عليه السلام) يمتلك القدرة على استنباط الأحكام الإسلامية من مصادرها الشرعية (القرآن-السنة) وهذه القدرة هي التي جعلته يمتلك معارف وعلوماً شتى مما جعل اجتهاده العلمي يؤهله أن يؤسس ويولد قواعد تنظيمية مختلفة، وهذا ما لمسناه في تنظيمه القضائي على وجه الخصوص وباقي التنظيمات عموماً. وبمعنى آخر إن للعلم والمعرفة التي يمتلكها الإمام بوصفه قريباً من منابع التشريع أثر في إثراء قدرته الاجتهادية والفكرية مما جعله ينهل من ذلك آليات للعمل التنظيمي الاجتماعي آنذاك.
عدد الصفحات ٢٢١222 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال 2 ما هي أبرز ملامح التنظيم السياسي الذي أرساه الإمام علي (عليه السلام) في إدارته للمجتمع الإسلامي؟ وكيف استطاع اكتساب شرعية سياسته التنظيمية التي كان يمثلها؟ إن هذا التساؤل يفترض في الإجابة عنه أن تكون على شطرين، الشطر الأول، ما هي أبرز ملامح التنظيم السياسي الذي أرساه الإمام لإدارة وتنظيم المجتمع الإسلامي سياسياً، تكون إجابته على النحو الآتي: أولاً: القيام بعملية تغير اجتماعي/ سياسي، ذلك ان وصول الإمام الى سدة الحكم بحد ذاته يعد تغييراً وتبدلاً لقواعد التنظيم السياسي برمته، فلقد تثبتت واغتنت مراكز قوى اجتماعية عديدة في المجتمع الإسلامي قبل ذلك والتي كانت تتمتع بامتيازات سياسية ومادية تراوحت بين إمساك مصدر القرار السياسي/ القرب من الخليفة السابق، او مصدر القرار الإداري/ توليهم إدارة الأمصار، فكان التنظيم السياسي الذي جاء به الإمام يطولهم جميعا وعبر الإجراءات الآتية: ا. عزل الولاة والإداريين-المفسدين-كخطوة تنظيمية أولى بعد تولي السلطة (الخلافة)، اذ باشر الإمام بطرد وعزل كل من ثبت عليه الفساد الإداري والتنظيمي من قبيل نهب أموال الدولة واستغلال النفوذ السياسي لأغراض شخصية والإجحاف والظلم بالناس أو إصدار قرارات جائرة تضر أفراد المجتمع، وقد كانت هذه الخطوة بمثابة أولى مراحل التغير الاجتماعي والتنظيم السياسي في آن واحد. ب. ارجاع املاك الدولة (وثرواتها): ترافقت الخطوة التنظيمية الأولى المتضمنة طرد وعزل الإداريين المفسدين مع إرجاع الأموال والثروات العديدة الى (بيت المال)، تلك الأموال التي كانت بحوزة هؤلاء المتنفذين (أصحاب مراكز القوى).
عدد الصفحات ٢٢٢223 الف ثانياً: صياغة وإقرار قواعد ولوائح إدارية وتنظيمية جديدة تحل محل اللوائح السابقة التي أبلغها الإمام (عليه السلام) لسائر ولاته وعماله وقد تضمنت عدة أمور يمكن إيجازها على النحو الآتي: ا. تقديم الصفات الأخلاقية والدينية لاختيار أي شخص يتولى منصباً إدارياً أيا كان، مشددا على عنصر التقوى والخصال الحميدة وذلك لاعتقاده (عليه السلام) بأن من تحلى واتصف بذلك إنما سيكون الأجدر والاكفأ في الحفاظ على حقوق المجتمع وتأدية الواجب الإداري-التنظيمي المنوط به على أكمل وجه من دون أن يلتفت لمسائل القرابة والنسب (المنسوبية) بينه وبين ابناء المجتمع في اختيار الإداريين. ب. المحاسبة المستمرة والدائمة لعماله وولاته وإدارييه وهذا الامر كان مدعاة بالنسبة للإمام لمعرفة السلوك التنظيمي السياسي الممارس من قبلهم، وهل هم ملتزمون باللوائح التنظيمية التي وضعها لهم، وقد كان من نتائج هذه القاعدة التنظيمية السياسية استبدال ولاة وعمالاً بغيرهم ، لوضع الأشخاص المناسبين في مكانهم الصحيح بما يدعم فكرته التنظيمية السياسية ويثبتها. كيف استطاع الإمام اكتساب «- أما الإجابة على الشطر الثاني من السؤال والمتضمن فيمكن الإجابة عن ذلك وفقاً للآتي:»الشرعية السياسية لتنظيمه السياسي الذي أجراه ا. اكتسب الإمام شرعيته السياسية التي أهلته للقيادة عبر مسألة-البيعة-التي أقرها معظم أبناء المجتمع آنذاك، معلنين رغبتهم في توليه منصب الخلافة مع طاعتهم وولائهم له، وقد كانت تلك البيعة الصيغة الشرعية الرئيسة التي جعلته يدير دفة الحكم، فضلاً عن ان تلك البيعة وأجواءها الشرعية لم تتم إلا تحت ضغط اجتماعي كبير لاختياره لهذا المنصب، ذلك الضغط الذي تولد من جراء انهيار التنظيم السياسي السابق في ظل أجواء عصيبة جعلت المجتمع يعيش حالة من تلاشي التنظيم بكل
عدد الصفحات ٢٢٣224 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال أصنافه ب. إن عملية انهيار التنظيم السياسي السابق لم تنته دون أن تترك رموزاً تنظيمية سابقة تقاطعت مصالحهم وامتيازاتهم مع الأجواء الشرعية التنظيمية الجديدة الممثلة ببيعة الإمام خليفة للمسلمين، وقد عملت تلك الرموز على التشكيك بشرعية سلطة الإمام ومحاولة اقصائه عن الحكم، فما كان من الإمام (عليه السلام) إلا أن يعمد الى إجراء تنظيم عسكري حاول من خلاله فرض شرعيته السياسية وفرض النظام في آن واحد من أجل درء المفاسد التنظيمية التي يمثلها أقطاب المعارضة السياسية لحكمة آنذاك، وهذا ما جعله يخوض حروباً ثلاثاً على مضض وإكراه (الجمل- صفين-النهروان). 3 كيف استطاع الإمام علي (عليه السلام) الموازنة بين موارد المجتمع واحتياجاته؟ وما هي القواعد التنظيمية التي سعى بموجبها لتنظيم السلوك الاقتصادي في المجتمع آنذاك؟ للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي الوقوف عند شطره الأول للإجابة عنه ثم الانتقال كيف استطاع الإمام علي الموازنة بين موارد “الى شطره الثاني، فالشطر الأول المتضمن فإجابته تتضمن الآتي:”المجتمع واحتياجاته حاول الإمام تحقيق موازنة بين موارد المجتمع وحاجاته عبر فهمه واستيعابه لمسألة- الطبقات-طبقات المجتمع، إذ أن الإمام ارتكز على رؤية محورية واضحة تتمثل في تقسيمه طبقات المجتمع قسمين الأول يمثل الموارد والآخر يمثل الاحتياجات، بعبارة أخرى انه قسم الرعية الى من يختص بجمع الموارد والاشتغال عليها من أمثال اهل الجزية والخراج (جامعي الموارد)، والتجار وأرباب الصناعات (المشتغلين بالموارد بيعاً وشراءً)
عدد الصفحات ٢٢٤