المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التنظيم الاجتماعي في فكر الامام علي نضال عيسى النعيمي

غير معروف

صفحة ١٢ من ١٥

191 الف .)1(الامور ثانياً:- يشترط أن من يتولى القضاء شخص لا تمحكه الخصوم ((تجعله ماحكا، محك . أي أن لا يتحول بحكم ظروف كهذه الى عسر الخلق لشدة )2(الرجل، أي لج المطاولة والمناقشة أثناء جلسة المحاكمة او اطلاق الحكم بين القاضي من جهة . )3(والمتخاصمين من جهة أخرى فلهذا يوصي الإمام بتولية من (لا تمحكه الخصوم ثالثاً:- يوصي الإمام (عليه السلام) واليه أن لا يكون المتصدي للقضاء مصرا على الخطأ في إصدار حكم ما، بل عليه التراجع في حال استشعار وجود خللٍ معين في حكم اصدره أوسيصدره، فضلا عن طريقة استجواب المتخاصمين التي قد يقع فيها . )4(بعض الخطأ او الزلل، فلهذا يدعوه أن ((لا يتمادى في الذلة رابعاً:- ويركز الإمام (عليه السلام) على أهمية عدم الإصرار على الخطأ أيا كانت صيغته أو طبيعته الذي يصدر من قبل القاضي، فلهذا يوصي الإمام (عليه السلام) أن ((لا . ولا يحصر من الفيء هو المعنى الأول بعينه، )5(يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه والفيء: الرجوع إلى الحق، إلا أن ههنا زيادة، وهو أنه لا يحصر، أي لا يعيا في المنطق، . )6(لأن من الناس من اذا زل حصر عن أن يرجع وأصابه كالفهاهة والعي خج ويرى الباحث توفيق الفكيكي أن هذه الخصائص والسمات الواجب على القاضي الاتصاف بها هي مقاربة بشكل كبير لأصول المحاكمات الحقوقية المعاصرة، والتي . 94، مصدر سابق، ص3 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، ج )1( .42 ابن أبي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، المجلد التاسع، ص )2( .94 الشيخ محمد عبده، المصدر السابق نفسه، ص )3( .94الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )4( .94 المصدر السابق نفسه، ص )5( .43 ابن ابي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )6(

عدد الصفحات ١٩١

192 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(تحتم على القاضي مراعاتها والالتزام بها في إدارة المحاكمة خامساً:- يطالب الإمام (عليه السلام) أن لا يكون القاضي طماعا ويسعى للتكسب المادي وجلب المغانم والمنافع فلهذا يقول (عليه السلام) ((ولا تشرف نفسه على . والإشراف على الشيء أي الاطلاع عليه من فوق، فالطمع من سافلات )2(طمع الأمور من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته وصمة النقيصة فما ظنك بمن . وهذا الأمر يقترب من مسألة الرشوة او تقديم الهدايا او إقطاع )3(هبط إليه وتناوله ارضٍ معينة، الخ من الأمور المادية التي يبتغي من ورائها أصحابها استمالة القاضي لهم لكي يحكم لما فيه صالحهم. سادساً:- يدعو الإمام (عليه السلام) القاضي الى التعمق في القضية المطروحة أمامه والتأمل فيها بعناية ودقة شديدة قبل إصدار حكم معين، وبعبارة أخرى هي دعوة الى عدم التسرع بإطلاق الحكم حالما يخطر بباله الحكم القضائي للشكل المطروح، . )4(ولهذا يقول (عليه السلام) ((ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه سابعاً:- ويدعو الإمام (عليه السلام) القاضي إلى أن يتبصر في القضية المطروحة التي تضم تفاصيل كثيرة ومتنوعة بعناية شديدة ولا سيما اذا تعذر الوقوف على وجه الحق فيها من الباطل او الخطأ بسرعة لأنها شبهة بين الوجهين ولكنها أقرب الى الحق أو الجانب الصحيح، والشبهات مالا يتضح الحكم فيها بالنص، فينبغي الوقوف على . فلهذا يدعو (عليه السلام) القاضي )5(القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح . 11-9 ينظر توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، مصدر سابق، ص )1( .94 محمد عبده، مصدر سابق نفسه، ص )2( .42 ابن ابي حديد المعتزلي، مصدر سابق ، ص )3( .94 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )4( المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها )5(

عدد الصفحات ١٩٢

193 الف أي لا يستعجل في إصدار الحكم حتى يتب)1(أن يكون ((وأوقفهم في الشبهات شؤون القضية بدقة وتركيز. ولقد وصف الإمام (عليه السلام) معنى الشبهة في إحدى خطبه قائلا: ((وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت . )2(الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى ثامناً:- إن الإمام (عليه السلام) نظر إلى أي قضية بوصفها مسألة تقديم حجج وبراهين أو أدلة من كلا الطرفين ((المتهم والبريء)) أطراف القضية المطروحة امام القاضي، فلهذا يلزم الإمام (عليه السلام) القاضي بأخذ الحجج المطروحة أمامه ومن الطرفين حتى يبني عليها حكمه العادل، فلهذا يؤكد الإمام ان يكون القاضي آخذاً بالحجج . )3(((وأخذهم بالحجج تاسعاً:- لقد وضع الإمام (عليه السلام) مجموعة من الضوابط والشروط الواجب على من يتصدى لمسؤولية القضاء التحلي بها، ولعل الشروط الآتية تمثل مجموعة من القواعد المترابطة حالها حال بقية الشروط ولكن ما نحن بصدده من الممكن القول عنه أنه متداخل بشكل كبير جدا حيث يدعو الإمام (عليه السلام) الى:- أ. أن يكون القاضي بعيدا عن التبرم ((الضجر)) وهذه الخصلة من محاسن ما شرطه . )4((عليه السلام)، فإن القلق والضجر والتبرم قبيح، وأقبح ما يكون من القا إذ أن من الضروري أن يكون صدر القاضي رحبا بحيث يكون صاحب صبر وأناة ويتحمل المتخاصمين في حضرته، وهذا ما أِشار إليه الإمام (عليه السلام) ((وأقلهم المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها. )1( .462-461 ابن ابي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، المصدر السابق نفسه، ص )2( .43 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )3( .43 ابن ابي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق، ص )4(

عدد الصفحات ١٩٣

194 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(تبرما بمراقبة الخصم ب. ويوصي الإمام كذلك القاضي أن تكون إحدى صفاته ((وأصبرهم على تكشف . )2(الأمور جـ. وتأسيسا على الخصلتين المذكورتين آنفاً لابد من أن يكون القاضي صارما وقاطعا في التعامل مع الموقف مباشرة وحالما يترآى له الجانب الصحيح فيصدر حكمه المتلائم مع حيثيات القضية طلبا للعدل الاجتماعي، لذا يدعو الإمام (عليه السلام) إلى أن . )3(يتصف القضاة بالصرامة عند اتضاح الحكم وهذه الخصائص أو السمات الواجب توافرها في القاضي متصلة ومتداخلة فيما بينها لكونها تحدد الصفات النفسية لشخصية القاضي، فضلا عن أنها تمثل بمجموعها تصرفات سلوكية متتابعة يجب على القاضي اتباعها في أية قضية تطرح أمامه. وهذا بدوره يسهل ويمهد عملية التنظيم القضائي ويدعمه في المجتمع. عاشراً:- وآخر صفة أو خصيصة يدعو إليها الإمام (عليه السلام) فيمن يجب ان يتولى القضاء هي أن لا يؤثر فيه المديح والثناء والإطراء ولا يؤثِّر فيه الإغراء أي التحريض على مسألة ما او ركنٍ ما يحيد بالقاضي عن جادة الصواب والعدل، فلهذا يدعو الإمام (عليه السلام) إلى أن يكون القاضي ((ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله .)4(إغراء ولقد رفض الإمام (عليه السلام) أن يختلف القضاة في الحكم، قائلا: ((ترد على . 94 الشيخ محمد عبده، المصدر السابق نفسه، ص )1( المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها )2( المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها )3(

عدد الصفحات ١٩٤

195 الف احدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها ع غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، . )1(فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد وبذلك فالإمام يؤكد جانباً اجتماعياً خطيراً يؤثر سلبا في عملية التنظيم القضائي ومن ثم في عملية العدل الاجتماعي ألا وهو الاختلاف وعدم الوحدة في تتبع أمر القضاء ونصه وعدم الرجوع الى منهله الأساس ((القرآن والسنة)) لأنهما معين ومصدر الحكم القضائي أيا كان، وحتى لو كان هنالك اجتهاد في قضية لا سابق لها فهو اجتهاد في ضوء التشريع الإلهي ليس إلا. ثم يعقب الإمام (عليه السلام) قائلا ومستغربا من اختلافهم:((أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه !، أم نهاهم عنه فعصوه ! أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ! أم كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا وعليه أن يرضى! أم أنزل الله سبحانه ديناً تاما فقصر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: ((ما . وفيه تبيان لكل شيء. وذكر ان الكتاب 38فرطنا في الكتاب من شيء)) الانعام/آية يصدق بعضه بعضا وانه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: ((ولو كان من عند غير الله . )2(82لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)) النساء/آية وتمثل مجموع هذه الوصايا والأوامر التي وضعها الإمام (عليه السلام) بشأن الخصائص والصفات الواجب توافرها بمن يتولى القضاء ما يصطلح عليها سوسيولوجيا -أو الضوابط الاجتماعية التنظيمية التي تنظم Social normsبـ المعايير الاجتماعية المجتمع عبر المؤسسة القضائية وذلك عبر ممارسة صاحب المركز الاجتماعي-القاضي- . 212 ابن ابي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )1( .213ابن أبي حديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )2(

عدد الصفحات ١٩٥

196 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(لدوره في عملية التنظيم الاجتماعي عموماً وبعبارة أخرى فإن مجموع هذه الخصائص والسمات التي أوجب الإمام تواجدها فيمن يمارس القضاء بكونها تمثل أسس وقواعد العمل التنظيمي، حيث إن من يحمل هذه الخصائص بمجموعها يستحق ان يشغل هذا المنصب الإداري-التنظيمي الخطير الذي يجمع بين قواعد وأسس التنظيم الديني ((التشريع الإسلامي)) وقواعد وأسس التنظيم الاجتماعي من ناحية الحفاظ على المجتمع من أي خرق اجتماعي يصدر من أفراد المجتمع، بحيث يغدون متجاوزين على القانون (التشريع الإسلامي المتمثل بالقرآن والسنة النبوية). ووفقا لذلك تكون هذه الشروط التي وضعها الإمام (عليه السلام) تصب في مجرى عملية تحديد القواعد السلوكية، وهذه القواعد السلوكية من وجهة النظر -تتعلق جميعها بحماية التنظيم، وذلك انها تحدد Rules of behaviorالسوسيولوجية .)2(الطرق والوسائل اللازمة لتحقيق وبلوغ الأهداف المحور الثاني: الأ وضع الإمام (عليه السلام) مجموعة من الأسس الإدارية للتنظيم القضائي التي يقصد بها هنا آليات التعامل والصلة بين المراكز الإدارية العليا (الوالي) على سبيل المثال كمركز أدنى (والخليفة) كأعلى مركز إداري بينه وبين (القاضي) المخول من الدولة (الدولة . 193 د. ابراهيم ابو الغار، علم الاجتماع القانوني والضبط الاجتماعي، مصدر سابق، ص )1( د. قبــاري محمــد إســماعيل، علــم الاجتــماع الحــضري ومشــكلات التهجــير والتغــير والتنميــة، منشــأة )2( .256، ص1985المعــارف، الاســكندرية،

عدد الصفحات ١٩٦

197 الف الإسلامية) هنا بمزاولة عمله والترخيص له ليكون قاضيا ممثلا للقانون الاجتماعي التشريعات الدينية-التي هي أصل ومعين قوانين كهذه بظل ((الدولة الإسلامية)) زمن خلافة الإمام (عليه السلام) والخلفاء الذين سبقوه، فضلا عن كونه ممثلا للسلطة السياسية الحاكمة بوصفه إحدى أدواتها السلطوية التي تعزز من خلاله هيبتها السياسية بحفظ أمن المجتمع وسلامته من الخارجين عليه. وقد وضع الإمام (عليه السلام) في عهده لواليه على مصر ثلاثة أسس أو أركان تحكم العلاقة بين الحاكم السياسي (الوالي هنا) والقضاة، ويمكن للباحثة توضيح الأركان الثلاثة على النحو الآتي:- الركن الأول: الرقابة:- أكد الإمام (عليه السلام) أهمية متابعة ومراقبة عمل القضاة لأجل كشف مكامن الخلل أو القصور او الفتور في تطبيق أحكام الشريعة لاسيما تلك الخاصة بشؤون المعاملات اليومية لحياة الناس وما يرتبط بها من سائر الشؤون الأخرى، وبهذا المجال . )1(قال الإمام (عليه السلام): (ثم أكثر تعاهد قضائه ، وهذا التعاهد يشير )2(وتعاهد قضاء (القاضي) أي تتبعه بالاستكشاف والتعرف بشكل عام لمسألة (الرقابة) التي تمثل أحد أعمدة الإدارة او أية عملية تنظيمية معينة. فالرقابة هي عملية قياس لأداء المرؤوسين وتصحيحه بهدف التأكد من ان أهداف التنظيم الإداري أيا كان قد نفذت، والالتزام بقواعده ومراسيمه القانونية الموضوعة لصالح هذه الأهداف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرقابة تعكس في الوقت . 94، ص3 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج )1( المصدر السابق نفسه، الهامش )2(

عدد الصفحات ١٩٧

198 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(نفسه شكلا تنظيميا يسعى للوصول الى كفاءته وقد رأى الإمام (عليه السلام) أن مصلحة القضاء ورعاية العدل تقتضي من ولي الأمر أن يكثر مراقبة اعمال وتصرفات القضاة او الحكام من حين إلى آخر وإن كانوا ، وإنهم من أفضل الرعية علما وأخلاقا لأن محاسبة (*)متصفين بالأوصاف السابقة النفس وضبطها والشعور بالمسؤولية قد يكون ضئيل الأثر في نفوس المسؤولين فأراد الإمام (عليه السلام) أن يكون هذا الحق قويا وعميقا في نفوس الموظفين عامة والقضاة . )2(خاصة Rewardsالركن الثاني: المكافاآت اأو الثوابات في هذا الركن نجد أنه (عليه السلام) قد أوصى عامله بأهم ناحية من نواحي إصلاح القضاء وترقيته، وذلك بترقية حال الحاكم ((القاضي)) وتأمين متطلبات العيش له وذلك بأن يفرض له العطاء الواسع حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشته وحفظ منزلته، . ) 3(وليملأ (الراتب) الكافي غلته ويتعفف به عن الرشوات وفي ضمن سياقات هذا الأمر طلب (عليه السلام) الى عامله قائلا: وأفسح له في . )4(البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته الى الناس ولأجل أن يسير النظام القضائي ويتم تنظيمه على أحسن وجه لابد أن يكون المستوى هارولــد كونتــز وســيريل أو دويــل، مبــادئ الإدارة، تحليــل للوظائــف والمهــمات الاداريــة، ترجمــة محمــود )1( .309-307، ص2، ج1982،1فتحــي عمــر، مكتبــة لبنــان، ط ينظر النقاط التي ذكرت في المحور الأول من هذا المبحث. (*) . 18توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، مصدر سابق، ص) 2( المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها) 3( .95الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص) 4(

عدد الصفحات ١٩٨

199 الف المعيشي للقاضي لائقا به وكافلاً وساداً لاحتياجاته كافة وأسرته، وذلك لأجل تحقيق توازن نفسي من خلال إشباع هذه الاحتياجات، فضلا عن درء المخاطر السلوكية او الانزلاقات الأخلاقية التي يمكن أن يقع فيها مما يدفعه الى قبض الرشاوى، مما ينتح عن ذلك حدوث فساد إداري خطير لأهم مفصل من مفاصل التنظيم الاجتماعي المتنوع. وتتجلى أهمية المكافآت أو الثوابات في أنها تمارس أثرا واضحا في السلوك التنظيمي من حيث إسهامها في تحقيق مشاركة فعالة في العمل وبذلك يرتفع المستوى الانجازي للأفراد (أصحاب المناصب المختلفة) هذا من جهة، ويعزر السلطة عندما يضبط . )1(الموظفون الكبار مكافآت الأعضاء من جهة أخرى الركن الثالث: ا لقد كانت السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، موحدة وغير منفصلة في زمن علي ، فإذا به يخطو خطوة مبدئية الى فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، . وفي هذا الصدد يكتب الإمام )2(كي يكسب القضاة حصانة ويؤمنهم من عقاب السلطة في عهده الى مالك الاشتر قائلا: وأعطه-أي القاضي-من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه . )3(غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، وأنظر في ذاك نظرا بليغا وتأسيسا على ذلك يذهب الباحث جورج جرداق للقول: وبهذا يكون علي قد قضى على السبب الأول من أسباب انحراف القضاة، اذ خطا هذه الخطوة المبدئية نحو فصل القضاء عن السلطة التنفيذية كي لا يتأثر القضاة بأصحابها ، وفصل القضاء عن السلطة ينظــر: د. متعــب منــاف، التنظيــم الاجتماعي/الســلطة والثوابــات والتواصــل، شــكلية التنظيــم وفاعليــة )1( الاتصــال، مصــدر ســابق . 261، ص2 جورج جرداق، الامام علي صوت العدالة الإنسانية، مصدر سابق، ج )2( .95 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )3(

عدد الصفحات ١٩٩

200 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال التنفيذية هو من قوانين المدنيات الحديثة، لأن فيه سببا من أسباب التسوية بين البشر أمام . )1(قضاء يتولاه عالم ذو خلق كريم متمتع بالحصانة وعن الفكرة نفسها ولكن بعبارة أخرى يقول الباحث الفكيكي: ((أما الغرض المهم من استقلال المحاكم والذي توخاه الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لعامله هو التوثق من عدالة الأحكام وصيانة الحقوق لأن المحاكم لا تكون مرجعا موثوقا به عند . )2(الناس إلا إذا كانت مصونة من التأثير والنفوذ وتعد مسألة استقلال القضاء ليس عملا تنظيميا للقضاء فحسب، بل هي عملية تنظيم سياسي في الوقت نفسه، لأنها تعد عملية مهمة لإعادة بناء أسس أو قواعد جديدة للصلات او التفاعلات التنظيمية بين السلطة (بممثليها كافة) والقانون الاجتماعي (وبصيغه وأشكاله وممثليه كافة)، هذه القواعد والأسس الجديدة مرتكزة على فكرة محورية رئيسية هي: عزل هيبة السلطة السياسية عن هيبة القانون-والقضاء لكي تبقى همزة الوصل بينهما تحقيق العدالة الاجتماعية لأبناء المجتمع كافة وبالتساوي لا فرق بين رئيس ومرؤوس. . 261 جورج جرداق، مصدر سابق ، ص )1( .23-22 توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، مصدر سابق، ص )2(

عدد الصفحات ٢٠٠

201 الف المبحث الثا لممار ا الإمام (عليه ال إن أية ممارسة قضائية هي عبارة عن ممارسة قانونية في الوقت نفسه، وأيا كان هذا القانون-إلهياً كـ((الشريعة الإسلامية)) أو وضعيا كسائر الأنظمة القانونية المعمول بها الآن في سائر المجتمعات، هذه الممارسة القضائية تستهدف أمرين متلازمين-ضروريين هما: الكشف عن الخرق أو التجاوز الواقع في المجتمع من قبل فرد أو أفراد معينين قاموا بخرق قانون أو قوانين معينة من جهة، ومن ثم سيتتبع الأمر الأول هذا القيام أو المباشرة بالأمر الثاني وهو: تفعيل القوانين الاجتماعية بحقهم لأجل الردع والتأديب وإرجاع الحقوق لمستحقيها أو للمجتمع عموماً تحت صيغة (الحق العام) من جهة أخرى. Social Controlوتتضح لنا الصلة بين الممارسة القضائية وعملية الضبط الاجتماعي من خلال القانون، حيث ينظر للقانون بوصفه أقوى مظاهر الضبط الاجتماعي وغايته صيانة التنظيم الاجتماعي والحرص على استقرار النظام وتقرير علاقات الأفراد حسب المصطلحات والنظم الموضوعة. وهو يلزم بالقوة والحكم فيه للنصوص المشرعة ويمتاز جزاؤه بالتحديد الدقيق بما

عدد الصفحات ٢٠١

202 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(تنطوي عليه النصوص من التزامات وقبل الوقوف على موضوع الجزاءات أو العقوبات القانونية التي تمثل أحدى أدوات القانون الرئيسة لابد من التعرف أو الوقوف على عملية الضبط الاجتماعي لأن القوانين أيا كانت وكيفما تنوعت تسعى عموماً نحو إحداث عملية الضبط الاجتماعي التي يقصد بها الطريقة التي يتطابق بها النظام الاجتماعي كله ويحفظ هيكله-ثم كيفية وقوعه بصفة عامة كعامل . )2(للموازنة في حالات التغ فيما يمارسه المجتمع للحفاظ على (*)Rossوينحصرالضبط الاجتماعي عند روس نظامه، وذلك عن طريق مختلف النظم والعلاقات الاجتماعية ؛ تلك النظم التي يثير الخروج عليها سخط الجماعة، ذلك السخط الذي يتدرج من مجرد السخرية والاحتقار والاشمئزاز الى القطيعة والتجنب والنبذ، ثم إلى إنزال الضرر بالمخالف وإيذائه، وربما . )3(ينتهي الأمر الى جرحه أو قتله . 233، ص1970،2 د. مصطفى الخشاب، دراسة المجتمع، مكتبة الانجلو المصرية، ط )1( ،1974،3 ر.م ماكيفــر وشــارلز بيــدج، المجتمــع، ترجمــة: عــلي احمــد عيســى، مكتبــة النهضــة المصريــة، ط )2( .273، ص1ج »Social Control) أول مــن اســتخدم مصطلــح الضبــط الاجتماعــيRossوقــد كان روس(*) ليميــزه بوصفــه ميدانــا متخصصــا بالدراســات الاجتماعيــة؛ وبهــذا أســهم روس في ســحب مصطلــح الضبــط الاجتماعــي الى ميــدان علــم الاجتــماع وبشــكل مؤطــر بعــد أن كانــت دراســته مشــتتة ومبعثــرة في مواضيــع . ينظــر: 1901اجتماعيــة شــتى، وأصــدر كتابــه المعنــون R. Lapiere , A Theory of Social Control , New York , Mc Graw Hill Book co , 1954 , pp. 3-10. ،1د. غريــب ســيد أحمــد وآخــرون، المدخــل الى علــم الاجتــماع، دار المعرفــة الجامعيــة، الاســكندرية، ط )3( .236، ص1996

عدد الصفحات ٢٠٢

203 الف إن الضبط الاجتماعي عند روس لديه نظام متكامل، ومع ذلك نستطيع أن نميز ب مجموعتين من وسائل الضبط:- - تتمثل المجموعة الأولى في: الرأي العام والإخاء الاجتماعي وبالمثُل الشخصية وديانة المجتمع والفن ثم التقييم الاجتماعي، وكل هذه إنما تستمد قوتها وهيأتها من تكوينها وفقا للشعور العام، وهذه المكونات-امتثالاًلنظم المجتمع-تضبط سلوك الإنسان في أشياء كثيرة وموضوعات شتى أملاً في الرفاهية والتعاون من اجل المجتمع. - وتتمثل المجموعة الثانية في: القانون والمعتقدات والقيم، وان كانت المجموعة الأولى أكثر أخلاقية وروحية، فإن الثانية تمثل السياسة العامة للمجتمع، وبذلك يرى في المجتمع ليس سلوكاً غريزيا او تلقائيا ولكنه ناجم عن orderروس ان النظام . )1(الضبط الاجتماعي ومتوقف عليه والممارسة القضائية التي قام الإمام (عليه السلام) بعملية إنشاء القواعد الشرعية والتطبيقية لها استنادا الى القرآن الكريم والسنة المطهرة إنما كانت تسعى بطبيعة الحال نحو تحقيق استقرار اجتماعي وضبط لسلوك الأفراد داخل المجتمع الإسلامي آنذاك، وهي بالتالي كانت غايتها تحقيق وإحداث ضبط اجتماعي شامل، مستندا في ذلك إلى (القانون الآلهي/التشريعات الإسلامية). بعبارة أخرى كان الإمام (عليه السلام) حاله حال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما كان يعتمد على الدين الإسلامي/ممثلاً بتلك التشريعات الإسلامية لإحداث هذا الاستقرار الاجتماعي المرتكز على عملية الضبط الاجتماعي. وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن الإمام (عليه السلام) في سعيه لإحداث استقرار اجتماعي من خلال تفعيل عملية الضبط الاجتماعي المبنية لديه أصلاً على الدين الإسلامي . R. Lopiere , Op. Cit , pp. 10-12 ؛237 المصدر السابق نفسه، ص )1(

عدد الصفحات ٢٠٣

204 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال وتشريعات لم يكن يسعى بالدرجة الأولى للحفاظ على هيبة الدولة التي يديرها بقدر ما كان يسعى الى الحفاظ على هيبة وخدمة وقدسية الشريعة الإسلامية التي يخرج عليها الخارجون بشتى التصرفات والافعال المنافية لحكم الشريعة، وهو (عليه السلام) يفعله هذا إنما يقدم الدين وضوابطه على السلطة والممارسة السلطوية. وهذا لا يعني وجود تناقض في مسعى الإمام (عليه السلام) وخططه او طروحاته التنظيمية بصيغها كافة، بقدر ما هو (عليه السلام) يحاول أن يؤسس لتاريخ العرب السياسي مسألة تقديم أهمية وحرمة وقدسية (الشريعة الإسلامية) على متطلبات العمل السياسي السلطوي وما يرتبط بها من هيبة الدولة والحكم، بعبارة أخرى إنه حاول منع أن يكون الدين غطاءً أو مظلة للسلطة ، وهذا الأمر نوه عنه الإمام (عليه السلام) في قوله لواليه حين كان يوصيه بطريقة التعامل مع القضاة قائلا له: ((فإن هذا الدين كان أسيراً .)1(في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى ويطلب به الدنيا وبهذه العبارة أنهى (عليه السلام) مجموعة الصفات الواجب على القاضي الاتصاف بها، فضلا عن مجموعة الاركان التي تخص العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة القضائية وكما بينها مسبقاً. أما الفكرة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها هنا هي أن الإمام (عليه السلام) لم يكن يحاول اقامة القضاء العادل (بتطبيق الشريعة وإعادة الحقوق المسلوبة) فحسب، بل حاول ربط هذا القضاء العادل بالعدل الاجتماعي لأجل التخلص او إضعاف مقومات او دوافع السلوك المنحرف أيا كان، تلك المقومات والدوافع التي ترتكز على مسألة فقدان العدالة السياسية وفقدان التوزيع العادل للثروة، فضلا عن فقدان الروح الأخلاقية والتربوية في نفوس بعض أفراد المجتمع، ولهذا حاول (عليه السلام) القيام . 95، مصدر سابق، ص3 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، ج )1(

عدد الصفحات ٢٠٤

205 الف بعملية إصلاح اجتماعي عبر آليات تنظيمية عدة توخى منها القضاء على أصول الدافع الانحرافي أياً كان، ولهذه الفكرة أشار الباحث عزيز السيد جاسم قائلا ((لذلك يربط على ربط جدلي بين القضاء العادل والعدل الاجتماعي الذي يتصدى للمشكلات على نحو جذري ، فالعدل الاجتماعي يعالج مسألة الحقوق والحريات، ومقومات الكرامة الإنسانية من أساسها. أما القضاء العادل، فهو يعالج الآثار السلبية الناجمة عن الخلل العام في الميزان الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي. وبهذه الرؤية يؤدي القضاء دورا مهما لكنه لا يرقى . )1(الى مستوى عملية التغير الجذري العادل وتؤكد أفكار علي بن ابي طالب القيمة الأساسية لعلاقة عدل القضاء، بقضاء العدل، أي القضاء المنطلق من العدل الاجتماعي، ومن الثورة الاجتماعية، وبدون هذه العلاقة يكون القضاء العادل مثله مثل آلة قطع الأعشاب الفاسدة، تقطع ما تستطيع قطعه، من . )2(الظاهر، لكن الجذور تدفع من تحت الى الخارج المزيد من الأعشاب الفاسدة وعودا على بدء، وعلى الرغم من أن الإمام (عليه السلام) كان يسعى للحفاظ على هيبة وقدسية وحرمة الدين الإسلامي وتشريعاته إزاء السلطة (لأجل عدم استغلاله) من الولاة أو الحكام الذين يتلون عهده (عليه السلام) وإزاء المجتمع (لأجل ان لا يخرج عليه الأفراد او الجماعات)، إلا أن الدين الإسلامي وتشريعاته بالنسبة إليه كان بمثابة حجر الزاوية في كل شيء لاسيما في عملية الضبط الاجتماعي والممارسات القضائية-التنظيمية؛ ويمكن النظر الى هذه المسألة من خلال الأدبيات السوسيولوجية التي أكدت أن الحقيقة الأساسية للدين ليست بوصفه ضرورة اجتماعية للضبط والتنظيم فحسب، بل إن القوة الالزامية التي يمتلكها الدين يمكن أن تستند الى ما يعرف بـ((فوق اجتماعي)) كالخوف . 267 عزيز السيد جاسم، علي بن أبي طالب، سلطة الحق، مصدر سابق، ص )1( .268 المصدر السابق نفسه، ص )2(

عدد الصفحات ٢٠٥

206 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال .)1(من غضب وانتقام الإله، فتصبح الضوابط الدينية قوة إلزامية فالدين بفضل ما يفرضه من أوامر إلهية ووصايا قدسية ترسي دعائم الاستقرار والتنظيم الاجتماعي، وتطبق قواعد العدل، وتهذب السلوك وتصحح قواعد المعاملات وترسي العلاقات على أسس من التعاون والتكافل الاجتماعي، وهو فضلا عن ذلك له وظيفة ايجابية أعمق أثراً في الحياة الاجتماعية، ذلك انها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتودد والتواصل لا يدانيه رباط آخر من الجنس واللغة او الجوار والمصالح المشتركة ، فرابطة الأخوة في العقيدة هي العصب الجامع لكل القيم الأخلاقية والمثل العليا التي تسير على هديها الجماعات وغني عن البيان أن الدين في المجتمع يحتل منزلة . )2(القلب من الجسد ومن هنا كانت قواعد العمل التنظيمي-القضائي لدى الإمام (عليه السلام) تسند إلى الدين الإسلامي وتشريعاته، فضلا عما سنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من قواعد قضائية وهي: /مرفوض (*)قاعدة (على المدعي البيّنة وعلى المنكر اليمين) و (اليمين الغموس . وهذه )3(شرعاً) و (شهادة الزور/مرفوضة شرعاً) و (كتمان الشهادة/مرفوض شرعا القواعد الدينية من شأنها أن تحقق عملية ضبط واستقرار وأمن اجتماعي. أما بالنسبة للإجراءات القضائية من إدارة وتنظيم لأية قضية تطرح أمام القضاء الإسلامي آنذاك، 1) Georges Gurvitch , Sociology of Law, London ,1953 , p.90 .232 د. مصطفى الخشاب، دراسة المجتمع، مصدر سابق، ص )2( الكاذبة وغير صحيحة (باطلة(*) ينظــر: كتــاب عــلي (عليــه الســلام) الجامعــة، كتــاب أمــلاه رســول الله (صــلى الله عليــه وآلــه وســلم) )3( وخطــه عــلي بــن ابي طالــب (عليــه الســلام)، جمــع وتحقيــق: الشــيخ محمــود قانصــو العامــلي، النــاشر: ذوي . 330-328هـــ، ص 1427،1القربــى، النجــف الاشرف، ط

عدد الصفحات ٢٠٦