172 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال بالوقت نفسه وظيفة كل طبقة ودورها، ويتضح في ذلك تقسيما واضحا للعمل اذ يقول (عليه السلام): ((فالجنود بإذن الله حصون الرعية...... ثم الطبقة السفلى من أهل . (*)الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم)) علما ان إدارة تقسيم العمل وتوزيع المهام والوظائف ملزمة ومنوطة بـ((صاحب السلطة)) المخولة (الوالي) وفي ذلك يقول (عليه السلام): ((ولكلٍ على الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة . )1(بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل ووفقا لما جاء فإن ذلك يرجع بنا الى رأي دوركايم في أن الدولة تنجم عن تقسيم العمل الضروري، لذا فهي برأيه عبارة عن ((ظاهرة طبيعية تنبثق عن التقدم نفسه الذي يحرزه تقسيم العمل، لأنها تتحول بفعل ذلك التقسيم الى فريق من الموظفين (ولكنه من نوع خاص) مرتبطين بالسلطة والهرمية. وقد حلل في الوقت نفسه حال كحال فيبر مسألة تشكيل جهاز ديواني مستقل يسمح الدولة اثبت فيه كيف ان على مأموريها التصرف وفق Institutionnalisationبمأسسة المصلحة العامة، وكيف أن سلوكهم الشخصي يجب أن يكون محددا بوظيفتهم. وكيف ان على الموظف ان يعطي الأفضلية والأولوية بوصفه مأموراً للدولة على حساب صفته . )2(كمواطن ولعل مصداق ذلك متوافر وبشكل واضح وجلي في عهد الإمام (عليه السلام) الذي . 166الإسلام السياسي، مصدر سابق، ص تم توثيق المصدر سابقا وبشكل مفصل. (*) . 91-90الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة،مصدر سابق، ص) 1( ينظــر: برتــران بــادي وبيــار بيرنيــوم، سوســيولوجيا الدولــة، ترجمــة: جوزيــف عبــد الله، مركــز الانــماء )2( .15-13، د.ت، ص1القومــي، بــيروت، ط
عدد الصفحات ١٧٢173 الف عهد به لواليه على مصر والذي ذكرناه وتطرقنا له سابقا واستنادا الى ما تقدم يمكن وضع الشكل الآتي الذي يبين طبقات المجتمع من جهة وتقسيم العمل بينها من جهة أخرى. ت طبقات الرعية ((الجتمع))وظائفها ((تقسيم العمل)) 1 الجنودحماة الرعية وسند الدين 2كتاب العامة والخاصةموظفو شؤون الرعية العامة وموظفو شؤون ((أهل السلطة والادارة)) 3قضاة العدلتطبيق الشريعة والقانون بين الرعية 4عمال الانصاف والرفقموظفو الحسبة ((مراقبو الاسواق)) - وموظفو السجون 5أهل الجزية والخراججامعو الضرائب من (أهل الكتاب والمسلمين) 6التجار وأهل الصناعاتانتاج السلع والخدمات وتوزيعها 7الطبقة السفلى من ذوي لحاجة والمسكنة (تقسيم العمل) الفئة التي لا عمل لها ((المعالة من قبل الدولة)) ) يوضح هيكلية العمل الخاص بطبقات المجتمع6[ وعودا على بدء فلم تكن تعليمات الإمام وضوابطه الإدارية التنظيمية محصورة بالوا فحسب، بل شملت كذلك الطبقات الواقعة إدارتها مباشرة تحت يد الوالي والمتمثلين ويمكن إيجاز ابرز تلك الضوابط والتعليمات على (*)بـ((القضاة، العمال، الكتاب)) النحو الآتي:- تم التطرق إلى وظائف وأعمال بقية الطبقات في الفصل السابق. (*)
عدد الصفحات ١٧٣174 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال أولاً:- أن يكون أعضاؤها ((العاملون بها)) من أفضل الناس ديناً-ونسبا وتنشئة وأن تكون الصفة الغالبة عليهم (الأمانة) و (الخبرة) و (الحياء) حتى يديروا أعمالهم بدقة ولا يظلمون أحداً أيا كان. ثانياً:- أن يكونوا من المشهورين بالخبرة والحنكة والدقة في ادارة الشؤون وان يكونوا اصحاب فكر بحيث يجيدون ضبط مسؤولياتهم. ثالثاً:- أن يكون ولاؤهم لعملهم فقط، وان يعملون وفق المقررات والضوابط الادارية- الشرعية-المنصوص عليها، ولا ينشغلون بمرضاة الناس وتحقيق مطالبهم الشخصية . )1(التي لا تحترم الضوابط الادارية العامة ولأجل أن يجيد القضاة أعمالهم فيما أنيط بهم فقد أوصى الإمام واليه بتوفير كافة احتياجاتهم المالية ورفع منزلتهم الاجتماعية حتى يكون ولاؤهم لعملهم فقط وفي ذلك يقول: ((وأفسح له ((القاضي)) في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، . وهذا الأمر شمل العمال )2(وأعطه من المنزلة لديك مـالا يطمع فيه غيـره من خاصتك كذلك حتى تسد احتياجاتهم المعيشية ويمنعهم من اختلاس أموال الدولة اذ يقول: ((ثم اسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما . )3(تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك او ثلموا أمانتك أما فيما يخص عمل الكتاب فنظرا لاتساع عملهم إذ أنهم موكلون بأعمال عدة منها ((العامة كـ(المحاسبين-والمحررين في المعتاد من شؤون العامة كالخراج والمظالم)، والخاصة: أي المختصون بـ((الحاكم أو الوالي)) يفضي إليهم بأسراره ويوليهم النظر فيما -94في تفاصيــل ذلــك كلــه ينظــر: الشــيخ محمــد عبــده، شرح نهــج البلاغــة، المصــدر الســابق نفســه، ص )1( .98 .95 المصدر السابق نفسه، ص )2( .95 المصدر السابق نفسه، ص )3(
عدد الصفحات ١٧٤175 الف . ونظراً لذلك الاتساع)1(يكتب لأوليائه وأعدائه وما يقرر في شؤون حربه وسلمه مث أمر (عليه السلام) واليه بتوسيع عملية تقسيم العمل فيما بينهم وفي ذلك يقول: ((واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا عليه كثيرها أي لا يقهره عظيم تلك الأعمال ولا يخرج . )2(عن ضبطه كثيرها ومن المظاهر الأخرى للتنظيم الاقتصادي التي نجد معطياتها في فكر صاحب العهد (عليه السلام) والتي لها صلة واضحة بعملية تقسيم العمل هما مظهرا الثوابات )) ، إذ ان للثوابات Communication)) والاتصال Rewerdsاو المكافآت والمكافآت أثراً واضحاً على السلوك التنظيمي لكونها تسهم في تحقيق مشاركة فعالة في العمل وبذلك يرتفع المستوى الانجازي للأفراد العاملين هذا من جهة ومن جهة اخرى تعزز السلطة عندما يضبط الموظفون الكبار ثوابات الأعضاء مما يعزز في النهاية التفاوت . )3(في إنجاز الأفراد ((العاملين)) مما يدعم عملية تقسيم العمل برمتها وهذه المسألة لاحظناها بوضوح لدى صاحب العهد حيث أوصى بها واليه -((وكما أسلفنا))-قائلا: ((ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيداً وقوله: ((ثم أسبغ )4(لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة . وقوله: ((افسح له في )5(عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم . )6( البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته . 90-89 ، المصدر السابق نفسه ، ((الهامش))، ص)1( .99 ، المصدر السابق نفسه، ص )2( ينظــر: د. متعــب منــاف، التنظيــم الاجتماعي/الســلطة والثوابــات والتواصل/شــكلية التنظيــم وفاعليــة )3( الاتصــال، محــاضرات مطبوعــة القيــت عــلى طلبــة الدكتــوراه، مصــدر ســابق . 88، ص3الشيخ محمد عبده، المصدر السابق نفسه، ج )4( .95 المصدر السابق نفسه، ص )5( .95، ص3 المصدر السابق نفسه، ج )6(
عدد الصفحات ١٧٥176 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال فتتجلى أهميتها بكونها تمتلك قنوات معروفةCommunicationأما عملية الاتصال لكل العاملين، يسهل على كل عضو منهم الوصول اليها. وللاتصال أهداف كثيرة أبرزها:- . تكريس القوة او الهيمنة داخل السلم الهرمي للنظام الإداري، لأنه يبين وجود سلطة 1 عليا مسؤولة عن إصدار القرارات والأوامر . انه يسمح بالمشاركة بالمعلومات لاسيما بين الذين يلتزمون باهداف ومسؤوليات 2 .)1(مشتركة ويمكن لنا ان نجد مقاربة اجتماعية لعملية الاتصال او التواصل في نهي الإمام (عليه السلام) واليه عن (الاحتجاب)) عن الرعية، على اعتبار أنهم جوهر العملية السياسية والإدارية وغايتها، اِذ اُن الاحتجاب برأيه سيمنع الناس من المشاركة في المعلومات التي يبنى عليها القرار السياسي والإداري-التنظيمي. ومن ثم ستكون احتياجات الناس ورغباتهم عند الوالي مجهولة، مما يعيق العمل التنظيمي عموما من جهة وبما يولد من بلبلة فكرية لدى الناس تتمثل بسوء ظنهم بالقوة السياسية الحاكمة ولا يدرون من يتبعون من أصحاب الوظائف الإدارية فتختلط عليهم المراتب والأدوار من جهة أخرى. وفي هذا المضمار يقول الإمام (عليه السلام): ((وأما بعد فلا تطولنّ احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور. والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه . وبذلك فإن فاعلية الاتصال هو العنصر الحاسم في عملية )2(الناس به من الأمور . 4-2ينظر: د. متعب مناف، التنظيم الاجتماعي/ السلطة والثوابات والتواصل، مصدر سابق، ص )1( .104-103 الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ص )2(
عدد الصفحات ١٧٦177 الف .)1(التنظيم وفاعليته وبذلك يتبين أن عملية تقسيم العمل عموما تجسد شكلاً من أشكال التنظيم الاقتصادي نظرا لما توفره من تجزئة وتصنيف للمهام والمسؤوليات والوظائف في أي مجتمع. د. محمــد حســن يــس ود. مــدني عبــد القــادر علامــي، وظائــف الإدارة، جــدة، جامعــة الملــك عبــد العزيــز، )1( .352، ص1977،3ط
عدد الصفحات ١٧٧التنظيم الق روؤية تحليلية وعملية ال
عدد الصفحات ١٧٩181 الف تمهيد عندما ظهر الإسلام لم تكن هنالك مؤسسة قضائية او نظام قضائي وتشريعات قضائية واضحة المعالم متفق عليها لدى العرب كافة، إذ كان لكل قبيلة من قبائل العرب تشريعاتها وأحكامها القضائية الخاصة بها، والتي تدير بموجبها منازعات الأفراد ومخاصماتهم وتعطي حقوقهم وتحدد واجباتهم. وكان لكل قبيلة عرف وتقاليد، تشترك أحيانا في أمور وتختلف في أخرى تبعا لبعدها عن البداوة وقربها منها. صوُكان للقبيلة حاكم يحكم بين من تنازع منهم حسب تقاليدهم وتجاربهم ، ولو تتبعنا كتب الأدب لرأينا فيها أن العرب كانوا تارة يتحاكمون إلى شيخ القبيلة، وتارة الى الكاهن، وتارة الى من عرف بجودة الرأي وأصالة الحكم ومن الصعب وضع حدود . )1(فاصلة لاختصاصه، بل مما نشك فيه كثيرا أنه كان هناك حدود فاصلة في الواقع واستناداً الى رأي الدكتور أحمد أمين فإننا نجده يستمر محللا جوانب معينة من قضايا التشريع التي هي مرتكز عمل القضاء عموما، مبيناً الأصول والقواعد التي استند إليها العرب قبل الإسلام في إصدار التشريعات وإمضاء القضاء قائلا: ((هؤلاء الحكام لم يكونوا يحكمون بقانون مدون، ولا قواعد معروفة، إنما يرجعون الى عرفهم وتقاليدهم التي كونتها تجاربهم أحياناً، أومعتقد انهم أحياناً، وما وصل إليهم عن طريق اليهودية أحيانا أخرى، ولم يكن لهذا القانون الجاهلي المؤسس على العرف والتقاليد جزاء، ولا . 225 د. أحمد أمين، فجر الإسلام، مصدر سابق، ص )1(
عدد الصفحات ١٨١182 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال المتخاصمون ملزمون بالتحاكم إليه والخضوع لحكمه، فإن تحاكموا إليه فبها وإلا لا، وإن صدر الحكم أطاعه إن شاء، وإن لم يطعه فلا شيء أكثر من أن يحل عليه غضب . )1(القبيلة ولعل علة ما تقدم كله يرجع لعدم وجود دولة ((كيان سياسي)) للعرب قبل ظهور الإسلام تكون ضابطة ومشرعة او مقننة للأحكام التي بموجبها ((أي بموجب نظام سياسي كهذا)) ستحصل عملية تنظيم قضائي فعلي تتحدد بموجبها مرجعية القانون أو الحكم من جهة وتكتسب شرعيتها وإمضاء مشيئتها من جهة أخرى. واستشعارا من قريش-زعيمة مكة ببطونها القبلية الكثيرة-لخطورة فقدان هيبة الحكم او القضاء الذي له تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية متنوعة وزعت فيما بينها مثلما وزعت وظائف أو مسؤوليات زعامية (قبلية) اخرى على بطونها لأجل إدارة (مكة) اقتصاديا بالدرجة الأولى، فوزعت وظيفة التحكيم ((القضاء)) على بطن من بطونها هو . )3(. وذلك وفقا لما أراده الملأ والذي يمثل تجمعاً من شيوخ القبائل وزعمائها)2((سهم وعندما ظهر الإسلام تعرض للقانون الجاهلي، أو بعبارة أخرى لعرف العرب وتقاليدهم في الجاهلية، فأقر بعضا وأنكر بعضا وعدّل بعضا. إذ عدّل الإسلام على سبيل المثال بعض شريعة الجاهلية (التي يستندون اليها في أحكام قضائهم البسيط) مثل الزواج والطلاق والمهر والخلع والايلاء، وألغى نظام التبني المعروف، كما ألغى البيع بإلقاء الحجر والملامة والمنابذة، الى آخره من التغييرات التي أحدثها الإسلام في قواعد أو . وينظــر: د. عطيــة مصطفــى مشرفــة، القضــاء في الإســلام، شركــة 226 المصــدر الســابق نفســه، ص )1( .17م، ص1966،1الــشرق الأوســط للطباعــة، مــصر، ط -28 في تفاصيــل ذلــك، ينظــر: أحمــد عبــاس صالــح، اليمــين واليســار في الإســلام، مصــدر ســابق، ص )2( .33 .59 مونتجمري وات، محمد في مكة، مصدر سابق، ص )3(
عدد الصفحات ١٨٢183 الف .)1(مرجعيات الحكم (القضائي والحديث عن الأحكام والقضاء في الإسلام يستدعي بالضرورة ركنين تنظيميين أساسيين:- الركن الأول: الت ويشير إلى التشريعات والأحكام او المرجعيات الدينية (العقائدية) التي يستند إليها في إصدار الأحكام وإدارة شؤون القضاء وسائر الشؤون الاجتماعية الأخرى، والتشريع الإسلامي ممثل بالقرآن الكريم ونصوصه التشريعية المقدسة وبالسنة النبوية من أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقريراته وأقواله وسننه الحياتية التي وضعها للمجتمع الإسلامي آنذاك. ولم تتكامل التشريعات الإسلامية الخاصة بشؤون الحياة العامة من بيع وإجارة ونحو ذلك والجنائية من قتل وسرقة، والأحوال الشخصية من زواج وطلاق إلا بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام الى المدينة وتأسيس الدولة الإسلامية فيها. وعلى حد قول الدكتور أحمد أمين: إن أصول الدين التي جاء بها التشريع المكي مقدمة في الأهمية وفي المنطق على أصول الأحكام التي جاء بها التشريع المدني، وأيضاً فإن الأحكام هي اشبه ما تكون بقوانين الدولة، وهي إنما توضع بعد تكوّن الدولة وقرارها، ولم يكن الحال كذلك إلا في المدينة، أما في مكة فقد تقضىّ زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) بها في دعوة الناس الى الدين الجديد، ولم يدخل فيه في السنوات الأولى إلا العدد . )2(القليل . 227 ينظر أحمد أمين، فجر الإسلام، مصدر سابق، ص )1( .228 د. أحمد أمين، فجر الإسلام، مصدر سابق، ص )2(
عدد الصفحات ١٨٣184 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال الركن الثا حيث يشترط فيه ان يتصف بصفات عدة كيما يكون قاضيا شرعيا مسؤولاً عن تنفيذ احكام التشريع الإسلامي ومتابعتها داخل المجتمع عموما، والشروط الواجبة توافرها فيمن يتولى القضاء هي:- . أن يكون رجلاً، وهذا الشرط يجمع بين صفتين: أ. البلوغ ب. الذكورية. 1 . أن يكون سليم العقل، ذكياً، يتوصل بذكائه الى إيضاح ما أشكل2 . أن يكون حراً، لأن ولاية العبد لا تصح وكذلك من فيه بقية رق، ويجوز أن يق 3 إذا اعتق . أن يكون سليماً في السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق. 4 . أن يكون مسلماً، فلا يجوز لغير المسلم أن يقضي على المسلمين وإنما يقضي بين أهله 5 ودينه . أن يكون عادلاً، صادقاً، أميناً، عفيفاً عن المحارم، مأموناً في الرضا والغضب. 6 . أن يكون عالما بالأحكام الشرعية، أصولها وفروعها (الكتاب والسنة، واجتهاد 7 .)1(السلف علما أنه ومنذ ظهور الدعوة الإسلامية كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتولى الفصل في الخصومات، يتبين ذلك من الحلف الذي عقد بين المهاجرين وأهل المدينة من المسلمين واليهود، وغيرهم من المشركين، ونجد في الصحيفة التي كتب عليها بنود الاتفاق ((وإنه ما كان بين اهل هذه الصحيفة من حدث او شجار يخاف فساده، فإن مردّه .455 و454، ص2 د. قصي الحسيني، موسوعة الحضارة العربية، مصدر سابق، ج )1(
عدد الصفحات ١٨٤185 الف .)1(الى الله عز وجل والى محمد رسول ا وهكذا نلاحظ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصب نفسه في منصب القضاء. ولم يكن للمسلمين في عهده قاض سواه في المدينة، وكان يحكم بما ينزله الله عليه من . فقد وقف الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) من القضاء موقف الشارح )2(الوحي البارع للقرآن الكريم، المطبق للفكر الإسلامي في هذا المجال المهم، والذي يتابع مواقف الرسول في مجال تربيته للقضاة يجد أن هذه المواقف شملت القضاء من جميع جوانبه ومراحله. ولعل أول موقف يلحظه الباحث هو أن الرسول اتخذ من المسجد مكانا للقضاء، واتخاذ المسجد مكانا للقضاء يحمل معنى قدسية القضاء، فما دام القضاء يعقد في بيت الله فإن قدسيته تصبح واضحة، وإذا كان القضاء قد عقد بعد ذلك في أمكنة اخرى، . )3(واتخذت له قاعات خاصة فقد انسحبت القدسية الى كل مكان يقام فيه وكان الرسول يعد بنفسه (عليه الصلاة والسلام) قواعد وأصول العمل القضائي بشكل (تنظيمي) دقيق، فاذا جلس المتخاصمون في مجلس الحكم يساوي بينهم في مكان او محل الجلوس ثم يطلب منهم بعدئذ البنية او الدليل من شهود ونحو ذلك على مصداقية (شكواه او دفاعه)، ولقد نهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القضاة عن قبول الهدايا لأنها تعد رشوة تحيد بالقاضي عن اقامة العدل، كما نهاهم عن أي سلوك . )4(يؤشر على الطعن في ذمة القاضي ونزاهته ولقد ادخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على قواعد وأصول العمل القضائي . 168، ص1988،1، مكتبة المنار، الاردن، ط2 ابن هشام، السيرة النبوية، ج )1( .383، ص1، ج1996،14 د. أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية، ط )2( .386-384 ينظر المصدر السابق نفسه، ص )3( .386 ، المصدر السابق نفسه ، ص )4(
عدد الصفحات ١٨٥186 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال أي التشريع الإسلامي (القرآن والسنة) مسألة الاجتهاد أي عمل القاضي برأيه وقدرته او ملكته العقلية في حالة عدم وجود نص ديني في القرآن والسنة يتناول القضية القضائية المطروحة أمامه، ففي حديث معاذ بن جبل ان النبي (عليه السلام) لما أرسله الى اليمن قال له: كيف تصنع اذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنةّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال فإن لم يكن في سنةّ رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا ألو اقصر او أبطئ. قال معاذ: ((فضرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق أصحاب رسول الله لما يرضي رسول . )1(الله صلى الله عليه وسلم وبحكم قرب الإمام علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كان أكثر الصحابة استيعابا للرؤية القرآنية ولرؤية الرسول (عليه الصلاة والسلام) لمسألة ((القضاء))، وبالتالي كان الأبرز فيهم في هذا المجال لكونه أحاط بالرؤى السابقة، فضلا عن امتلاكه ملكة عقلية وذهنية عالية أهلته لأن يجتهد بأحكام عقلية-متوازنة كلما . (*)كانت القضية جديدة ولا سابق لها وأشار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الصحابة (رضوان الله عليهم) الى براعة ودقة الإمام (عليه السلام) في تولي القضاء واصدار احكام متناهية في الدقة وفي احتواء مسائل معقدة وجديدة لا سابق لها في المجال القضائي. فقد اتفق كثير من الرواة والباحثين والمؤرخين والفقهاء على إشارة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لتمكن ودراية الإمام (عليه السلام) في القضاء، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبألفاظ مختلفة إشارته إلى ذلك: (أقضى أمتي علي، أقضاكم علي، .452 د. قصي الحسيني، موسوعة الحضارة العربية، مصدر سابق، ص )1( لمزيــد مــن التفاصيــل ينظــر: محمــد باقــر جعفــر، قضــاء أمــير المؤمنــين (عليــه الســلام)، مطبعــة الآداب، (*) . 1970النجــف الاشرف،
عدد الصفحات ١٨٦187 الف .)1(أقضاهم ع فضلا عن ذلك فإن الخلفاء الراشدين الذين سبقوه كانوا كثيرا ما يعتمدون عليه ويستشيرونه في المسائل القضائية المعقدة التي لا يجدون لها حلاً، فعلى سبيل المثال (لا للحصر) ما يروى انه حدث في خلافة عمر أن بعث إليه خالد بن الوليد قائد الجيش يشتكي إليه من أن الناس منهمكون في شرب الخمر، وإنهم قد استهانوا بالعقوبة (أي مجرد الضرب)، فاستشار عمر الصحابة فقال علي بن ابي طالب: ((إن الرجل اذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة)) فقال عمر: يجلد ثمانون جلدة . )2(كالمفتري وبناءً على ما تقدم فإن الحديث في هذا الفصل عن التنظيم القضائي في فكر الإمام علي (عليه السلام) إنما سيكون حديثا عن التجربة الشخصية للإمام (عليه السلام) نفسه في هذا المجال في ممارسة القضاء، فضلا عن الحديث عن القواعد والأصول التنظيمية التي وضعها الإمام (عليه السلام) لمسألة التنظيم القضائي برمته ولاسيما بعد توليه الحكم ((الخلافة))، حيث نجد انه كان يمارس القضاء بنفسه حتى بعد توليه ارفع المناصب السياسية آنذاك. وذلك لحرصه الشديد على إقامة حقوق الناس وإقامة العدل في المجتمع وبالوسائل الممكنة. وستحاول الباحثة تناول ذلك على وفق مبحثين رئيسيين هما:- . قواعد التنظيم القضائي لدى الإمام علي (عليه السلام). 1 . الممارسة القضائية-التنظيمية-وعملية الضبط الاجتماعي في فكر الإمام (عليه 2 السلام في تفاصيــل ذلــك، ينظــر: ابــو اســحاق الكــوفي، قضايــا أمــير المؤمنــين (عليــه الســلام)، مؤسســة أمــير )1( (الهامــش3المؤمنــين، النجــف الاشرف، د.ت، ص د. محمــد عابــد الجابــري، الديــن والدولــة وتطبيــق الشريعــة، مركــز دراســات الوحــدة العربيــة، بــيروت، )2( .50، ص1996،1ط
عدد الصفحات ١٨٧189 الف المبحث الأول قواعد التنظيم الق امتلك الإمام (عليه السلام) مؤهلات فكرية جمة استقاها من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الإسلام والبيئة الاجتماعية التي نشأ وترعرع بها، ويعد نهج البلاغة الذي يحوي مجموع خطبه ورسائله ووصاياه وحكمه دليلاً لكل باحث في الاتجاهات الفكرية المتنوعة لدى الإمام (عليه السلام). فقد أشار الباحث كامل حسن البصير إلى ان أول الاتجاهات الفكرية التي يمكن الوقوف على مضامينها وأبعادها هو اتجاهه في القضاء، وهو يرى أن هذا الاتجاه أمر طبيعي تحتمه صلته الوثيقة بمصدري القضاء في الإسلام وهما ((القرآن والسنة)) وتدفعه نحوه منزلته في الإسلام، وهو يجد في كتب السير وطبقات الصحابة إشارة دائمة له (عليه السلام) بوصفه ذا عقل قضائي فقد ولاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . )1((قضاء اليمن وكان (عليه السلام) المستشار الرئيس للقضايا والمسائل كافة التي تطرأ زمن حكم كامــل حســن البصــير، رســائل الإمــام عــلي (عليــه الســلام): أطروحــة ماجســتير في الأدب العــربي، )1( .79، ص1965جامعــة بغــداد، كليــة الآداب، قســم اللغــة العربيــة، (غــير منشــورة)،
عدد الصفحات ١٨٩190 التنظيم الجتماعي في فكر الإمام علي (عليه ال . ولما أصبح الإمام (خليفة) أصبح يمارس القضاء بنفسه) 1(الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه فضلا عن اختيار بعض الأفراد الذين يرى فيهم المؤهلات الأساسية لتولي القضاء. وهذا يكشف عن مدى اهتمام الإمام بعملية التنظيم القضائي الذي يعبر بشكل من الأشكال عن مضمون تنظيم الشؤون الاجتماعية للرعية في المجتمع إذ إن الدور البارز والمهم لهذا التنظيم هو إحداث الاستقرار والأمن الاجتماعي. وأوضح الإمام في عهده لواليه على مصر أهم الخصائص والسمات الواجب توافرها والتحلي بها من القاضي فضلا عن تحديده علاقة القضاة والقضاء بالدولة الإسلامية (الوالي او سائر الأركان الأخرى)، وفي ضوء ذلك يمكن الحديث عن هذه الموضوعات وغيرها عبر المحاور الآتية: المحور الأول: � تعد عملية اختيار القضاة أحد أهم العمليات التنظيمية القضائية في أي مجتمع، وذلك لأن عملية الاختيار تلك تستند إلى مجموعة من الخصائص والصفات التنظيمية الواجب على من يتولى القضاء الالتزام بها، وأوصى الإمام (عليه السلام) واليه على مصر بعهده إليه مجموعة من الخصائص أو الصفات الواجب اتباعها لاختيار (القاضي) ويمكن توضيحها على النحو الآتي:- أولاً:- يدعو الإمام (عليه السلام) واليه أن لا يولي للحكم ((القضائي)) من لا يجيد التعامل مع المواقف القضائية الحرجة والدقيقة، فيوصيه بتولية: ((من لا تضيق به . 106،105 ينظر: د. عطية مصطفى مشرفة، القضاء في الإسلام، مصدر سابق، ص )1(
عدد الصفحات ١٩٠