92 "قال قتادة (9) :هو النفاق، وقال عكرمة (2) الفسق والغزل وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية، والقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس" (9). "والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع "(8). (9) قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري: مفسر حافظ ضرير أكمه ، قال الإمام أحمد ابن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة. وكان مع علمه بالحديث، رأسا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنس ب، مات بواسط في الطاعون سنة 994 هـ (الأعلام للزركلي/ 7/943) (2) عكرمة بن عبد الله البربري المدني، أبو عبد الله، مولى عبد ا لله بن عباس: تابعي، كان من أعلم الناس بالت فسير والمغازي. طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل، منهم أكثر من سبعين، مات سنة 907هـ. (الأعلام للزركلي/ 8/288). (9) المحرر الوجيز لابن عطية 8/949). (8) تفسيرالبغوي-طيبة (6/984).
عدد الصفحات ٣٤99 المبحثالرابع: ما تشترك فيه النساء عموما مع أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم. ﱡﭐ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﭐ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﭐ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﱠ(1) الأحزاب 99 "والخطاب في هذه الآية وما قبلها وما بعدها وإن كان موجّ هًا لأمهات المؤمنين، إلاّ أنّ ه عام يشترك معهنّ فيه في عموم الحكم بقيّة النساء؛ ولكنّ نساء النبيّ أشدّ وأعظمُ تأكيدًا" (2). أول هذه التوجيهات 9-القرار في البيوت وعدم الخروج إلا لحاجة والنهي عن التبرج. قال تعالى: ﱡﭐ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱠ الأحزاب 99 "معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع، فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن التبرج، و أعلم أنه فعل الجاهلية الأولى"(9) ولزوم البيتإلا لحاجة كأن تخرج للصلاة أو بعض الحوائج الشرعية (8). (9) القرآن الكريم، سورة الأحزا ب آية: 99 (2) التفسير والبيان للطريفي 9354 (9) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 98/953) (8) انظر تفسير ابن كثير ط/ العلمية 6/969)
عدد الصفحات ٣٥98 كما قال عليه الصلاة والسلام« :لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات» (9) قال الشيخ الطريفي في تفسيره "أمرهنّ بالقرار في البيوت وعدم الخروج إلاّ لحاجة، ونهاهنّ عن تبرّج الجاهليّة من الاختلاط بالرجال ، وإظهار المَفاتن بالسّفور، ووصف ذلك بأنّ ه جاهليّة لا عن علمٍ وصلاح"(2). "ذكر الثعلبي (9) وغيره : أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها . قال ابن عطية: بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل، وحي نئذ قال لها عمار: إن الله قد أمرك أن تقري في بيتك. وذكر أن سودة قيل لها: لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي. قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجر تها حتى أخرجت جنازتها، رضوان الله عليها" (8). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المَر أة عو رة، فإذا خرجت استشرفه ا الشّيطان» (7) قال ابن عاشور"هذا أمر خُ صّ صن به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرا لهن، وتقوية في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي ﷺ في خلالها يكسبها حرمة ، وقد كان المسلمون لما ضاق عليهم المسجد النبوي يصلون الجمعة في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" (6). (9) رواه أبو داود في سننه/ كتاب الصلاة/ باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد ( 9/97 )767 وصححه الألباني وفي رواية" وبيوتهن خير لهنّ" (2) التفسير والبيان للطريفي 9356 (9) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق: مفسر، من أهل نيسابور له اشتغال بالتأريخ من كتبه (عرائس المجالس) في قصص الأنبياء، و (الكشف والبيان في تفسير القرآن) يعرف بتفسير الثعلبي، توفي سنة 825هـ. (الأعم للزركلي/ 9/292) (8) الجامع للقرطبي 98/940) (7) رواه الترمذي في سننه ط/ شاكر / باب الرضاع (8/864 )9959 صححه الألباني (6) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/90)
عدد الصفحات ٣٦97 وقد ذكر بعض المفسِّرين كمُقاتل بن حَيّانَ (9) :"أنّ تبرّج الجاهليَّة الأولى قبل وجود العرب الذي نَهى اللهُ عنه في قولِه:ﭐﱡﭐ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱠ: أنّهنّ كنّ يُلقين الخِمار على رُؤ و سهنَّ ولا يَشدُد نَه" (2). التبرج لغة: إظهار الزينة قيل: "تبرَّجت المرأة : أظهرت زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب"(9) والتبرّج معناه"إظهار المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليّها بمرأى الرجال (8). قال ابن عاشور "ووصفها بالأولى وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام، و جاء الإسلام بعدها فهو كقوله تعالى: ﱡﭐ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱠ (7) النجم70 وكقولهم : العشاء الآخرة، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية. ومن المفسرين من جعلو ه وصفا مقيدا وجعلوا الجاهلية جاهليتين، فمنهم من قال: الأولى هي ما قبل الإسلام وستكو ن الجاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام والعياذ بالله"(6). قال الشيخ الطريفي ومع ذلك نهى اللهُ عنه، وشدّد عليه، وذكره مثالاً لفعلٍ سَ و ء، وقد جاء جاء عن بعضِ السلفِ كابن عباسٍ وغير ه: أنّ تبرّج الجاهليّة الأولى كان بين نوح وإدريس ولو كان هناك تبرجٌ عام في التاريخ بعدَهُ أسوأُ منه، لذكر ه الله مثالاً "(5). 2-الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله قال البقاعي رحمه الله: "ولما أمرهن بالقرار، نهاهنّ عن ضده مبشّعاً له. (9) مقاتل بن حيان بن دوال دور أبو بسطام النبطي، الإمام، العالم، المحدث، الثقة، أبو بسطام النبطي، البلخي، وحدث عن: الشعبي، ومجاهد، والضحاك، وعكرمة، توفي سنة 970هـ (سير أعلام النبلاء6/980) (2) تفسير ابن كثير ت/سلامة 6 /890 ) (9) المصباح المنير مادة برج 9/82) (8) التحرير والتنوير لابن عاشور 92/22) (7) القرآن الكريم، سورة النجم آية 70 (6) التحرير والتنوير لابن عاشور( 22/99) (5) التفسير والبيان للطريفي 9355
عدد الصفحات ٣٧96 إلى أن قال: وأمرهنّ بلزوم البيت للتخلية عن الشوائب وأرشدهنّ إلى التحلية بالرغائب فقال تعالى:ﭐﱡﭐ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱠ" (9) الأحزاب 99 وبمثل هذا الربط قال السعدي رحمه الله ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى نص عليها لحاجة النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة الإخلاص للمعبود وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد"(2). وهنا سرّآخر من أسرار الربط بين جمل الآية نقلته من التفسير والبيان للطريف ي حيث قال: "أمر الله أمّهات المؤمنين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وطاعة الله ورسوله لبيانِ أنَّ العفافَ لا يكمل إلا بعبادة وطاعةٍ لله ورسول ه. وفي هذه الآية: إشارةٌ إلى أنّ الحجاب والعفاف فطرة وما لم يُقرَن بعبادةٍ من صلاةٍ وزكاةٍ وغير ذلك، فإنّ ه يكون عادةً يسهُل تحوّلها ولهذا أمر الله أمهات المؤمنين ونساءَهم بالعبادة مع العفافِ، وكثيرٌ مِن البلدان التي طرأت عليها عاداتٌ فاسدة من تبرّج وسفور، ترى أنّه ينسلخ من الحجاب فيها نساء العادات، ويثبُت نِسَاءُ العبادات" (9). قال ابن عاشور"أريد بهذه الأوامر الدوام عليها لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل، وليعلم الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حق توجه التكليف عليهم (8). وعبادة الله تعالى عون للعبد في كل شؤون حياته، وأصل العبادات: الصلاة والزكاة "وخص الصلاة والزكاة بالأمر، ثم جاء الأمر عاما بالطاعة لأن هاتين الطاعتين البدنية و المالية هما أصل سائر الطاعات فمن اعتنى بهما حق العناية جرتاه إلى ما وراءهما، قال تعالى:ﭐ (9) نظم الدرر للبقاعي دارالكتاب-القاهرة (97/987) (2) تيسير الكريم الرحمن للسعدي 699 (9) التفسير والبيان لأحكام القرآن للطريفي 9355 (8) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/99)
عدد الصفحات ٣٨95 ﱡﭐ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﱠ(9) سورة العنكبوت 87"(2) ثم أمرهن بطاعة الله ورسوله في كلّ أمر أمرا به وجوبا كان أو استحبابا فقال: ﱡﭐ ﱳ ﱴ ﱵﱠ(9) . ثم بين الله تعالى مراده والحكمة التي تقتضيها أحكامه فقال تعالى ﱡﭐ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﱠ الأحزاب 99 "فالكلاممتصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة من أمر ونهي ابتداء، فالمعنى أمركن الله بما أمر ونهاكن عما نهى لأنه أراد لكن تخلية عن النقائص والتحلية بالكمالات. وهذا التعليل وقع معترضا بين الأوامر والنواهي المتعاطفة"(8) "والرِّج س اسم يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أَه لَ ال بـَي تِ، واختلف الناس في أَه لَ ال بـَي تِ من هم، فقال عكرمة ومقاتل وابن عباس هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة : هي الجمهور: (أهل البيت) علي وفاطمة والحسن والحسين، وفي هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري (7) :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« :نزلت هذه الآية في خمسة، فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين» رضي الله عنهم ومن حجة الجمهور قوله: (عَن كُمُ )، (ويُطَهِّ رَكُم )، ولو كان النساء خاصة لكان عنكن. (9) القرآن الكريم، سورة العنكبوت آية: 87 (2) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/99) (9) انظر تفسير السعدي699 (8) التحرير والتنوير 22/98) (7) أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الإمام، المجاهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن الخزرج، كان أحد الفقهاء المجتهدين، ي قول: عرضت يوم أحد على النبي -صلى الله عليه وسلم -وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي، ويقول: يا رسول الله! إنه عبل العظام ، وجعل نبي الله يصعد في النظر، ويصوب ه، ثم قال: ردّه، فردني ، حدث عنه: ابن عمر، وجابر، وأنس، و غيرهم، مات سنة 58هـ انظر (سير أعلام النبلاء/9/963)
عدد الصفحات ٣٩94 قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر إليّ أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأَ ه لَ ال بـَي تِ زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن" (9). والذي فهمته من أقوال المفسرين أن المقصود بأهل البيت في الآية: زوجات النبي ﷺ بدلالة سياق الآيات، ولذلك قال ابن عاشور رحمه الله: " وأهل البيت: أزواج النبي ﷺ والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحد شك في ذلك، ولم يفهم منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن المراد بذلك وأن النزول في شأنهن"(2). "وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح"(9). والآية تقتضي أن الله عصم أزواج نبيه ﷺ من ارتكاب الكبائر وزكى نفوسهنّ (8). "وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة"(7) ثم أمرهنّ بالعلم الذي يتلقونه من وحي السماء وبثه للناس، فقال تعالى: ﱡﭐ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﱠ(6) احزاب 98 "قال قتادة: الحكمة، يعني السنة وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه" (5). (9) المحرر الوجيز لابن عطية 8/948) (2) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/97) (9) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت سلامة 6/890) (8) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/97) (7) الدر المنثور للسيوطي6/609) (6) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 98 (5) معالم التنزيل للبغوي -طيبة (6/979)
عدد الصفحات ٤٠93 ولما ضمِن الله لهن العظمة أمرهن بالتحلي بأسبابها والتملّي من آثارها والتزود من علم الشريعة بدراسة القرآن ليجمع ذلك اهتداءهن في أنفسهن ازدياداً في الكمال والعلم ، وإرشاد هن الأمة إلى ما فيه صلاح لها من علم النبي ﷺ، فقال تعالى ﱡﭐ ﲂ ﱠ وهذه كلمة جامعة تشمل المعنى الصريح منه ، وهو أن لا ينسَي ن ما جاء في القرآن ولا يغفلن عن العمل به ويشمل المعنى الكنائي وهو أن يراد مراعاة العمل بما يتلى في بيوتهن مما ينزل فيها و ما يقرأه ﷺ فيها وما يبيّ ن فيها من الدين ، ويشمل معنى كنائياً ثانياً وهو تذكر تلك النعمة العظيمة أَن كانت بيوتهن موقع تلاوة القرآن (9). ومن كمال لطفه سبحانه وجّه نساء نبيه ﷺ إلى ما فيه صلاحهن وتيسير الخير على أيديهن وإعدادهن لسماع القرآن وفهمه وتبليغه (2). بيان ما تشترك فيه نساءالنبي ﷺ وعموم النساء. قال العلامة الطريفي: و اشتراك عمومِ نساءِ المؤمنين في حكم الآية، مِن وُجُوهٍ : 9-أن القرآن عام للناس بجميعه، والعبرة بعموم حكمه، وإن تم تخصيص الخطاب لأعلى البشر وهم الأنبياء. 2-أن تخصيص القرآن لأحد بعينه لمزيد اهتمام فيه، وأنّه أولى بالاتباع من غيره ، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل زائد عن مجرّد الخطاب، كما هي عادة القرآن، في خصائص النبي ﷺ قال تعالى:ﱡﭐ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳﱠ الأحزاب : 70 وقالﭐﱡﭐ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱠ الأحزاب 72 9-أن آية الحجاب جاء معها في الخطاب نفسه أوامر أخرى ، مثل الأمر بالذكر في قوله (9) انظرالتحرير والتنو ير لابن عاشور (22/94 ) (2) انظر احالة السابقة (22/94)
عدد الصفحات ٤١80 تعالى:ﭐﱡﭐ ﲂ ﱠ وهذا ليس خاص بأزواج النبي ﷺ، فلو قيل بالخصوصية، لم يُشرع ذكر ما يُتلى في بيوتهنّ من القرآن والسُّنة إلاّ لأزواجه. ﭐ 8-ما أجمع عليه العلماء: أنّ الأحكام تدور مع العلل والمقاصد من التشريع ، فإذا كان الحجاب أطهر لقلوب أمهات المؤمنين والصحابة، فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة . 7-أنّ الله يخصّص في بعض السياقات الأنبياء والصحابة تنبيهًا إلى دخول غيره م من باب أو لى في الحكم، وهذا أسلوبٌ شرعي كثير في الأحكام؛ تنبيهًا إلى أنّه لمّا دخل الأعظم والأجلّ ، فغيره أَولى. 5-سبب تخصيص أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمزيد تشديد عليهنّ ؛ لأنّ أم رهنّ يَمَسّ النبيّ عليه الصلاة والسلام، فمعلومٌ أنّ حفظ العرض يقدّم في بعض الأحوال على حفظ الدّين كَو نًا وقدَرًا؛ اهتمامًا به؛ مع أنّ تحريم الفاحشة على جميع النساء، ولكن لنساء النبيّ مزيد تشديد، وهو في الحجاب وفي الاختلاط والفاحشة سواءٌ، ولتمام عدل الله ورحمته بهنّ جعلهنّ في باب الثواب أعظم من الصحابيّات، فضلاً عن نساء الأمّة، في الإثابة على العمل، وحين ما ذكر المضاعفة في العقاب والثواب، دلَ على أن بقيّة النساء على إثم وثواب ولكن لا مضاعفة فيه(9). وقد ذكر الله أوصافا كريمة لمن أراد أن يلحق بالركب الميمون، وأكرم الله تعالى النساء فأنّث تخصيصا على غير عادة القرآن، مساويا بين الذكر والأنثى في العمل الذي يقرّب إليه سبحانه فقال: ﱡﭐ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ (9) انظرالتفسير والبيان للطريفي (8/9364).
عدد الصفحات ٤٢89 ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﱠ(9) الأحزاب 97 سبب نزول هذه الآية: جاء في سبب نزولها، ما ذكره البغوي وغيره رحمهم الله : " وذلك أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله إن الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذك ر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف ألاّ يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية. و قال مقاتل: قالت أم سلمة، ونسيبة الأنصارية (2) للنبي ﷺ: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، نخشى ألا يكون فيهن خير؟ فنزلت هذه الآية" (9) "فالمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة النساء، وأما ذكر الرجال فللإشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء ليعلموا أن الشر يعة لا تختص بالرجال لا كما كان معظم شريعة التوراة خاصا بالرجال إلا الأحكام التي لا تتصور في غير النساء، فشريعة الإسلام بعكس ذلك الأصل في شرائعها أن تعم الرجال والنساء إلا ما نص على تخصيصه بأحد الصنفين، ولعل بهذه الآية وأمثالها تقرر أصل التسوية فأغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن والسنة ولعل هذا هو وجه تعداد الصفات في هذه الآية لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفة و احدة (8). وذكر الله تعالى في الآية الموصوفين بهذه الصفات ولم يذكر الصفة، وهذا فيه تعريض للثناء عليهم ومدح ذواتهم وتحفيزا وترغيبا في الفعل، كي يتصفوا بهذه الصفات العظيمة رجالا ونساء. (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 97 (2) أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمر و الأنصارية ابن عوف بن مبذول، الفاضلة، المجاهدة، شهدت: ليلة العقبة، وشهدت: أحدا، والحديبية، ويوم حنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، روي لها أحاديث، وقطعت يدها في الجهاد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان) انظر (سير أعلام النبلاء/2/254) (9) معالم التنزيل للبغوي دار طيبة 6/979) (8) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/20)
عدد الصفحات ٤٣82 وعلى رأس هذه ال صفات الإسلام، ثم الإيمان ثم، ذكر جملة من الصفات العظيمة: القنوت و الصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، والذكر، ووصفه بالكث ير من بين هذه الصفات لأنه أيسر العبادات، وقد صح عن النبي ﷺ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول اللهِ صلّ ى الله عليه وسلّم، يسير في طريق مكّة فمرّ على جبلٍ يقال له جُم دَان فقال« :سيروا هذا جُم دان سبق المفرّدون» قالوا: وما المُفردّو نَ؟ يا رسول الله قال: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ » (9) قال القرطبي: "فبدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه عظم الإسلام ودعامته. والقانت: العابد المطيع. والصادق: معناه فيما عوهد عليه أن يفي به. والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المكره والمنشط. والخاشع: الخائف لله. والمتصدق بالفرض والنفل. وقيل. بالفرض خاصة، والأول أمدح. والصائم كذلك." والحافظين فروجهم والحافظات" أي عما لا يحل من الزنى وغير ه. وفي قوله:"ﭐﱡﭐ ﲥ ﱠ حذف يدل عليه المتقدم، تقديره : والحافظات لها، وفي" الذاكرات " مثله أيضا"(2). وقد أجمل المعنى ابن جرير الطبري رحمه الله في هذه الآية فقال : إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين والمصدقات رسول الله صَلَّى الله عَلَي هِ وَسَلَّم فيما أتاهم به من عند الله، والقانتين والقانتات لله، والمطيعين لله والمطيعات له فيما أمرهم ونهاهم، والصادقين لله فيما عاهدوه عليه والصادقات فيه، والصابرين لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه وحين البأس والصابرات، والخاشعة قلوبهم لله وجلا منه ومن عقابه والخاشعات، و المتصدقين والمتصدقات وهم المؤدون حقوق الله من أموالهم والمؤديات، والصائمين شهر رمضان الذي فرض الله صومه عليهم والصائمات ذلك، والحافظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم والحافظات ذلك إلا على أزواجهن إن كن حرائر أو من ملكهن إن كن إماء، والذاكرين (9) صحيح مسلم/ كتاب الذكر والدعاء والاستغفار/ باب: الحث على ذكر الله تعالى (8/2062 )2656 (2) الجامع للقرطبي 98/947)
عدد الصفحات ٤٤89 الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات، كذلك أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، و أجرًا عظيمًا: يعني ثوابً ا في الآخرة على ذلك من أعمالهم عظيمًا، وذلك الجنة"(9). (9) جامع البيان للطبري (20/264)
عدد الصفحات ٤٥88 الفَصْلُ الث اني زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزوج ابنه بالتبني . وفيه خمسة مباحث: • المبحث الأول: إبطال قاعدة التبني المنتشرة عند العرب . • المبحث الثاني: رفع الحرج عن النبي ﷺ، وأمره بالتزويج من زينب رضي الله عن ها. • المبحث الثالث: حقوق المطلقة قبل الدخول بها، وبيان موقفها من العدّة. • المبحث الرابع: التوسيع على النبي ﷺ في أمر النساء. • المبحث الخامس: نهي النبي ﷺ عن التزويج، وإباحة ملك اليمين فقط.
عدد الصفحات ٤٦87 الفصل الثاني: زواج النبيﷺ بزوج ابنه بالتبني . مفهوم التبنّي: التبني هو أن يدّعي شخص بنوّة ولد معروف النسب أو مجهول النسب مع علمه بأنه ليس بابنه الصلبي: ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب (9). قال الطبري: التبن ي هو: "إذا ادعى رجلٌ رجلا وليس بابنه"(2) "ألهم الله تعالى رسوله ﷺ بأن يبدأ معالجة الموضوع على مراحل: الأولى: التمهيد بتزويج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش وهي بنت عمة الرسول ﷺ ولهذا الزواج أغراض من أهمها: إلغاء الفوارق الطبقية التي كانت موجودة في الجاهلية، ومن ها أن الزواج كان مقدمة لتشريع آخر تمثّل في زواج النبي ﷺ بزينب بعد طلاقها من زيد إ بطالا لما كانوا يعتقدونه من حرمة زوجة الابن بالتبنّي. الثانية: نزول القرآن بالنهي عن التبني قال تعالى: ﭐﱡﭐ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺﱠ(9) الأحزاب 8 الثالثة: إبطال ما يتعلق بالتبني إبطالا عمليا وذلك بأن تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش وكانت زوجة المتبنى زيد بعد طلاقها كسرا لطوق العادة المستحكمة في نفوس الناس في حرمة حليلة الابن المتبنى" (8). وقد رضيت زينب رضي الله عنها واستسلمت لأمر الله في زواجها وكذلك زيد رضي الله ع نه فشرفها الله بأن صارت أما لل مؤمنين وزوج سيد المرسلين جزاء انقيادها لأمر الله ورسوله. (9) دورية العلوم والبحوث الإسلامية/ العدد الرابع فبراير 2092 لــ شادية الصادق الحسن أستاذ مساعد بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. (2) جامع البيان للطبري ط: شاكر 20/206) (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 8 (8) توجيهات تربوية من سورة الأحزاب (أ طروحة علمية / عبد المحسن بن عبد الكريم الغميز/950 )
عدد الصفحات ٤٧86 المبحث الأول: إبطال قاعدة التبني المنتشرة عند العرب. وهي من القضايا المهمّة التي تتعلق بالأسرة المسلمة، فقد كان التبني عادة جاهلية، حتى أبطلها الإسلام، وبهذا يعيد الحقائق إلى مجراها الصحيح. ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﱠ(9) الأحزاب 7 قال القرطبي رحمه الله أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة (2). رُويعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال« :أن زيد بن حارثة (9)، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن » (8). "وكان زيد فيما روي عن أنس ابن مالك(7) وغيره مسبيا من الشأم، سبته خيل من تهامة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث: (خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء) فاختار الرق مع رسول الله ﷺ على حريته وقومه، فقال محمد رسول الله ﷺ عند ذلك: (يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه ) وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا . وكان أبوه لما سبي يدور الشام ويقول: (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 7 (2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 98/994) (9) أبو أسامة زيد بن حارثة شراحيل الكلبي حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول من آمن به من الموالي؛ فإنه من كبار السابق ين الأولين وكان من الرماة المذكورين، وهو الذي سمى الله في كتابه في قوله منها وطرا 2/990) (8) صحيح البخاري/ باب " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله 6/966 )8542 (7) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري، الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، خادم رسول الله -ﷺ-وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا، يقول: خدمت النبي عشر سنين، فما ضربني، ولا سبني، ولا عبس في وجهي، دعا له النبي بقوله: (اللهم أكثر ماله وولده ) مات سنة 39هـ(سير أعلام النبلاء/7/937)
عدد الصفحات ٤٨85 بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فو الله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري ! هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكّ رُ نيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجل إلى آخر ما قال، فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا فيقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان. وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني وهو من نسخ السنة بالقرآن فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي يعني في الدين قال الله تعالى:ﱡﭐ ﲫ ﲬ ﲭ ﱠ(9) الحجرات 90 "(2)ﭐﭐﭐ "وأمر المؤمنين بنسبهم إلى آبائهم فقال: ﱡﭐ ﲇ ﲈ ﱠ استئناف بالشروع في المقصود من التشريع لإبطال التبنّي وتفصيل لما يحق أن يجري ه المسلمون في شأنه، وهذا الأمر إيجاب أبطل به ادعاء المتبني متبناه ابناً له، والمراد بادعاء النسب، والمراد من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ذلك ، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم"(9) (9) القرآن الكريم، سورة الحجرات آية 90 (2) الجامع للقرطبي 98/994) (9) التحرير والتنوير لابن عاشور 29/269)
عدد الصفحات ٤٩