96 المبحث الأول أمهات المؤمنين ودلالة تنزيلهن منزلة الأمهات. ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﱠ(1 )سورة الأحزاب 6 يقول ابن كثير (2) رحمه الله في تفسيره عن قوله تعالى ﱡﭐ ﲭ ﲮﱠ أي: "في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع " (9) قال ابن عطية(8) رحمه الله: "شرّف الله تعالى أزواج نبيهﷺ بأن جعلهنّ أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرّة والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال"(7). قال القرطبي (6) رحمه الله: "ولما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات، أُنزلن منزلة الأمهات ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأموم ة التبني، وجاز تزويج بناتهنّ، ولا يُجعلن أخوات للناس"(5) (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 6 (2) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقيّ، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ فقيه. من كتبه (البداية والنهاية 98 مجلدا، (شرح صحيح البخاري) لم يكمله، و (تفسير القرآن الكريم) عشرة أجزاء توفي سنة 558هـ (9) تفسير ابن كثير (6/940) (8) عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، الغرناطي، أبو محمد: مفسر فقيه، أندلسي، من أهل غرناطة. له (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزي ز) في عشر مجلدات، و كانت وفاته سنة 789 (الأعلام للزركلي /9/242.) (7) المحرر الوجيز لابن عطية 950 (6) محمد بن أحمد بن أبي بكر الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي ، توفي بمصر من كتبه (الجامع لأحكام القرآن عش رون جزءا، يعرف بتفسير القرطبي) و(التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة) مجلدان، توفي سنة 659هـ (5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 62
عدد الصفحات ١٨95 وكما أن الأمهات محرمات على أبنائهنّ، فكذلك جعل حرمة أزواجه صلى الله عليه وسلم بهذه المنزلة من التحريم. قال الطبري (9) رحمه الله "وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم عليهم، في أنهن يحرم عليهن نكاحهن من بعد وفاته،كما يحرم عليهم نكاح أمهاتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل" (2). قال ابن عاشور رحمه الله: "وأمّا عدا حكم التزوّج من وجوه البرّ بهنّ ومواساتهنّ، فذلك راجعٌ إلى تعظيم أسباب النبي ﷺ وحرماته ولم يزل أصحاب النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ي توخون حُسن معاملة أزواج النبي ويؤثرونهنّ بالخير والكرامة والتعظيم"(9). "عنعطاء (8) رضي الله عنه قال حضرنا مع ابن عباس (7) جنازة ميمونة بسرف، فقال: هذه زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا وارفقوا ، فإنه كان عند النبي ﷺ تسع، كان يقسم لثمان ، ولا يقسم لواحدة "(6). وفي قراءة أخر ى عن أبي بن كعب (5) رضي الله عنه (وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم) (4). (9) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر: المؤرخ المفسر الإمام. ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، له (أخبار الرسل والملوك يعرف بتاريخ الطبري ) و(جامع البيان في تفسير القرآن 90 جزءا توفي سنة 990هـ. (الأعلام للزركلي 6/63). (2) جامع البيان للطبري (93/96). (9) التحرير والتنوير لابن عاشور 264. (8) عطاء بن السائب، الإمام الحافظ، محدث الكوفة، وقيل: أبو زيد الكوفي، حدّث عنه الثوري وابن جريج وشعبة وغيرهم، مات عطاء بن السائب سنة ست وثلاثين ومائة. انظر (سير أعلام النبلاء/ 6/269) (7) عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي، أبو الع باس: حبر الامة، ولد بمكة، ونشأ في بدء عصر النبوّة، فلازم رسول الله ﷺ وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وتوفي بالطائف. له في الصحيحين وغير هما 9660 حديثا(الأعلام للزركلي/ 8/37) (6) رواه البخاري / كتاب النكاح / باب كثرة النساء 7065 (5/9) (5) أبي بن كعب بن قيس ، من بني النجار، من كتاب الوحي. وأمره عثمان بجمع القرآن، وله في الصحيحين وغيرهما 968 حديثا. مات بالمدينة عام29هـ. انظر (الأعلام للزركلي/ 9/42) (4) انظر فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام 922 والدر المنثور4/904
عدد الصفحات ١٩94 قال العلامة عبدالعزيز الطريفي (9): والأنبياء آباء للمؤمنين أبوّة دينية، كما قال تعالى عن إبر اهيم عليه السلام:ﭐﭐﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥﱠ(2) سورة الحج 54 وحرمة النبي كح رمة الوالد وأعظم، وإنما سميت أزواج النبي ﷺ بــــ (أمهات المؤمنين)، ولم يّسمّ النبي ﷺ بـــ (أبي المؤمنين)، مع أن المؤمنين منه، لأن الرجل يُسمّى بأعظم أوصافهِ وأشرفها، فأشرف الأسماء والأوصافِ هو ا لنبوّة وأشرف أوصاف أزواجه هو أمهات المؤمنين. إلى أن قال الشيخ: وأما قوله تعالى: ﱡﭐ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﱠ(9) سورة الأحزاب 80 فالمراد به تحريم الانتساب إليه أبوة نسب (8). مسألة: اختلف الفقهاء رحمهم الله في مسألة هل هنّ أمهات الرجال والنساء، أم أمهات الرجال خاصة ؟ "روى مسروق، قال: قالت امرأة لعائشة: يا أمّه، فقالت لها عائشة: "أنا أم رجالكم، ولست أمّ نسائكم" رواه ابن سعد (7) والبيهقي (6) "(5) وروى ابن سعد أيضاعن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: "أنا أم الرجال منكم والنساء" (4) والقرطبي رحمه الله أكد أنه لا فائدة من الحصر في اختصاص الإباحة للرجال دون النساء ورجح أنهن أمهات للرج ال والنساء على حد سواء، تعظيما لحقهنّ على الرجال والنساء، وهذا (9) عبد العزيز بن مرزوق الطريفي محدث معاصر من مواليد 9936هـ، عرف بالطلب المبكر وسعة الحفظ والاطلاع، أبرز شيوخه عبد العزيز بن باز، وابن عقيل له مؤلفات أشهرها (التحجيل في تخريج مالم يخرج من الأحاديث والآثار ف ي إرواء الغليل) و(التفسير والبيان) (لقاء مع الشيخ من موقع المكتبة الشاملة shamela.ws ) (2 )القرآن الكريم، سورة الحج آية: 54 (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 80 (8) انظر التفسير والبيان لعبد العزيز الطريفي 9364/9363 (7) الإمام الحافظ العلامة، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن سعد، النيسابوري الحاجي البزاز، روى عنه الحاكم، توفي أبو محمد فجأة في سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، وهو في عشر الثمانين. (سير أعلام النبلاء/ 92/924) (6) هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر؛ أحمد ابن الحسين الخراساني، انقطع للتأليف والتصنيف وطلب العلم، توفي سنة 847هـ. انظر (سير أعلام النبلاء/99/968) (5) الطبقات لابن سعد4/65 والسنن الكبرى للبيهقي 5/50 (4) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 4/954) ط دار صادر
عدد الصفحات ٢٠93 يوهن ما رواه مسروق إن صح من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص (9). وعلى ضوء هذه الآية نخلص إلى: 9-"تحري م نكاح أمهات المؤمنين بعد النبي ﷺ بلا خلاف،فلا يجوز للرجل أن يتزوج أمّ ه" (2). 2-التوقير والتعظيم والاحترام لأمهات المؤمنين تعظيم وإجلال لرسول الله صلى الله ع ليه وسلم. 9-تأكيد حكم أمومة أزواج النبيصلى الله عليه وسلم للمؤمنين كافة . (9) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 69 (2) التفسير والبيان للطريفي 9363
عدد الصفحات ٢١20 المبحث الثاني: أمر أمهات المؤمنين بالتخفف من زينة الدنيا والإقبال على الله ورسوله والدار الآخرة. ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﭐ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﱠ(9) سورة الأحزاب 24 لقد اختار النبي ﷺ لنفسه ولأهل بيته معيش ة الكفاف، فقد عاش حتى فتحت له الأرض وكثرت غنائمها، ومع هذا فقد كان ال شهر يمضي ولا توقد في بيوته نار ، ولكن نساء النبي ﷺ بطبيعة الحال كنّ كالنساء، يتمنين ويطلبن التوسيع، فراجعن النبي ﷺ في أمر النفقة، فاحتجب النبي ﷺ عن أصحابه. يقول السعدي (2) رحمه الله : "لما اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيرة وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، شَقَّ ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا، فأراد الله أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويُذ هِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن فأمر رسوله أن يخيرهن "(9). فأنزل الله هذه الآية، والتي يسميها المفسرون بآية التخيير. وكان سبب نزولها على الصحيح ما رواه البخاري ومسلم (8) في صحيحيهما" أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب 24 (2) الشيخ أبو عبدالله عبد الرحمن بن ناصر آل السعدي، ولد في عنيزة بالقصيم عام 9905هـ، تربّى يتيمان ونشأ يطلب العلم، من شيوخه إبراهيم بن جاسر، و عبد الله بن عائض، له تيسير الكريم المنّان في 4 مجلدات والرياض الناضرة وغيرها، توفي 9956هـ (ترجمة المؤلف/ تيسير الكريم الرحمن/ 999299) (9) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان للشيخ عبد الرحمن السعدي 262. (8) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين ، من أئمة المحدثين، أشهر كتبه (صحيح مسلم) جمع فيه اثني عشر ألف حديث، كتبها في خمسة عشر سنة، وله أيضا المسند الكبير و الكنى والأسماء. (الزركلي للأعلام/5/229)
عدد الصفحات ٢٢29 حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إنّ الله تعالى قال:ﭐ ﱡﭐ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﱠﭐﭐ سورة الأحزاب 24 إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة " (9). وقبل أن نشرع في هدايات الآية، نبين معنى الزينة ا لواردة فيها. قال ابن منظور (2): "الزينة: اسم جامع لكل شيء يتزيّن به" (9). والمراد بها في الآية: ما نقله القرطبي في تفسيره، "قيل: سألنه شيئا من عرض الدنيا، وقيل زيادة في النفقة، وقيل: آذينه بغيرة بعضهن على بعض "(8). وأخرج ابن مردُ ويه (7) عن ابن عباس رضي الله عنه قال "إنما خيّر رسول الله ﷺ أزواجه بين الدنيا والآخرة " (6). "وبدأ بعائشة رضي الله عنها فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم، فتتابعن كلهن على ذلك، فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة شكرهن الله تعالى على ذلك أن قال: ﱡﭐ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ (9) صحيح البخاري / كتاب تفسير القرآن/ باب (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها ) 6/995 8547 ومسلم في صحيحه/ كتاب الطلاق/ باب: أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية (2/9909)9857 (2) محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقي، صاحب (لسان العرب) عشرون مجلدا، توفي سنة 599هـ. (الأعلام للزركلي 5/904.) (9) لسان العرب لابن منظور ط: صادر -بيروت 99/202 (8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 95/995 (7) أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني، أبو بكر، حافظ مؤرخ مفسر، من أهل أصبهان، له كتاب (التاريخ) وكتاب في (تفسير القرآن) و (مسند) و (مستخرج) في الحديث وغيرها. توفي سنة 890هـ. (انظر الأعلام للزركلي/ 9/269)) (6) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ط دار الفكر-بيروت 6/736
عدد الصفحات ٢٣22 ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ(9) الأحزاب 72 فقصره الله تعالى عليهن وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله "(2) والمقصود بالمتعة في قوله تعالىﱡﭐ ﲥ ﲦ ﱠ(9) الأحزاب 24 متعة الطلاق(8) والسراح الجميل: هو أن يكون طلاقا للسنة من غير ضرار ولا منع واجب له (7). ثبات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن كان هذا امتحانا عظيما لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهنّ، وقد ثبتن ثباتا عظيما في أنهن فَ ضّ لن الله ورسوله والدار الآخرة على الدنيا الفانية وزينتها الزائلة، ودلّ هذا الامتحا ن على قوة إيمانهنّ وصدقهنّ. ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق ، فإما الحياة الدنيا وزينتها ، وإما الله ورسول ه والدار الآخرة فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. مسألة: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي ﷺ أزواجه على قولين: الأول: أنه خيرهنّ في البقاء على الز وجية، أو الطلاق، فاخترن البقا ء. لقول عائشة ر ضي الله عنها. الثاني: منهم من قال أنّ ه خيرهنّ بين الدنيا فيفارقهنّ، و بين الآخرة فيمسكهنّ، و لم يخيرهنّ في الطلاق (6). ويؤخذمن هذا التخيير فوائد وتوجيهات منها: "منها: الاعتناء برسوله، وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب ز وجاته الدنيوية. (9 )القرآن ال كريم، سورة الأحزاب آية: 72 (2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ط دار الفكر-بيروت 6/735 (9 )القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية: 24 (8) انظر الوجيز للواحدي 468 (7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 95/924 (6) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 95/924
عدد الصفحات ٢٤29 ومنها: سلامته ﷺ بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع ﱡﭐ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﱠ(9) الأحزاب 94 ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن، من تؤثر الدنيا على الله ورسوله، والدار الآخرة، و عن مقارنتها . ومنها: سلامة زوجاته، رضي الله عنهن، عن الإثم، والتعرض لسخط الله ورسوله . فحسم الله بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لر به الموج ب لعقابه. ومنها: إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان الله ورسوله والدار الآخرة مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها . ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات ﱡﭐ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﱠ (2) النور 26 ومنها: أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة، التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه. ومنها: أن يكون اختيارهن هذا، سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة، ليس فيها أحد من النساء ولهذا قال سبحانه: ﱡﭐ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﱠ(9) الأحزاب 90 ومنها أن الله تعالىرتّ ب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول فإن مجرد ذلك، لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان فخيَّرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فاخترن الله ورسوله، والدار الآخرة، كلهن ولم يتخلف منهن واحدة، رضي الله عنهنّ " (8). (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية: 94 (2) القرآن الكريم، سورة النور آية 26 (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 90 (8) تفسير السعدي669
عدد الصفحات ٢٥28 ويُستنبط من هذه المسألة أن المسلمة إذا رزقت بزوج صالح، لم تفرط فيه من أجل متاع دنيا زائل، وكلّما كان حبها للدنيا وزينتها فوق حبّ الله ورسوله والدار الآخرة، كلما كان ذلك مؤشر على دنوّ همّتها و قلّة إيمانها.
عدد الصفحات ٢٦27 المبحث الثالث: مضاعفة اجر والعذاب على الذنب حال وجوده. ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﭐﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﭐﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱠ(9) الأحزاب 90 "يقول الله تعالى واعظا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، و استقر أمرهن تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهي النشو ز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع " (2). قال السعدي رحمه الله "لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ذكر مضاعفة أجرهن، و مضاعفة وزرهن وإثمهن، لو جرى منهن، ليزداد حذرهن، وشكرهن الله تعالى، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة، لها العذاب ضعفين" (9). أشار البغوي (8) رحمه الله إلى أن "قوله تعالى:ﭐﱡﭐ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﱠ(7) الأحزاب 90 هي كقوله تعالى :ﭐﱡﭐ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﱠ (6) الزمر 67 لا، أنّ منهنّ من أتت بفاحشة" (5). (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 90 (2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير/ ط: العلمية 6/962 (9) تيسير الكريم الرحمن للسعدي 699 (8) الحسين بن مسعود بن محمد، الفرّاء، ويلقب بمحيي السنّة، البغوي، فقيه، محدث، مفسر، له (التهذيب) في فقه الشافعية، و (شرح السنة) في الحديث، وغيرها ، توفي عام 790هـ(الأعلام للزركلي/ 2/273) (7) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 90 (6) القرآن الكري م، سورة الزمر آية: 67 (5) تفسير البغوي/ ط: طيبة (6/985)
عدد الصفحات ٢٧26 قال قوم: "«الفاحشة» إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي و كل ما يستفحش، وإذا وردت موصوفة بالبيان فهي عقوق الزوج وفساد عشرته" (9). والمنزلة الرفيعة يناسبها أن تصان فيجعل الله تعالى صيانتها أن يشدد ويغلظ العقوبة على صاحبها، كي تردعه عن فعلها. قال ابن عطية رحمه الله : "لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله تعالى ونواهيه قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب، والإشارة بالفاحشة إلى الزنا وغيره "(2) قال البقاعي(9) رحمه الله وبقدر النعمة تكون النقمة، ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال: ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱠ أي: يخلص الطاعة ﱡﭐ ﱄ ﱅ ﱠ الذي هو أهلٌ لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه، بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلا ﱡﭐ ﱆ ﱠ فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئا، ولا تختار عيشا غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، وتهدئة باله وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد. ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال:ﭐﱡﭐ ﱇ ﱠ(8). وقال القرطبي رحمه الله: "جعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن فقال تعالى: (9) المحرر الوجيز لابن عطية 8/942 (2) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 8/942 (9) إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن برهان الدين: مؤرخ أديب. أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق. له (عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران) أربع مجلدات، و (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) سبع مجلدات، يعرف بمناسبات البقاعي أو تفسير البقاعي، و (بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة ورقة، ت وفي عام 447هـ(الأعلام للزركلي/ 9/76) (8) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي دار الكتاب الإسلامي-القاهرة ( 97/982)
عدد الصفحات ٢٨25 ﱡﭐ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﱠﭐ (9) الأحزاب 90 فأخبر تعالى أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة-والله عاصم رسوله عليه السلام من ذلك، يضاعف لها العذاب ضعفين، لشرف منزلتهن وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر النساء أجمع. وكذل ك بينت الشريعة في غير ما موضع غير مرة : أنه كلما تضاعفت الحرمات فهُ تكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد والثيب على البكر. وقيل: إنما ذلك لعظم الضرر في جرأتهنّ بإيذاء رسول الله ﷺ، فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله ﷺ، قال تعالى:ﭐﱡﭐ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠﭐﭐ(2) الأحزاب 75"(9). وحكى السيوطي عن الربيع (8) في قوله تعالى: ﱡﭐ ﲺ ﲻ ﱠ الأحزاب 90 قال: إن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة وإن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم فإن الحجة على نساء النبي ﷺ أشد منها على غيرهن فقال: إنه من عصى منكن فإنه يكون عليها العذاب الضعف منه على سائر نساء المؤمنين ومن عمل صالحا فإن الأجر لها الضعف كذلك"(7)ﭐ "وقد قال ابن عباس: "ما بغت امرأة نبي قط، وإنما خانت في الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعدن به" ضعفين" هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكذلك الأجر"(6). (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 90 (2) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 75 (9) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 998 (8) الربيع بن أن س بن زياد البكري الخراساني، سمع: أنس بن مالك، وأبا العالية الرياحي وأكثر عنه والحسن البصري، توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. (سير أعلام النبلاء/6/963) (7 )انظرالدر المنثور للسيوطي 6/735 (6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 98/956)
عدد الصفحات ٢٩24 "ثم خاطبهن الله تعالى بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن فما بعد، بل هن أفضل بشرط التقوى لما منحهن من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في لحفهن (9).حيث قال تعالى:ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ(2) " الأحزاب 99 "فذكر سبحانه أن من قنت من نساء نبيه ﷺ لله ولرسوله، وعمل عملا صالحا أن الله جل وعلا يؤتها أجرها مرتين . والقنوت: الطاعة. وما وعد الله به جل وعلا من أطاع منهن بإيتائها أجرها مرتين "(9) قال ابن عباس: "يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكر م علي، وثوابكن أعظم لدي" (8). قال ابن عاشور"والقنوت: الطاعة، والقنوت للرسول : الدوام على طاعته واجتلاب رضاه لأن في رضاه رضى الله تعالى" (7). "وقد أعدّ الله لهن الجنّة جزاء طاعتهنّ لله ورسوله فقال: ﱡﭐ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱠ الأحزاب 99 " والرزق الكريم: هو رزق الجنة، وو صفه بالكريم لأنه أفضل جنسه" (6). قال ابن عطيةثم خاطبهن الله تعالى بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن فما بعد، بل هن أفضل بشرط التقوى لما منحهن من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في لحفهن" (5). (9) المحرر الوجيز لابن عطية (8/942) (2) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 99 (9) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي دار الفكر -بيروت (6/297) (8) تفسير البغوي ط/ طيبة6/984) (7) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/7) (6) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/6) (5) المحرر الوجيز لابن عطية (8/942)
عدد الصفحات ٣٠23 ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱠ(9) احزاب 92 "خصّ الله نساءَ النبي ﷺ بالخطاب، وذلك لمقامِ النبوّة، فهنّ قدوةٌ لنساء العالمِ ين جميعًا بخلافِ غيرهن، ولأنّ أثر خطئهنّ يتعدّ ى إلى الزوج ، وهو رسول الله ﷺ، فإنَ تُ همة المرأة في عِرضها تتعدَ ى إلى زوج ها في إقراره لها على ذلك، والأمرُ يتّصل بعرض ه ونسبه، بخلاف الكفر لهذا قدّ ر الله في نساء بعض الأنبياء الكفر كنوح ولوط، ولكنّ ه سبحانه لم يقدّر العهر على امرأة نبيّ ؛ لأنّ الشرف والعهر يتعدّ ى إلى النّسب. وفي هذا: عظم منزلة القدوة على غيرِه في وجوب احتياطه واحتياط أهل بيته؛ وذلك كلّ ما كان قدوةً في قومه وبلده، كان أَو لى بالاحتياط من غير ه "(2). توجيه الآية -النهي عن الخضوع في القول. فقال جلّ وعلا: ﱡﭐ ﱚ ﱛ ﱜ ﱠ الأحزاب 92 "فرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادهن إلى دقائق من الأخلاق قد تقع الغفلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها، ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة، وفيها منافقوها، وابتُ دئ من ذلك بالتحذير من هيئة الكلام فإن الناس متفاوتون في لينه، والنساء في كلامهن رقة طبيعية وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولين النفس ما إذا انضم إلى لينها الجبلي قربت هيئته من هيئة التدلل لقلة اعتياد مثله إلا في تلك الحالة. فإذا بدا ذلك على بعض النساء ظن بعض من يشافهها من الرجال أنها تتحبب إليه، فربما اجترأت نفسه على الطمع في المغازلة فبدرت منه بادرة تكون منافية لحرمة المر أة، بله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أمهات المؤمنين. والخضوع : حقيقته التذلل، وأطلق هنا (9) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 92 (2) التفسير والبيان لأحكام القرآن -عبد العزيز الطريفي 9357
عدد الصفحات ٣١90 على الرقة لمشابهتها التذلل" (9). وقد بين ابن عاشور رحمه الله الخضوع في القول بأحسن بيان فقال: " تخضعن القول، أي تجعلنه خاضعا ذليلا، أي رقيقا متفككا"(2). وقولُه تعالى:ﱡﭐ ﱚ ﱛ ﱜ ﱠ يعني: "لا تـُرَقِّق نَهُ ولو كان ذلك عن حُس نِ قصدٍ ؛ فإنَّ النهيَ ليس لأَجلهنَّ فقط، بل لأجل السامعينَ، فيمِيلُ من في قلبه طمعٌ ومرضٌ إِليهنّ ؛ فيتسبّبن في إهلاكه"(9). "والنهي عن الخضوع بالقول إشارة إلى التحذير مما هو زائد على المعتاد في كلام النساء من الرقة وذلك ترخيم الصوت، أي ليكن كلامكن جزلا " (8). "ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ﱡﭐ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بليِّ نٍ خاضع" (7). "يعني: مِن الخيرِ الذي لو سمعه الناس، ما استنكروه فيكونُ كلامهنَّ مع الواحدِ ككلامهنَّ مع الجماعة في خيره وعفافه" ومن علامةِ الكلام المباح الذي يجوزُ للمرأة أن تتكلّمهُ مع الرجلِ الأجنبيِّ : أن تتكلَّم بكلامٍ لو سمعه الناس منها معه، ما استنكر وه ولم تستحي هي منه، فيعر فه الناس ولا يستنكرونه، وهكذا ينبغي أن تكون العفيفة في خطابها إن احتاجت إلى رجلٍ لا يسمعها أحد: أن تُخاطبه بحديثٍ لو سمعه زوج ها وولدها والناس، لم يستنكروه، ولَعدّوه معروفًا (6). ﱡﭐ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱠ(5) الأحزاب 92 (9) التحرير والتنوير لابن عاشور 22/4) (2 )التحرير والتنوير لابن عاشور (22/3) (9) التفسير والبيان للطريفي 9365 (8) التحرير والتنوير 22/3) (7) تيسير الكريم الرحمن للسعدي 699 (6) التفسير والبيان للطريفي 9356 (5) القرآن الكريم، سورة الأحزاب آية 92
عدد الصفحات ٣٢99 "والمرض: حقيقته اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة، وهو هنا مستعار لاختلال الوازع الديني مثل المنافقين ومن كان في أول الإيمان من الأعراب ممن لم ترسخ فيه أخلاق الإسلام، وكذلك من تخلقوا بسوء الظن فيرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وقضية إفك المنافقين على عائشة رضي الله عنها شاهد لذلك"(9). قال ابن القيم (2) رحمه الله : "ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله، فإن صحته أن يكون عارفا بالحق محبا له، مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه" (9). قال البقاعي: مرض، أي"فساد وريبة، والتعبير بالطمع ، للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة، لأن اللين في كلام النساء خلق لهنّ، لا تكلّف فيه، فأريد من نساء النبي ﷺ التكلّف للإتيان بضده"(8). وقال بنحوه الشيخ العلامة الطريفي حفظه الله حيث قال: "جعل الطمع في الرجل ، مع احتماِ ل وروده من جنس المرأة عامة؛ وذلك تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وتطهيرًا لنسائه من أن يُظَنّ بهنّ ظنُ السّوء، ولبيان خصوصيّة الرجال بالجسارة والميل أكثر من النساء"(7). وقيل يطمع الذي في قلبه ضعف، بسبب ضعف في إيمانه، إما شاك في الإسلام فيكون منافق وإما متهاون بإتيان الفواحش (6). (9) التحرير والتنوير 22/3) (2) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّر عي الدمشقيّ، أبو عبد الله، شمس الدين، أحد كبار العلماء، مولده ووفاته في دمشق. تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، ألّف تصانيف كثيرة منها (إعلام الموقعين) و (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) و (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) و (الفوائد) و (روضة المحبين) و (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) في ذكر الجنة، توفي عام 579هـ (الأعلام للزركلي/ 6/76) (9) التفسير القيّم لابن القيم996 (8) نظم الدرر للبقاعي دار الكتاب الإسلامي-القاهرة ( 97/988). (7) التفسير والبيان للطريفي 9356. (6) انظر جامع البيان للطبري ط/هجر 93/37).
عدد الصفحات ٣٣