97 – أي: أيامنا- ومع ذلك فإن ه سبحانه لم يمس س ه لغوب ولا تعب ، لأن قدرته ما لها نهاية ، وليست حادثة بل قديمة . ولا ي زال ي مد السماوات والأرض وما بينهما بالإيجاد والإمداد ، وهو بقدرته يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، وهو بقدرته ي س ي ر الكواكب والنجوم ، وهو بقدرته يخلق أنوعاً من العوالم ما بين السماء والأرض من الجن والإنس ، وأنواع الحيوان والطيور ، ومن الأشجار ، ويمد البحار؛فهي كما هي لا تنقص على كثرة أمواجها التي تقذفها البحار على سواحلها ، فلم تنقص البحار على مدى الأعصار حتى يشاء الله ذلك . وهكذا قدرته سبحانه ظاهرة في السماوات والأرض ، ما بين السماوات والأرض ، وما يعتريه تعب ولا نصب جل وعلا . وقوله سبحانه :{في ستة أيام}تنبيه إلى سرعة الإيجاد والتكوين في إنشاء خلق السماوات والأرض وما بينهما ، فالسماوات في يومين ، والأرض في يومين ، وما بينهما في يومين ، فتلك ستة أيام ، ولكن في كل لحظة من هذه الأيام يخلق ويطو ر ويقل ب الأشياء من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، حتى انتهت إلى ما هي عليه الآن ، سماوات سبعة ، وأرضون سبعة ، وما بينهما من كواكب ونجوم وشموس وأقمار وجبال وبحار وغيرها. ولا يزال يقلبها ويطورها ، ويمدها بالإيجاد والإمداد ، فإن الكائنات ما لها غنىً عن إمدادها بالوجود؛ ولا بقدر لمحة بصر أو أقرب ، بل هي في حاجة إلى أن يمد ها الله تعالى بقوله سبحانه : كن كن وهكذا ليثبت عليها وجودها ، فهي في كل حال مفتقرة إلى م وجدها فقراً ذاتياً ؛لأن ها لا تملك الوجود بل هي من عالم الإمكان الذي يأتيه الوجود من واجب الوجود جل وعلا. والممكن ما له من نفسه وذاته إلا العدم ، لكنه ق بِ ل الإيجاد من واجب الوجود ، فالممكن موجود بغيره لا من ذاته ، فلولا أن ي فيض واجب الوجود عليه الوجود ، ما للممكن من وجود أصلاً بخلاف المستحيل – كما شرحت ذلك في مواضع متعددة من كتبي – فإن المستحيل هو مستحيل الوجود ، فعدمه واجب لاستحالة الوجود عليه.
عدد الصفحات ٩٧98 فقوله سبحانه:{وما مسنا من لغوب}تنبيه إلى سرعة التكوين والإيجاد، ي قال: قطعت المسافة الشاسعة في ساعات قليلة وما ت عِ ب ت ؛ يريد القائل بذلك سرعة سيره، وتمام قوته ، وأنه طوى مسافة بعيدة في م د ة قصيرة ولم يتعب. وفي قوله تعالى :{وما مسنا من لغوب}استئصال لأصل اللغوب، فإن التنكير للتحقير ، و{من}فيها تقوية وتأكيد للنفي، والمعنى : أن ه سبحانه لا يعتريه التعب أصلاً ، ولا ي تصور في حقه سبحانه ، فإن له سبحانه القوة التي لا نهاية لها، قال تعالى :{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }. *قولهَتعالىَ:{فاصبرَعلىَماَيقولونَوسبحَبحمدَربكَقبلَطلوعَ الشمسَوقبلَالغروبَ}.َ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخفيف عنه، والمعنى : تسل بالصبر على الكفار والمنكرين لما جئتهم به ، وما أخبرتهم به من البعث وقضايا الإيمان والآخرة ، واترك أمرهم إلى الله تعالى ، فإن حسابهم عليه وهو لهم بالمرصاد ، لا ي عجزونه في الدنيا ولا في الآخرة . قال تعالى :{فذكر إنما أنت مذكر}. وقال تعالى:{إن عليك إلا البلاغ}الآية. وقال تعالى :{واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً}. {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }. المراد بذلك صلاة الفجر وصلاة العصر، كما دل على ذلك ما رواه الشيخان ، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةً إلى القمر فقال[:إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر الطالع في الأفق ، هل تضامون في رؤيته ، بتخفيف الميم مشتق من الضيم، وبتشديدها من الضم ، والمعنى : هل تتزاحمون وتتضام ون في رؤيته ؟.
عدد الصفحات ٩٨99 فإن استطعتم أن لا ت غلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا] ثم قرأ قوله تعالى:{وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}. وقوله تعالى:{ومن الليل فسبحه}أي: فصل له وهو قيام الليل . وقوله تعالى :{وأدبارالسجود }قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو التسبيح بعد الصلوات المكتوبة ، ويدل على ذلك ما جاء في ( الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى ، والنعيم المقيم . فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:وما ذاك]؟ قالوا : يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق، وي عتقون ولا نعتق . قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أفلا أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه سبقتم م ن بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ] فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله . فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء] وقد جاء في الحديث[:معقبات لا يخيب قائلهن إذا فعلهن دبر كل صلاة : ثلاث وثلاثون تسبيحة ، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة ] رواه الترمذي وغيره عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. وهناك قول ثان في قوله تعالى :{وأدبار السجود}وأن المراد بذلك ركعتان بعد المغرب ، وقد روي ذلك عن جملة من الصحابة والتابعين أيضاً . قوله تعالى :{وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}.
عدد الصفحات ٩٩111 في تخصيص ذكر هاتين الصلاتين صلاة الفجر وصلاة العصر في هذا تنبيه : أولًَ: إلى المحافظة عليهما في أوقاتهما ، لأنهما في م عرض التأخير ؛ أما صلاة الفجر فبسبب النوم ؛ وأما صلاة العصر فبسبب شواغل الدنيا وازدحام أعمالها آخر النهار ، فربما ش غل ففو ت تلك الصلاة عليه في وقتها – فليحذر التأخير . وفيهََتنبيهَثان َ: إلى فضل هاتين الصلاتين في هذين الوقتين ، فإن هما مجمع الملائكة : ملائكة الليل وملائكة النهار ، كما جاء في الحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ، كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون – أي: صلاة الفجر – وأتيناهم وهم يصلون ]أي: صلاة العصر – متفق عليه. فعند صلاة الفجر وعند صلاة العصر تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار الموك لون بالإنسان ، فيجري بينهما الاستلام والتسليم في المناوبة على هذا الإنسان ، ثم ت عرج الملائكة التي سل مت الإنسان إلى الملائكة الآخرين ، فتعرج إلى السماوات وهناك يسأل الله تعالى الملائكة فيقول لهم [:كيف تركتم عبادي ]؟... الحديث ، كما تقدم . ثالثاًَ: جاء كثير في الأحاديث النبوية ما يدل على فضل الإكثار من ذكر الله تعالى في هذين الوقتين – أي: بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر حتى الغروب – وأذكر طرفاً من تلك الأحاديث : روى الترمذي ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:من صلى الصبح في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين : كانت له أجر حجة وعمرة تامة تامة ]
عدد الصفحات ١٠٠111 وعن سهل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى ي س ب ح ركعتي الضحى ، لا يقول إلا خيراً : غ فر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر ]رواه أحمد وأبو داود وغيرهما . وروى أبو داود ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [: لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس ؛ أحب إل ي مِ ن أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل. ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر حتى تغرب الشمس ؛ أحب إلي من أ ن أعتق أربعة من ولد إسماعيل ] *قولهَتعالىَ:{واستمعَيومَينادَالمنادَمنَم انَقريبَ}.َ أمر سبحانه كل سامع أ ن يستمع بكليته لما ي خبر عنه سبحانه من أهوال القيامة وأخبارها ، وما يجري فيها ، وليعلم ما سوف يجري ، وليأخذ حذره من ذلك . وذلك اليوم الذي ينادي فيه المنادي إذا أراد الله تعالى حشر الخلائق وإحياءها ، وإخراجها من قبورها، فيأمر الملك فينادي من مكان قريب كل القرب من الخلائق ، ويقول لهم : يا أيتها العظام النخرة ، والجلود المتمز قة ، والشعور المتقطعة ، إن الله يأمرك أن تجتمعي لفصل القضاء – وفي رواية : لفصل الحساب -. والمنادي هو إسرافيل عليه السلام ، كما روي ذلك في كثير من الآثار. فليكن العاقل على حذر ، ول يستعِ د لذلك اليوم ، ولذلك أمر الله تعالى الإنسان بالاستماع بكليته ؛ اهتماماً بأمر ذلك اليوم فإن ه يوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين . اللهم رحماك رحماك يا أرحم الراحمين ، ويا رحمن يا رحيم ، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، فإنك قلت وقولك الحق :{وهو يتولى الصالحين }.
عدد الصفحات ١٠١112 *{يومَيسمعونَالصيحةَبالحقَذلكَيومَالخروجَ}.َ فهم كلهم يسمعون وإن كان منهم م ن كان ينكر في الدنيا ، ولكن يرى وي سمع أن الأمر حق واقع لا محالة فيه ، فإن جميع ما أخبر الله تعالى بوقوعه فإنه حق، وهو مقتضى الحكمة الإلهية ، وهو محقق الوقوع ألبتة دون ريب . *قولهَتعالىَ:{إناَنحنَنحييَونميتَوإليناَالمصيرَ}.َ هنا تتجلى عظمة الله تعالى وكبرياؤه وأن ه على كل شيء قدير ، فهو الذي يحيي ويميت لا غيره ، وهو الذي ي بعثهم ويصي رهم إليه بعد موتهم وتفرقهم ، وقد صاروا تراباً ، ولا يقدر على ذلك أحد غيره ، ولا يشاركه في ذلك أحد ؛ بل هو الواحد الأحد في الذات والصفات والأفعال. *قولهَتعالىَ:{يومَتشققَالأرضَعنهمَسراعاًَذلكَحشرَعليناَيسيرَ}.َ إن الله تعالى يأمر الأرض – حين ي ريد أن يحشرهم ويجمعهم ليوم الجمع – أ ن تتخلى عن جميع ما في بطنها بسرعة ، فتطيع أمر الله تعالى مسرعةً ، فهي تنشق عن أهل القبور فيخرجون بسرعة . قال سبحانه :{إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت . وأذنت لربها وحقت }. أي: ألقت ما في بطنها من الأموات وتخل ت عنهم كلهم ، حيث سمعت لأمر ربها بذلك، وح ق لها أن تسمع مطيعة له ، منقادة لأمره ، مسرعة في تنفيذ ذلك كل الإسراع ، وفي هذا تتجل ى عظمة قدرته تعالى . وفي (صحيح) مسلم ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أنا أول من تنشق عنه الأرض] ... وهذا من خصائصه التي أكرمه الله تعالى بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وروى الترمذي وحسنه، والطبراني، والحاكم وهذا لفظه : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أنا
عدد الصفحات ١٠٢113 أول من تنشق عنه الأرض ، ثم أبو بكر وعمر ، ثم أهل البقيع ، فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة ]الحديث. وروى الترمذي وحسنه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أنا أول الناس خروجاً إذا ب عثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبش رهم إذا أيسوا ، ولواء الحمد يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ] وروى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أنا أول من تنشق عنه الأرض فأ ك س ى ح ل ةً من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش؛ ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري ] *َقولهَتعالىَ:{نحنَأعلمَبماَيقولونَوماَأنتَعليهمَبجبارَفذ رَ بالقرآنَمنَيخافَوعيدَ}.َ في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتخفيف عنه ، وتهديد شديد ووعيد أكيد للمكذبين . وذلك أن ه سبحانه ي علم ما يقولون من التكذيب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وما جاء من إنكارهم البعث والحشر وما وراء ذلك، فكل ذلك معلوم عنده، وسوف يجمعهم وينبئهم بما عملوا وبما قالوا ، ويحاسبهم على ذلك، فهو ن على نفسك يا رسول الله، وكِ ل أمرهم إلى الله تعالى ، فإليه مرجعهم ، وما أنت عليهم بجب ار تقهرهم وتجبرهم على الإيمان بما جئتهم به ، قال تعالى :{فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر }. ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ي ذك ر بالقرآن ، وما فيه من وعد ووعيد، وثواب وعقاب، وما اشتمل عليه من المواعظ والإنذارات؛ التي ظهرت آثارها وعواقبها في الأمم السابقة ، وما اشتمل عليه القرآن الكريم من ق صص الأولين ، ونتائج أعمالهم ، وحلول العذاب فيهم ل م ا كذبوا رسلهم . كما قال سبحانه :{لقد كان في قصصهمعبرة لأولي الألباب }الآية.
عدد الصفحات ١٠٣114 وقال تعالى:{فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}. وقال تعالى:{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. فشأن العاقل أن يتذكر بتذكير المذكر الصادق والخبر القاطع ، فهذا هو رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصادق الأمين ، وهذا القرآن كلام رب العالمين ، ثبت ذلك قطعاً بإعجازه عن أن يأتوا بمثله ، فهو كلام الله تعالى حقاً وقطعاً لا مرية فيه ، فشأن العاقل أ ن يتعظ بمواعظ كلام الله تعالى ، وأ ن يتذكر بتذكيره ، ويأخذ حذره ، ويعمل بموجب تلك المواعظ وبذلك التذكير القرآني ؛ ولا يتعامى عن ذلك ولا يتغافل ، بل يعلم أ ن تلك المواعظ والتذكيرات هي موجهة إليه وإلى كل عاقل . قال تعالى :{أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون . وأنتم سامدون }. وقال تعالى:{فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة . فرت من قسورة }. فالموعظة والتذكيربالقرآن له أثره الكبير في النفوس ، وله هيمنة على القلوب ، وله باعث ؛ حيث يبعث السامع إلى العمل بموجب ذلك التذكير والوعظ ، ومن أنكر أثر الوعظ والتذكير بالقرآن فهو جاهل بكلام الله تعالى ، بل ي خشى عليه الكفر؛ لأن فيه تكذيب الله تعالى حيث يقول :{ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد }. وقال تعالى:{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}. وقال تعالى:{فذكر إن نفعت الذكرى . سيذكر من يخشى }. فإن معنى ذلك أن التذكير بالقرآن يحمل على الخوف من الله تعالى ، ومن وعيده فيلتزم أوامر الله تعالى وينتهي عم ا نهاه .
عدد الصفحات ١٠٤115 وما أحسن ختام هذهالسورة بقوله :{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}وقد افتتحها سبحانه بالقرآن المجيد ، كما قال تعالى :{ق. والقرآن المجيد } فافتتحها وختمها بالقرآن الكريم . وقوله تعالى :{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. في هذا دليل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بالتذكير ، كما أن ه سبحانه أمره بالوعظ ، فقال تعالى :{وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً }. فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم إمام المذكرين، وإمام الواعظين ، وهذا يدل على أثر التذكير والوعظ ونفعهما المحقق ، قال سبحانه :{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }. وقال تعالى :{فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى }. فالعاقل الذي يخشى عواقب الأمور لا بد أن ينتفع ، ولذلك كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ي ذكر بالقرآن وما جاء فيه من ذكر الآخرة و وذكر الموت والنار، وبيان صفات أهل الجنة ، وصفات أهل النار، ويذك ر بالوعد والوعيد ، والبشارة والنذارة ، والترهيب والترغيب. روى البيهقي وأبو نعيم ، عن أنس رضي الله عنه قال : ( تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية :{وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ }. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم[:أوقِ د على النار ألف عام حت ى احمر ت ، وألف عام حتى ابيض ت ، وألف عام حتى اسود ت ، فهي سوداء مظلمة لا ي طفأ لهبها ] قال وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل أسود فهتف بالبكاء ، فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال[:من هذا الباكي بين يديك ]؟ فقال[:رجل منالحبشة ]وأثنى عليه معروفاً.
عدد الصفحات ١٠٥116 قال[:فإن الله عز وجل يقول: وعز تي وجلالي ، وارتفاعي فوق عرشي ، لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة ] وروى الحاكم بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما لما أنزل الله تعالى هذه الآية :{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة }تلاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلمذات يوم على أصحابه ، فخر فتىً مغشياً عليه ، فوضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك . فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:قل: لا إله إلا الله ]فقالها ، فبشره بالجنة . فقال أصحابه : يا رسول الله أمِ ن بيننا ؟!! أي: هي خصوصية له من بيننا؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أو م ا سمعتم قول الله تعالى :{ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد }.] والمعنى: أن كل من تحقق بهذا الخوف نال الأمان يوم الزحام . اللهم اجعلنا منهم . وروى مسلم ، والترمذي ، عن حنظلة بن الربيع رضي الله عنه قال: لقيني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ فقلت : ناف ق حنظلة . فقال: سبحان الله ما تقول ؟ فقال له حنظلة : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ي ذكرنا بالنار و الجنة كأن ا رأي عين ، فإذا خرجنا من عنده وعافسنا الأزواج – أي: خالطنا الأزواج – والأولاد والضي عات فنسينا كثيراً . فقال أبو بكر رضي الله عنه: وإن ي لأجد مثل هذا . فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكرا له ذلك .
عدد الصفحات ١٠٦117 فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم[:لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر : لصافحتكم الملائكة على فرشكم ، وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ، ساعة وساعة ، ساعة وساعة ] فانظر في تأثير وعظه وتذكيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وانظر في تأثر الصحابة بالتذكير، فمجالس التذكير بالقرآن والوعظ لها شأنها ونفعها وتأثيرها ؛ هذا لا ينكره إلا جاهل . قال تعالى :{كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره . في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بأيدي سفرة. كرام بررة }. وقال تعالى:{إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً }. وقال تعالى:{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }. فالقرآن له روح تحيى به القلوب كما تقدم، والحمد لله رب العالمين . كما أ ن في التذكير بالقرآن الكريم استعراضاً لآيات الله تعالى الآفاقية والنفسي ة، وبيان دلائل وجوده ووحدانيته ، وكمال صفاته ومحاسن أسمائه سبحانه وتعالى . كما أن في التذكير بالقرآن الكريم ذكر قصص الأولين ، وأحوال الأمم السابقة ، وبيان عواقب المحسنين والمسيئين . كما أ ن في التذكير بالقرآن الكريم يحصل خشوع القلب، لأن القرآن الكريم له سطوة وهيمنة على القلوب والنفوس ، فإن ه كلام الله تعالى ، ويعظم الكلام على قدر المتكلم به. روى البيهقي وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت :{ أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون }بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حنينهم بكى معهم ، فبكينا لبكائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
عدد الصفحات ١٠٧118 فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم[:لا يلج النار من بكى من خشية تعالى ، ولا يدخل الجنة م صِ ر على معصية الله تعالى ، ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ول ج اء بقوم ي ذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ] وفي هذا دليل على أن شأن المؤمن أ ن يخشع لسماع القرآن ، وأن ي ت عِ ظ به، وأن تعتريه الخشية من الله تعالى ، لأن ه كلامه يخاطب به عباده وي سمعهم ذلك؛ وليس من شأن المؤمن السهو والجمود ، وعدم التأثر والخشوع إذا سمع آيات الله تعالى تتلى ، بل قد وصف الله تعالى المؤمنين فقال سبحانه :{وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } الآية كما تقدم. فالقرآن العظيم هو أصدق الحديث ، فيجب الإصغاء إليه، والتذكير به ، والاتعاظ به، وم ن لم ي ذك ر بالقرآن أو يتذكر به ، أو يعظ أو يتعظ به ، فإن ه داخل تحت التوبيخ ، وتحت الإنكار الوارد في قوله تعالى :{أفمن هذا الحديث تعجبون . وتضحكون ولا تبكون }. فهو أصدق الحديث لأنه كلام الله تعالى أنزله بعلمه. وفي الحديث، عن جابر رضي الله عنه ، كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خطب احمر ت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه كأن ه منذر جيش يقول[:أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . أتتكم الساعة بغتة. ب عثت أنا والساعة هكذا ، صبحتكم ومستكم . أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، م ن ترك مالاً فهو لأهله ، ومن ترك د يناً أو ضياعاً فإلي وعلي ، وأنا أولى بالمؤمنين ]رواه مسلم، وأحمد والنسائي وغيرهم . فكلام الله تعالى هو أفضل الكلام ، ويعظم الكلام على قدرِ عظم المتكلم به، ويشرف على قدر شرف المتكلم به ، فإذا أيقنت أنه كلام الله تعالى عظم
عدد الصفحات ١٠٨119 عندك وآثرتهعلى كلام الناس ، فإنه خير الكلام ، وأصدق الحديث ، وفيه أحسن القصص ، وأعظم التذكير، وأبلغ المواعظ ، وأقوى الزواجر . أعجز البلغاء ، وأفحم الحكماء والعلماء ، وحي ر ألباب الأذكياء والنجباء – ح يرة إثبات لا حيرة شك – فهموا من معانيه ، واغترفوا من بحر علومه ومعارفه ، ي رون ما أخذوا منه كقطرة من بحر، وكيف لا يكون كذلك ، والله تعالى يقول:{قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً }. فعلم العلماء، ومعارف العرفاء ، وعلم سائر الخلائق هي بالنسبة لعلم الله تعالى كنقرة عصفور من بحر ، كما جاء في حديث الخضر مع موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام . فهو كلام الله تعالى خير ما يوعظ به ، وأفضل ما يجب التذكير به، ولذلك كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح به خطابه . وفي الحديث ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب فقال [:أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرى كلمة التقوى ، وخير المِ لل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن . وخير الأمور عوازمها ، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما ن ف ع ، وخير الهدي ما ات بع ، وشر العمى عمى القلب. واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قل وكفى خير مم ا كثر وألهى . وشر المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة . ومِ ن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً – أي: بعد فوت الوقت- ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً ، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب . وهذا من باب ضرب المثل كما بينت ذلك وشرحته في مواضع من كتبي.
عدد الصفحات ١٠٩111 وخير الغنى غنى القلب، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله تعالى ، وخير ما وقر في القلب اليقين . والارتياب من الكفر ، والنياحة من عمل الجاهلية ، والغلول من ج ثا جهنم ، والكنز كي من النار . والش ع ر من مزامير إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبالة الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون . وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل مال اليتيم . والسعيد من و عظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه . وإن ما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع ، والأمر بآخره . وملاك العمل خواتمه ، وشر الروايا روايا الكذب . وكل ما هو آت قريب . وسباب المسلم فسوق ، وقتال المؤمن كفر ، وأكل لحمه من معصية الله، وح رمة ماله كحرمة دمه . ومن يتأل على الله ي كذبه ، ومن ي غفر يغفر الله له، وم ن ي عف يعف الله عنه ، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ، وم ن ي ص بر على الرزية ي عوضه الله، ومن يت بع الس معة ي سم عِ الله به ، وم ن يصبر يضع ف الله له ، ومن يعص الله يعذبه الله. اللهم اغفر لي ولأمتي ، اللهم اغفر لي ولأمتي ، اللهم اغفر لي ولأمتي . أستغفر الله لي ولكم ] . قال العلامة المناوي: ج ثا جمع جثوة بالضم الشيء المجموع ، كذا في ( النهاية) قال : ومن التقريب الجثوة مثلثة هي : الحجارة المجموعة اهـ. رواه البيهقي في (الدلائل) وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه ، ورواه أبو نصر السجزي في ( الإنابة ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً – ومن العجب كيف
عدد الصفحات ١١٠111 قولهتعالى :{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد }. في هذا دليل على أن مِ ن أهم مواقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع العالم م و قف التذكير والوعظ، كما قال سبحانه :{فذكر إنما أنت مذكر }. وقال تعالى:{وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}. ولقد اهتز المنبر تأثراً بوعظه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتذكيره : كما جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المنبر :{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون }. ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول هكذا بيده، يحركها، ي قبل بها ويدبر [:يمجد الرب نفسه ، أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا الملك ، أنا العزيز ، أنا الكريم ]فرجف المنبر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قلنا : إن ه ليخرن به ) – أي: ليسقطن به – رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ ، ورواه مسلم . قوله تعالى :{فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. هناكَوعدَووعيدَ:َ أماَالوعد فهو : الإخبار عم ا فيه ما يسر وي فرح ، وفيه البشارة . وأماَالوعيد فهو : التهديد بالعقاب لمن عصى وتمرد . وقد يطلق الو ع د وي راد به الوعيد من باب الاستهزاء والتهكم : قال تعالى :{النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير }فهذا تهكم بهم . والمعنى : أن ه إن كان لهم وعد فوعدهم النار . ي مكن حكمه بالوقف ويقول في آخر الحديث [:اللهم اغفر لي ولأمتي ]ثلاثاً ؟!- وقد حسنه السيوطي.
عدد الصفحات ١١١112 وهكذا كثيراً ما يذكر سبحانه الوعد للمؤمنين، والوعيد للكفار والعصاة والمتمردين. فالوعد بالخير وإيصال ما ي سر ، وذلك يعطي وي بعث الرغبة، ويحمل على الطاعة . وأما الوعيد بالعقاب والتهديد بالعذاب ؛ ذلك يبعث الرهبة والخوف من المخالفات ، والتقصير في الطاعات . وهكذا البشارة والنذارة . وقد قرن الله تعالى في مواضع متعددة من الآيات الكريمة قرن فيها بين ذكر الوعد والوعيد ، والبشارة والنذارة ، والترغيب والترهيب، وليكون العبد راغباً فيما عند الله تعالى ، وفيما وعد سبحانه من الأجر والثواب، ويكون أيضاً راهباً من عذاب الله تعالى وعقابه ، فيكون حاله بين الخوف والرجاء : يرجو رحمة الله تعالى ويخشى عذابه . قال تعالى في المؤمنين :{أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب }. إلى بابك العالي مددت يد الرجا ومن جاء ذاك الباب لا يختشي الردى فهذا شأن أولي الألباب ، والعلماء بدين الله تعالى ، يحققون القول بالعمل، وهم على رجاء رحمة الله تعالى ، وعلى حذر من الآخرة . فهم ينظرون إلى تقصيرهم في أعمالهم ، ووقوعهم في اله نات والسيئات فيخافون ، ولكن ينظرون إلى سعة مغفرة الله تعالى وسعة رحمته فيرجون. قال تعالى :{نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم }. وقال تعالى:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم}.
عدد الصفحات ١١٢