81 والبخيل بعيد من الله تعالى، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار. ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل ] فكثرة النوافل العملية من صلاة وصوم لا تجبرنقص البخيل فإنه وصف ذميم . ولذلك جاء في الحديث الذي رواه أبو الشيخ ، عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ما جبل ولي لله عز وجل إلا على السخاء ، وحسن الخ ل ق ] وروى الطبراني، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [:الشحيح لا يدخل الجنة] نعم لا يدخل الجنة ولو كان مسلماً ؛ لأن الكلام فيه ، أما الكافر فكفره يمنعه من دخول الجنة أبداً ، فالمسلم البخيل لا يدخل الجنة حتى ي طهر من شحه وبخله ، وذلك بطهارته من البخل قبل موته ، فإن لم يطهر فسوف يمر على برازخ الآخرة ومواقفها وأهوالها ، فإن لم يطهر فيها لتمكن البخل فيه ، فلا بد من غمسة في جهنم ت ذهب عنه صدأ البخل وأوساخه ، فيطهر ويطيب فيدخل الجنة ؛ إلا إذا نالته شفاعة سيد الوجود صلى الله عليه وعلى آله وسلم فينجو ويسلم . وإن أكرم الخلق على الله تعالى هو أكرم خلق الله تعالى الشفيع الأعظم ، وهذا هو سيدنا ومولانا ، وحبيبنا وقرة أعيننا ، وروح أرواحنا السيد الأكرم والحبيب الأعظم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعلينا معهم، في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله تعالى العظيم – آمين . يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم هو الحبيب الذي ترجى شفاعته لكل هول من الأهوال مقتحم صلى الله عليه وعلى آله وسلم
عدد الصفحات ٨١82 *قولهَتعالىَ:{و مَأهل ناَقبلهمَمنَقرنَهمَأشدَمنهمَبطشاًَفنقبواَفيَ البلادَهلَمنَمحيصَ}.َ والمعنى : أن الله تعالى أهلك كثيراً من القرون قبل الكفار برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكانوا أشد قوة وآثاراً في الأرض، ونقبوا في البلاد، داروا فيها وط و فوا فيها ؛ توسعاً في الممالك والمتاجر ، وحرصاً على تكثير أموالهم ، ومباهاةً وتكاثراً وتفاخراً ، وبذلوا جهودهم في جمع حطام الدنيا ؛ ولكن لا محيص لهم ولا مخلص من الله تعالى ، ولا ملجأ ولا منجى يفرون إليه إذا جاءهم الموت أو العذاب، وفي هذا تهديد لمن كفر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وليعتبر بالكفار قبله ماذا كانت عاقبة أمرهم ل م ا كفروا برسلهم ، وما جاؤوهم به ؛ نعم كانت عاقبتهم الدمار . والقرن هو عبارة عن أهل عصر من الأعصار ، س م وا بذلك لاقترانهم مدة من الزمان ، فهو مشتق من قرنت الشيء بالشيء، وقد اخت لف في مقدار تلك المدة المقترن فيها، فقيل: مائة وعشرون سنة، وقيل: مائة، وقيل: ثمانون، وقيل وقيل ، ولكن الأكثر على مائة سنة ،وي ؤيد ذلك ما جاء في الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن الله تعالى ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة م ن ي جد د لها أمر دينها ]كما في (السنن) لأبي داود وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم . *قولهَتعالىَ:{إنَفيَذلكَلذ رىَلمنَ انَلهَقلبَأوَألقىَالسمعَوهوَ شهيدَ}.َ والمعنى : إن فيما تقدم ذكره في السورة من الآيات والمواعظ والعبر، في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، والمراد بالقلب هنا القلب الروحاني اللطيف . فإن القلب قد ي طلق ويراد به القلب الجسماني وهو القلب الصنوبري الشكل، والمودع في التجويف الأيسر من الصدر، وفي هذا القلب ق لب روحاني لطيف وي سمى اللطيفة الربانية ، وهي مودعة في القلب الجسماني ولها علاقة قوية بالروح .
عدد الصفحات ٨٢83 وبتلك اللطيفة صار الإنسان إنساناً، وهي موضع الإدراك والعلم والخطاب. والقلب بهذا المعنى هو المراد في هذه الآية ، وفي كثير من الآيات القرآنية: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}. فالقلب اللطيف الروحاني هو موضع التذكر والتفكر ، وهذا القلب له خصائص ووظائف متعددة؛ أذكر جملة منها – ولتلك الوظائف والخصائص كان أشرف عضو بل هو المِ لك على الأعضاء -: 1-القلبَهوَموضعَالتعقل ، قال تعالى :{فتكون لهم قلوب يعقلون بها} وموضع التذكر والتفكر، قال تعالى :{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }. 2-القلبَموضعَالإيمان ،قال تعالى :{أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون }. فالقلب كتاب عظيم شريف ، ش ر فه الله تعالى بكتابة الإيمان فيه، وزين ه ونو ره وعش قه به ، ول م ا كان القلب هو رئيس الأعضاء وأشرفها جعله الله تعالى موضع الإيمان به سبحانه وتعالى . 3-القلبَهوَىجاجةَتتلألأَفيهاَأنوارَالإيمان ،قال سبحانه :{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور }.
عدد الصفحات ٨٣84 فالإيمان في القلب هو نور من الله تعالى، كما قال صلى اله عليه وعلى آله وسلم [:إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل ] . فالذين تع ر ضوا لنوره استناروا بنوره فعرفوه . فالمصباح المنير هو الإيمان الذي أودعه الله تعالى في القلب ، والزجاجة هي القلب ، والمشكاة هي الكوة المودع فيها القلب وهي الصدر. وقد شرحت ذلك في كتاب : (الصعود ) فارجع إليه تجد التفصيل . فالقلب هو بيت معرفة الله تعالى ، وأما المساجد فهي بيوت عباداته ، ولذلك بعدما ذكر القلب ذكر المساجد كما في سورة النور . وفي الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:القلوبَأربعةَ:َقلب أجرد فيه مثل السِ راج ي زهر، وقلب أغلف3 مربوط على غلافه،َوقلبَمنكوس – أي: مقلوب-َوقلب مصف ح . فأماَالقلبَالأجرد : فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأماَالقلبَالأغلفَ: فقلب الكافر، وأماَالقلبَالمن وس : فقلب المنافق ع رف ثم أنكر،َوأما القلبَالمصفح : فقلب فيه إيمان ونفاق ، وم ثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها الدم والقيح ، فـأي المد تين غلبت على الأخرى غلبت عليه ]فإن غلبت الم د ة بمادة الماء الطيب طاب وصلح ، وإن غلبت الم د ة بمادة الدم والقيح خبث وفسد . 4-القلبَبيتَالمحبةَالإلهيةَوالمعرفةَ,َوتتجل َىَفيهَأنوارهَوأسرارهَ سبحانه ، فقلوب أوليائه مصابيح الهدى . جاء في الحديث ، عن معاذ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول[:اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد رواه أحمد ، والترمذي وغيرهما. رواه الإمام أحمد بإسناد جيد. 3 أي: المغلف المشدود عليه .
عدد الصفحات ٨٤85 بارز الله بالمحاربة، وإن الله تعالى ي حب الأبرار الأتقياء الأخفياء؛ الذين إن غابوا لم ي فتقدوا ، وإن حضروا لم ي عرفوا ؛ قلوبهم مصابيح الهدى ، ي خرجون من كل غبراء مظلمة ] . 5-قلبَالمؤمنَ َر َم ََيفيضَبالخيرَ,َويعطيَالثمراتَالطيبةَ:َ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:لا تسموا العنب الكرم ، الكرم قلب المؤمن ] . فقلب المؤمن أحق أن يسمى كرماً ، لأن خيره أكثر، ونفعه أكبر من كرم العنب. فإن الإيمان المزروع في قلب المؤمن لا يثمر إلا خيراً ونفعاً ، من الأقوال والأعمال والأحوال والمعاملات ، ونفع العباد والبلاد ، وفلاح الدنيا والآخرة . 6-قلوبَالصالحينَأوعيةَ,َيملؤهاَالحقَبمعرفته ، وهي أوان مليئة بالنور الإيماني ، ومحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. روى الطبراني بإسناد حسن ، عن أبي عنبة الخولاني ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض ، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين ، وأحب ها إلى الله ألينها وأرق ها ] وعن ابن عمرو رضي الله عنهما ، أ ن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله تعالى لا يستجيب لعبد دعاءً عن ظهر قلب غافل ]3. 7-القلبَهوَموضعَنظرَالحقَمنَالخلق.َ رواه ابن ماجه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي. رواه البخاري في (الأدب) والبيهقي. 3 رواه أحمد بسند حسن.
عدد الصفحات ٨٥86 ولما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلب الأكوان ذكره سبحانه في قلب القرآن فقال عز وجل :{يس. والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين }. وفي الحديث[:إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن {يس}ومن قرأها كتب تعالى له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات دون {يس} . وروى مسلم وأحمد وغيرهما– وأصله في الصحيحين- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في حديث طويل -[ :إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ] وفي رواية[:إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، التقوى ههنا ]ويشير إلى صدره الشريف صلى عليه وعلى آله وسلم ثلاث مرات . الحديث. فمجمع التقوى كلها في قلبه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو أتقى العالمين ، ومجمع تقوى كل إنسان في قلبه . وفي حديث الطبراني ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العارفين ] 8-القلبَبيتَالحبَوالبغض ، وي ش رف القلب بالحب الذي يرتضيه الله ورسوله، وذلك بأن يمتلئ بمحبة الله ورسوله ، ومحبة من يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . روى الشيخان ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ثلاث من ك ن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن ي حب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن ي لقى في النار] رواه الترمذي.
عدد الصفحات ٨٦87 وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي، والحاكم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أحبوا الله لِ م ا يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله إي اي ، وأحبوا أهل بيتي بحبي] وفي خطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم– كما في البيهقي -[:أحبوا من كل قلوبكم ولا تمل وا ذكره ] 9-القلبَموضعَالو َج َلَمنَاللهَتعالىَ,َوموضعَالخشوعَللهَتعالىَ.َ قال الله تعالى :{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون }. وقال تعالى:{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون }. فمسلم لا يخشع قلبه معاتب من الله تعالى، بل شأن المسلم أن يخشع قلبه لذكر الله تعالى : بتلاوة القرآن الكريم ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبأنواع صيغ ذكر الله: بلا إله إلا الله ، وبالتسبيح ، والتحميد ، والتكبير، والصلاة على الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم . والقلب الذي لا يخشع ي ستعاذ منه، فإنه قلب قاس ، والقلب القاسي بعيد من الله تعالى ، وسبب القسوة طول الأمل في الدنيا ، وتعلق القلب بحطام الدنيا ، فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وحبك الشيء ي عمي ويصم، فيعمي القلب ويصمه عن سماع الحق وقبوله . ونسأل الله تعالى العافية من قلب لا يخشع ، وعلم لا ينفع ، ودعاء لا ي سمع، وبطن لا تشبع ، كما استع اذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك كله. 11-القلبَمنىلَالس ينةَمنَاللهَتعالىَ.َ
عدد الصفحات ٨٧88 السكينة نور من الله تعالى ي لقيه الله تعالى في قلب عبده المؤمن ، فيطمئن لها القلب بعد الاضطراب ، وتسكن لها النفس ، وينشرح لها الصدر. قال الله تعالى :{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم }الآية. فالسكينة تنزل إذا ت لي القرآن الكريم ، فيزداد الإيمان ويقوى نوره في القلب . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل وفي آخره [: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة، وحف تهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بط أ به عمله لم يسرع به نسبه ] فمجالس القرآن، ومجالس حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منازل السكينة من الله تعالى ، ومجتمعات الملائكة وحفاوتهم بالقارئين ، وهكذا مجالس العلم الشرعي الديني الذي هو مبني على : قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ويرحم الله تعالى الإمام الشافعي القائل : العلم قال الله قال رسوله قال الصحابي ليس خلف فيه وقال أيضاً رضي الله عنه : كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين فالعلم ما قيل فيه : قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين فالعلوم الفلسفية القائمة على النظريات الفكرية؛ ولم تقم على دليل من الكتاب والسنة فهي رد على قائلها . فإذا قيل: قال الله تعالى أو قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يجوز أن يقال في مقابل ذلك : قال فلان ، وقال الفلاسفة، وقال الحكماء .
عدد الصفحات ٨٨89 فكلام الله تعالى فوق حكمة كل حكيم ،لأن ه سبحانه له الحكمة المطلقة التي لا تنتهي ، وهو يؤتي الحكمة من يشاء ، وقد أنزل الله تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب والحكمة ، وع ل مه ما لم يكن يعلم ، علوماً لا يحصيها إلا الله تعالى الذي أعطاه إي اها، فهو المرجع في جميع الآراء والنظريات ، والفِ ك ر والفهم والعلم ، ولذا قال علماؤنا الأولون : لا خير فيما الف ل أوله وآخره سفه أي: فلسفة فقل لمن يد عي في العلم فلسفة عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء قال رجل لا بن عمر رضي الله عنهما : لو أخ رت تقبيل الحجر الأسود ، وأشرت إليه بيدك من بعيد بدلاً من أن ت ج هد نفسك من الزحام وتقب له . فقال له : من أين أنت ؟ قال الرجل : من اليمن . قال : اترك هذه الكلمة في اليمن ، ودع نا منها هنا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ق ب له فلا بد أن أقبله اهـ . فالصحابة رضي الله عنهم كان شأنهم الإتباع وترك الأهواء والآراء . 11َ_صلاحَالقلبَيتبعهَصلاحَالجسمَح َس َاًَومعنىًََ, وفساده يتبعه فساد الجسم حس اً ومعنى : روى الشيخان ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:الحلال بين ، والحرام بي ن ، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن ات قى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، وم ن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كراع ي رعى حول الحمى يوشك أ ن يقع فيه . ورضي الله تعالى عن الإمام حجة الإسلام الغزالي الذي أل ف كتاب : تهافت الفلاسفة، وذكر فيه أنواعاً من أخطائهم وزلاتهم وأباطيلهم .
عدد الصفحات ٨٩91 ألا وإن لكل ملك حِ مىً ، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه . أ لا وإن في الجسد مضغة : إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب ] 12َ_َالقلبَلهَحواسََّومداركَسمعيةَوبصريةَ,َوذوقَوشمََّمن باب الإدراك والتحسس الروحي . فالمؤمنون هم أهل البصائر القلبية ، والأذواق والمواجيد القلبية . قال تعالى :{قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ }. وقال تعالى:{أفلا يتدبرون القرآنأم على قلوبهم أقفالها }الآية. فلما جاء القرآن بالبصائر أبصرته القلوب المفت حة بصائرها ، وهناك من ع مي ع ن ها وتعاظم ف ض ل : قال الله تعالى :{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها }. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رب اً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبياً ورسولاً ]متفق عليه. فهذا ذوق القلب الإيماني . وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ثلاث من كن فيه وج د بهن حلاوة الإيمان : أ ن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأ ن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأ ن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ]متفق عليه. فهناك مواجيد قلبية يحلو بها قلب المؤمن وينعم بوجدانها . وأما الكفار فكما قال سبحانه فيهم :{صم بكم عمى فهم لا يعقلون}فهم صم القلوب وعميها وبكمها ، ونسأل الله تعالى العافية . 3-صاحبَالقلبَالتقيَهوَمنَأفضلَالناسَعندَاللهَتعالىَ:َ
عدد الصفحات ٩٠91 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : أي الناس أفضل ؟. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:كل مخموم القلب صدوقاللسان ] قالوا: صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال [:هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا ب غ ي ، ولا غل ولا حسد ] . فسلامة القلب من داء الحسد والغل وما وراء ذلك أمر إيماني، ولا يدخل الجنة إلا بقلب سليم ، فيجب على المؤمن أن يتباعد عن الحقد والحسد والغل والغش . روى الترمذي ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل ، فإن ذلك من سنتي ، ومن أحب سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة ] وعن الحسن رضي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن بد لاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكن دخولها برحمة الله تعالى ، وسخاوة الأنفس ، وسلامة الصدور ] . وعن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً[ :إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً فتح له قفل قلبه ، وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعياً لما سلك فيه3 ، وجعل قلبه سليماً ، ولسانه صادقاً ، وخليقته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة ، وعينه بصيرة ]رواه أبو الشيخ. 4-َالقلبَموضعَالهدىَوالثباتَ,َأوَالىيغَوالضلالَ.َ قال الحافظ المنذري : رواه ابن ماجه بإسناده صحيح ، والبيهقي وغيره أطول منه . اهـ. قال الحافظ المنذري: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب : ( الأولياء) مرسلاً . اهـ. 3 أي: لما دخل فيه من العلم والتذكير.
عدد الصفحات ٩١92 جاء في( السنن ) والرواية لابن م ر دويه ، عن السيدة عائشة رضي الله تعالى قالت :كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً ما يدعو : [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك] قلت: يا رسول الله ، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء ؟ . فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :ليس من قلب إ وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أ ن ي قيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ، أما تسمعي قوله تعالى : {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب }. ] وقد جاء هذا الحديث من طريق أم سلمة وأنس وغيرهما رضوان الله تعالى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجمين ، بروايات متعددة . وما سمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا أنه يتقل ب اللهم ثبت قلوبنا على دينك ، فإنك قلت : {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . 15-َالقلبَهوَمنىلَالإيمانَوبيتهَ.َ جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( أن الأمانة نزلت في ج ذر قلوب الرجال ، ث م ن زل القرآن ، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ) الحديث كما في ( الصحيحين ) . والمراد هنا بالأمانة الإيمان ، وما يتطلبه من أقوال وأعمال ، وأحوال وأخلاق ، وأداء حقوق الخالق سبحانه ، وأداء حقوق المخلوقات . 6-ََفيَالقلبَواعظَإلهيَيعظَصاحبهَ.َ جاء ذلك في حديث الإمام أحمد ، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه ، وقد ذكرته بتمامه في تفسير سورة الفاتحة ، عند الكلام على الصراط المستقيم .
عدد الصفحات ٩٢93 وروي عن أم سلمة رضي الله عنها: عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال [ :إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً جعل له واعظاً في قلبه ] وفي رواية: [من نفسه يأمره وينهاه]رواه الديلمي. قوله تعالى : {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }. هذا وعد من الله تعالى محت م ، وخبر صادق ، وكفالة إلهية لمن ي ريد أن ينتفع بالقرآن ، وأ ن تسري روح القرآن في قلبه ، ويسير بنور الإيمان وإن القرآن شفاء محتم ، ودواء يشفي العليل، وماء ي روي الغليل لا محالة؛ وذلك أن القلوب أصناف : الصنفَالأول:َقلبَي َقظَحاضرَحي َ ، محر ر من سيطرة الأهواء والآراء عليه ، فإن صاحب هذا القلب متى سمع كلام الله تعالى لا بد أن يتذكر فوراً ، وأ ن يتعظ ويزدجر، ويخشع القلب الوجل من الله تعالى ،وربما أخذه البكاء كما قال سبحانه :{ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين}. وقال الله تعالى:{الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء}. [اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإن ه لا ي ذِ ل م ن واليت ، ولا يعز م ن عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، فلك الحمد على ما قضيت ، أستغفرك اللهم وأتوب إليك ] الصنفَالثانيَ:َقلبَغافلَساه َ، فيقال لصاحبه : أ لقِ سمعك ، وأصغ لما تسمع وما يتلى عليك ، وأشهِ د قلبك . أي: أحضره ولا تتركه غائباً وغافلاً ، فلا بد من حصول الهدى والتذكر والنفع ، وذلك لأن تمام التأثير هو
عدد الصفحات ٩٣94 موقوف على مؤثر مقتض ، ومحل قابل، وشرط حصول التأثير انتفاء المانع الذي يمنع منه . وقد تضمنت هذه الآية الكريمة قواعد حكيمة بليغة يحتاج تفصيلها إلى صحف كبيرة وكثيرة ، فجاء بها القرآن الكريم على وجه الإيجاز والإعجاز ، فإذا حصل المؤث ر وهو تلاوة القرآن الكريم، والمحل القابل وهو القلب الحي ، أو الغافل إذا أحضره صاحبه ، و و جد الشرط وهو الإصغاء ، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب، وغفلته وذهوله عن الاستماع ومعنى الخطاب ، وانصرافه عنه إلى شيء آخر؛ إذا تحقق ذلك حصل الانتفاع والتذكر بالقرآن لا محالة ، هذا خ ب ر صادق عن رب العالمين ، ومن أصدق من الله قيلاً ؟ اللهم افتح أقفال قلوبنا بذكرك ، وأتمم علينا بنعمتك من فضلك، واجعلنا من عبادك الصالحين . الصنفَالثالثَ:َقلوبَقاسيةَمعرضةَعنَسماعَالقرآنَال ريمَ, ومنصرفة عنه، بل هم على كراهية لسماعه ، قال تعالى :{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون }فهم يعرضون وي ل غ ون للتشويش على السامع. وقال تعالى :{وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم }. فهؤلاء وإن سمعوا ولكن قلوبهم مشغولة ومعرضة ، ومتكبرة عن السماع بالأذن ، فهم يخرجون كأنهم لم يسمعوا . قال تعالى :{ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم . والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم }. فإذا استحكم هذا الحال في المع رِ ض عن سماع القرآن ، وصرفته الشواغل والأهواء، وتكبر عن الاستماع لكلام الله تعالى ، واستمر على ذلك ط بع على قلبه طابع الكفر.
عدد الصفحات ٩٤95 قال تعالى:{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}. وقال تعالى:{كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}. واعلم أيها العاقل أن القلب لا يحيى إلا بنور الإيمان ، ونور العلم النازل من عند الله تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو كتاب الله تعالى، وأحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والحكمة المقتبسة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، الصادرة عن ق ل ب مؤمن منيب مخلص منو ر. قال تعالى :{اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون }. قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية الكريمة ، قال : (ي لين الله تعالى القلوب بعد قسوتها ، فيجعلها م خبتة منيبة ، وي حيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة ؛ وإلا فقد ع لِ م إحياء الأرض بالمطر مشاهدة) اهـ. والمعنى : أن الآية تلفت النظر ، وتنبه العقل؛ إلى أمر وهو حياة القلوب بهذا القرآن الكريم والحكمة النبوية ، فإن ذلك نازل من عند الله تعالى ، فكما أن ه سبحانه يحيي الأرض بما ي نزله من السماء من ماء ؛ فإن ه سبحانه يحيي القلوب بماء القرآن والوحي النبوي ، فمن أراد أ ن يحيى قلبه وتقوى فيه الحياة فعليه بكتاب الله تعالى ، وحديث رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قال تعالى :{وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}الآية. فجاء صلى الله عليه وعلى آله وسلم بروح يحيي به القلوب والأرواح. قال لقمان الحكيم لابنه : يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن الله تعالى ي حيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل المطر . اهـ.
عدد الصفحات ٩٥96 وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول في مقدمة خطبته: [أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ]الحديث كما رواه مسلم وغيره. وروى الترمذي ، عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : [كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل . م ن تركه من جب ار قصمه الله تعالى ، وم نِ ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى . وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة ولا ي خل ق على كثرة الرد ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا :{إنا سمعنا قرآناً عجباً. يهدي إلى الرشد فآمنا به }. من قال به صدق، وم ن عمل به أ جر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه ه دي إلى صراط مستقيم ] *قولهَتعالىَ:{ولقدَخلقناَالسماواتَوالأرضَوماَبينهماَفيَستةَأيامَ وماَمسناَمنَلغوبَ}.َ هذا دليل آخر على قدرته سبحانه على البعث ، وإعادة الخلق يوم القيامة ، خلافاً للكفار الذين أنكروا ذلك واستبعدوا ، كما ذكر الله تعالى عنهم ذلك في أول السورة . ف ب ي ن سبحانه أ ن ه خلق ما هو أعظم من الإنسان ومِ ن إعادة الإنسان ، وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما من كواكب ونجوم، وبحار وجبال، وعوالم وعوالم كثيرة جداً ، وكان ذلك في مقدار ستة أيام مِ م ا ي عد ه الخلائق
عدد الصفحات ٩٦