المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة ق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٥ من ٨

65 قال تعالى:{فإنه كان للأوابين غفوراً}. فمن شأن الأوابِ أ ن يرجع إلى عبادة الله تعالى وذكره في جميع أوقاته ، خاصة في أوقات غفلات الناس عن ذلك. فمن ذلك صلاة الأوابين بعد فرض المغرب، وصلاة في الضحوة الكبرى حين ترم ض الفِ صال، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد وغيره ، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:صلاة الأوابين إذا رمضت الفِصال] وروى البيهقي في(سننه) عن ابن المنكدر وأبي حازم في قوله تعالى :{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع }قا: هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأو ابين . اهـ . ومقام الأواب يدخل فيه مقام التوبة من الذنوب. ولذا قال سعيد بن المسيب : الأو اب هو الذي يؤوب فيتوب من ذنبه ولا يبقى عليه . وقال مجاهد : الأواب هو الذي إذا ذكر ذنبه في خلوته استغفر منه. والتوبة الصحيحة تتضمن المحاسبة، والمحاسبة تتضمن مقام اليقظة من الغفلة، التي تحمل صاحبها على السعي في طريق النجاة ، والسلامة والبعد عن المهاوي في الهوى المؤدي إلى الهاوية ، فهذه منازل ومقامات، يستتبع بعضها بعضاً كما هو مفصل في كتب القوم نفعنا الله تعالى ببركاتهم. ومن شأن العبد الأو اب أ ن يرجو الثواب من الله تعالى في عمله الصالح، ويخاف عقاب الله تعالى من ذنوبه وتقصيره، ويخاف الحساب، ويستحي من نظر الله تعالى إليه أ ن يراه على حال لا يرضاها سبحانه، وفي هذا مراقبة العبد لربه. وأ ن يشكر الله تعالى على نعمه وفضله، وأ ن ي ع ظ م جلال الله تعالى ، ويخاف مقامه، ويهاب سلطانه، وفي ذلك يكون صدقه في محبة الله تعالى ، وإنابته إليه، وإقباله على مولاه سبحانه .

عدد الصفحات ٦٥

66 الوصفَالثالث:َأنَي ونَحفيظاًَ, ومقام الحفظ يتطلب أموراً متعددة ؛ فإذا استوفاها فهو حفيظ بمعناه الكامل . حفظَأوامرَاللهَتعالىَوأهمهاَالصلاة.َ قال تعالى :{والذين هم على صلاتهم يحافظون}. وفي الحديث عن حنظلة بن الربيع رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول[:من حافظ على الصلوات الخمس ؛ ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أ ن هن حق من عند الله تعالى دخل الجنة ] أو قال[:وجبت له الجنة]رواه الإمام أحمد بإسناد جيد ، ورواته رواة الصحيح كما في ( الترغيب). وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذ ك ر الصلاة يوماً فقال [:من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ]رواه الإمام أحمد بإسناد جيد ، والطبراني في ( الأوسط )، وابن حبان في ( صحيحه) . وفي الحديث عن ثوبان رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:استقيموا ولن تحص وا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن] ومنَح َفظَالأوامرَحفظَالأ َيمان ، قال تعالى :{واحفظوا أيمانكم}. وحفظَالنتهاءَعماَنهىَاللهَتعالى ، وهو حفظ النفس عن الوقوع في المحرمات، ويدخلَفيَذلكَحفظَالفرج، قال تعالى :{والحافظين فروجهم والحافظات }. وحفظَحدودَاللهَتعالى فلا يقربها ولا يتعداها، قال تعالى :{والحافظين لحدود الله وبشر المؤمنين }

عدد الصفحات ٦٦

67 ويدخلَفيَذلكَحفظَالرأس وما وعى، والبطن وما حوى، كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:استحيوا من الله حق الحياء] فقالوا: إن ا نست ح يِ ي من الله والحمد لله . قال[:ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء : أ ن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ]رواه الترمذي والإمام أحمد وغيرهما . وحفظَماَوعاهَالرأس هو حفظ المدارك: السمع والبصر واللسان عن الوقوع في الحرام. وحفظَالبطن هو حفظها عن إدخال الحرام فيها وأكل ما لا يحل. وحفظَماَحواهَالبطن هو حفظ الفرج عن المحرمات. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ]الحديث كما في(المسند) . وروى البخاري ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:من يضمن لي ما بين لحي ي ه وما بين رجليه أضمن له الجنة ] وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم[:احفظ ما بين لح ي ي ك وما بين رجليك] . الوصفَالرابع : أن يخشى الرحمن بالغيب، فإن شأن المؤمن أ ن يخشى الله تعالى ولو لم يره بعينه ، لأن ه يشاهد آثار رحمانيته المحيطة بجميع العوالم ، فالرحمن هو الذي ي مد خلقه بالإيجاد والإمداد ، والغذاء والماء والهواء، ويسوق لهم الن عم التي لا ت عد ولا تحصى؛ الظاهرة والباطنة، اللحيان / هما العظمان المحيطان بالفم ومجمعهما يسمى الذقن . رواه الضياء المقدسي ، وابن م ن ده وغيرهما عن صعصعة المجاشعي.

عدد الصفحات ٦٧

68 وجميع ذلك يعاينه العاقل ويشاهده ، فكيف ينكر وجود الرحمن، ورحمانيته محيطة به ؟!، وكيف لا يخشاه وهو غريق في نعمه ومحاط بها ؟! فالحق أ ن ه يجب أ ن يخشى الرحمن بالغيب ، في السر والعلانية ، ومِ ن ث م فإن ه سبحانه ن عى على الكافر ، فقال تعالى :{كذلكأرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب }. وموضع خشية العبد من الله تعالى هو القلب، وقد تشتد الخشية وتعظم بأسباب: وذلك عند سماع القرآن الكريم قال تعالى :{الله نزلأحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله }الآية. وعند سماع مواعظ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتذكيره ، كما قال العرباض بن سارية رضي الله عنه : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم موعظة ، وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ... ) الحديث . وكما قال حنظلة بن الربيع رضي الله عنه – كاتب الوحي- : (نكون عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ي ذك رنا بالنار والجن ة كأن ا رأي عين ) الحديث . وكما قال أبو هريرة رضي الله عنه : ( يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رق ت قلوبنا ، وزهدنا في الدنيا ) الحديث . وإذا ت م ت الخشية وكملت؛ فإن ذنوب العبد تتحات وتتساقط عنه كتساقط أوراق الشجر ، كما جاء في الحديث عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحات ت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها ] قال المنذري: رواه ابن حبان في (الثواب)، والبيهقي واللفظ له.

عدد الصفحات ٦٨

69 وفي رواية له: قال العباس رضي الله عنه : (كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة ، فهاجت الريح ، فوقع ما كان فيها من ورق نخر ، وبقي ما كان من ورق أخضر . فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ما مثل هذه الشجرة]؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم . فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:مثل المؤمن إذا اقشعر من خشية الله عز وجل وقعت عنه ذنوب ه ، وبقيت له حسناته ] فلا ينبغي للمسلم أن يكون قلبه أشد قسوة من الصخر ، فإن من الصخور القاسية لما يهبط من خشية الله ، قال تعالى :{وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله }. ودمعة العين من خشية الله تعالى تقي صاحبها من النار: عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ثلاثة لا ترى أعينهم النار:َعينَحرست في سبيل الله تعالى ،َوعين بكت من خشية الله تعالى ، وعين فَّت عن محارم الله تعالى] . وعن العباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول[:عينان لا تمسهما النار:َعين بكت في جوف الليل من خشية الله تعالى ، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى ] . ومحبةالعبد لربه تتطلب الخشية من الله تعالى ، والتزام طاعته سبحانه، كما قال القائل رحمه الله تعالى : تعصي الإله وأنت تزعم ح به هذا ل عمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب طيع رواه الطبراني . رواه الطبراني.

عدد الصفحات ٦٩

71 في كل يوم يبتديك بنعمة مِ ن ه، وأنت لشكر ذاك م ضيع الوصفَالخامس :{وجاء بقلب منيب}. إنابة القلب: رجوعه إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص ، والمحبة الكاملة الثابتة في الأقوال والأعمال ، على وجه مستمر دائم . وقد أمر الله تعالى عباده أ ن ي نيبوا إليه عملاً ، قال تعالى :{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له }الآية. وأ ن ينيبوا إليه بالصدق والإخلاص في العمل، قال تعالى :{منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين }الآية. وأن ينيبوا إليه بقلوبهم حباً وإخلاصاً وصدقاً ، على وجه التمكن والثبات ، قال تعالى :{وجاء بقلب منيب}. اللهم اجعلنا من المنيبين إليك يا أرحم الراحمين . قوله تعالى :{وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد}. وذلك أن الله تعالى قر ب الجنة إلى أهلها وهم في المواقف مفتحةً لهم أبوابها ، فصاروا يرونها قريبةً منهم ، وينظرون إلى خ ضارها ونضارها وبهجتها، ويشمون رائحتها الطيبة الجنانية ، فسلا هم ذلك عما فيه أهل الموقف من الحر والأهوال والكربات ، وعم ا يمر على الكفار والعصاة من الشدائد ، فتهب عليهم خاصةً نسماتها ، ويقع في قلوبهم أ ن هم ع م ا قريب سيدخلونها ، فارتاحوا لذلك . ولذلك جاء في الحديث ، عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام ، واللهِ لا يجدها : عاق ، ولا قاطع رحم ]رواه الطبراني وغيره. وأما الكفار والغاوون فإن هم ت قرب إليهم الجحيم ، وتبرز إليهم، فيزدادون بذلك ك رباً على كرب .

عدد الصفحات ٧٠

71 قال تعالى:{وأزلفت الجنة للمتقين. وبرزت الجحيم للغاوين }كما في سورة الشعراء . وقال الله تعالى :{وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى }الآيات. روى مسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك ي جر ونها ]رواه الترمذي وغيره. وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:أوقد على النار ألف سنة حتى احمر ت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أ وقد عليها ألف سنة حتى اسودت ؛ فهي سوداء مظلمة ]رواه الترمذي وغيره . وكان عمر رضي الله عنه يقول : ( أكثروا ذكر النار ، فإن حر ها شديد ، وقعرها بعيد، ومقامعها حديد ). قوله تعالى :{ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود}. أي: ادخلوا الجنة، وقد فتحت لكم أبوابها ، فتحها لكم الفاتح الأول، وهو السيد الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما جاء في الحديث ، الذي رواه مسلم وأحمد وغيرهما ، عن أنس رضي الله عنه تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن : م ن أنت ؟ فأقول : محمد ، فيقول: بِ ك أ مِ رت أن لا أفتح لأحد قبلك ] {ادخلوها بسلام}أي: ادخلوها حال كونكم متلبسين بالسلامة من العذاب والهموم والغموم والكروب ، وآمنين من المخاوف كل ها ، فلا خوف عليكم في المستقبل ، ولا أنتم تحزنون على شيء مضى، ومتلبسين بسلام من الله تعالى وتحية، ومن ملائكته الكرام ، فهم في سلامة وسلام ، وتحيات وإكرام ، سالمون من كل هم وكرب .

عدد الصفحات ٧١

72 ولذلك جاء في الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:إذا دخل أهل الجنةِ الجنة ينادي مناد : إن لكم أ ن ت صح وا فلا ت سقموا أبداً ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وإن لكم أ ن تشب وا فلا تهرموا أبداً ، وإن لكم أ ن تنعموا فلا تبأسوا أبداً ، وذلك قول الله تعالى :{ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}.] ويناديهم الحق جل جلاله:{يا عبادخوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}. كما أن التسليمات والتحيات الإلهية تتوالى عليهم من الله تعالى ، وتتوالى عليهم من الملائكة . قال الله تعالى :{تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً}أي: سلام دائم يتوارد عليهم من الله تعالى . وقال تعالى:{سلام قولاً من رب رحيم}فهو سلام عظيم صادرمن رب العالمين إلى أهل الجنة . روى ابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة ، هو قوله تعالى :{سلام قولاً من رب رحيم }. فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه جل وع ، حتى يحتجب عنهم سبحانه ، وتبقى بركته ونوره ] . وهكذا ملائكة الله تعالى تحيي أهل الجنة عند اللقاء والقدوم ، كما قال سبحانه :{حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين }. قال في(الترغيب) رواه مسلم والترمذي. قال الحافظ المنذري : هذا لفظ ابن ماجه ، والآخر بنحوه .

عدد الصفحات ٧٢

73 وقال تعالى:{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار }. فالجنة طيبة، وفيها أنواع الطيبات ، والطيبات للطيبين ، والجنة مجمع الطيبين الأخيار، وأطيبهم بل ومطي بهم هو سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساكن طيبة ، فإنها طابة الله التي شرفها الله تعالى به صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قد شر ف الله أرضاً أنت ساكنها وشر ف الناس إذ سو اك إنسانا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك هو أول م ن يدخل الجنة والطيبون وراءه ، فإذا دخل أهل الجنةِ الجنة ، وأخذوا مكانهم في قصورهم ، تواردت عليهم الملائكة عليهم السلام ليهنئوهم ويسموا عليهم ، ويحي وهم بعد الاستئذان والدخول عليهم . قال تعالى :{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}. قال أبو أمامة رضي الله عنه: ( إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة ، وعنده سماطان – أي: صفان – من خدم ، وعند طرف السماطين باب م بو ب، ف ي ق بل الم ل ك من ملائكة الله تعالى فيستأذن ؛ فيقول للذي يليه : ملك يستأذن ، ويقول الذي يليه للذي يليه : م لك يستأذن حتى يبل غ المؤمن فيقول : ائذنوا له ، فيقول أقربهم للمؤمن : ائذنوا له حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له ، فيدخل فيسلم ثم ينصرف ) . قوله تعالى :{ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود }. والمعنى أن ذلك اليوم هو يوم الخلود الأبدي الذي لا موت فيه ولا نفاد له ، وأما الأيام التي مضت عليهم في الدنيا فتلك أيام فانية منقضية . رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم وعبد الله بن المبارك بأسانيدهم .

عدد الصفحات ٧٣

74 ولذلك إذا دخل أهل الجنةِ الجنة َ ب ش روا بالخلود الأبدي والبقاء، لأن النعيم إذا كان زائلاً فإنه ليس بنعيم خالص ، بل يبقى هناك غ م وخوف بسبب زواله ولو بعد حين . وأما النعيم الأبدي فإن ه نعيم على نعيم ، فالأبدية في النعيم تزيد المنع م عليه نعيماً فوق نعيم ، وفرحاً شديداً فوق كل فرح . ولذلك جاء في الحديث ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : {وأنذرهم يوم الحسرة}وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:يؤتى بالموت كأنه كبش أملح ، حتى ي وقف على السور بين الجنة والنار . فيقال : يا أهل الجنة ؛ فيشرئب ون . ويقال : يا أهل النار ؛ فيشرئب ون . فيقال : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت . فيضجع ويذبح ] قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم[ :فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحاً ، ولولا أن الله قضى لأهل النار بالحياة والبقاء لماتوا ترحاً ] رواه الشيخان وأحمد. ورواه الترمذي وصححه ، وهذا الذي تقدم لفظ ه . وعند البخاري : ثم قرأ : {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا– أي : هم كفار أهل الدنيا – {وهم يؤمنون } . أي: يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه. الترح ضد الفرح.

عدد الصفحات ٧٤

75 وهذا دليل صريح على أن المراد بقوله:{وهم في غفلة}هم الكفارالذين لا يؤمنون بالآخرة والحساب، فجاء بالآية بعد ذكر الحديث . أي: بعد ما بين صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثه جاء بالآية الكريمة ليبين أن حديثه السابق هو تفسير للآية الكريمة . ففي ذلك اليوم يتحسر أهل النار وهم الكفار أشد الحسرات ، فإن هم لما دخلوا النار ظنوا أنهم ي عذبون فيها مدة ثم ت هلكهم النار وتفنيهم بالموت ، فإذا بالموت قد ذ بح ومات ، فلا موت ، فيزداد العذاب عذاباً ، وهو أنهم أيقنوا أنهم مؤبدون. وأما أهل الجنة فأيقنوا بأبدية نعيمهم ، ونعيمهم نعيم لا يتصوره أحد، فلولا أ ن الموت قد ذ بح لمات أهل الجنة من شدة فرحهم بأبدية نعيمهم، وبقائهم في الجنة، في جوار ذي الجلال والإكرام، والط و ل والإنعام . اللهم اجعلنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين – اللهم آمين . وقد جاء في كثير من الآيات يبين الله تعالى فيها خلود أهل الجنة على وجه مؤبد ، ليستبشروا وليفرحوا بهذا الفضل الكبير، والأجر العظيم الذي لا ينتهي ، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ألا إن سلعة الله غالية و ألا إن سِ لعة الله الجن ة ]أي: فليستعدوا ، وليشمروا لها، وليعملوا لأجل الفوز بها ، ففي ذلك فليتنافس المتنافسون ، ولمثل هذا فليعمل العاملون . جاء في الحديث ، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ألا هل مش م ر للجنة ، فإن الجنة لا ح ظ ر لها ، هي ورب الكعبة ن ور يتلألأ ، وريحانة ت هت ز ، وقصور مشي دة ، ونهر مط رد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وح ل ل كثيرة ، وم قام في أبد ، في دار سليمة ، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة ، في محلة عالية بهي ة] قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشم رون لها . قوله :{وهم في غفلة}فسر بهؤلاء ليشير إليهم ، بياناً لكونهم أهل الدنيا ، إذ الآخرة ليست دار غفلة . اهـ . كما في شرح العيني .

عدد الصفحات ٧٥

76 قال: [قولوا: إن شاء الله ]،فقالوا [ إن شاء . فقد حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على التشمير للجنة ، والسعي لدخولها ، وذلك بالأعمال الصالحة ، والكلمات الطيبة ، قال تعالى : { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}. *قولهَ:َتعالىَ:َ{لهمَماَيشاءونَفيهاَولديناَمىيدَ}.ََ أما قوله تعالى : {لهم ما يشاءون فيها}فكل واحد من أهل الجنة يطلب وي سأل على حسب ما عنده من العلم بما هنالك ، وعلى حسب ما يرغب ويهوى ، وإذا فكرت في أقل أهل الجنة درجة ؛ وآخرهم دخولاً الجنة وخروجاً من النار لم ا دخل الجنة ؛ ماذا أعطي من الكرم الإلهي ، علمت ما هنالك من الفضل الكبير والأجر العظيم ، والكرم الإلهي الذي لا ينف د ولا ينقطع . فقد جاء في ( الصحيحين ) [ :أن الله تعالى لآخر أهل الجنة دخولاً الجنة : ت م ن ، فيتمنى ، ويقول له : تمن ، فيتمنى . حتى إذا انقطعت به الأماني قال : فيقول الله تعالى : ت م ن كذا ، ت م ن كذا – ي ذك ره ربه – حتى إذا انتهت به أمنيته ،قال الله تعالى : لك ذلك وعشرة أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسك ولذ ت عينك ] وجاءفي رواية ( مسند ) أحمد [ :فيقول الله عز وجل: س ل و ت م ن ه ، فيسأل ويتمنى مقدار ثلاثة أيام من أيام الدنيا ، و ي لقنه الله تعالى ما لا علم له به ، فيسأل ويتمنى ، فإذا فرغ قال الله تعالى : لك ما سألت وعشرة أمثاله معه ] فإذا كان هذانعيم وجزاء أقل أهل الجنة ، فما ظنك بمن هو فوقه وهكذا ... قال في ( الترغيب ) : رواه ابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، والبزار ، وابن حبان في ( صحيحه ) والبيهقي وأجاب عن سنده . اه. عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وجاء أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، والحديث طويل ذكرت طرفه الأخير وهو موضع الاستدلال ، وأما تمام الحديث فهو مذكور في كتاب : (الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها).

عدد الصفحات ٧٦

77 نسألك يا رب ذلكمن فضلك وكرمك الواسع ، بجاه حبيبك الأكرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومرافقته في الجنة – آمين . قوله تعالى : {ولدينا مزيد}. والمعنى: أ ن لهم ما يشاؤون ويتمنون ، ولدينا مزيد عطاء لهم كرماً منا وفضلاً ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وذلك يشمل أنواعاً من العطاء ، ومن التجليات الرضوانية ، ومن التجليات بالرؤية العيانية ، والتحيات الإلهية ، وهو سبحانه لا يزال يقول : {ولدينا مزيد }. روى الشيخان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :قال تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ] ثم قرأ قول الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } . فمهما تصور الإنسان من نعيم وعطاء وكرم فالأمر أعظم من ذلك . وفي الحديث ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :وإذا دخل أهل الجنةِ الجنة يقول الله تعالى : يا أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيت نا ما لم ت عط أحداً من خلقك . فيقول : أحِ ل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ] وهكذا يتجلى عليهم بالرؤية العيانية ، ويحييهم وي ح ي ونه . قال تعالى : {تحيتهم يوم يلقونه سلام} . وقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة } .

عدد الصفحات ٧٧

78 جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره، عن صهيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [إذا دخل أهل الجنةِ الجنة يقول الله تعالى : يا أهل الجنة أتريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : ألم ت ب ي ض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، ألم تنجنا من النار }؟ قال [:في كش ف الحجاب ، فما أ عط وا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ]ثم قرأ: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}الآية. وهذه الرؤية العامة لجميع أهل الجنة تكون يوم الجمعة ، ولذلك يسمى يوم المزيد ، كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :أتاني جبريل وفي يده مرآة بيضاء ، فيها نكتة سوداء ، فقلت : ما هذه يا جبريل ؟ قال : هذه الجمعة يعرضها عليك ربك ، لتكون لك عيداً ولقومك من بعدك ، تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى بعدك . قال : وما لنا فيها ؟ قال [: لكم فيها خير، فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له ، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ] فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلت[:لِم تدعونه يوم المزيد ]؟ قال جبريل عليه السلام [:إن ربك اتخذ في الجنة وادياً أفيح من المسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة نزل الله من عليين على كرسيه ، حتى ح ف الكرسي بمنابر من نور ، وجاء النبيون حتى يجلسوا عليها ، ثم حف المنابر بكراسي من ذهب ، ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها ، ثم يجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثيب ، فيتجل ى لهم ربهم تبارك وتعالى حتى ينظروا إلى وجهه سبحانه . ويقول الله تعالى : أنا الذي قد صدقتكم وعدي ، فسلوني . فيسألونه الر ضا.

عدد الصفحات ٧٨

79 فيقول الله عز وجل: رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي . فسلوني . فيسألونه حتى تنتهي رغ بتهم . فيفتح لهم عند ذلك : ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ] الحديث. فهم ي حبون يوم الجمعة لِ ما يعطيهم فيه رب هم من الخير. وأما تجلياته بالرؤية الخاصة فهي في سائر أي ام الأسبوع ، وهي على مراتب أهل الخصوص . وفي الحديث ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه تبارك وتعالى غ دوةً وعشي اً ] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:{وجوه يومئذ ناضرة .إلى ربها ناظرة } . ورواه الإمام أحمد مختصراً: قال [ :إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ] ورضي الله تعالى عن ابن الفارض القائل: فيا رب بالخل الحبيب محمد رسولك وهو السيد المتواضع أنلنا مع الأحباب رؤيتك التي إليها قلوب الأولياء تسارع فبابك مقصود وفضلك زائد وجودك موجود وعفوك واسع رواه الطبراني ، وابن أبي شيبة ، والبزار، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير، وابن مردويه ، والإمام الشافعي في (الأم)، والبيهقي في ( الرؤية) من طرق جيدة. قال في ( الترغيب) : رواه الترمذي وأبو يعلى ، والطبراني والبيهقي .

عدد الصفحات ٧٩

81 الجنة هي دار الكرامة في جوار أكرم الأكرمين ذي الجلال والإكرام ي فيض عليهم من فضله ، ويجود عليهم من كرمه إلى حيث لا نهاية ولا انقطاع ولا نفاد، قال تعالى :{هذا ما توعدون ليوم الحساب. إن هذا لرزقنا ما له من نفاد }. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:لما خلق جنة الله عدن بيده، ودل ى فيها ثمارها، وشق أنهارها، ثم نظر إليها فقال لها : تكل مي . فقالت:{قد أفلح المؤمنون}. فقال: وعز تي وجلالي لا ي جاورني فيكِ بخيل ] . ورواه ابن أبي الدنيا بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من د ر ة بيضاء ، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء ، مِ لاطها مسك، وحشيشها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها العنبر. ثم قال لها : انطقي . قالت :{قد أفلح المؤمنون}. فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ولا يجاورني فيك بخيل ] ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:{ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }أي: الذين ظفروا بالخير العظيم . فصفة البخل هي ذميمة قبيحة، ي بغضها الله تعالى ولا يرضاها، ولذلك جاء في حديث الترمذي ، يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : [السخي قريب من الله تعالى ، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار . رواه الترمذي، وأبو يعلى ، والطبراني ، والبيهقي.

عدد الصفحات ٨٠