المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة ق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٤ من ٨

49 وقالتعالى :{يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم }أي: فرحين مستبشرين، ومعلنين ذلك على مرأى الأشهاد {ولا يظلمون فتيلاً}. وإن ََ انتَأعمالًَسيئة ، سيء وجهه وكرب لذلك، وأخذ يتلو م ويتحس ر. قال الله تعالى :{وأما من أوتي كتابهبشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه . ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ماليه . هلك عني سلطانيه}. رابعاًَ : أ ن توضع كتب الفجار وما اشتملت عليه من قبائح وفضائح ، وسيئات وه ن ات ، في ديوان سج ين أسفل سافلين ، وتتوارد عليهم الويلات واللعنات . وترفع كتب الأبرار وما احتوت عليه من أعمال الطاعات والحسنات والخيرات إلى ديوان عليين ، ليشهدها المقر بون من الملائكة ، والأرواح العالية ، ومقر بو كل سماء ، وهناك ي ثنى على أصحابها ، وينشر فضلهم ، ويعلو ذكرهم وت شهد كرامتهم ، وي ذكر فعلهم . قال الله تعالى : {كلا إن كتاب الفجارلفي سجين . وما أدراك ما سجين . كتاب مرقوم .ويل يومئذ للمكذبين }إلى قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين . وما أدراك ما عليون . كتاب مرقوم . يشهده المقربون }. خامساًَ: أ ن يوضع الكتاب يوم القيامة للحساب : قال تعالى : {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيهويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً }. أي: برسولهم ، أو دينهم، أو كتابهم الذي جاء به نبيهم ، فيقال : يا أتباع النبي فلان ، ويا أهل دين كذا ، ويا أهل كتاب كذا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالإمام هنا متبوعهم في الدنيا ، الذي اتبعوه في الخير أو في الشر ، في الهدى أو في الضلال .

عدد الصفحات ٤٩

51 وقال تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربهاووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهو لا يظلمون }. والمعنى أن أرض الموقف أشرقت بنور ربها ل م ا تجلى سبحانه لفصل القضاء بين الخلائق ، وهناك حق ت الحقائق ، وبرزت الدقائق، وب َليت السرائر ، وظهرت الضمائر ، فعلمت كل نفس ما أحضرت . وقوله تعالى : {ووضع الكتاب}قال كثير منالمفسرين : المراد بهذا الكتاب ك تب أعمال العباد ، و {ال}فيه للاستغراق، والمراد بوضعه : جعل كل كتاب في يد صاحبه ، اليمين أو الشمال ، أو جعل كل كتاب في ميزان صاحبه . وذهب بعض المحققين إلى أن المراد بهذا الكتاب هنا : كتاب واحد جامع لجميع أعمال العباد يوضع للحساب . قال العلامة اللقاني في بعض شروحه على الجوهرة : جزم الغزالي رضي الله عنه بما قيل : إن صحف العباد ي نسخ – أي : يكتب – ما في جميعها في صحيفة واحدة . اهـ . قال في ( روح المعاني ) : والظاهر أن جزم الغزالي وأضرابه لا يكون إلا عن أثر ، لأن مثله لا ي قال من قِ بل الرأي كما هو الظاهر . اهـ . أقول : قد بي ن ذلك بعض المحققين من العلماء العارفين ، فذكر أ ن هناك كتابين عظيمين جامعين : أحدهماَ:َيسمىَ:َ(َأ َماًَ) ك تب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فهو كتاب ذو قدر معلوم ، فيه بعض أعيان الممكنات ، وما يتكو ن عنها ويسمى : ( كتاب القضاء ) وهو – أي : القضاء – الحكم الإلهي على الأشياء الممكنة بكذا وكذا . وثانيهما:َيسمىَ(َ تابَالإحصاءَ) قال تعالى : {وكل شيء أحصيناه كتاباً }وقد كتب فيه ما يتكو ن عن المكلفين خاصةً ، فلا تزال الكتابة فيه مستمرةً ما دام التكليف باقياً ، وبه تقوم الحجة لله تعالى على عباده المكلفين ، وبه ي طالبهم ويحاكمهم يوم القيامة ، لا بالكتاب الأول ، وهذا هو

عدد الصفحات ٥٠

51 المراد بقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } الآية . وكلا الكتابين محصور ، لأنه موجود بإيجاده تعالى ، وأما علم الله تعالى في الأشياء فلا يحصره كتاب مرقوم ، ولا يسعه ر ق منشور ، ولا لوح محفوظ ، ولا يسطره ق لم أعلى . اهـ . ومنَجملةَالشهداءَالذينَيشهدونَيومَالقيامةَعلىَالعباد : الكرام الكاتبون ، يشهدون على النفس الموكلين عليها . قال تعالى : {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}. وروى مسلم، عن أنس رضي الله عنه قال : ضحك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال [ :هل تدرون مم أضحك ]؟ قلنا: الله ورسوله أعلم . قال [ :مِن مخاطبة العبد رب ه . فيقول : يا رب ألم ت جرني من الظلم ؟ فيقول : بلى . فيقول – العبد - : إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا مني . فيقول : تعالى - : كفى بنفسِ ك اليوم عليك حسيباً ، والكرامِ الكاتبين عليك شهوداً . قال : فيختم على فيه – أي : فمه – ويقال لأركانه – أعضائه – : انط قي ، فتنطق بعمله . ثم ي خل ى بينه وبين الكلام ، فيقول : ب عداً لك ن وس حقاً ، فعنك ن كنت أناضل ] أي: أجادل وأدافع . َََََََََََََموقفَالعبدَبومَالقيامةََ ََََََََََََََََََمنَ تابهَو َت َابهَ

عدد الصفحات ٥١

52 إذا نشرت صحف الأعمال وشهد على ذلك الكرام الكاتبون : أقر العبد بذلك ، وأيقن بصدق الملائكة الكتبة وثقتهم ، ولم يجد سبيلاً إلى الإنكار ولا الاعتذار، ولا للطعن في الشهداء لأنهم عدول أخيار ، كما ورد في حديث البطاقة [:إن الله تعالى يقول للعبد : أتنكر من هذا شيئاً ؟ أ ظ ل م ك كتبتي الحافظون ؟ فيقول: لا يا رب . فيقول: أ ف لك عذر ؟ فيقول: لا يا رب ] ...الحديث. وكيف يستطيع العبد يوم القيامة أ ن ينكر أعماله التي صدرت منه في الدنيا، والحال ق د نطق بها كتابه ، قال تعالى :{ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون}. أم كيف ينكر العبد أعماله وقد وجدها حاضرةً أمامه؟ قال تعالى :{ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً}. وقال تعالى:{يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ..}الآية. بل كيف ينكر العبد أعماله وقد ارتسخت آثارها في لوح نفسه ،فهو يشهدها بحسه ، قال تعالى :{كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. *قولهَتعالىَ:{وجاءتَس رةَالموتَبالحقَذلكَماَ نتَمنهَتحيدَ.َ ونفخَفيَالصورَذلكَيومَالوعيدَ.َوجاءتَ لَنفسَمعهاَسائقَوشهيد.َ لقدَ نتَفيَغفلةَمنَهذاَف شفناَعنكَغطاءكَفبصركَاليومَحديدَ}.َ ي خبر سبحانه عن القيامة الصغرى ، وهي موت الإنسان ؛ والكبرى وهي قيام الناس لرب العالمين، وأن الإنسان المنكر للآخرة والحساب تأتيه سكرة الموت بالحق الذي كان ينكره ويجحد به ، ويحيد ويميل عنه، فيلاقي

عدد الصفحات ٥٢

53 عند الموت ويعاين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويعاين الآخرة . ثم ي نفخ في الصور –وهو: مجمع الأرواح في عالم البرزخ- ثم تجيء كل نفس ومعها سائق من الملائكة يسوقها ، وشهيد من الملائكة يشهد عليها . ويقال للإنسان الكافر الذي كان في الدنيا ي نكر الآخرة والحشر ، يقال له:{ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}. أي: حاد نافذ ، يبصر ما ل م يكن ي بصره من قبل ، لأن الغطاء قد ك شف عنه ، فانتبه واستيقظ ، كما يكشف غطاء النوم عن النائم فينتبه ويستيقظ ، ويرى ما لم يره قبل إفاقته. *قولهَتعالىَ:{وقالَقرينهَهذاَماَلديَعتيد}. يخبر سبحانه أ ن قرينه الذي ق رن به في الدنيا من الملائكة عليهم السلام يقول لما ي حض ر الذي وكل به : هذا الذي كنت وكلتني به في الدنيا يا رب ، قد أحضرته وأتيتك به. وفي الحديث ، يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ما مِن كم من أحد إلا وقد و ك ل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة ] قالوا: وإياك يا رسول الله ؟ قال[:وإياي؛ إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ، فلا يأم رني إلا بخير ] رواه مسلم وغيره. وقال بعض العلماء : الذي يقول:{هذا ما لدي عتيد}هم الكرام الكاتبون من الملائكة كل منهم يقول ذلك . وبعد ذلك يقال لهم –{أي: للملائكة الكرام الكاتبين عن اليمين وعن الشمال يقال لهم –{ألقيا في جهنم كل كفار عنيد}. وتفصيل البحث حول الكرام الكاتبين، وما يكتبونه ، ووظيفتهم المنوطة بالإنسان، قد بينت ذلك في كتاب : ( الإيمان بالملائكة عليهم السلام ) فارجع إليه فإنك تجد أيضاً تفصيل الكلام على القرين الملكي والقرين الجني . اهـ.

عدد الصفحات ٥٣

54 هذا خطاب للسائق والشهيد الموكلين به، أو أن هذا الخطاب للملك الموكل بتعذيب الكافر وسوقه إلى جهنم . وجيء بقوله :{ألقيا}بناء على أن الألف بدل عن نون التوكيد، إجراءً للوصل مجرى الوقف ، أو من باب تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل، بأن يكون أصله : ألقِ ، ألقِ ؛ فثنى الضمير ليدل على ذلك ، كما قال الشاعر: فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر وإن تدعاني أ ح مِ عرضاً ممن عا أو هذا من باب مخاطبة الواحد خطاب الاثنين ، وهو كثير في لغة العرب كقولهم : يا خليلي وصاحبي واسعدا وقفا ... إلخ . *قولهَتعالىَ:{ألقياَفيَجهنمَ لَ فارَعنيدَ.َمناعَللخيرَمعتدَمريبَ.َ الذيَجعلَمعَاللهَإلهاًَآخرَفألقياهَفيَالعذابَالشديدَ}.َ هذه ست صفات ذكرها الله تعالى عن الم لقى في جهنم ، وصفها سبحانه ليتباعد المسلم عن كل واحدة منها، فإن كل واحدة ت نافي الإسلام ، وت ضر بالإيمان وتفسده . الصفةَالأولى:أن ه {كفار}لنعم الله تعالى، وحقوقه عليه، فهو ك ف ار بدينه وبتوحيده سبحانه، وكف ار برسله وملائكته عليهم الصلاة والسلام ، وكف ار بكتب الله تعالى ، وكف ار بلقائه ربه، ولذلك و صف بالكفر بصيغة المبالغة وهي : فع ال. الصفةَالثانية :{عنيد}أي: معاند للحق، يدفعه ولا يقبله، جحوداً وعناداً ، مع أن ه يعلم جزماً أ ن ه الحق كما قال سبحانه : في كفار قريش :{فإنهم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }. والمعنى: أنهم يعلمون صدقك يا رسول الله ، ويعلمون أن الآيات التي جئت بها هي من عند الله تعالى ؛ ولكن الظالمين يجحدون وينكرون بعد علمهم عناداً وكبراً .

عدد الصفحات ٥٤

55 ومن المعلوم أن العنيد هو كالحديد لا ت لين قسوته وصلابته إلا نار الوعيد والعذاب الشديد . وقال سبحانه : في فرعون وقومه لما جاءهم موسى عليه السلام بالآيات البينة :{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين }. والعناد هو الداء الأكبر الذي يصد كثيرا ًَ من الن اس عن قبول الحق ، والاعتراف به بعد ما عرفوه. َالصفةَالثالثة :{مناع للخير}فهذا الذي أمر بإلقائه في النار وهو الإنسان الكافر ، هو مناع للخير أ ن يصل إلى نفسه ، وأ ن يصل إلى بني جنسه، فهو لا ي حسن إلى نفسه بفعل الخيرات، وعمل الطاعات ، والقيام بالعبادات والقربات إلى الله تعالى ، ولا ي حسن إلى عباد الله تعالى بالإحسان إليهم بماله، أو حاله، أو قاله، أو جاهه، وهذا يتنافى مع الإيمان ويناقضه ، فإن الإيمان يتطلب الإحسان إلى بني جنسه ؛ بل إلى الحيوان ، ويتطلب أ ن يوصل الخير لغيره ما استطاع ، وأن ي حسن إلى الضعفاء والمساكين ، ويسعى في قضاء حاجات المحتاجين . قال الله تعالى :{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}. وقال تعالى:{يا أيها الذين آمونا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }. فانظر يا أخي كيف أمر الله تعالى أولاً بعبادته لأنها حق الله تعالى على عباده، ثم أمر بفعل الخير إلى العباد؛ فإن ه حق العباد على بعضهم ، فافهم ذلك فإن الله تعالى سوف يسألك عن ذلك . وفي الحديث ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [:المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا ي سلمه ، م ن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، وم ن فر ج عن مسلم كربة فرج الله أي: لا يسلمه ويتركه إلى الأعداء ، بل يدفع عنه الأذى والعدوان .

عدد الصفحات ٥٥

56 عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ] رواه الشيخان وأبو داود. وفي حديث مسلم في رواية له [:والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ] وروى الطبراني، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن لله عند أقوام نِ عماً أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم ي م ل و هم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم ] وروى الترمذي وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيدي وقال [:اتقِ المحارم تكن : أعبد الناس ؛ وارض بما قسم الله لك تكن : أغنى الناس ؛ وأحسِ ن إلى جارك تكن : مؤمناً ؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن : مسلماً ؛ ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ] فالإنفاق من الخير يزيد في الخير ويبقيه، وترك الإنفاق يؤدي إلى الهلاك والنفاق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [: ما من عبد أنعم الله عليه فأسبغها عليه، ثم جعل حوائج الناس إليه فتبر م – أي: تضجر- فقد عر ض تلك النعمة للزوال ]قال المنذري : رواه الطبراني بسند جيد . وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [:من مشى في حاجةأخيه كان خيراً من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق ، كل خندق أبعد ما بين الخافقين] قال المنذري: رواه الطبراني في (الأوسط) ، والحاكم وقال: صحيح الإسناد إلا أنه قال: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته – وأشار بأصبعه- أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين ]

عدد الصفحات ٥٦

57 وعن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:من مشى في حاجة أخيه حتى يقضيها له أظله عز وجل بخمسة وسبعين ألف ملك ، ي ص ل ون له ويدعون له ؛ إن كان صباحاً حتى يمسي ، وإن كان مساءً حتى يصبح ، ولا ي رفع قدماً إلا ح ط الله عنه بها خطيئة ، ورفع له بها درجة]رواه أبو الشيخ وغيره. وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:يخر ج خلق من أهل النار، فيمر الرجل بالرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان أما تعرفني ؟ فيقول: ومن أنت؟ فيقول: أنا الذي استوهبتني قرضاً فوهبته لك؛ في ش ف ع فيه. ويمر الرجل فيقول: يا فلان أما تعرفني ؟ فيقول: ومن أنت؟ فيقول: أنا الذي بعثتني في حاجة كذا وكذا فقضيتها لك ؛ فيش ف ع له ف ي ش ف ع فيه ] . وعن السيدة عائشة رضي الله عنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر ، أو تيسير عسير؛ أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ] . ورواه الطبراني –أيضاً - في (الصغير والأوسط) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ : من كان وصلة لأخيه إلى ذي سلطان في مبلغ بِر ، أو إدخال سرور ؛رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة ] رواه ابن أبي الدنيا باختصار، وابن ماجه، والأصبهاني واللفظ له . رواه الطبراني في (الصغير والأوسط) وابن حبان في (صحيحه).

عدد الصفحات ٥٧

58 فالوساطة إلى ذي السلطان في تبليغه أمراً فيه بر وخير ، أو تيسير عسير، أو رفع مكروه ذلك أمر مأجور عليه . وروي عن سيدنا الحسن ابن سيدنا علي عليهما السلام ، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[:إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ] . وروي عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً [:أفضل الأعمال إدخالك السرور على المؤمن : كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة ] . وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم : تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطرد عنه جوعاً . ولأ ن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني : مسجد المدينة – شهراً . ومن كظم غيظه ولو شاء أن ي مضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضىً . وم ن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثب ت الله قدميه يوم تزول الأقدام ]3. رواه الطبراني في(الكبير والأوسط). رواه الطبراني في (الأوسط)، ورواه أبو الشيخ ولفظه [:أحب الأعمال إلى تعالى سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جزعاً ،أو تقضي عنه ديناً ] 3 رواهالأصبهاني واللفظ له ، ورواه ابن أبي الدنيا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يسمه.

عدد الصفحات ٥٨

59 *قولهَتعالىَ:{قالَقرينهَربناَماَأطغيتهَول نَ انَفيَضلالَبعيدَ.َقالَ لَتختصمواَلديَوقدَقدمتَإلي مَبالوعيد.َماَيبدلَالقولَلديَوماَأناَ بظلامَللعبيدَ.َيومَنقولَلجهنمَهلَامتلأتَوتقولَهلَمنَمىيدَ}. يجري الخصام بين الكافر وبين قرينه الشيطان المقيض له، فيلقي الكافر التبعة على القرين ، فيتبرأ القرين ، ويقول:{ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}أي: هو ض ل عن سبيل الهدى ؛ وسلك سبيل الردى . فيرد الله تعالى عليهما بقوله :{لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي}من أن الرجل الكافر جزاؤه جهنم حقاً {وما أنا بظلام للعبيد }. {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}. فيه بيان أن ه سبحانه سيملأ جهنم كما أخبر بذلك ؛ بقوله لإبليس : {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}. روى الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:تحاجت الجن ة والنار . فقالت النار : أ وثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وس ق ط هم . فقال الله تعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي . وقال للنار. أنت عذابي أ عذ ب بك من أشاء من عبادي . ولكل واحدة منكما ملؤها . فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه ، فهنالك تمتلئ و ي ز وى بعضها إلى بعض ، وتقول : قط قط . وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة ] قوله تعالى:{يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}.

عدد الصفحات ٥٩

61 هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات الكريمة التي يخبر الله تعالى فيها عن جهنم وأوصافها ، وأنواع العذاب فيها، ذلك كل ه يوجب على العاقل الإيمان بذلك كله بلا ريب. فيؤمن أن جهنم حق، وأن عذابها هو بحق ليس بظلم، وأن عذابها هو عذاب أليم محقق الوقوع –ليس من باب التمثيل أو التخييل أو التوهيم- فيخاف المؤمن من عذابها ، ويستعيذ بالله تعالى منها، ويتقي الله تعالى حتى يقيه منها ويحفظه. أماَأولًَ : فإن جهنم هي حق- أي: هي عالم حقيقي – وهي موجودة . قال تعالى :{واتقوا النار التي أعدت للكافرين}فقد أعدها الله تعالى منذ خلقها للكافرين ، فإنهم مؤبدون فيها. وقال تعالى – في فرعون -:{النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }. فهم الآن يعرضون عليها وهم في البرزخ ، وهذا دليل وجودها. قال تعالى :{وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً }. فالنار مخلوقة، وقد أعدها الله تعالى للكفار ، وأعد لهم فيها ألواناً من العذاب . وفي الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :- في حديث التهجد – [أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، والساعة حق ]...الحديث. وروى أصحاب السنن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:لم ا خلق الله الجن ة قال لجبريل : اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها .

عدد الصفحات ٦٠

61 فلما رجع قال: وعز تك لا ي سمع بها أحد إلا د خلها ، فحف ها الله تعالى بالمكاره ]أي: التكاليف الشرعية ، فإن النفوس الفاسدة تستثقلها ، قال تعالى :- في الصلاة – {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}. [ ثم قال الله تعالى لجبريل: اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها فقال : وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد . ولما خلق الله تعالى النار قال لجبريل : اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها . فلما رجع قال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها . فحف ها الله تعالى بالشهوات . ثم قال لجبريل : اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها ، فلما رجع قال: وعزتك لقد خ شيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ]الحديث. وقد ذكرته في مناسبات متعددة ، وشرحته في غير هذا الموضع . فهذا الحديث صريح في خلق الجنة والنار ووجودهما . وأماَثانياًَ : فإن عذاب جهنم عذاب أليم ، كما وصفه الله تعالى – أي: عذاب مؤلم حقيقة – أعاذنا الله تعالى منها. آمين . وتقدم قوله تعالى : - في أصحاب النار-{وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً }. فعذاب يشوي الوجوه تالله إنه عذاب أليم . وقال تعالى :{هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم . يصهر به ما في بطونهم والجلود . ولهم مقامع من حديد . كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق }. فهذه الآيات صريحة في أن عذاب جهنم هو عذاب حقاً وحقيقة واقعية ، ليس من باب التوهم والتخويف من أمر خيالي .

عدد الصفحات ٦١

62 وقال تعالى:{إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً }. فعذاب جهنم تنضج منه الجلود ، و ي بدلون جلوداً غيرها وهكذا، والله عزيز حكيم يتصرف بالحكمة ، فلا ظلم ولا جور، بل بالحق والحكمة، جزاءً بما كانوا يعملون . روى مسلم وغيره، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، في صبغ في النار صبغةً ، ثم يقال له : يا بن آدم هل رأيت نعيماً قط – أي: هل مر بك في الدنيا التي كنت فيها ، هل مر بك خير قط ؟-. فيقول: لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيوضع في الجنة . فيقال له : يا بن آدم هل رأيت بؤسأ قط، هل مر بك – أي: في الدنيا – من شدة قط ؟. فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ، ولا رأيت شدة] فبغمسة واحدة غمسها في عذاب جهنم نسي نعيم الدنيا كله . إذاً والله إن عذاب جهنم عذاب أليم. وروى الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:اشتكت النار إلى ربها فقالت : أي رب ، أكل بعضي بعضاً . فأذن لها نفيسين : نفساً في الشتاء ، ونفساً في الصيف . فهو أشد ما تجدونه من الحر ، وأشد ما تجدونه من الزمهرير ] فأشد حر يأتي على أهل الأرض هو نفس واحد من أنفاس جهنم، وأشد برد يعترض وجه الأرض هو نفس واحد من أنفاس جهنم .

عدد الصفحات ٦٢

63 أف ت رى أن الحر والبرد اللذين يأتيان على وجه الأرض هما حقيقة واقعية أ م خيال ؟!!، أم وهم ؟!! كلا بل هو حقيقة . فعذاب جهنم عذاب حقيقي شديد وأليم ؛ أعاذنا الله تعالى منها- آمين . وقال تعالى :-في الكفار –{يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً . هذه النار التي كنتم بها تكذبون . أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون }. روى مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ضِرس الكافر مثل أ ح د ، وغلظ جلده مسيرة ثلاث ] فالكافر الداعية إلى الكفر يعظم جسمه فيجهنم ، ويصير ضرسه مثل جبل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاث ليال، وذلك ليشتد ألمه بالعذاب . ونسأل الله تعالى العافية – آمين. روى الترمذي – وأصله في الصحيحين- عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ، لكل جزء منها حر ها] فنار جهنم حامية. نعم إنها نار الله الم وقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، وعذابها أليم ، ذلك ح ق وحقيقة ليس وهماً ولا تخييلاً . اللهم أجرنا من النار يا عزيز يا غفار – آمين . وقد بين سبحانه أ ن تعذيبه للكفار هو حق وليس بظلم باعترافهم : قال تعالى :{ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }. وقال تعالى:{إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون . وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين .ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون . لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون}.

عدد الصفحات ٦٣

64 ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر أهل الجنة وب ي ن أوصافهم فقال سبحانه :{ وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ . من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود . لهم ما يشاءون ولدينا مزيد }. والمعنى: أن الجنة أزلفت – أي: قربت – لأصحاب الجنة وهم في المحشر ، وصارت على مرأى منهم ومقربة، يرونها ون ض رتها وجمالها، ويشمون ريحها، وبذلك ينعمون ، ويسهل عليهم أمر الموقف وطوله ، ولا يرون له كربات وشدائد كالكفار. ثمَبي َنَسبحانهَأوصافَأهلَالجنةَ:َ الوصفَالأول:َالتقوى وهي : توقي ما يوجب عذاب الله تعالى أو عقابه،أو غضبه، أو عتابه، أو حجابه، وذلك بامتثال ما أمر الله تعالى به، وباجتناب ما نهى الله تعالى عنه . والتقوىَعلىَمراتبَخمسَ:َ -تقوى الكفر بأنواعه. -تقوى المحرمات بأنواعها. 3-تقوى الشبهات والمكروهات بأنواعها. 4-تقوى المباحات التي قد تجر إلى المكروهات أو تحول دون بعض الطاعات. 5-تقوى الله تعالى حق تقاته. وقد فصلت الكلام على هذه المراتب في كتاب : (التقرب إلى الله تعالى ) وكتاب : (صعود الأقوال) فارجع إليهما. الوصفَالثاني : أنَي ونَأوَّاباًَ ،أي: رج اعاً إلى الله تعالى من المعاصي إلى الطاعات ، ومن الغفلة عن الله تعالى إلى ذكره وعبادته ، فيترك أهل الغفلة وي ؤوب إلى ربه.

عدد الصفحات ٦٤