33 فلا فائدة في الجدل مع الجبار العنيد، فإن ه لا ي ستخرج منه العناد إلا بقوة رب العباد ، وأخذه بالعذاب والعقاب ، ومن ثم قال تعالى :{كل كذب الرسل فحق وعيد }. وفي هذا تسليةلرسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإن ه كذبه المشركون وكذبوا بما جاء به من الحق الواضح ، وأنكروا عليه قضية المعاد ، وقد أتاهم بالبراهين القاطعة، والأدلة الساطعة، والحجج الدامغة، والحكمة البالغة:{حكمة بالغة فما تغن النذر}إذاً لا بد لهم من العذاب والعقاب . وفي هذه الآيات الكريمة ي قيم الله تعالى الأدلة القاطعة على حقية وجوده ووحدانيته ، وصدق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : -أولًَ: أنه سبحانه قد أرسل في الأمم الماضية رسلاً ، فأرسل نوحاً إلى قومه، وهوداً إلى عاد، وصالحاً إلى ثمود، وأرسل لوطاً إلى قومه ، وأرسل موسى إلى فرعون وبني إسرائيل ، وهذا أمر ثابت في الكتب السابقة كل ها ، ومعلوم عند العرب والعجم ، وثابت في التواريخ . وجميع تلك الرسل جاؤوا قومهم بالبينات وبالمعجزات ، وأقاموا لهم الحجج والأدلة، فلما عاندوا وعارضوا واستمروا، ح ق عليهم وعيد العقاب فأخذهم بأنواع العذاب . ثم أرسل الله تعالى هذا الرسول الأكرم سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجاء ببينات وآيات ومعجزات؛ هي أعظم بكثير مما جاء به أولئك الرسل الكرام، وجاء بكتاب من عند الله تعالى معجز للأولين والآخرين ، فهو رسول الله حقاً لا يحتمل غير ذلك ، كما قال سبحانه :{ يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين }. فمن آمن به فقد أمن بجميع الرسل، وم ن كفر به فقد كفر بجميع الرسل قبله ، لأنهم ب شروا به، وأخبروا أقوامهم بظهوره، وجاء ذكره في كتبهم . -ثانياًَ: كما أن أولئك الأمم الماضية لما كفر كثير منهم برسلهم استحقوا العذاب، وأ خذوا بالعقاب، كذلك فل ي علم الكفار برسول الله سيدنا محمد صلى
عدد الصفحات ٣٣34 الله عليه وعلى آله وسلم أن ه سوف ينتقم الله تعالى منهم وينصره عليهم لا محالة، وينشر دينه، وتبلغ رسالته المشارق والمغارب ؛ وكان الأمر كذلك ، والحمد لله . -ثالثاًَ: في الآيات الكريمة تقرير قضية الإعادة والحشر بعد الموت الذي قد استبعده المشركون ، فإن الله تعالى له القدرة التي لا نهاية لها، ولا ي عجزه شيء ، فقد أرسل أنواعاً من العذاب على الكفار السابقين ، وظهرت قدرته عليهم، فأخذ قوم نوح بالطوفان، وأرسل الريح على قوم عاد، وأخذ قوم ثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق في البحر الذي نجى الله تعالى منه موسى وقومه. وهكذا فقدرته سبحانه ثابتة وظاهرة في الأكوان ، فكيف يستبعدون عليه الإعادة والحشر بعد الموت ؟ وقد أراهم من آيات القدرة ما ي ثبت ذلك. -رابعاًَ: في الآيات الكريمة تهديد للكفار والمنكرين رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمكذبين بكتابه، فليحذروا أ ن يأخذهم الله تعالى بالعذاب والعقاب . *قولهَتعالىَ:{أفعييناَبالخلقَالأولَبلَهمَفيَلبسَمنَخلقَجديدَ}.َ العي بالأمر هو العجز عنه ، ي قال لكل من عجز عن شيء : ع يِ ي به، وعيي فلان بالأمر إذا عجز ، قال الشاعر : عي وا بأمرهم كما عييت ببيضتها الحمامة قال ابن عباس رضي الله عنه : والمعنى أفعجزنا بالخلق الأول . اهـ؟! والفاء للعطف على مقدر محذوف ، ينبئ عنه العي وهو القصد ، كأنه قيل : أقصدنا وأردنا الخلق الأول وهو بدء الخلق فعجزنا عنه حتى ي توهم عجزنا عن الإعادة والخلق الجديد ؟!! بل هم في التباس من خلق جديد . وفي هذه الآية الكريمة إقامة الدليل النفسي بعد الدليل الآفاقي على أن ه قادر على الإعادة لهذا الخلق ، وذلك أ ن ه لما بدأ الخلق لم ي عي ، فكيف يعجز عن إعادته ثانياً ؟!
عدد الصفحات ٣٤35 فإن كانوا قد عم وا وص م وا عن الأدلة السابقة السماوية والأرضية المرئية؛ فلينظروا في خلق أنسهم ، وليتفكروا في نشأتهم الحاضرة التي هم فيها ، فإن هم الآن يتقلبون في خلق جديد ، يتجدد عليهم في كل آن ، ولكنهم يظنون أ ن هم هم في كل حال ، وأنهم لا ي عتريهم تبديل ولا تغيير، ولا تطوير ولا تخليق جديد، ولكن الأمر في الواقع ليس بذاك ، بل كل في كل حين تفنى منهم أجراء خ ل قية ، وجواهر فردية، وي خلق الله تعالى غيرها ، وي جدد عليهم وجودها وي مدهم .... وهكذا وهكذا. وهذا أمر ظاهر ، فإن الإنسان خلقه الله تعالى أولاً نطفة ، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنيناً ، ثم طفلاً ، ثم مراهقاً ، ثم شاباً ، ثم كهلاً ، ثم شيخاً ، ثم هرماً فانياً ، ومن البديهي لم ينتقل من طور إلى طور دفعة واحدة، بل م ر ت عليه لحظات وساعات فنيت منه أجزاء وتجددت فيه أجزاء أخرى ، شيئاً فشيئاً ، حتى انتقل إلى الطور الثاني وهكذا . لكن لم يتبين للإنسان ذلك حتى مضت مدة طويلة ، فبان الأمر وظهر فيه التطوير والتبديل والتحويل. قال الله تعالى : {ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً}. وقال سبحانه: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين . ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون }. وتأمل في قوله تعالى: {ثم}بين كل طور وطور، فإنها للتراخي كما هو معلوم . ففي الانتقال من طور إلى طور آخر تبديلات وتحويلات بخلقه سبحانه ، كما قال سبحانه : {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق }ولا فرق بين تلك الأطوار التي يطورهم سبحانه فيها ويقلبهم فيها بالنسبة لقدرته تعالى ، ولا ي عجزه شيء من ذلك ، بل جميع ذلك هو عليه يسير ، وهو على جميع ذلك وغير ذلك قدير جل وعلا .
عدد الصفحات ٣٥36 روى الشيخان، عن أبي سعيد رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [ :إن رجلاً ممن كان قبلكم ر غ سه مالاً فقال لبنيه لما ح ضِ ر : - أي : حضره الموت – أي أب كنت لكم ؟ قالوا : خير أب . قال لهم : إن ي لم أعمل خيراً قط ، فإذا مت فاحرقوني ، ثم اسحقوني ، ثم ذ ر وني في ريح عاصف ؛ ففعلوا . فجمعه الله تعالى فقال : ما حملك على هذا ؟ فقال : مخافتك . فتلقاه برحمته ] وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [ :كان رجل يسرف على نفسه ، فلما حضره الموت قال لبينه : إذا أنا مِ ت فاحرقوني ، ثم اطحنوني ، ثم ذر وني في الريح ، فو الله لئن قدر الله علي لي ع ذ بني عذاباً ما عذبه أحداً . فلما مات ف عل به ذلك . فأمر الله الأرض فقال : اجمعي ما فيك منه ؛ ففعلت ، فإذا هو قائم . فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خشيت ك يا رب – أو قال [ :مخافتك]– فغفر له] وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال[ :قال رجل لم ي عمل حسنة قط لأهله : إذا مت فحر قوه ثم ذروه : نصفه في البر ونصفه في البحر ، فو الله لئن قدر الله عليه ل ي عذ ب ه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين . فلما مات الرجل فعلوا به ما أمرهم . قال المنذري :رغسه بفتح الراء والغين المعجمة بعدهما سين مهملة معناه : أ كثر له ماله وبارك فيه .
عدد الصفحات ٣٦37 فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر أ ن يجمع ما فيه ، ثم قال له : لِ م فعلت هذا ؟ قال :من خشيتك يا رب وأنت أعلم . فغفر الله تعالى له ] قال المنذري: رواه الشيخان ، ومالك ، والنسائي نحوه . *قولهَتعالىَ:{ولقدَخلقناَالإنسانَونعلمَماَتوسوسَبهَنفسهَونحنَ أقربَإليهَمنَحبلَالوريدَ}.َ ي بين الله تعالى في سياق البرهان على عظمة قدرته، وبديع حكمته، خلقه للإنسان العجيب الشأن ، ذي اللسان المفصح عم ا في الج ن ان ، وعم ا في الأكوان، وهو ذو الب نان المختلفة في التخطيط والصورة ، والتي خصها الخلاق العليم بخصائص لا توجد في سائر الأعضاء والأركان . وقد خلقه الله تعالى في أحسن قوام، وأكمل هندام، وح س ن صورته، وجمل هيئته، فكان الإنسان أعظم آية تدل على قدرته سبحانه وبديع حكمته ، وسعة علمه ورحمته وأي دليل أقرب إلى الإنسان وأوضح عنده ، وأظهر لديه ي عر فه بربه، وعظمة ربوبيته، وحقي ة ألوهيته، ووجوب عبادته؛ أي دليل أقرب من تركيب صورته الإنسانية الآدمية، بأعضائها، وقواها، وصفاتها، ومزاجها، وأخلاقها، وما فيها من اللحم والعظم، والأعصاب والرباطات التي ش د الله تعالى زمامها، كما قال تعالى :{نحن خلقناهم وشددنا أسرهم }وما فيه من المنافذ المدركة، والعلوم ، والإرادات والصفات كل ذلك من نطفة ماء، قل تعالى :{إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً }. فيجب على العاقل أن ي فكر في خلق نفسه ، ومنها يعرف عظمة ربه، وعزة ربوبيته، وحق ي ة ألوهيته ، ووجوب عبادته . قال تعالى :{وفي أنفسكم أفلا تبصرون}؟! وقال تعالى :{فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب . إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر . فما له من قوة ولا ناصر }.
عدد الصفحات ٣٧38 إذاً: الله تعالى حق، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق. قوله تعالى :{ولقد خلقنا الإنسان}الآية. ال لامَعلىَهذهَالآيةَلهَوجوهَ:َ *الوجهَالأول : الخ ل ق هنا بمعنى الإيجاد ؛ وكلمة الخ ل ق تأتي في القرآن على معان : _الأول : الخلق بمعنى : إيجاد الشيء بعد أ ن ل م يكن ، ومِ ن هذا قوله تعالى : {يأيها الناس اعبدوا ربكمالذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون }. وقال تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}. وهكذا آيات كثيرة جاءت بهذا المعنى، وهو الخلق بمعنى الإيجاد كما قلنا. وهذا الخلق بمعنى الإيجاد لا ي نسب إلا إلى الله تعالى وحده ، لا يتصف به غيره سبحانه ، ولا يجوز أ ن ينسب لغيره . قال تعالى : {الله خالق كل شيء} . وقال تعالى : {هل من خالق غير}الآية. وفي هذا تحد من الله تعالى أ ن أحداً غيره لا يستطيع الخلق الإيجادي ، كما قال سبحانه : {فأروني ماذاخلق الذين من دونه }الآية. فيقال للعبد : أ و ج د الشيء ، ولا يقال خلقه ، لأن الخلق هو الإيجاد بعد العدم ، وهذا لا ي قدر عليه إلا الله تعالى . وقد تحدى سبحانه جميع الخلائق أ ن يخلقوا ذرة . فجميع الأشياء الموجودة الله تعالى هو خالقها لا غيره ، حتى أعمال الإنسان وأقواله، قال تعالى : {والله خلقكم وما تعملون}. -الثاني : وقد يأتي الخلق بمعنى التصوير والإبراز على مقدار معين لا بمعنى الإيجاد من العدم؛ وبهذا المعنى يجوز وصف المخلوق به .
عدد الصفحات ٣٨39 قال تعالى– في عيسى عليه الس لام - : {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني }الآية. فما كان من عيسى عليه الس لام إلا التصوير على هيئة الطير وتقديره ، فإذا نفخ فيه قال الله تعالى لتلك الصورة : كن فيكون طيراً ؛ بإذن الله تعالى. فالتصوير والتقدير من عيسى عليه السلام ، ولكن الإيجاد والتكوين من الله تعالى ، فهو خالق كل شيء سبحانه . والخلق بمعنى التصوير قد جاء في الحديث [ :يقال للمصورين يوم القيامة : أ ح ي وا ما خلقتم ]أي: أحيوا ما ص و ر تم . روى الشيخان ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [ :إن الذين يصنعون هذهالص ور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم ]أي: ما صو ر ت م . وفي حديث الصحيحين ، عن عائشة رضي الله عنها ، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، فيقال لهم : أحيوا ما خلقتم ] وقال[:إن البيت الذي فيه صورة لا تدخله الملائكة ] -الثالث: وقد يطلق الخلق على الاختلاق والكذب كما قال سبحانه- في المشركين -:{وتخلقون إفكاً}أي: تفترون كذباً ، فتعبدون أصناماً وتسمونها إلهة، وإن ما هي أحجار مصنوعة ، كما قال تعالى :{قل سموهم} أي: اذكروا اسم هذا الصنم الحجري الحقيقي ،فإن اسمه حجر ، أو حديد، أو نحاس، أو نحو ذلك مما ص ن ع ت ه أيديهم . فتسميتها آلهة هذا كذب واختلاق ، فالإله الحق هو الله رب العالمين ، الخالق البارئ المصور ، فإن الربوبية والألوهية متلازمتان، فالرب الحق هو الإله الحق، والإله الحق هو الرب الحق، ألا وهو الله الواحد الأحد، والحمد لله رب العالمين .
عدد الصفحات ٣٩41 *االوجهَالثانيَمنَال لامَعلىَالآيةَال ريمةَ:{ولقدَخلقناَالإنسانَ....} الآية.َ الإنسان هو الذي ي رجع إلى آدم عليه السلام، فكل واحد من آدم عليه السلام وذريته يقال له : إنسان ، وهو مأخوذ من إنس أي: أبصر . قال تعالى :{آنس من جانب الطور ناراً}أي: أبصر. فالإنسان ي ب ص ر وي ر ى، ولذلك جاء ذكره في مقابلة الجان . قال تعالى :{خلق الإنسان من صلصال كالفخار. وخلق الجان من مارج من نار }. فالجانَهو: المستتر الخفي الذي لا ي رى، فلما قابله بالإنسان دل على أن الإنسان س مي بذلك لأنه ي رى. قال تعالى :{من الجنة والناس}. وقال:{يا معشر الجن والإنس}. فترى في كثير من الآيات يقابل الإنس بالجن، لأن الإنسي ي بص ر وي رى، وأما الجني فهو خفي لا ي رى إلا على وجه خاص كما هو معلوم . وقالَبعضَعلماءَاللغة : إن الإنسان هو مشتق من الأ نس ضد الوحشة، لأنسه ببني جنسه ، لأنه م دني ي ألف و ي ؤلف . ولذا قيل : وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب وقيل: سمي الإنسان لنسيه مأخوذ من النسيان . كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لن س يه وأو ل ناس فيهم أول الناس وجمع الإنسان : ناس، وأ نس، وأناسي ، وهذه تعتبر بالنسبة للإنسان أسماء جموع كما هو معلوم ومفصل في كتب اللغة .
عدد الصفحات ٤٠41 *الوجهَالثالث : قوله تعالى :{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه }. الوسوسةهي في اللغة : الصوت الخفي، والمراد هنا ما يختلج في سِ ر الإنسان وقلبه وضميره ، وهو المسمى حديث النفس، بمنزلة الكلام الخفي. والباء في {به}قد اختلف فيها، وأكثرهم على أن ها للتعدية على معنى أن النفس ت جعل الإنسان قائماً به الوسوسة ، فالمحد ث هو نفس الإنسان ، والوسوسة بمنزلة الحديث ، فيكون هذا نظير : ح د ث نفس ه بكذا . والعرب تقول ذلك ، كما تقول: حد ث ت ه نفس ه . قال لبيد: وأكذِ ب النفس إذا حدثت ها إن صدق النفس ي زري بالأمل وقد أعلم الله تعالى عباده بأن ه سبحانه ي علم ما توسوس به أنفسهم ، ليكونوا على حذر من المعاصي ، والمخالفات ، فليحذروا أ ن ت حدثهم أنفسهم بذلك ،فتزين لهم، وتحملهم على فعلها . قال تعالى :{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}. فإن الوسواس يكون خطرات تخطر سريعاً، ولكن قد تؤدي متعلقات هذه الخطرات والوساوس إلى الفكر ، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيحو لها إلى إرادة ، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة. فرد الوسواس والخطرات السيئة من مبادئها أسهل من قطعها بعد استحكامها وقوتها ، سواء كان ذلك صادراً عن حديث النفس أو من قبل الشياطين الموسوسة في صدور الناس. ويستعان على رد الخواطر السيئة والوسواس بقوة الإيمان بالله تعالى ، وبالتعوذ من شرورها ، كما جاء في سورة :{قل أعوذ برب الناس. ملك الناس، إله الناس. من شر الوسواس الخناس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنة والناس }.
عدد الصفحات ٤١42 وقد جاء في الحديث : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالوا: يا رسول الله ؛ إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير ح م م ة أحب إليكم من أن يتكلم به . فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أو جدتموه ]؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ذلك صريح الإيمان] وفي رواية[:الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة] وفي شرح ذلك قولان للعلماء: -أحدهما: أن رده وكراهيته هذا صريح الإيمان ، لأن هذه الكراهية الشديدة تدل على عمارة القلب بالإيمان ، ولذلك كره تلك الوسوسة. -الثاني: أن وجود إلقاء الشيطان في النفس هذه الوسوسة ، هذا صريح الإيمان ، لأن الشيطان إنما ألقاه في نفس المؤمن طلباً منه لمعارضة الإيمان ، ولإزالته به؛ فإن الشيطان يتقصد قلوب المؤمنين العامرة بالإيمان ؛ ليشوش عليها؛ ويضعف نور الإيمان الذي فيها، ولذلك يجد المؤمن كراهية لها ، ون ف رةً منها؛ فهذا كله دليل على صريح الإيمان وصدقه . وأما قلب الكافر والمنحرف أو المشتبه أو المشكك- عياذاً بالله تعالى- فيرتاح ، وينشرح لها ، ونسأل الله تعالى العافية . ومن ث م جاء في الحديث ، أ ن حديث النفس وما ي رِ د على قلب المؤمن من وسواس وخطرات غير مرضية لله تعالى ، ذلك معفو عنه إذا أنكرها ورد ها، لأنه يدخل تحت قدرة الإنسان ، فإن الوساوس تأتيه رغماً عنه و ك رهاً ، ولكن ه ي مكنه أن يتعوذ منها ويردها بقوة الإيمان ؛ ولا يعمل بموجبها إذا كانت سوءاً . الحممة: الرماد والفحم ، وكل ما احترق من النار ، وجمعه ح م م.
عدد الصفحات ٤٢43 روى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي ما حد ث ت به أنفسهم ؛ ما لم يعملوا به أو يتكلموا ] وبهذه المناسبة أذكر ما قاله العارفون حول الواردات على القلوب وأنها على أربعة أنواع : الواردَالرحمانيَ: وهو أو ل الخواطر ويسمى السبب الأول، ويعرف بقوته وتسلطه على القلب السليم الصافي الفطري، وعدم اندفاعه ، بل يرد على القلب بقوة وتمكن وتثبت. والواردَالمل ي: وهو ما ي بعث صاحبه على فعل الخير وعمل الصلاح ، ويسمى إلهاماً ، فيستحسن فعل الخير ، ويميل إلى فعله مع الطمأنينة ، وفيه داعية إلى الخير والبِ ر ، وإبعاد عن الشر والفساد . والواردَالنفساني: وهو ما فيه حظ النفس ويسمى هاجساً ووسوسة. وهواجس النفس متواصلة. والواردَالشيطاني : وهو ما يدعو صاحبه إلى فعل الشر ومخالفة الحق، ويسمى وسواساً . والأصل العام الحاكم في التفرقة بين تلك الواردات هو الميزان الشرعي ، وذلك بأن تعرض ما ي رِ د عليك على ميزان الشريعة ، فما وافق ما جاء به الشرع فهو من الأ و ل ي ي ن ، وما خالفه فهو من الأخيرين . قال الله تعالى :{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم }. وقد بي ن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاني هذه الآية- لأن ه صاحب البيان عن القرآن-فقال كما في الحديث ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن للشيطان ل م ةً بابن آدم ، وللملك ل م ة . فأما ل م ة الشيطان : فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق.
عدد الصفحات ٤٣44 وأما لمة الملك: فإيعاد بالخير وتصديق بالحق . فمن وجد من ذلك فليعلم أنه من الله؛ فليحمد الله. ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:{الشيطانيعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم } . *الوجهَالرابع : قوله تعالى :{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}. حبل الوريد: هو العِ رق المحيط بالعنق يميناً وشمالاً ، يرد منه الدم ويجري ، والله تعالى أقرب إلى الإنسان من نفس الإنسان ، قرباً مطلقاً لا كقرب المخلوق من أخيه المخلوق ، ولا يدخل تحت المسافات الزمنية والمكانية، وليس هو من باب قرب الروح من الروح ، ولا الجسم من الجسم؛ لطيفاً كان أو كثيفاً ، بل هو قرب مطلق كما يليق به سبحانه وتعالى جل وعلا، ليس كمثل قربه قرب، ولا ي شبه أي قرب من المخلوقات ، فإن قرب م ن ليس كمثله شيء ليس مثله شيء . فإن الله تعالى ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته، ولا في جميع شؤوناته، بل هو كما هو ، والله أكبر كبيراً . قال تعالى :{وكبره تكبيراً}أي: تكبيراً مطلقاً . فالله تعالى أكبر من أن يكون قربه يشبه قرب المخلوقات بأنواعها ، بل له القرب المطلق كما يليق بكماله ، وكما هو الله تعالى رب العالمين . ومن حاول أ ن يقف على حقيقة ذات الحق جل وعلا، أو على حقيقة صفة من صفاته ، أو شأن من شؤوناته فقد حاول المستحيل . وأ ن ى للمخلوق المتناهي المقيد المحدود بعقله وعلمه أ ن يحيط بما لا يتناهى ، فإنه سبحانه إليه المنتهى وليس له انتهاء ، لا في ذاته ولا في صفاته ، قال سبحانه :{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً}. رواه الترمذي وقال: حسن غريب ، ورواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، ومن أراد التوسع في هذا الباب فليرجع إلى كتاب : ( الإيمان بالملائكة عليهم السلام ).
عدد الصفحات ٤٤45 فهو سبحانه المحيط علماً بجميع مخلوقاته، من جميع ح ي ثِ ي اتهم ، وأينياتهم ،وجهاتهم ، وتوجهاتهم ، وأما هو فلا يحيطون به علماً من جميع وجوه العلم : لا بذاته ولا بصفاته ولا بشؤوناته . وكيف يتصور أ ن يحيط المخلوق الم حاط بم ن به قد أحاط ؟ ! وكيف يحيط المخلوق المحدود من جميع الوجوه والاعتبارات والحيثيات ، كيف ي حيط بالرب الخالق الأكبر المطلق ؟ ! قال تعالى :{وكبره تكبيراً}أي: تكبيراً مطلقاً . فهو سبحانه الأكبر المطلق وحده ، في ذاته وصفاته وكمالاته وشؤونه ، لا ي ساوى ، ولا يسامى ، ولا يشابه ، ولا يضاهى ، فالأكبرية على وجه الإطلاق هي لله تعالى وحده ، كما جاء في الحديث عن زيد ابن أرقم رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول دبر كل صلاة [ :َاللهم رب نا ورب كل شيء أنا شهيد أن ك الرب وحدك لا شريك لك . اللهم رب نا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك . اللهمَرب نا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد ك ل هم إخوة . اللهم رب نا ورب كل شيء اجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة . يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب . الله أكبر ، الله أكبر . الله نور السماوات والأرض . الله أكبر . حسبي الله ونعم الوكيل . الله أكبر الله أكبر ]رواه أحمد، وأبو داود والنسائي .
عدد الصفحات ٤٥46 ورواه مسلم بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول دبر كل صلاة مكتوبة . . . الحديث . *قولهَتعالىَ:َ{إذَيتلقىَالمتلقيانَعنَاليمينَوعنَالشمالَقعيدَ}.َ والمعنى : واذكر لهم يا محمد يا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يتلقى الملكان المحيطان بأحدهم عن اليمين وعن الشمال ، يكتبان أعمالهم وأقوالهم ، وأعمال قلوبهم ، وجيء بهذه الجملة من باب التقرير والتأكيد ، لإحاطة علمه سبحانه بعباده، فإن ه العليم الخبير الذي ي طلع ملائكته الحفظة على أعمال العباد، وأقوالهم وعزائم قلوبهم، ونياتهم الخفية. فالملائكة الحفظة هم على علم بذلك ، فالله تعالى الذي أطلعهم هو أعلم بذلك من باب أولى وأقوى، وإن علمه سبحانه بشؤون عباده هو علم ذاتي قديم، وأم ا علم الملائكة فهو حادث، وهو بإطلاع الله تعالى لهم على ذلك لا من ذاتهم. قال تعالى :{أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون }. {إذ يتلقى المتلقيان} وهما الملكان الموكلان بكل إنسان، يكتبان عليه أقواله وأعماله الحسية والقلبية. والتلقي هو التلقن بالحفظ والكتابة، وقد أخبر سبحانه عباده بذلك ليكونوا على حذر مما يعملون ويقولون، وليعلموا أ ن الملائكة الكتبة تتلقى عنهم ، وتكتب عليهم، وسوف ي عرض الكتاب يوم الحساب. *{إذَيتلقىَالمتلقيانَعنَاليمينَوعنَالشمالَقعيدَ.َماَيلفظَمنَقولَإلَ لديهَرقيبَعتيدَ}.َ فهنالك ملكان قعيد عن اليمين، وقعيد عن شمال الإنسان ، متوجهان للإنسان ببصرهما، ومصغيان إليه، بحيث ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب، مترقب له ماذا يقول، عتيد حاضر العدة ، فهو مستعد ومتهي ئ كل التهيؤ لتلقي ما يلفظه الإنسان ليسجله عليه، ويسطره بأمانة لا زيادة ولا نقصان،
عدد الصفحات ٤٦47 وهذا كما قال تعالى:{كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين . كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون }. فهناك الملائكة الحفظة وهم كما ب ي ن ت في كتاب : ( الإيمان بالملائكة ) على صنفين : الصنفَالأول: الذين يحفظون الإنسان من المكاره والشدائد، وموكلون بتسيير مداركه وجسمه ونحو ذلك، قال تعالى :{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله }الآية. فهم يحفظونه من أجل أن الله تعالى أمرهم بذلك ، وإذا لم يأمرهم تخلوا عنه فهلك، ومن هذا قوله تعالى :{وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون }. والصنفَالثاني: الملائكة الذين يحفظون على الإنسان أقواله وأعماله وأحواله، ويكتبونها، وهو المراد في قوله تعالى :{وإن عليكملحافظين . كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون }. وفيَهذهَال تابةَوجوه ََمنَالح َ َم:َ أولًَ: أ ن يعلم العباد أ ن عليهم رقباء يرقبونهم في جميع تقلباتهم ، ويسجلون عليهم كافة أفعالهم وأقوالهم ، قال تعالى :{ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }وذلك مما يك ف الإنسان عن فعل المخالفات، وارتكاب المنكرات، ويحمله على منهج الاستقامة والكرامة. فإن الإنسان حين يعلم أ ن عليه رقيباً يرقبه من جانب من يلي عليه ، تراه يلتزم حد ه، ويقف عنده ، لعله بمراقب يرقبه، مع أ ن هذا الرقيب هو إنسان مثله، قد يغفل ويسهو ، وينسى ويلهو، فما ظنك برقابة رقباء يلازمون ر ق بة ابن آدم ، لا يتركونه في الليل ولا في النهار، ولا يسهون ولا يغفلون ، بل هم كما وصفهم سبحانه :{يعلمون ما تفعلون}؟! ولذا قال تعالى منبهاً ومتوعداً للطغاة : {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون }.
عدد الصفحات ٤٧48 كما بين سبحانهأن مكر الماكرين في آياته هو مسج ل عليهم ، قال تعالى : {وإذاأذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكراً إن رسلنا يكتبون ما تمكرون}. وهذا شأن المنكرين الجاحدين، أن هم إذا أذاقهم الله رحمة : رخاء وسعة ونعمة {من بعد ضراء}أي: شدة وضيق وبلاء ، إذا هم في تكذيب واستهزاء بآيات الله تعالى ، وطعن فيها، وعدم اعتراف بنعم الله عليهم. ثانياًَ: إن هذا الكتاب الذي ي سط ر على ابن آدم أعماله وأقواله ، سوف يكون يوم القيامة حجةً عليه إذا هو خالف أوامر الله تعالى ، أو ارتكب ما حرم الله تعالى ، ولا يستطيع حينئذ أ ن ي نكر شيئاً مما س ط ره عليه الكتاب من صغيرة أو كبيرة ، قال تعالى :{وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر }أي: مسط ر عليهم في صحائفهم التي كتبها الكرام الكاتبون. وفي (المسند) وغيره، عن السيدة عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول[:يا عائشة إياكِ ومحق رات الذنوب ، فإن لها من الله طالباً ] فالصغيرات والمحقرات من الذنوب –في نظر فاعلها- لها طالب، وعليها حاسب. ثالثاًَ: أ ن يعلم العبد أ ن أعماله ت كتب عليه، وتحفظ في كتابه ، حتى إذا جاء يوم القيامة ع رضت على رؤوس الأشهاد: فإنَ انتَأعمالًَصالحة وأقوالاً طيبة فرح بذلك ، وس ر سروراً عظيماً ، وي عطى كتابه بيمينه ، وهنا يقول معلناً سروره وغبطته :{هاؤم اقرءوا كتابيه }. قال الله تعالى:{فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه . إني ظننت أني ملاق حسابيه . فهو في عيشة راضية }الآيات. أي: خذوا اقرؤوا كتابي، وانظروا ما فيه من الحسنات والخيرات .
عدد الصفحات ٤٨