المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة ق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٢ من ٨

17 فرد الله تعالى عليهم بقوله :{الله أعلم حيث يجعل رسالته }الآية. وهذا كما قالت كفار قريش :{وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم }ويعنون بذلك أن ينزل على عظيم مكة أو الطائف . فرد الله تعالى عليهم بقوله :{أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمت ربك خير مما يجمعون }. والمعنى: أن رحمة الله تعالى التي يرحمهم بها في تيسير أسباب معيشتهم وكسبهم خيرات الدنيا وأرزاقها؛ ليست عائدة إلى تدبيرهم ، بل إلى تدبير الله تعالى وحكمته ، فهو يرزق من يشاء ، ويبسط لمن يشاء ويقدر ، ويرفع الناس درجات في أمور الدنيا وفي مواهبهم وعقولهم ومداركهم وأفكارهم ، فكل واحد يتجه إلى عمل يستحسنه ويهواه، ويكسب منه ، وفي ذلك حكمة ارتباط حاجاتهم إلى بعضهم ، فكل واحد منهم هو محتاج إلى الآخر، وفي ذلك تدبير وتصرف العليم الحكيم الخبير ، ليس موكولاً ذلك إليهم ، فكيف بالرحمة الكبرى والنعمة العظمى التي ي توقف عليها صلاح العالم في الدنيا والآخرة ، وهي الرسالة الإلهية وإيتاء النبوة ، وإنزال الوحي الإلهي الذي به سعادة الدنيا والآخرة وصلاحهما، كيف يكون ذلك موكولاً إليهم ؟! بل إن ذلك راجع أمره إلى الله تعالى وحده، العليم بكل شيء، العليم بم ن هو أهل لذلك ، وبمن هو ليس بأهل ذلك . قال تعالى :{الله أعلم حيث يجعل رسالته}. وقال تعالى:{رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً }. فهو سبحانه: الحكيم في إرساله الرسل ، وتخصيصهم بالرسالة دون غيرهم . صلوات الله تعالى عليهم . وقال تعالى في إعطائه لسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ختم الرسالة والنبوة :{ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً }.

عدد الصفحات ١٧

18 فهو سبحانه: عليم بعلمه القديم الذي لا أول له ، أ ن خاتم النبيين لا يصح ولا ينبغي أن يكون أحد من الرسل إلا رسول الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ولذلك كان يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:ألا لا رسول ولا نبي بعدي ]جاء ذلك في جملة أحاديث متعددة. فإنَقيل : يلزم مما تقدم أن لا تتناول رسالة الله تعالى إلى الإنس عالم الجن ، فإن الجن هو نوع آخر غير عالم الإنس . فالجواب: أن ه لا يلزم ذلك ، بل إن رسالة رسل الله تعالى إلى الإنس تتناول عالم الجن ، باعتبار أ ن عالم الجن هم كعالم الإنس في حياتهم وموتهم ، وتناكحهم وتناسلهم، وحاجتهم إلى الطعام والشراب، والغذاء والهواء والماء، وحاجتهم إلى بعضهم من حيث المعاملات والبيع والشراء ، والمبادلات المالية وسائر العقود. وهم مكلفون بتكاليف شرعية كالتي كلفت بها الإنس تماماً ،كما قال سبحانه :{يا معشر الجن والإنس الم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ..}الآيات. وهم يرون الإنس كما يرى بعضهم بعضاً دون اختلاف ، غير أن الإنس ي ؤ ن س ون – أي : يبص رون ويرى بعضهم بعضاً – أما الجن فهم أخفياء عن الإنس ، فإن مادة ( ج ن ) تدل على الخفاء ومنه : {فلما جن عليه الليل} ومنه الجنين في بطن أمه فإنه لا يرى ، ومنه المِ ج ن ي لبس في الحروب . وقد أخبرنا الله تعالى أن الجن بلغتهم دعوة موسى عليه السلام قال تعالى : {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم . يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم }.

عدد الصفحات ١٨

19 ففي هذا دليل صريح على أن رسالة سيدنا موسى عليه السلام بلغتهم، ثم لما ب عث الله تعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاؤوا يستمعون القرآن النازل عليه ، وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا كما قال سبحانه : {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً . يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً . . . }الآيات الكريمة . وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يذهب إليهم فيبلغهم ، ويجتمع بهم ، وكانوا يأتون مجالسه صلى الله عليه وآله وسلم ، كما ذ كرت ذلك كله مفصلاً في كتاب : ( الإيمان بالملائكة عليهم السلام ومعه بحث حول عالم الجن ) فارجع إليه . فكان كل رسول ي بعث إلى قومه خاصة ، وإلى أمة معينة من الإنس ، وأمة معينة من الجن ، وأما سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرسالته عامة إلى جميع طبقات الإنس ، وجميع طبقات الجن ، كما جاء ذلك في خصائصه التي خ صه الله تعالى بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما ب ي ن ت ذلك في البحث حول عالم الجن . وإنهم على طبقات : فمنهم المقربون ، ومنهم المقتصدون ، ومنهم الظالم لنفسه ، ومنهم الكافر ؛ كما هو في عالم الإنس . *قولهَتعالىَ:َ{أءذاَمتناَو ناَتراباًَذلكَرجعَبعيدَ}.َ هذاَهوَالأمرَالثاني الذي أنكروه وكذبوا به ، وقد أقام الله تعالى الحجج الدامغة لشبهاتهم ، ووجوه شكوكهم ، فإن هم أنكروا الحشر والإعادة ، زعماً منهم أن إعادتهم غير ممكنة ؛ لموانع متعددة : الأول : أ ن اختلاط أجزاء الأموات بأجزاء الأرض يؤدي ذلك إلى عدم التمي ز عن أجزاء الأرض ، وإلى عدم تميز شخص عن شخص آخر ، ولهذا قالوا : {أءذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد}. الثانيَ: أ َ ن القدرة عاجزة عن ذلك ، فكيف يقع ذلك ، ولذا قالوا : {من يحيي العظام وهي رميم }.

عدد الصفحات ١٩

21 الثالث : زعمهم أن الإعادة أ مر لا فائدة منه ولا حكمة فيه ، ولذلك قالوا : {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر }الآية أي : ليس ه ناك حشر ولا نشر ، ولا حكمة في ذلك ، ولا رجعة هنالك . وقد رد الله تعالى عليهم مزاعمهم الباطلة ، وأقام البراهين على بطلان تلك الشبه الثلاث وغيرها ، وأثبت وقوع الواقعة ، وحقِ ي ة الحاقة ، وقرع القارعة ، وذلك يوم القيامة ؛ يوم يقوم الناس لرب العالمين . أماَالأول : وهو قولهم : إن الأجزاء الميتة تصير تراباً وتختلط بتراب الأرض ، فكيف ي علم هذا من ذلك ، ويتميز هذا عن هذا ؟ ! ! فقدَردَاللهَتعالىَذلكَعليهم بأن علمه محيط بتلك الأجزاء كلها مهما تفر قت ، وهو يعلم أجزاء كل ميت ويميزها عن الأرض ، وعن بعضها ، فإن الذي خلقها هو عليم بها وما تصير إليه ، وهو محيط بها وحافظها عنده في عالم غيبي عن هذا العالم . قال تعالى : {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ}أي: يحفظ عليهم أجزاءهم فلا يفوت جزء منهم ، وي بقى في الأرض ، ولا يصير جزء أحدهم إلى غيره بل هو العليم بذلك ، والحفيظ لذلك كله . كما قال تعالى : {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم . قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم }. فأثبت علمه المحيط بجميع خل قِ هِ ، وما خ ل ق ه ، وما ينتهي إليه خ ل ق ه . وقال تعالى : {وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل . إن ربك هو الخلاق العليم }. ولا ريب عند العاقل أن خالق الشيء هو أعلم بأجزاء ذلك الشيء قبل وجوده ، وبعد إيجاده ، وبعد فنائه وتفرقه ، علمه بذلك كله على حد سواء ؛ علماً قديماً لا أول له ولا انتهاء . الثاني : أم ا قولهم : إن القدرة عاجزة عن ذلك .

عدد الصفحات ٢٠

21 فردَاللهَتعالىَعليهم ذلك بقوله : {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} فالذي أنشأها أول م ر ة لا مِ ن شيء ؛ قادر على أ ن ي حيِ ي ه ا بعد أن صارت شيئاً ث م أماتها ، فهو ي عيدها كما بدأها . فالقادرَعلىَالبدءَقادرَعلىَالإعادةَ.َ قال تعالى : {وهو الذييبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه }الآية. وهذه أدلة وبراهين نفسية . أي : أدلة من أنفسهم وتتعلق بهم ، ت ثبت حقيقة الإعادة . ثم ذكر الأدلة الآفاقية المحيطة بهم السماوية والأرضية وما عليها : قال تعالى : {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم }. كما أنه سبحانه ذكر في هذه السورة{ق}أدلة نفسية وأدلة آفاقية: سماوية وأرضية ، على أن ه قادر على الإعادة بلا ريب ، وأن الأمر هو حق وواضح لدى كل عاقل ، فقال سبحانه : {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج . أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج . تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }. والمعنى: أن هم كذبوا بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبالحق الذي جاءهم به وهو القرآن المجيد ،مع أن نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالمعجزات المرئية ، والبينات العقلية ، ولكن هم لعنادهم كذبوا بالحق لما جاءهم دون أ ن يتفكروا أو يتعقلوا ، بل لأول وهلة أنكروا وكذبوا : كِ ب راً وعناداً ، ولو أ ن هم أنصفوا لاعترفوا بالحق . {فهم في أمر مريج }مختلط ومضطرب. والمرج : الخلط . فتارة يقولون عنه : إنه صلى الله عليه وآله وسلم ساحر ، ومر ة يقولون : شاعر ، ومر ة يقولون : كاهن ، وتارة يتهمونه بالجنون ، فأقوالهم مختلفة ومختلطة ومتناقضة ، هي تنقض بعضها .

عدد الصفحات ٢١

22 يقال: مرجت عهودهم إذا فسدت واختلطت واضطربت . قال في (النهاية) : والمرج : الخلط ، وأشار إلى الحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره ، عن ابن ع م رو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال [ :كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي ي غربل الناس فيه غربلة ، ويبقى ح ثالة من الناس قد م رِ جت عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا وكانوا هكذا ]وشب ك بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم قال [ :تأخذون ما تعرفون، وتدعون ما تنكرون ، وت قِ بلون على أمر خاصتكم ]أي: من أهلكم وذويكم [وتذرون أمر عامتكم ]أي : تتركون أمور عامة الناس ؛ لا تباعهم أهواءهم المختلفة ، وآراءهم الفاسدة . ورواه الترمذي – وصححه – قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله رضي الله عنهما [ :كيف أنت إذا بقيت في ح ثالة من الناس ، م رِ جت عهودهم وأماناتهم ]وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قال : فبِ م تأمرني يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :عليك بما تعرف، ود ع ما ت نكر ، وعليك بخاصة نفسك ، وإي اك وعوام هم ] وفي رواية[ :الزم بيتك ]الحديث. ومن هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ، عن أبي ثعلبة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ : ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيتم ش ح اً مطاعاً ، وهوىً مت بعاً ، ودنيا مؤث ر ة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه : فعليك بنفسك ، ودع عنك أمر العوام ]الحديث. قال في ( المختار) م رج الأمر والدين : اختلط ، وبابه طرب ، من الهرج والمرج ، وأما مر ج بفتح الراء فهو م تعد ، ومنه قوله تعالى :{مرج البحرين يلتقيان } .وفي بعض النسخ: م ر جت بفتح الراء ، فضمير الفاعل يعود إلى الحثالة.

عدد الصفحات ٢٢

23 وفي هذهالأحاديث الشريفة تحذير للمسلم أ ن يقع في هذه المهلكات ، التي يقع فيها الناس في آخر الزمان ؛ وهي : الشح ، واتباع الهوى ، وحب الدنيا وإيثارها على الدين ، والإعجاب بالرأي حتى إن ه ليحتال على أحكام الشريعة لي ن ف ذ مآربه تلك ، ويقدم اتباع هواه على حكم الله تعالى ، فهو من الهالكين ، أعماه ح ب الدنيا وحطامها على كل شيء . وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :حب الدنيا رأس كل خطيئة، وحبك الشيء ي عمي ويصم ] فلا تغرنك الدنيا، وتغفل عن الله تعالى ؛ وتنسى الآخرة . ورضي الله تعالى عن الإمام الشافعي القائل : إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما ت خفي عليه يغيب غفلنا لعمر الله حتى تراكمت علينا ذنوب بعدهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب وكان الإمام أحمد رضي الله عنه ينشد البيتين الأو لين . *قولهَتعالىَ:َ{أفلمَينظرواَإلىَالسماءَفوقهمَ يفَبنيناهاَوىيناهاَوماَ لهاَمنَفروجَ}.َ في هذه الآيات الكريمة ي قيم الله تعالى الحجة على ح ق ي ة القيامة ، وعلى قدرته على إقامتها ، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، كما بين ذلك سبحانه بقوله : {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس }. وقال تعالى: {ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها. رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعاً لكم ولأنعامكم . فإذا جاءت الطامة الكبرى }الآيات.

عدد الصفحات ٢٣

24 فذكر ذلك ثم أتبعه بذكر الطامة الكبرى وهي القيامة الكبرى. فإذا كان خلق السماوات والأرض أكبر وأشد ، فيقال : إن إعادة الإنس والجن إم ا أ ن تكون مثل البداءة ، فالذي ق د ر على البداءة هو يقدر على الإعادة من باب أولى ، وإن كانت الإعادة أكبر وأشد فالله تعالى ق د ر على ما هو أكبر خلقاً من الإنسان وأشد؛ وهو خلق السماوات والأرض وما فيهما، فالنتيجة حقاً وعقلاً أن الله تعالى قادر على الإعادة لا محالة. فهذه السماوات فوقهم ينظرون إليها ، فليتفكروا كيف بناها الله تعالى بقدرته، وأقامها وأتمها بحكمته، وزينها بالكواكب والشمس والقمر بتدبيره وإرادته، ورت ب سير تلك الكواكب في أفلاكها المعينة لها ، فهي تجري بنظام وإحكام دقيق، وتقدير يعجز عنه الخلق والإنس والجن؛ ذلك تقدير العزيز العليم . وهكذا بناء السماء م حكم لا فروج فيه ولا شقوق ، سقف محفوظ ، م زين بالس رج والكواكب والبروج . كما قال تعالى :{تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً}- وفي قراءة متواترة :{سرجاً}- {وقمراً منيراً}. وقد تكلمت بعض الكلام على عالم الكواكب في كتاب : ( هدي القرآن الكريم إلى معرفة العوالم والتفكر في الأكوان). *قولهَتعالىَ:{والأرضَمددناهاَوألقيناَفيهاَرواسيَوأنبتناَفيهاَمنَ لَ ىوجَبهيجَ}.َ خلق سبحانه الأرض وم د ها ووسعها ، وجعل فيها سهولاً ممه دة للسير عليها ، وز ر عِ ها ، والجلوس والنومِ عليها ، فلم يجعلها كلها جِ ب الاً وأودية ، بل هي أها لهذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى ، فليعرف كرامته ، ول ي ؤ د ش كر نِ ع مِ الله تعالى عليه المحيطة به، والقائمة فيه. فكيف يكفر بربه ؟ وبعبادة ربه؟ ويكفر نعمة ربه ؟! وهو سبحانه أحاط عباده برعاية تربيته ؛ تحت سقف سمائه ، وفوق أرضه ، ي مدهم بالهواء والماء ، وأنواع الغذاء ، وجميع ما يحتاجون إليه.

عدد الصفحات ٢٤

25 وألقى فيها الجبال، وفيها المعادن المتنوعة، وجعل الجبال رواسي للأرض حتى لا تميد ولا تضطرب ، كما ب ي ن ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب البيان عن القرآن : فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:لم ا خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكف أ ، فأرساها بالجبال فاستقر ت ، فعجبت الملائكة من شِ د ة الجبال . فقالت الملائكة : يا ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الجبال ؟ قال : نعم ، الحديد . قالوا : فهل خلقت خلقاً أشد من الحديد ؟ قال: نعم، النار. قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من النار ؟ قال: نعم ، الماء. قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الماء ؟ قال: نعم ، الريح. قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الريح ؟ قال: نعم ، ابن آدم ، إذا تصدق بصدقة بيمينه فأخفاها عن شماله ]رواه الإمام أحمد والترمذي . فانظر واعتبر في قو ة إيمان المؤمن الذي يحمل صاحبه على الصدق مع الله تعالى، والإخلاص في العمل لله تعالى ، ويكبح دواعي نفسه ، فيتصدق بمال محبوب له قد جمعه ، ويبغي بذلك وجه الله تعالى ، مخلصاً لله تعالى، دون أن يكون هناك رياء ولا سمعة ، بل صدقة خفية لا تعلمها شماله لإخفائها .

عدد الصفحات ٢٥

26 قال تعالى:{إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير}. فالجبال عالم كبير، له أحكام خاصة غير عالم الأرض ، وله من الخصائص المودعة فيه خاصة ، وقد جعل الله تعالى لها ملائكة خاصة بتدبيرها والتصرف فيها بإذن الله تعالى ، كما جاء في حديث يوم الطائف: يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:فأظلتني سحابة فإذا فيها ملك فسلم علي وقال لي: يا محمد أنا م ل ك الجبال ، وقد أرسلني الله تعالى إليك لتأمرني بما شئت ؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ]...الحديث . فالله تعالى خلق السماوات والأرض؛ والجبال وشدتها ؛ لهو قادر على أ ن يعيد خلق الإنسان كما بدأه، ولذلك أقام الله تعالى الحجة على قدرته على الحشر والإعادة بذكر خلق السماوات والأرض والجبال . وهذه الآيات في سورة الغاشية ، بعد ما ذكر فيها أهل النار وذكر أهل الجن ة قال تعالى : - في الحجة على قدرته –{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى الأرض كيف سطحت . فذكر إنما أنت مذكر }. *قولهَتعالىَ:{وأنبتناَفيهاَمنَ لَىوجَبهيجَ.َتبصرةَوذ رىَل لَعبدَ منيبَ}.َ والمعنى : أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف الزروع والأشجار ، ما هو بهيج المنظر ح س ن ه ، يسر الناظر إليه، فيتبصر ويعقل، ويتفكر فيه فيتذكر، وينتج له عند ذلك العلم القاطع ، والبرهان الساطع، أن الذي خلق ذلك وأبدعه ، وأحسنه وج م له، هو الله رب العالمين ، العليم القدير، الحكيم الخبير، ف ي نيب إلى الله تعالى، ويرجع إليه قولاً وعملاً وقلباً وخ لقاً ، ويرجع بذلك عم ا لا يحبه سبحانه إلى ما يحبه ويرضاه . فالإنابة هي: ع كوف القلب على الله عز وجل، وعلى محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وهي تقتضي عكوف الجوارح على طاعته مع وقد ذكرته بتمامه في كتاب : ( الإيمان بالملائكة عليهم السلام ).

عدد الصفحات ٢٦

27 الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسير على هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعدم الانحراف عنه. فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إمام الهداة والمهتدين . {تبصرةَوذ رىَل لَعبدَمنيبَ}.َ الكلام على هذه الآية له وجوه متعددة : -الوجهَالأول : في هذه الآية وما يليها ي ت بين للعاقل أن الله تعالى رب العالمين ، دعا عباده إلى معرفته والإيمان به ، والإيمان بما جاء عنه من طريقين : أحدهما: النظر في مخلوقاته ومصنوعاته الكونية . الثاني: التفكر والتذكر والتدبر في آياته القرآنية . فتلك آياته المشهودة بالعيان؛ وهذه آياته المعقولة الثابتة بالبرهان . ف َم َنَالأول : إخباره سبحانه بقوله :{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }وأمثال هذه الآية كثير. ومن الثاني قوله تعالى :{أفلا يتدبرون القرآن}وقوله سبحانه:{كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته }إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. فأما المخلوقات فإنها مفعولات دالة على فِ ع ل، والأفعال دالة على الصفات ، فإن الفعل يدل على فاعله ، وهو وجود الفاعل وقدرته ، وإرادته وعلمه، لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم؛ أو موجود ليس له قدرة ولا حياة ولا علم ولا إرادة . فتخصيص المخلوقات بأوصافها ، وآثارها المختلفة المتنوعة ؛ دال على إرادة خالقها وسعة علمه ، وسعة حكمته، وعظمة قدرته ، فإن ذلك دليل قاطع على صفاته سبحانه ، وصدق ما أخبر به رس ل ه عنه .

عدد الصفحات ٢٧

28 فالمخلوقات والمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات التي هي كلماته سبحانه وآياته القرآنية . قال تعالى :{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} . وقال تعالى: {وقل الحمد لله سيريكم الله آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون }. فجميع ذلك يدل على أنه سبحانه الحق ، وأن كلامه حق ، وأن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق . -الوجهَالثاني : قوله تعالى : {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}. في هذه الآية الكريمة ذكرقوة الفاعلية وحسن القابلية ، وذكر الهدي النازل من عند الله تعالى ، والثناء على قابليه ، واستقبالهم له وتقبلهم إياه ، وعدم اعتراضهم عليه عناداً وكبراً ، بل يتقبلون الذكرى ويرجعون إلى الحق . وبيانَذلك : أن الإنابة إلى الله تعالى وهي الرجوع إليه قلباً وعقلاً ، وسمعاً وبصراً ، وعملاً وقولاً ومعاملة ، فمن حصل له مقام الإنابة نال كل خير ، وحصل على سعادة الدنيا والآخرة ، وبذلك يكون قد اقتحم العقبات الثلاث ، وذلك لأن أصول الموانع التي تصرف الإنسان عن قبول الحق وما فيه الخير والسعادة ، ترجع إلى ثلاث أسباب : –ال بر فإنه هو الذي صي ر إبليس إلى ما صار إليه . –والحرص على الدنيا ولذائذ العيش وحطامها . 3 –الحسد وهو الذي جر أ قابيل على قتل أخيه هابيل . فمن ت و ق ى هذه الثلاثة و قِ ي الشر كله . فالكفر سببه من الكبر . والمعاصي سببها من الحرص .

عدد الصفحات ٢٨

29 والبغي والظلم سببه الحسد . فمن أناب إلى الله تعالى صادقاً نال كل خير ، واستقبله وتلقاه ، لأن ه بغيته ومناه . وأما صاحب الكِ بر فإن كبره يصده عن قبول الحق ، بل يحمله على الإعراض عن الحق، وج ع له وراءه ظِ ه ري اً ، فإن ه لا ي ريد أن يستقبله مخافة أن يتقبله . قال تعالى : {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستغذ بالله إنه هو السميع البصير }. وقال تعالى: {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}. وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً }. وقال تعالى– في إبليس - : {أبى واستكبر وكان من الكافرين}. وفي هذا تحذير من صفات إبليس التي صي رته إلى بئس المصير . فالإباء والكبر ي بعدان الإنسان عن الإنابة والرجوع إلى الله تعالى ، وقبول الحق لأن ه الحق من عند رب العالمين . -الوجهَالثالث : قوله تعالى : {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }. هذه الآية الكريمة لها نظائر وأشباه في ذكر الفاعلية والقابلية: قال سبحانه : {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. ففاعلية هد ي القرآن قوية مؤثرة ، ولكن إذا لاقت موضعها ، وهي القلوب المقبلة والقابلة للهدى والإيمان ، المتطلعة إليه ، ليس فيها كبر ولا حسد ولا ولا . . . من الموانع والدعاوي الباطلة . قال تعالى في وصف القرآن :{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان }.

عدد الصفحات ٢٩

31 ففي هذه الآية ذكر سبحانه أن القرآن هدى للناس كلهم، مع البيان والبينات ، والفارق بين الحق الذي جاء به والباطل المخالف له. وقوله تعالى :{هدى للمتقين}ذكر الموضع القابل أيضاً، فلا منافاة . ف س ل الله تعالى أن يجعل فيك القابلية للحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ومن دعائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:اللهم ألف على الخير قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، ونج نا من الظلمات إلى النور، وج ن بنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن ، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا، واجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها عليك، واجعلنا قابليها ، وأتم ها علينا ، وت ب علينا إن ك أنت التواب الرحيم ]رواه الطبراني والحاكم وغيرهما. *قولهَتعالىَ:{ونىلناَمنَالسماءَماءَمبار اًَفأنبتناَبهَجناتَوحبَ الحصيدَ.َوالنخلَباسقاتَلهاَطلعَنضيد.َرىقاًَللعبادَوأحييناَبهَبلدةَميتاًَ ذلكَالخروجَ}.َ ال لامَعلىَالآياتَلهَوجهان:َ -الوجهَالأول : بعد أ ن دعا الله تعالى العباد إلى النظر والتفكر في بناء السماء، ،ومد الأرض، وإرساء الجبال، وإنبات النباتات والزروع والأشجار؛ فبعد هذا دعاهم إلى النظر والتفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم ، وملابسهم ومراكبهم ، ومرافق حياتهم ، وهو الماء الذي أنزله من السماء، وبارك فيه حتى أنبت به سبحانه جنات مختلفة الثمار، ومتنوعة الفواكه ، شكلاً وطعماً وصورة وهيئة ووقتاً ، مع اختلاف منافعها ، وتنوع أجناسها، كما أنبت سبحانه بماء السماء الحبوب كلها ؛ على تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها وأشكالها ومقاديرها ، ثم أفرد سبحانه ذكر النخل م متناً بهذه النعمة لما فيه منا العجائب وكثرة المنافع ، وتميزه عن بقية الأشجار بخصائص خصه الله تعالى بها – وبيان هذا يحتاج إلى كلام طويل ، ولكنه لا يخفى على من أراد الاطلاع على ذلك - .

عدد الصفحات ٣٠

31 ثم ذكر سبحانه تعهده برزق العباد، وتدبير أقواتهم ، وذك رهم بنعمه لعلهم يشكرونه على ذلك ، فإن ه هو ربهم ومربيهم ، وممدهم ومغذيهم ، فجعل ذلك رزقاً للعباد ، فإن هم عباده وهو م لِ كهم ومالكهم ، فهم يعيشون تحت سقف سمائه ، وعلى وجه الأرض التي مهدها لهم ، ويمدهم بطعامهم وشرابهم ورزقهم وغذائهم ، فليذكروا رحمته ، وليشكروا نعمته ، وليتمسكوا بشريعته التي فيها صلاح دنياهم وآخرتهم . - الوجهَالثاني : قوله سبحانه : {وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج}. وفي هذا دليل آخر على قدرة الله تعالى على الإعادة ، ويبين للمنكرين أن إعادة الأموات وحشرهم بعدما صاروا ت راباً هذا له نظائر وأشباه مشهودة بالعيان أمامهم ، وذلك أن ه سبحانه أنبت من هذه الحبة أو تلك النواة الدفينة في بطن الأرض أنبت أصنافاً من الزروع والأشجار والثمار ، وهذا دليل ظاهر ي بصره أهل البصائر ، ويستدلون به على إثبات البعث ، وكيفية الإعادة لهذا الجسم الذي تحتفظ الأرض بأجزائه مهما تفرقت وتبددت وتباعدت ، ومن تلك الأجزاء الدفينة ي نشئ الله تعالى النشأة الآخرة . ولذلك قال سبحانه : {كذلك الخروج}أي: مثل هذا الإخراج المشهود المعاين أمامكم : الفواكه والثمار والحبوب ، كذلك ي خرجكم من الأرض بعدما د فنتم فيها . قال تعالى :{والله أنبتكم من الأرض نباتاً . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً }. وفي( الصحيحين ) وغيرهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :ما بين النفختين أربعون ] قيل لأبي هريرة رضي الله عنه: أربعون يوماً ؟ قال : أ ب ي ت . قيل : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت . أي : لا أجيب . أ ب ي ت الجواب عن ذلك .

عدد الصفحات ٣١

32 قيل: أربعون سنة ؟ قال : أبيت . قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :ثم ي نزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ي نبت البقل ، وليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظم واحد وهو ع ج ب الذنب ، ومنه ي رك ب الخلق يوم القيامة ]. قال الحافظ المنذري: ولمسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً ، منه ي رك ب الخلق يوم القيامة ] قالوا: أي عظم هو يا رسول الله ؟! قال [:عجب الذنب] قال المنذري: ورواه مالك باختصار؛ قال[:كل ابن آدم تأكله الأرض إ عجب الذنب، منه خلق ومنه يرك ب] قال المنذري: ع ج ب الذنب بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم ، وهو العظم الحديد – أي: القوي- يكون في أسفل الصلب . اهـ. فمن ذلك العظم وهو عجب الذنب الصغير الحجم يركب الله تعالى الإنسان ويعيده ويخرجه تارة أخرى . *قولهَتعالى:{َ ذبتَقبلهمَقومَنوحَوأصحابَالرسَوثمودَ.َوعادَ وفرعونَوإخوانَلوط.َوأصحابَالأي ةَوقومَتبعَ لَ ذبَالرسلَفحقَ وعيدَ}.َ ي بين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أ ن تكذيب الرسل وإنكار المعاد ذلك عادة كل جبار عنيد ، ي كذب بالحق بعد ما تبين ، وي نكر الواقع بعد ما اتضح ، ومنهم قوم نوح وم ن بعدهم الأمم المذكورة . لا تنس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تبلى أجسادهم كما ثبت في الأحاديث ؛ وكذلك ي كرم الله تعالى بعض الأولياء بهذا، فلا تبلى أجسادهم، كما ب ي ن ت ذلك م فصلاً في كتاب : ( الإيمان بعوالم الآخرة ) مع الأدلة ، فهم مستثنون من هذا العموم .

عدد الصفحات ٣٢