المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة ق

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ١ من ٨

1 بسم الله الرحمن الرحيم أيها القارئ الكريم : اقرأ سورة الفاتحة كلما قرأت في كتاب من كتبي ، واهدِ ثوابها إلى العلامة الشهير ، والعارف الكبير ، حامل لواء الحجة بالكتاب والسن ة ، المفسر والمحدث بالأسانيد المتصلة ، عن كبار المحدثين – في حلب ودمشق والمغرب وغيرها من البلاد الإسلامية – بإجازات عالية الأسانيد – محفوظة عندي – سيدي وشيخي والدي الكريم ، الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني ، رحمه الله تعالى ، وجزاه عن المسلمين خيراً ، إنه هو السميع العليم . آمين .

عدد الصفحات ١

2 حول تفسير سورة ق بق َل َمَ الإمامَالمفسّرَالمحدّثَالشيخَ عبدَاللهَسراجَالدينَالحسينيَ رضيَاللهَعنهَ

عدد الصفحات ٢

3 بسمَاللهَالرحمنَالرحيمَ الحمد لله رب العالمين ، والص لاة والسلام على سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين ، وعليهم وعلى آله وصحبه أجمعين . سورةَ{قَ} هذه السورة الكريمة قد جمعت أصول الإيمان، وبي نت ذلك على ض وء البراهين والأدلة القاطعة : فقد تضمنت ذكر التوحيد ، وإثبات وجود الله تعالى الحق ، وإثبات الن ب و ات ، كما دل على ذلك {والقرآن المجيد} كما تضمنت ذكر إثبات صفات الله تعالى، ونزاهته عن النقص ، فإن هذا القرآن م جيد ، ليس من كلام البشر ؛ بل هو من كلام خالق البشر ، ن ز له على نبيه ورسوله سيدنا محمد سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم . كما تضمنت أيضاً الإيمان بالملائكة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد }. كما تضمنت ذكر الرسل:{كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس...} الآيات. كما تضمنت ذكر القيامتين : الصغرى وهي قيامة الإنسان ، والكبرى وهي الآخرة . وتضمنت ذكر عالم الدنيا وعالم الآخرة . وذكر وفاة الإنسان ، وحال وفاته ، ويوم م عاده . كما تضمنت إحاطة علم الله تعالى وإحاطة قدرته بهذا الإنسان ؛ حتى عِ لمه سبحانه بوساوس الإنسان الخفية . كما تضمنت ذكر حال أهل الجن ة وأهل النار :

عدد الصفحات ٣

4 وكيف يساق أهل النار إلى النار وي ل قون فيها . وكيف يدخل أهل الجنةِ الجنة ، واستقبال الملائكة عليهم السلام وترحيبهم ، وتحية الله تعالى لهم ، وخطابه وبشائره لهم . كما تضمنت ذكر كمال قدرته بذكر العوالم المحيطة بالإنسان ؛ وهي السماوات والأرض وما بينهما دون تعب ولا نصب . ثم ذكر الله تعالى حالات القيامة ، وما يعتري الأرض من ت غ ي ر ات ، وحال الحشر والنشر وقدرته على ذلك ، وأنه عليه يسير . وذكر فيها أموراً وأموراً ... ومِ ن ث م كان صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في المجامع وفي العيدين ، وصلاة الفجر : كما جاء في الحديث ، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في العيد ب {ق}و{ اقتربت}أخرجه مسلم وأصحاب السنن. وعن أم هشام بنة الحارث رضي الله عنها قالت :( ما أخذ ت {ق والقرآن المجيد }إ مِ ن فِ ي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يقرأ بها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس ) أخرجه مسلم وأحمد وغيرهما . وعن أم حبيبة خولة بنت قيس الجهنية رضي الله عنها قالت : (كنت أسمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة وأنا في مؤخر النساء ،فأسمع قراءته {ق والقرءان المجيد}على المنبر وأنا في مؤخر المسجد ) أخرجه ابن سعد . بسمَاللهَالرحمنَالرحيمَ {ق والقرآن المجيد} افتتح الله تعالى هذه السورة الكريمة باسم حرف{ق}وقد اختلف العلماء في المراد بأسماء الحروف المفتتح بها السور ، كل تكلم بما انتهى

عدد الصفحات ٤

5 إليه علمه، والظاهر – والله تعالى أعلم – أن المراد هنا ب {ق}الإشارة إلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي أ نزل الله تعالى عليه القرآن المجيد ، وذلك من باب اقتران ذكر الم ن ز ل والنازل عليه . وفي هذا بيان فضل هذا القلب الشريف الذي هو منزل القرآن المجيد ، فإن ه قلب رفيع المستوى على جميع القلوب ، وله م جده وشرفه وفضله على ما عداه من القلوب ، ولذلك خص به نزول القرآن المجيد ، وإلى هذا الشرف والمجد وفضل القلب الشريف ت رشدنا الآية الكريمة : قال تعالى :{نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين }أي: نزل جبريل عليه السلام أمين الله تعالى على و ح يِ هِ ، ن ز ل بهذا القرآن المجيد على قلبك يا رسول الله خاصة من بين سائر القلوب . وذلك لأن الله تعالى أعد ه لذلك إعداداً خاصاً ، وأمده فتحمل بذلك أموراً؛ لا يوجد ذلك عند غيره و فأعطاه قو ة القلب وثباته . فإن نزول القرآن على القلب أمره عظيم ، ويحتاج إلى قو ة من الله تعالى وثبات وتحم ل، كما ي شير إلى ذلك قوله تعالى :{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون }. فليتفكر العاقل في قوة قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكمال استعداده ، وقو ة تحمله لتنزلات القرآن المجيد . فإن تنزل م رة ببعض آيات هذا القرآن لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ، ول ت ف ت ت الجبل وتصد ع ، فقلبه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم له استعداد خاص وقو ة خاصة ،لا يساويه فيه غيره ، نز ل الله تعالى عليه هذا القرآن وجمعه له . قال تعالى :{لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه }. فتكفل سبحانه القوي المتين ، بأن يجمع له القرآن في قلبه على وجه لا ينساه ، وأن ي قرئه إي اه مرت لاً مجو داً ، في حين أن ه صلى الله عليه وآله

عدد الصفحات ٥

6 وسلم أم ي لم يتعلم الكتابة ولا القراءة ، وأن ي ب ي ن له معاني هذا القرآن الكريم وأحكامه وما هنالك ، حتى يبين للناس ما ن ز ل إليهم ، قال تعالى :{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}. وهذا كله يدلك على قوة هذا القلب الشريف ، وقو ة استعداده استعداداً خاصاً به، ويدلك على سعة القلب الشريف ، ويدلك على طيب القلب الشريف وطهره المحمدي . فلما كان قلبه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم خير القلوب وأزكاها، وأوسعها وأقواها، وأتقاها وأنقاها، وألينها وأر ق ه ا، وأوعاها وأيقظها؛ لذلك خ ص بنزول هذا القرآن المجيد عليه ، كما تفيده إشارة ضمير الخطاب من رب الأرباب في قوله تعالى :{نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين }أي: على قلبك خاصة من بين سائر القلوب جميعها . أم َاَأنَقلبهَالشريفَصلىَاللهَعليهَوآلهَوسلمَهوَخيرَالقلوب: فقد جاء في : ( مسند ) أحمد وغيره ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير القلوب فاصطفاه لنفسه ، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون عن دينه . فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سي ئ ) . وأم َاَأن ََقلبهَالشريفَصلىَاللهَعليهَوآلهَوسلمَهوَأى ىَالقلوبَ وأطهرها : فقد ش ق صدره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم منذ صغره واستخرج منه حظ الشيطان ، كما جاء ذلك في صحيح مسلم وغيره . قال في ( مجمع الزوائد): رواه أحمد والبزار ، والطبراني في : ( الكبير) ورجاله موثقون . اهـ قال عبد الله : المعلوم أن الموقوف فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع – فافهم .

عدد الصفحات ٦

7 وقد فص ل ت الكلام في الشمائل الشريفة على شق صدره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتعدد ذلك، والحكمة فيه؛ فارجع إليه تجد ما ينفعك . وأماَسعةَقلبهَالشريفَصلىَاللهَعليهَوعلىَآلهَوسلمَفي فيكَدليلاًَعلىَ ذلكَأن َهَاتسعَلجمعَهذاَالقرآنَالعظيمَفيه . قال تعالى :{إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه }. فهو سبحانه تكفل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أ ن يجمع له القرآن في صدره- أي: قلبه الشريف – لأن القلب في الصدر ، وأ ن ي ق رئه إي اه على أسلوب خاص دون الأساليب المعروفة التي ي قرأ فيها كلام الناس. فإن للقرآن تلاوة خاصة ي عل مه الله تعالى ذلك ويقرئه بذلك ؛ وإن كان أ م ي اً لم يقرأ ولم يكتب صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ويكفيك دليلاً على قو ة القلب الشريف قوله تعالى :{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله }الآية. فالجبل العظيم الشامخ الرأس ، الواسع الكبير ، كما يدل على ذلك التنوين في قوله تعالى :{جبل}أي: عظيم شامخ، فإن هذا الجبل مع صلابته وضخامته وقوته لا يتحمل ن ز لة واحدة قرآنية عليه، وهكذا جميع الجبال لا تقوى على ذلك . فقلب سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي نزل هذا القرآن الكريم عليه بأسراره وأنواره ، وحروفه ومعانيه، وروحه وحقائقه ، ومعارفه ومفاهيمه العلوية ؛ حقاً إن هذا القلب الشريف هو أوسع القلوب وأقواها . قال تعالى :{وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنتتدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }. فأفاض من بحر قلبه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم على قلوب الذين ات بعوه ، وأشع النور في مرايا قلوبهم ؛ فصارت مشارق أنواره ومرايا إشعاعه .

عدد الصفحات ٧

8 ومن تدبر قولهتعالى :{ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }فهم المعنى. وإذا فهمت المعنى هِ مت وعذر ت عش اق ه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما ل مت ، وما أنكرت وما عِ ب ت عليهم . ويرحم الله تعالى القائل : وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم و ماَوأ َنََّقلبهَالشريفَصلىَاللهَعليهَوعلىَآلهَوسلمَأتقىَالقلوبَ وأسلمهاَوأنقاهاَ:َ روى أبو داود وغيره ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه و على آله وسلم قال[:لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً ، فإني أحب أ ن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ] وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله : أي الناس أفضل ؟ قال [:كل مخموم القلب صدوق اللسان] قالوا: صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم [:هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ، ولا غل ولا حسد ] ماَأ َن ََقلبهَالشريفَصلىَاللهَعليهَوآلهَوسلمَهوَألينَالقلوبَوأرقها:َ قال تعالى :{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }الآية. فما كان صلى الله عليه و على آله وسلم غليظ القلب ، بل كان لي ناً رقيق القلب ، وأحب القلوب إلى الله تعالى أرقها وألينها .

عدد الصفحات ٨

9 روى الطبراني،عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه و على آله وسلم قال [:إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض ، وآنية ربكم : قلوب عباده الصالحين ، وأحب ها إليه ألينها وأرقها ] و انَصلىَاللهَعليهَوعلىَآلهَوسلمَقدَأ َعطيَيقظةَالقلبَعلىَوجهَيقرأَ القرآنَنائماًَويقظانَ,َف انتَعينهَتنامَول نَقلبهَيقظانَ:َ جاء في( صحيح) مسلم، عن عياض بن حمار رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال[:يقول الله تعالى: كل مال نحلت ه عبداً حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كل هم ، وإن هم أتتهم الشياطين فاج ت ال ت ه م عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمر ت ه م أ ن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض ف م ق ت ه م عرب ه م وعجم ه م إلا بقايا من أهل الكتاب . وقال – أي: قال الله تعالى – لي : إن ما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتاباً لا ي غسله الماء ، تقر ؤ ه نائماً ويقظان ]الحديث. وفي (صحيح) البخاري وغيره ، عن عائشة رضي الله عنها ، قلت : يا رسول الله أتنام قبل أن توتر ؟ فقال [:يا عائشة إن عيني تنام ولا ينام قلبي ]صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وروى البخاري وغيره ، عن جابر رضي الله عنه قال : جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو نائم ، وفي رواية الترمذي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال[:إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي . فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً .

عدد الصفحات ٩

11 قال: فاضربوا له مثلاً فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعياً . فمن أجاب الداعي : دخل الدار وأكل من المأدبة . ومن لم ي جب الداعي : لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة . فقالوا : أو ل وها له يفق ه ه ا . فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : فالدار الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد عصى الله تعالى ]الحديث. وروى الدرامي في (سننه) عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، كيف علمت أنك نبي حين استنبئت ؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [ :يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة ، فوقع أحدهما على الأرض ،وكان الآخر بين السماء والأرض . فقال أحدهما لصاحبه : أهو هو ؟ قال : نعم . قال : فزِ ن ه برجل . فو زِ ن ت به ف و ز ن ت ه . ثم قال : فزِ ن ه بعشرة . فو زِ ن ت بهم فرج ح ت هم . ثم قال : زِ ن ه بمائة . فو زِ ن ت بهم فرجحتهم . ثم قال : زِ ن ه بألف . فو زِ ن ت بهم فرجحتهم ؛كأني أنظر إليهم ي نتثرون علي من خفة الميزان . فقال أحدهما لصاحبه : لو وزنت ه بأمته لرجحها ]

عدد الصفحات ١٠

11 ورضي الله تعالى عن حسان بن ثابت يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مادحاً له ومستنجداً به : يا ركن معتمِ د وعصمة لائِ ذ وملاذ منتجع وجار مجاور يا من تخي ره الإله لخلقه وحباه بالخلق الزكي الطاهر أنت النبي وخير ع صبة آدم يا م ن يجود كفيض بحر زاخر ميكال معك وجبرئيل كلاهما مدد لنصرك من عزيز قادر ويرحم الله تعالى القائل : إليك وإلا لا ت ش د الركائب وعنك وإلا فالمحدث كاذب وحبك يا خير النبيين مذهبي وللناس فيما يعشقون مذاهب قولهَتعالىَ:َ{والقرءانَالمجيدَ}َ ال لامَعلىَذلكَلهَوجهانَ:َ الأولَ:َالمجيدَهوَالمتصفَبالمجدَ,َوالمجدَهوَ:َعلوََّالمقامَوشرفَ الرتبةَ.َ والقرآن الكريم هو مجيد ، له المجد وعلو المقام على ما سواه ؛ منَحيث إنه كلام الله تعالى بدأ منه ، وصدر عنه ، فهو كلامه وصفته سبحانه ، ومنَحيث علو مقامه في الإعجاز القولي ، والإعجاز المعنوي ،وما جاء به من الأخبار الغيبية ، ومنَحيث إنه تبيان لكل شيء ، وتفصيل لكل شيء ، ومنَحيث إن قراءته مضاعفة الثواب على تلاوة غيره ، ومن حيثَومنَحيثَ.َ.َ. وهكذا فهو قرآن مجيد في الملأ الأعلى ، فإن ه ت ش ر ف به أم الكتاب الأول ، قال تعالى : {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}. كما تشرف بكتابته اللوح المحفوظ ، قال تعالى : {بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ }.

عدد الصفحات ١١

12 ولذلك أمر الله تعالى الملأ الأدنى أن يع ظ موه وي مج د وه ، ويعظموا ص ح فه المكتوب فيها . وقال تعالى : {إنه لقرءان كريم. في كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون }. وقال صلى الله عليه وآله وسلم[:لا يمس القرآن إلا طاهر] وإليكَبعضَال لامَتفصيلاًَوإيضاحاًَلماَسبقَ:َ -أوَّلًَ : القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود ، فهو كلامه منه بدأ صدوراً ، وإليه يعود و ص فاً ، فهو المتكلم به سبحانه . وقد تلقفه سيدنا جبريل الأمين عليه السلام عن حضرة الله تعالى ، ثم ألقاه إلى النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ كما تلقاه عن الله تعالى . قال سبحانه : {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم }. فتلقى تلاوته نصاً عن الحقبواسطة سيدنا جبريل عليه السلام . وأما تنزله إلى أم الكتاب ، ثم إلى اللوح المحفوظ ، فهو تنزل كتابي . وهو قول الله تعالى حقاً :{إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}. وهو كلامه سبحانه بنص :{وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه }الآية. فهو صفة من صفاته – أي: كلامه- وليس خ ل قاً من مخلوقاته . وكيف ي تصور أ ن يكون القرآن مخلوقاً ، وقد قال سبحانه :{إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون }. فالمخلوق محتاج إلى أن يقول الله تعالى له:{كن}حتى يكون، وأما قوله وكلامه سبحانه فإنه صفته ، وصفاته ليست مخلوقة ، بل هو قديم الذات والأسماء والصفات .

عدد الصفحات ١٢

13 فالقرآن الكريم هو كلامه سبحانه وقوله بنص:{إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً }فكيف يحتاج قوله إلى قول :{كن}؟ هذا تناقض باطل. فإن قوله :{كن}به التكوين، ولكنه غير محتاج إلى تكوين ، بل هو كلامه سبحانه وصفته ، فتمج د وتنز ه عن أ ن يكون كلامه وقوله مخلوقاً ، فالقرآن غير مخلوق بل هو قرآن مجيد . وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ :يقول الله تعالى: م ن شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام : كفضل الله تعالى على خلقه ] إذاً كلامه غير مخلوق ، وكلامه صفته وليس من خلقه . فما أمجد هذا القرآن ، وما أعلى مقامه ! إن ه كلام الله تعالى الحميد المجيد ، إنه كلام ذي العرش المجيد . وعن أم المؤمنين رضي الله عنها : (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أ وحي إليه وهو على ناقته وضعت جِ رانها فما تستطيع أن تتحرك حتى ي س رِ ي عنه ) ثم تلت رضي الله عنها قوله تعالى : {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } . -ثانياًَ: ومِ ن م ج د هذا القرآن الكريم وعلو مقامه أ ن ه معجز ، فقد علا عن رتبة كلام البلغاء والفصحاء ، والعارفين والعلماء ، والأذكياء والحكماء ، فأعجز الخليقة جمعاء بنصوص كلماته ، وبمعاني ومعارف سوره ، وآياته وأحكامه وتشريعاته ، وأنبائه وإخباره عن المغيبات ، مِ م ا م ضى وما هو آت ، وتبيانه لكل شيء ، وتفصيله لكل شيء . وصنوف إعجازه ؛ ووجوه إعجازه؛ أعجزت البشر عن استقصائها وهذا من جملة إعجازه . الجران : هو باطن العنق . رواه الإمام أحمد ، والحاكم وغيرهما .

عدد الصفحات ١٣

14 وقد صنف العلماء الأكابر كتباً في بيان وجوه الإعجاز ، وكل تكلم حسب ما ف تح عليه ، وما انتهى فهمه إليه ، ولكن القرآن المجيد فوق ذلك كله ، فإن ه أعلى من ذلك وأمجد ، لأن ه القرآن المجيد الذي تتقاصر العقول والأفهام عن إحاطة العلوم التي جاء بها ، وبحار المعارف التي يفيض بها ، فما عرفوا إلا قليلاً محدوداً من كثير ، لا حد له ولا انتهاء . ويجب أن ت ع رف ذلك حقاً ، وتؤمن بذلك يقيناً ، ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في ( سنن ) الترمذي [ :يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورت ل كما كنت ترتل في الدنيا ؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ] وهكذا يقرأ في الجنة ويترقى في المعارف والدرجات إلى حيث لا ينتهي. فأهل الجنة في الجنة لا يزالون يقرؤون القرآن ، ويفتح الله تعالى عليهم من علومه ومعارفه ما لا يعلمونه ولا يعرفونه من قبل ، لأن ه القرآن المجيد ، كلام الحميد المجيد . اللهم اجعلنا منهم بجاه نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم – آمين . وم َن ََثم ََ انَأهلَالقرآنَهمَأهلَاللهَوخاصتهَ:ََ روى النسائي وابن ماجه ، والحاكم بإسناد حسن ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [:إن لله أه لِ ين من الناس ] قالوا: من هم يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم [:أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ] اللهم اجعلنا منهم. الوجهَالثاني: قوله تعالى :{والقرآن المجيد}جملة ق َ س م ، فبعدما ذكر سبحانه شرف المنزِ ل الطيب المبارك ، وهو قلبه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ذكر النازل عليه وهو القرآن المجيد ، جاء بذلك على سبيل القسم ، وفي ذلك تنبيه إلى عظمة هذا القرآن ومجده الرفيع .

عدد الصفحات ١٤

15 وقد طوِ ي الجواب في ضمن الجملة القسمية ، بمعنى أن الجملة القسمية تتضمن الجواب وتدل عليه . فإن الأقسام الإلهية قد يأتي بعدها جواب مذكور كقوله تعالى :{والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين }. وقد يطوى الجواب في جملة القسم بحيث تدل جملة القسم على الجواب ، وذلك ي عرف من سياق الكلام بعدها – أي: بعد القسم الإلهي -. والمعنى أ ن ه أقسم سبحانه بالقرآن المجيد على ح قِ ي ة رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأ ن ه حقاً رسول الله لا يحتمل غير ذلك، وعلى أ ن ما جاء به من الأخبار عن الآخرة وغيرها فهو حق وحقيقة ، لا بد من تحققها ووقوعها ، ي شهد كل ذي عقل وروي ة. ثم ذكر سبحانه الأدلة على حقيقة ذلك بقوله :{أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها }؟!! فقوله سبحانه بعد القسم :{بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب }نظير قوله تعالى:{أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس }. وفيهذا بيان إنكارهم كونه رسولاً لأن ه بشر . وقوله سبحانه بعد ذلك مخبراً عن الكفار :{أءذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد }ففي هذا إنكارهم قضية الحشر والآخرة. فجاء القسم بقوله تعالى :{والقرآن المجيد}يرد عليهم إنكارهم، فيثبت أن سيدنا محمداً هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقاً ، وأن الآخرة هي حق . أما إثبات أن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : فإن هذا القرآن المجيد م عجز ، وقد جاء به إلى الناس سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أ م ي لم يقرأ ولم يكتب ، فلا يمكن أ ن يكون من تلقاء نفسه؛ ولا من تلقين من غيره؛ لأن ه معجز ، ولا مِ ن أخذه عن كتب

عدد الصفحات ١٥

16 من قبله ؛ لأن ه أم ي لم يقرأ ولم يكتب ، فهو إذاً حقاً كلام الله تعالى ، أنزله عليه ، وأمره أن يبلغه للناس ’، فهو رسول الله حقاً بشهادة مجيئه بهذا القرآن المجيد ، لا يحتمل لدى ميزان العقل غير ذلك. قال الله تعالى :{وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون }. وقد جاء هذا القرآن المجيد المعجز– الذي هو كلام الله تعالى حقاً لا يحتمل أن يكون من كلام البشر – جاء يخبر عن قضية الآخرة ، ويقيم الأدلة والحجج على حقي ة ذلك، وتحقق وقوعها بأدلة عقلية ، ومرئية ، ونفسية، وآفاقية ؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى يؤفكون ؟! *{بلَعجبواَأنَجاءهمَمنذرَمنهمَفقالَال افرونَهذاَشيءَعجيبَ}.َ كان الكفار في الأمم الماضية إذا جاءهم رسول من عند الله تعالى ينكرون عليه دعواه الرسالة، وكذلك كفار قريش وغيرهم ل م ا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ وكان إنكارهم قائماً على مزاعم باطلة: -أولًَ: دعواهم أن رسل الله تعالى يجب أن يكونوا من الملائكة لا من البشر ، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :{فقالوا أبشر يهدوننا}الآية. وقال تعالى مخبراً عن قوم نوح :{فقال الملأ الذين كفروا من قومه من نراك إلا بشراً مثلنا }الآية. وقال تعالى :{قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين }. -ثانياًَ: ز ع م الكفار أن رسالة الله تعالى إن كانت تجوز أن يؤتيها للبشر؛ فينبغي أن تنزل على أكابرهم المجرمين . قال تعالى :{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله }.

عدد الصفحات ١٦