13 نبي الأخلاق v يــا رَسُــولَ اللهِ حُــبُّـكَ في مُهْجَتِي كالدُّرِّ فِي الصَّدَفِ والشَّـذَى في الرَّوْضَةِ الأُنُفِ والفُرَاتِ العَذْبِ في الدِّيَمِ لَيْـسَ كالمُخْتـارِ فِي البَـشَــرِ فَهْوَ كُلُّ السَّمْـــعِ والبَصـرِ واحــدُ الـتَّـارِيــخِ والسِّيَــرِ وإمــامُ الرُّسْــلِ والأُمــمِ دَمـــعَــتْ عَيْـنـي لِـمَـــرْآهُ وهَـفَـى قلْبِــي لِلُـقْـيـــاهُ خَـصــهُ بالفَــضــلِ مَــولاهُ فَهْوَ فِي الأخْيـارِ كالعَلَــمِ « :× بالخلق الكريم، ولا غرابة؛ فهو القائل×بُعث . والأخلاق نوعان:)1(مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ أخلاق فطرية، وهي التي جُبل عليها الناس، فكل الناس يحبون النوع الأول: )، وينظر: تخريج أحاديث 20571)، والبيهقي670/2أخرجه بهذا اللفظ: الحاكم )1( .)34،26/3)،259،120/2الإحياء )، والبخاري في 8939)، وأحمد31773 عند: ابن أبي شيبة«وهو بلفظ ).7978)، وفي شعب الإيمان20572)، والبيهقي273الأدب المفرد
عدد الصفحات ١٢٩14 الصدق ويكرهون الكذب، ويحبون الوفاء ويكرهون الغدر، ويحبون الكرم ويكرهون البخل، ويحبون مكارم الأخلاق العامة ويكرهون سفاسفها. ما هو من تزكية هذه الأخلاق وتقويمها وتسديدها، وحث النوع الثاني: ؛ ليتمم مكارم الأخلاق، ولهذا ×الناس عليها، وهذا هو الذي بعث به النبي هو المذكرة التفسيرية، والقدوة ×احتوى دينه على أعظم الأخلاق، وكان العملية لهذه الأخلاق؛ يدعو إليها ويؤمن بها. المحك العملي: v نعرف اليوم في حياة البشرية -بل ومنذ قرون التاريخ كلها- أن كثيرًا من الدعوات والحركات والنظريات تتكلم عن قيم ومعان لا تطبقها، فلو نظرنا إلى الشيوعية لوجدناها تتكلم عن المساواة، والعدالة، وحقوق العمال، ولو نظرنا إلى الماسونية وقوانينها وأنظمتها لوجدناها كذلك تتكلم عن العدل والمساواة، ولو نظرنا إلى جميع النظريات التي قامت في الشرق أو الغرب من النظريات الديمقراطية، أو الرأسمالية، أو الليبرالية، أو غيرها، القديم منها والجديد؛ لوجدنا أن ثمة كلامًا جميلاً يقال، وثمة قيم تبث، وشعارات ترفع؛ لكن المحك العملي هو الذي يصدق هذه الأشياء أو يكذبها، فكم من الشعوب أبيدت، وكم من الأموال سرقت، وكم من المظالم ارتكبت، وكم حصل من التعسف والعدوان والظلم باسم الحرية والعدالة والإنصاف، أما فكان شيئًا آخر مختلفًا. ×محمد مع الخدم والعبيد الذين يعملون، متواضعًا قريبًا منهم، يستمع ×كان «إلى شكاويهم، حتى إن المرأة تأتي إليه فيقول لها كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٠1 .)1( وتحدثه×. فيأتيهاأَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ هذا النبي العظيم هو قائد جيش، زعيم أمة، مؤسس ملة، جبريل ينزل عليه بالوحي صباحًا ومساءً، ومع ذلك يذهب إلى امرأة في مكان ما، وماذا عسى هذه المرأة أن تشتكي من سيدها، أو من مولاتها، أو من أولادها، أو من العمل ومشقته، أو من أشياء اقتطع جزءًا من وقته ×ربما تبدو في نظرنا أمورًا تافهة أو صغيرة؛ لكنه تعاطفًا مع مشكلة هذه المرأة. هموم الصغار والضعفاء: v في الوقت الذي كان العالم فيه يضج بالطغيان×وأعجب من ذلك أنه كما قال الشاعر: أَتَيتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِم إِلاّ عَلى صَنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّـتِـهِ وَقَيصَرُ الرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ عَمِ . يعرض )2(« يقول للخادم أحيانًا×ومع ذلك كان النبي على الخادم: هل تحتاج شيئًا؟ هل تريد أن تقول شيئًا؟ هل في نفسك أمر من الأمور تحب أن تبوح به؟ )، 4818)، وأبو داود2326)، ومسلم14078،13264،12218أخرجه: أحمد )1( )، وينظر: مخت252/15)،88/4)، وابن عساكر4527)، وابن حبان3472وأبو يع )، والبداية والنهاية 5810)، ومشكاة المصابيح 129/1)، وتاريخ الإسلام 285الشمائل ).9( )154/2)، وتخريج أحاديث الإحياء40/6( .)2102)، وينظر: السلسلة الصحيحة16120أخرجه أحمد )2( كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣١1 متى عرف الناس مثل هذا اللون من التواضع والبساطة والقرب من الضعفاء والخدم والموالي وغيرهم؟! التعامل مع الصغار والأطفال، وهم جزء ×وأيضًا: نجد أن من هديه لا يتجزأ من الحياة، فهم صغار اليوم كبار الغد، كان أبو عُمير أخو أنس طفلاً هذا الطفل واندماجه ×صغيرًا، وكان معه عصفور يلعب معه، فرأى النبي مع هذا الطائر وشغفه به كما نلاحظه في صبياننا وأطفالنا، وهكذا هي طبيعة يومًا من الأيام وهو حزين ×الطفولة وولعها بهذه الأشياء، فيأتي إليه النبي .)1(« فيقول×لموت هذا الطائر، فيسأله النبي سبحان الله! هذا القلب الكبير المشحون بالقضايا العظيمة والمهمة والضخمة لم يمنعه ذلك من أن يجد مكانًا في قلبه لهمِ طفلٍ صغير يلعب مع عصفور، فسأله عنه ويبادله الأحزان لموته!! هموم النساء: v أسلوبه في التعامل مع النساء، سواءً كن أزواجه في بيته، ×من هديه ، وعرض مشكلات كثيرة ×أو من نساء المجتمع من حوله، في سؤالهن له ملجئًا لهؤلاء، حتى إنه في يوم من الأيام نهى عن ×عليه، فقد كان النبي عن ×ضرب النساء؛ لأن العرب كان من عادتهم ضرب النساء، فنهى النبي ذلك، وأمر أصحابه أن يحترموا المرأة، وألا يضربوها ولا يعتدوا عليها. )، والبخاري 14103،12158)، وأحمد 26292،4042أخرجه ابن أبي شيبة )1( )، والترمذي 3720)، وابن ماجه 4969)، وأبو داود 2150)، ومسلم 6203،6129( .)1989،333( كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٢17 :× يشكون وقالوا للنبي×وبعد ذلك جاء بعض الصحابة إلى النبي في ضربهن، فلما كان من × النساء على أزواجهن. فرخص النبي) 1(ذَئِرْنَ يشتكين من أزواجهن، فقام النبي ×الغد جاءت نساء إلى بيت رسول ا « خطيبًا، وقال × « :× نعم، ليسوا من الخيار، بل الخيار كما قال.)2(أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ .)3(خَيْـرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيـْرُكُمْ لأَهْلِي هموم الناس: v كلها مع الناس، إلا ما قل، فهو مع الناس في×لقد كانت حياة النبي المسجد، ومع الناس في البيت، ومع الناس في السفر؛ حتى إن الذي يقرأ ! جلوسه في المسجد ×؛ كم عدد أسفاره×سيرته يتعجب من بركة وقته أحيانًا كان يستغرق أيامًا، كما جاء في اعتكافه في شهر رمضان، وأنه اعتكف .)4(العشر الأول، ثم العشر الأواسط، ثم العشر الأخيرة مع الناس في متقلبه، وذهابه وإيابه، وسفره وإقامته، ×وهكذا تجد النبي ذئرن: أي اجترأن ونشزن وغلبن. )1( )، وابن ماجه2146)، وأبوداود2219)، والدارمي17945أخرجه عبد الرزاق )2( .)14553)، والبيهقي205/2)، والحاكم4186)، وابن حبان1985( )، وابن حبان 3895)، والترمذي 1977)، وابن ماجه 2260أخرجه الدارمي )3( )، وفي الشعب15477)، والبيهقي853( )363/19)، والطبراني في الكب4186،4177( .)11014،8718،4220( )،3684)، وابن حبان 1172،1167)، ومسلم 7683أخرجه عبد الرزاق )4( .)8350)، والبيهقي994( )412/23والطبراني في الكب كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٣18 ×ويدخلون عليه بيته ويستأذنونه في كل الأحوال، ومع ذلك كان النبي محافظًا على رباطة جأشه، وعلى حلمه وصبره، فلا يقع منه مع أحد غضب ولا انفعال، مع كثرة ما يقع من الناس. فمثلاً: يأتي أعرابي بخشونة وغلظة البادية فيجبذه بردائه من ورائه، فحمَّر رقبته، ويقول: احمل لي على بعيري هذين، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا .)1( ثم يأمر له بعطاء×من مال أبيك. فيسكت عنه النبي ، فيأتي ويقول: إنكم يا بني عبد المطلب ×وآخر له دَين على النبي أصحاب مطل. أي: أنتم أهل مماطلة وتتأخرون في سداد الديون، فيضحك .)2( ويأمر بأن يُسدَّد له حقه ويوفَّى دينه ×النبي -وهو من البادية أيضًا- والصحابة مجتمعون، ×وجاء آخر إلى النبي ، ×فقال: أيكم محمد؟ هكذا بغير مقدمات، فأشار الصحابة إلى رسول ا . فقال الرجل للنبي « :×فقال: يا ابن عبد المطلب فقال له النبي : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ في نفسك. فقال: × . فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آللَّه أرسلك إلى الناس« . قال:أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلِّي الصلوات «كلهم؟ فقال . قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن «الخمس في اليوم والليلة؟ قال )، وأبو داود 1057)، ومسلم6088،5809)، والبخاري12604أخرجه عبد الرزاق )1( .)439/1)، والآداب الشرعية153/9)، وينظر: شرح مشكل الآثار4776)، والنسائي4775( )،2237( )37/2)، والحاكم5147)، والطبراني في الكب288أخرجه ابن حبان )2( )،279/6)، ودلائل النبوة للبيهقي361/1)، وينظر: طبقات ابن سعد11066والبيهقي ).233/1ودلائل النبوة للأصبها كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٤1 . قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن«نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال « :×تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي .)1(. فقال الرجل: آمنت بما جئتَ به، وأنا رسول مَن ورائي مِن قومي نَعَمْ مع الناس على كثرة ما يقع منهم من سوء الخلق، مثل ×إن تعامله ، حتى قال له ×عدم وجود نوع من التهذيب والأدب والأسلوب مع النبي ﱫﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﱪ ربه جل وتعالى: .]4[ .)2( وصرخوا في البيت: يا محمد، اخرج إلينا×وهم قوم جاءوا إلى النبي وهذا الأسلوب من التعامل والنداء أمر غريب على آحاد الناس، فكيف إذا ، وهو الذي ربَّى أصحابه على طريقة الاستئذان والنداء، ×كان مع النبي ﱫﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄﱪحتى قال الله عز وجل: فلا يناديه باسمه المجرد: ×. فمَن أراد أن يدعو أو ينادي الرسول ]63[ يا محمد. وإنما يقول: يا رسول الله، يا نبي الله. أو ما أشبه ذلك من العبارات التي فيها اعتدال وأدب. )، 652،650)، والدارمي13034،2380)، وأحمد30318أخرجه ابن أبي شيبة )1( ،2091)، والنسائي619)، والترمذي1402)، وابن ماجه12)، ومسلم63والبخاري )، والطبراني في الكبير 155،154)، وابن حبان2358)، وابن خزيمة2094،2093،2092 )، والبداية والنهاية 267/5)، وينظر: السيرة النبوية لابن هشام 55/3)، والحاكم 8149( .)248/3)، والسيرة الحلبية62/5( )، وتاريخ دمشق 121/26)، وتفسير الطبري 294/1ينظر: طبقات ابن سعد )2( )، وتخريج الأحاديث209/4)، وتفسير ابن كث310/16)، وتفسير القرطبي358/40( .)141/26)، وروح المعا331-329/3والآثار للزيلعي كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٥10 حتى مع الخصوم v × مع أعدائه وخصومه، فهذا رجل حمل سيفًا على النبي×كذلك تعامله ، ×. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي«وقال: مَن يمنعك مني؟ قال « :×. قال: كن كخير آخذ. فقال له النبي«وقال . قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وَأنِّي رسُولُ اللهِ؟ .)1(، ولم يتعرض له بشيء×مع قوم يقاتلونك، ثم خلَّى سبيله مع الأعــداء والخصوم ×فتأملوا هذا الأسلوب في التعامل منه أو اغتياله.×والمحاربين، ومع من هموا بقتله « :×إن هذا اللون من الخلق العظيم يؤكد ويزكي أن قوله . لم يكن مجرد شعار يرفع، )2(« أولأُتَمِّمََ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ بهديه وسيرته ونفسه، ويربِّي عليه ×وإنما كان أنموذجًا عمليًّا يفعله النبي أصحابه لينقلوه إلى مَن بعدهم، ولهذا كان الإسلام في تاريخه وحركته ودعوته رحمة للبشرية كلها، كما يشهد بذلك المنصفون من الشرق والغرب. نبيَّ الْهُدَى قَدْ جَفَوْنَا الْكَرَى وَعِفْنَا الشَّهِيَّ مِـنَ الْمَطْعَمِ نَهَضْنَا إلَى اللهِ نَجْلُو السُّـرَى بِرَوْعَــةِ قُرْآنِـهِ الْـمُحْكَـمِ ونُشْهِدُ مَنْ دَبّ فَـوْقَ الثَّـرَى وَتَحْتَ السَّما عِزّةَ المُسْلِمِ )، 1096)، وعبد بن حميد15227،14971،14970،14374ينظر: مسند أحمد )1( )،843)، وصحيح مسلم 4139،4137،2910)، وصحيح البخاري 1778وأبو يع ).4322( )31/3)، ومستدرك الحاكم4537،2883،2882وصحيح ابن حبان ).153تقدم تخريجه (ص )2( كان خلقه القرآن / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٦الرسول العبد
عدد الصفحات ١٣٧13 عبد الله ورسوله v صلوات الله وسلامه على النبي الكريم، الذي بعثه ربه رحمة، فدان الناس بدينه، واتبعوا شريعته، حتى إن أعداءه تحول الكثير منهم إلى أتباع مؤمنين، من الرفق والحلم، فقال قائلهم: ×بحكم ما جبل عليه كَ إنِّي يومَ أحـمِـلُ رايــةً لِتغلِبَ خَيْلُ اللاَّتِ خَـيْـلَ مُحَمَّدِ لَعَمْرُ لك المدلِجِ الحَيْـرانِ أَظْلَـمَ ليلُهُ فهذا أوانِي حِيـنَ أَهْدِي وأَهْتَـدِي هدَاني هادٍ غيرُ نفسـي ونالَنِـي معَ اللهِ مَـنْ طَرَّدْتُ كـــلَّ مُـطـرَّدِ أصُدُّ وأنأَى جاهدًا عنْ مُحَمَّـدٍ وأُدْعَى وإنْ لَـمْ أنْتَسِبْ مِنْ مُحَمَّدِ هُمُ ما هُـمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَواهُـمُ وإنْ كــان ذا رَأْيٍ يلَــمْ ويُـفَـنَّــدِ أُرِيدُ لأُرْضِيهمْ ولَسْتُ بلائِــطٍ مَعَ الْقَوْمِ ما لَمْ أُهْدَ فِي كلِّ مَقْعَــدِ فَقُلْ لِثَقيفٍ: لا أُرِيـدُ قِتالَــهـا وقُلْ لِثقيفٍ تِلْكَ غَيْــريَ أَوْعِــدِي .)1(« كان يقول×والنبي )، وينظر: السيرة النبوية لابن 536/2)، وابن عساكر 46/3أخرجه الحاكم )1( )، والاستيعاب 28/5)، ودلائل النبوة للبيهقي 156/2)، وتاريخ الطبري 58/5هشام ).288/4)، والبداية والنهاية1675/4(
عدد الصفحات ١٣٨14 آيات نبوته تلوح كالشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، انظر إلى وعبوديته لله، وبعده عن كل معاني الكبرياء والعظمة التي يدعيها ×عفويته الناس، لقد عرف التاريخ قوادًا وملوكًا وفاتحين، وأباطرة وأكاسرة، وطالما دونت هذه السير وعرفت، ولا زالت إلى اليوم أمم الأرض تعاني من القوى الكبرى المستكبرة التي ربما تقدم للناس كلامًا جميلاً، ولكنها تقدم لهم فعلاً سيئًا بشعًا. آية الكسوف: v كان رجلاً سمحًا سهلاً قريبًا، ويمكن أن نرى ذلك جليًّا في ×محمد قصة كسوف الشمس التي رواها صاحبا يجر رداءه فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فصلَّى بهم ×الشمس خرج النبي صلاة طويلة بركعتين، في كل ركعة ركوعان، وقرأ بقدر سورة البقرة وآل وخطب بهم خطبة ×عمران، حتى كاد بعض الناس أن يجلس، ثم سلَّم النبي «وقال لهم « :×. ثم قاللِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى تنكَشِفَ . )1(مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، 2711)، وأحمد 36496،8299)، وابن أبي شيبة 4925أخرجه عبد الرزاق )1( ،904،901)، ومسلم 5785،1048،1044)، والبخاري 27037،25351،6483 ،1474،1459)، والنسائي 1263)، وابن ماجه 1178)، وأبو داود 915،911،907 .)2845)، وابن حبان1395)، وابن خزيمة1502 الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٣٩1 ولا تقربوا الفواحش v روح الخوف التي استشعرها المؤمنون حينذاك من ×استثمر النبي تغير وضعية الشمس ليلقي إليهم بهذا الأمر العظيم، وهو: معنى الحفاظ على الأعراض، والبعد عن المحرمات، خصوصًا الزنى وما فيه من الجرم ﱫﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐﱪ والإثم والحوب، حتى قال ربنا سبحانه: .]32[ والفاحشة: هي الفعل الفظيع الشنيع المفرط في القبح؛ لما فيه من سوء الأثر في الدنيا والآخرة، ومن آثاره في الدنيا ما يتحدث به الأطباء من أن ملايين من المصابين بالإيدز أو مَن يحملون هذا الفيروس الذي يمكن أن ينقض عليهم في أية لحظة، وقد ينتقل إلى الزوجة أو إلى الأطفال الأبرياء، أو إلى غيرهم، يكاد يكون السبب الوحيد هو الوصال الجنسي المحرم، أو نقل حذر من هذه الفاحشة التي هذا من آثارها. ×الدم الملوث، فالنبي « إلى قوله×انتقلثم .لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ تفنيد شائعة: v لقد تسامع بعض الناس أن حصول الكسوف يومئذ كان بسبب موت إبراهيم ، وكان ابنه من مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس، وكان ×ابن رسول ا يحب إبراهيم، وكان يأتي إليه في بيت مرضعته ويدخل والدخان في ×النبي ، وأذن × ويأخذ إبراهيم ويضمه إلى صدره ويقبله ويحبه×المنزل، ويقعد الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٤٠1 ×ربنا تبارك وتعالى أن يموت إبراهيم وهو في الرضاع طفلاً، فتأثر النبي وحزن حتى بكى وفاضت دموعه والصحابة ينظرون، حتى قال أحدهم: يا « :×رسول الله، هذا وأنت رسول الله تبكي! فقال .)1(يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَي رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ بين الكمال البشري الذي هو حصول الحزن والتأثر ×فجمع النبي لفراقه، وبين أن يظل هذا الحزن عند حده فلا يتطور ليكون جزعًا أو غضبًا أو قولاً أو فعلاً لا يرضي الله سبحانه وتعالى. وكثير من الناس لا يستطيع الجمع بينهما؛ فإما أن يغلب جانب مشاهدة ، وإما أن يغلب عليه )2(القضاء والقدر والإيمان والتسليم فلا يظهر الحزن جانب الحزن والتأثر، حتى إن بعض النساء إذا مات ولد لها تظل فترة طويلة ودمعها لا يتوقف، وهي تذكر هذا الطفل حين يدخل ويخرج، وحين يلعب أو يبتسم أو ينام، وكلما رأت شيئًا ذكَّرها به، فيتجدد لها حزنها وألمها. جزءًا مهمًّا من الخطبة ليبين للناس أنه لا ارتباط بين ×خصص النبي وفاة إبراهيم وبين الكسوف، في حين تجد كثيرًا ممن يريدون السلطان والقوة والعلو والمجد في الدنيا يفرحون أن يربط الناس بعض القضايا بهم؛ فيكون )، 13037)، وأحمد12126،12124)، وابن أبي شيبة6672أخرجه عبد الرزاق )1( )، وابن حبان1589)، وابن ماجه3126)، وأبو داود2315)، ومسلم1303والبخاري ).43/4)، والحاكم3160،2902( كما نقل عن الفضيل بن عياض رحمه الله: أنه لما مات ولده ضحك، وهذا نوع من )2( التغييب لجانب الفطرة البشرية الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٤١17 نزول المطر بسبب بركة مجيئه، أو وقوع الكسوف بسبب وفاة ولده، أو يربط أي ظاهرة كونية أو أمر رباني بهذا الإنسان؛ حتى يبدو هذا الإنسان وكأنه تعدى حدود البشرية ليكون له تأثير آخر. وكثير من العظماء والأكابر يؤيدون ذلك ويفرحون به، وقد يقول لهم الشعراء ما يقولون، حتى إن أحدهم قال لبعض ملوك الفاطميين: مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأْقدَارُ فَاحْكمْ فأنتَ الواحدُ القَهَّارُ )1( وَكَأنَّمـا أنـتَ النَّبِيُّ مُـحَـمَّدٌ وَكَأنَّما أَنْـصَارُكَ الأنصــارُ فهذه المبالغة والتهويل الذي يصل إلى حد الألوهية والربوبية، وإسباغ المقامات التي لا تليق بالبشر، قد يوافق عليها بعض أهل الدنيا، وأهل السلطان والمال، وأهل المجد، وما أشبه ذلك، أو يرفضونها على سبيل إظهار التواضع. بتواضعه وعفويته لم يرض من الصحابة أن ×لكن هذا النبي المعلم يربطوا بين حصول الكسوف وبين وفاة ابنه إبراهيم، واستدعى الأمر أن يقوم «فيهم خطيبًا، ويقول لهم . فليست الشمس حزينة على فراق فلان أو على موته، لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ أو لولادة أحد معين مثل أن يكون شخصًا مشؤومًا أو شريرًا أو ما أشبه ذلك، وإنما هي آية من آيات الله تعالى يخوف بها عباده. من قصيدة لابن هانئ الأندلسي في المعز لدين الله الفاطمي، وهي في ديوانه )1( .)146(ص الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٤٢18 مدرسة التواضع v فكلمه، فجعلت فرائصه ترتعد، فقال له×وعندما جاء رجل إلى النبي .)1(« :×النبي ومَن اهتدى ×فمَن الذي يعلِّم الناس مثل هذه المعاني إلا رسول ا بهديه واستن بسنته، وإلا فإن البعض من الناس ممن يكون مدير شركة، أو مدرسة، أو مسؤولاً، أو عالمًا، يحيط نفسه بنوع من الهالة والأُبَّهة، والتفخيم في تواصل الناس معه، وفي دخولهم عليه وتخاطبهم وعلاقتهم، ويريدون أن يكون بينهم وبين الناس فواصل وعوازل وحدود وسدود، وألا يتعدى أحد كذلك؛ لأنه نبي رضي واختار أن يكون عبدًا ×قدره معهم، ولم يكن النبي رسولاً، لا أن يكون ملكًا رسولاً، فكان يمشي مع الناس، ويَخْصِف نعله، ويرقِّع ثوبه، ويخرج إلى السوق، ويحمل متاعه بيده، وكان كما تقول عائشة .)2(رضي الله عنها هكذا كان الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، بهذه العفوية والتواضع ×والقرب من الناس، حتى إن الرجل يأتي إلى الصحابة فلا يعرف رسول ا من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق لم ×من بينهم؛ بل لما هاجر النبي ؛ ×يكن الأنصار الذين استقبلوه يعرفونه من قبل، فلم يعرفوا أيهم رسول ا )، 506/2)، والحاكم 1260)، والطبراني في الأوسط 3312أخرجه ابن ماجه )1( )، ودلائل23/1)، وينظر: طبقات ابن سعد86،85،83،82/4)، وابن عساكر50/3( .)43/3)، والسيرة الحلبية293/4)، والبداية والنهاية69/5النبوة للبيهقي )، وفي الأدب 5363،676)، والبخاري25751،24992،24272أخرجه أحمد )2( .)2989)، والبيهقي1082)، والطبراني في الأوسط2489)، والترمذي538المفرد الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٤٣1 قام أبو بكر عليه يظلله، عرفوا أن هذا رسول×حتى إذا أصابت الشمس النبي .×ا وهكذا في الحج.. في زحمة الناس.. في المطاف.. في المسعى.. عند الجمرة.. في عرفة.. في الدفع.. الناس بزحمتهم وكثرتهم كان عددهم مائة وخلفه مرة أسامة بن زيد، ×وأربعة عشر ألف حاج كلهم يذهبون مع النبي ، ويطوفون ×ومرة الفضل بن العباس، والناس يزاحمونه، ويزحمون ناقته به يسألونه عن أحكام الحج، والحلال والحرام، ومَن قَدَّم ومَن أخَّر... إلخ، في كل ذلك لم يحب أن يتميز عنهم بشيء؛ لا في خيمته، ولا في ×والنبي لباسه، ولا في شكله، ولا في هيئته، ولو أن الناس وأهل العلم والفقه حاولوا أن يكونوا أقرب إلى الناس وأكثر تداخلاً وقربًا وعفوية وتبسطًا، وتنازلوا عن قضية الرغبة في المديح والثناء والتبجيل والخصوصية؛ لكانوا بذلك أكثر تأثيرًا على الناس، وأكثر قربًا منهم، ولكانوا أكثر اقتداءً وتأسيًا واتباعًا للنبي الذي رضي واختار أن يكون عبدًا رسولاً. × رَسُولَ العُلا لِ فيِ مَدِيحِــكَ وَقْفَــةٌ أُرَجِّي بها خيرًا لدَى مَوْقِفِي غَدَا لِسَانيِ لَـمْ يَنْطِقْ حرامًـا ولا هَــوًى وشِعْرِي لَـمْ يَضْمُمْ كلامًا مُفَنَّدَا وَلَـمْ أَتَـــلَــوَّنْ كالَّذِيــنَ تَلَوَّنُــوا وَزاغُوا وَراغُوا خِـسَّـةً وَتَـصَيُّدَا وحسبي مِنَ الشِّعْر الحلال قصائدٌ نطقتُ بها تبقى إِذا لفَّنـي الرَّدى الرسول العبد / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٤٤