114 ولا تسلطًا، ولكنه كان فتحًا للقلوب، وحماية للشعوب لقد وَجَدَتْ تلك الشعوب من فتح الإسلام وعدالته ما لم تجده في الحكام الذين كانوا من جنسها، فأَحَبَّت المسلمينَ وآثرتهم، وشهدت لهم بالفضل، واعتنقت الدين الذي انتصر وتغلب، فهذا الدين العظيم فتح القلوب بالحق والعدل والأخلاق قبل أن يفتح البلاد بالسيف والقوة والسلطة، واليوم يستطيع المسلم الذي لا يملك القوة أن يفتح القلوب بصدقه وأخلاقه النبيلة، وعلمه الصحيح، وتفكيره المعتدل، وقوله السديد، وأن يكون ناطقًا بالقرآن، ناطقًا بالحق والعدل. اليوم يوم وفاء وبر: v كانت سدانة البيت في الجاهلية إلى آل شيبة، فلما فتح الله مكة لرسوله قام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا × صلى الله عليك. فقال رسول ا)1(رسول الله، اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية « :× .)2(يَوْمُ بِرٍّ وَوَفاءٍ بهذه المناسبة الخالدة، من ×هذا المعنى العظيم الذي يكرِّسه النبي التأكيد على معنى البر والوفاء والشكر، يؤكد أن هذا الدين الذي جاء مهيمنًا الحجابة: خدمة البيت، والقيام بأمره. )1( )، وزاد المعاد 389/38)، وتاريخ دمشق 74/5ينظر: السيرة النبوية لابن هشام )2( )، ومختصر السيرة لابن عبد52/3)، والسيرة الحلبية301/4)، والبداية والنهاية409/3( .)203الوهاب اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٩٧11 على الحياة كلها جاء بأحوال من السعادة والأنس، والرضا والفرح والسرور الذي من طبع الإنسان أن يميل إليها ويبتهج بها. فليفرحوا: v والمسلمون بفتح مكة ما لم يفرحوا بمثله قط، وكان×لقد فرح النبي قبل ذلك يشعر المسلمين بشكل مستمر أن الفرح جزء من الحياة، ×النبي وأن العبد عليه أن يفرح ويسر سواء بالمكاسب الدينية: من علم، أو عمل، أو عبادة، أو صيام، أو قيام، أو توفيق، أو قرآن، أو حفظ، أو خير، أو دعوة، أو ﱫ ﮑ ﮒ نجاح في أمر من هذه الأمور التعبدية، وفي ذلك قال الله عز وجل: . أو الفرح بالدنيا ]58[ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﱪ . وإن كانت الأولى خيرًا منها ﱫﮙ ﮚﱪ أيضًا فهي المعنية في قوله: إلا أن الفرح بالدنيا ما دامت في حدود ما يرضي الله مطلب أيضًا، كأن يفرح الإنسان بتوفيق، أو ترقٍّ، أو نجاح، أو مستوى أفضل في عيشه، أو في زواجه، وما أشبه ذلك، فهذا الفرح لا يذم، بل هو محمود ومن طبيعة الإنسان. إن الحياة ليست جدًّا دائمًا، ولا أمرًا صارمًا، فلا بد فيها من أوقات يستروح فيها الإنسان إلى الراحة والرضا والسرور والأنس الذي هو مرضاة لله عز وجل، وتسلية للقلب، وإبعاد للهم والغم، فالحياة بغير فرح لا تدوم ولا تستمر، ولا يقوى العبد على مواجهة صعوباتها وآلامها، فلنفرح، فالفرح فيما لا يسخط الله عز وجل خير، يفتح مباهج النفس وآفاقها، ويجدد إمكانياتها وطاقاتها، ويدفعها دفعًا إلى مزيد من الإنجاز والنجاح. اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٩٨11 لا بد من الفرح في الحياة، والترويح عن النفس، حتى للجادين والمشغولين؛ كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يسلِّي نفسه ويقول الشعر، ويتندر ، وإني حينما أذكر ×ويضحك ويبتسم، ولا عجب؛ فقد تلقن هذا من النبي عمر فإني أذكر الفاروق الصارم الذي قد يظن بأنه لا يبتسم، ولا يعرف الفرحُ والترويحُ عن النفس إلى قلبه سبيلاً، بينما هو رضي الله عنه خلاف ذلك. كان عمر رضي الله عنه متلبسًا بإحرامه راكبًا على ناقته، فكانت ترتفع وتنخفض في سيرها، والناس يلبون :)1(يقول كَأنَّ رَاكِبَهَا غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ إذَا تَدَلَّتْ بِهِ أوْ شَارِبٌ ثَمِلُ فيشبه هذه الناقة وراكبها بالغصن في يوم الريح الذي يتحرك ذات اليمين وذات الشمال، أو: شارب ثمل. يعني: يتحرك ويتمايل وهو لا يدري بما حوله. وكان هو وابن عباس -وابن عباس مازال شابًّا في مقتبل عمره، وكان بينه وبين عمر في العمر فارق زمني كبير جدًّا، ابن عباس في الثالثة عشرة من عمره، وقد ناهز الاحتلام أو جاوز الاحتلام بقليل- ينغمسان في الماء لينظرا .)2(أيهما أكثر بقاءً دون أن يتنفس وسُئل عثمان رضي الله عنه عن المحرم: هل يدخل البستان؟ فقال )، وسنن البيهقي 2852)، والمجالسة للدينوري 366/1ينظر: مسند الشافعي )1( .)383/1)، وكشف المشكل8965( .)174/7ينظر: المح )2( اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ٩٩117 .)1(ويشم الريحان الترويح حق للنفس: v وهكذا كان هدي الصحابة رضي الله عنهم، وهدي المسلمين والأئمة والعلماء أن يعطوا النفس حقها من الترويح، حتى كان الشافعي رضي الله ؛ وإذا ذهب إلى )2(عنه يقول: كان يقال البستان خلع عمامته ومزح وضحك، وتحدث وابتسم، ولاطف مَن حوله. فالحياة فيها كبار وصغار، وشباب ومراهقون وأطفال، ورجال ونساء، وفيها فسحة وسعة. مضطجعًا في حجرة عائشة رضي الله عنها في ×لقد وقع أن كان النبي يوم عيد، وفوق رأسه جاريتان تغنيان ومعهما الدُّف بغناء العرب في الجاهلية، فدخل أبو بكر رضي الله عنه، فهم بهما وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول .)3(« :× ؟! فقال له النبي×ا -وفي رواية:« :×ولما لعب الحبشة بالحِراب في المسجد قال )، والمهذب 250،249/15)، وتاريخ دمشق 103ينظر: الشريعة للآجري (ص )1( )،524/3)، ومجمع الزوائد241/7)، والمجموع123/4)، والمبسوط209/1للشيرازي ).282/2)، والتلخيص الحب156/9وعمدة القاري ).212/2ينظر: مناقب الشافعي للبيهقي )2( ،988،952،950)، والبخاري 25072،24996،24726أخرجه أحمد )3( )،1597،1593)، والنسائي1898)، وابن ماجه892)، ومسلم3931،3530،2907 )، والبيهقي288 286-( )181،180/23)، والطبراني في الكب5877،5868وابن حبان ).5110في شعب الإيمان اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٠118 .)1(خُذُوا- يَا بَنِي أَرْفِدَةَ، حَتَّى يَعْلَمَ الْيَهُودُ والنَّصَارَى أنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةٌ نعم، إن في ديننا فسحة، ويجب أن نحسن توظيف هذه الفسحة، لأن أخذ النفوس بالجد الصارم أسرع ما يكون إلى قصف الأعمال وانقطاعها، وعجز الإنسان عن المواصلة. نعم، في ديننا فسحة، وينبغي أن نستثمر هذه الفسحة، وأن نضبطها بضوابط ديننا لئلا تتحول إلى تجاوز أو انحراف. الحلال والحرام في المتعة: v إن العبد ليعرف في كثير من الأحيان بفطرته الفرق بين الحلال والحرام، « :×وقد قال . يعني: كثير من الحلال بين وكثير من الحرام بين. وفي بعض )2(مِنَ النَّاسِ « عن البر والإثم قال×الألفاظ: لما سأل رجلٌ رسولَ ا الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي القَلْبِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ .)3(أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ في كثير من الأحيان يعرف الإنسان من مؤشر قلبه أنه يتجه نحو الخطأ.. )، وصحيح البخاري 26004،24898)، ومسند أحمد254ينظر: مسند الحميدي )1( - بغية)، ومسند866)، ومسند الحارث892)، وصحيح مسلم3530،2907،988،950( .)20766)، والسنن الكبرى للبيهقي4829أبي يع )، 2051،52)، والبخاري2531)، والدارمي18398،18394أخرجه أحمد )2( .)5398،5397)، والنسائي1205)، والترمذي3984)، وابن ماجه1599ومسلم )، 1587،1586)، وأبو يع2533)، والدارمي18035،18030أخرجه أحمد )3( .)403( )148/22والطبراني في الكب اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠١11 إغراء.. إثارة.. فتنة.. تعلق بشهوة.. استجابة للشيطان.. غفلة عن الله عز وجل، فمعنى ذلك أن الاتجاه حينئذ خطأ، وأن هذه الفسحة ليست شرعية وينبغي أن تجتنب ويبتعد عن مغبتها. وبحسبك أن تقتصر على ما أحل الله عز وجل، وفي الحلال مندوحة عن الحرام، ولو أن الناس اكتفوا بما أحل الله تعالى لهم من ألوان الطيبات والمتع الحلال لتحقق لهم: طيب الحياة وسلامتها، وصفاء النفوس والقلوب، وتجدد العزائم أولاً: والهمم مرة بعد أخرى. التزام دين الله عز وجل، وتحقيق المثل العليا. ثانيًا: تعبيس أو تدنيس: v إن من الناس مَن لا يفرق بين الجد والهزل، ولقد رأيتُ أقوامًا وهم في عيدهم أو في زواجهم، ومع ذلك تغيب البسمة عن وجوههم، ويستثقل الواحد منهم النكتة حتى لو كانت بريئة، وتجد إسراع الكثير من هؤلاء إلى تكدير هذه اللقاءات الجميلة بإشكالات ومساءلات ومخالفات، وجدل عقيم ومناقشات، وهذا أبعد ما يكون عن الفسحة، كما تجد في المقابل أقوامًا يعتقدون أن للفرح حالاً استثنائية، فيتعدون فيها ما أحل الله إلى ما حرم، ويقعون فيما يعلمون هم أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضاه، ولو رآهم محمد على هذا الحال لاستحوا وخجلوا من ذلك، فكيف والله عز وجل مطلع × عليهم اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٢120 إن في ديننا فسحة، والكثيرون لم يحسنوا استخدام هذه الفسحة بشكل صحيح، فحرموا أنفسهم منها أو أساءوا استخدامها، ولقد كان سيدنا محمد وهو إمامنا وقدوتنا يفرح ويأذن بالفرح، بل يُعلم أصحابه كيف يفرحون، × :×لقد تسابق هو وعائشة وهم في غزو، فسبقته مرة وسبقها أخرى، وقال .)1(« زاهرًا الأسلمي وهو أعرابي كان صديقًا له واحتضنه من ×ولقد داعب . فالتفت «خلفه، وبدأ يعلن عليه بالمزاد والله تجدني كاسدًا. إذًا ويقول: ×، فطفق يلصق ظهره بالنبي×فرأى النبي .)2(قال وجاءته امرأة تسأل عن زوجها فقال لها .)3(«فكأنها خشيت وخافت، فقال لها «وجاءته أخرى تسأله أن يدعو لها بدخول الجنة فقال «. قال: فولَّت تبكي، فقال عَجُوزٌ ﱫﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ : اللهَ تَعَالَى يَقُولُ )، وابن ماجه 2578)، وأبو داود26320)، وأحمد33588أخرجه ابن أبي شيبة )1( )، والطبرا4691)، وابن حبان8945،8944،8943)، والنسائي في الكبرى1979( .)19544،19543)، والبيهقي125،124( )47/23الكب )، وابن حبان 3456)، وأبو يع12669)، وأحمد19688أخرجه عبد الرزاق )2( .)20961)، والبيهقي5310( )274/5)، والطبراني في الكب5790( )، وتخريج أحاديث 105/2)، وإغاثة اللهفان 421/9ينظر: المغني لابن قدامة )3( .)7( )89/3الإحياء اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٣121 .)1(]37-35[ ﮬﱪ ليس من الوقار التكلف الزائد والجد الصارم، فالابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وحسن المؤانسة والمعاشرة لمن تحت يدك من زوج أو ولد أو متعلم إحسان وصدقة، ينبغي أن نلقن هؤلاء هدي الإسلام في الفرح والسرور. )، وأبو الشيخ في 5545الطبراني في الأوسط)، و 241الترمذي في الشمائل أخرجه )1( ،379)، والبيهقي في البعث والنشور391)، وأبو نعيم في صفة الجنة185( ×أخلاق النبي )، وروح 6( )89/3)، وتخريج أحاديث الإحياء48،47/6وينظر: البداية والنهاية). 382 .)2987)، والسلسلة الصحيحة للألبا142/27المعا اليوم يوم وفاء وبر / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٤في بيت خديجة
عدد الصفحات ١٠٥12 حب شريف v بمكة وهو في مقتبل عمره وريعان شبابه، بينما كانت قد×تزوجها النبي ، )1( عليها امرأة حتى ماتت×جاوزت الأربعين من عمرها، ولم يتزوج النبي .)2(وكانت أم أولاده جميعًا، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية يحب خديجة رضي الله عنها، فقد تعرَّف عليها من خلال ×كان النبي معاملة تجارية؛ حيث ذهب ببعض ثروتها إلى الشام مع غلام لها، ثم عاد بالربح الوفير، ورأت عليه أمارات الأمانة والصدق فأكرمته وأجلته، فتزوجها .)3(× )، ومعجم 14003)، ومصنف ابن أبي شيبة 238/5ينظر: سيرة ابن إسحاق )1( . )300/5)، والبداية والنهاية185/3)، وتاريخ دمشق1095( )45/22الطبراني الكب )، والاستيعاب 57/6)، والسيرة النبوية لابن هشام238/5ينظر: سيرة ابن إسحاق )2( .)105/1)، وزاد المعاد38)، والأربعين في مناقب أمهات المؤمنين لابن عساكر50/1( )، وطبقات 7/2)، والسيرة النبوية لابن هشام 60/2ينظر: سيرة ابن إسحاق )3( )، ودلائل النبوة للأصبها67 66-/2)، ودلائل النبوة للبيهقي132 131-/1ابن سعد )، والسيرة 294/2)، والبد اية والنهاية 569/1)، والكامل في التاريخ 232،178/1( .)225/1الحلبية
عدد الصفحات ١٠٦12 ذكريات عذبة v يذكرها ويثني عليها، حتى×ولما ماتت خديجة رضي الله عنها كان النبي إن عائشة رضي الله عنها كانت تغار منها، مع أنها لم ترها؛ حيث كانت جارية عائشة وهي بنت سبع، ودخل عليها وهي ×في حداثة سنها، فقد تزوج النبي وهي في الثامنة عشرة من عمرها، ومع ذلك فقد كانت ×بنت تسع، وتوفي .)1( لخديجة رضي الله عنها×عائشة تغار من كثرة ذكر النبي وفاء نادر: v امرأة، فسمع صوتها فإذا×وفي يوم من الأيام استأذنت على رسول ا به يشبه صوت خديجة رضي الله عنها، مَن هي هذه المرأة يا تُرى؟! إنها هالة وهو فرح مسرور: ×بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنها، فقال النبي . يفرح لأختها.)2(« يذبح الشاة ويبعث بها إلى صديقات خديجة رضي ا ×وكان النبي كثيرًا ما يذكرها، حتى إن عائشة رضي الله عنها قالت له ×، وكان )3(عنها ، 3818 -3816)، وصحيح البخاري26430،25699،24355ينظر: مسند أحمد )1( ،2017)، وجامع الترمذي 1997)، وسنن ابن ماجه 2435)، وصحيح مسلم 7484 ،15( )11/23)، ومعجم الطبراني الكب8913،8363)، وسنن النسائي الكبرى3875 .)14574)، وسنن البيهقي19،18،17،16 )، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثا 2437)، ومسلم 3821أخرجه البخاري )2( )، وينظر: البداية والنهاية14573)، والبيهقي18( )12/23)، والطبراني في الكب3001( .)146/8)، والإصابة265/1)، والآداب الشرعية128/3( )،6004،3816)، وصحيح البخاري 25699،24355ينظر: مسند أحمد )3( في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٧127 يومًا: يا رسول الله، ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت لا يمل، × تعني نفسها، لكن النبي) 1(في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها؟ «بل يكرر ويقول لعائشة في هذا الموقف نفسه . بعفوية تامة )3(«، وفي رواية) 2(مِنْهَا .)4(«يكرر السيرة من جديد ويقول لها أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانٍ لنا إنّ ذكرَهُ هُوَ المِسْكُ مَا كرَّرْتَهُ يتضوَّعُ لزوجته نقف عدة وقفات: × ومع هذا الوفاء الرفيع منه ×، حتى كان النبي أن هذا درس كبير في الوفاء والحفاظ على الودأولاً: . فلقد ماتت خديجة رضي الله عنها، )5(«يقول )، ومعجم الطبراني الكبير 3875،2017)، وجامع الترمذي 2435=وصحيح مسلم ).194/4)، والمستدرك15( )11/23( )، وينظر: مسند 14573)، والبيهقي 2437)، ومسلم 3821أخرجه البخاري )1( )11/23)، ومعجم الطبراني الكب7008)، وصحيح ابن حبان25251،25212أحمد ).318/4)، والمستدرك14( )، والبداية 22( )13/23)، ومعجم الطبراني الكب 24908ينظر: مسند أحمد )2( .)128/3والنهاية )، والبداية والنهاية 6177)، وينظر: مشكاة المصابيح 3818أخرجه البخاري )3( .)128/3( .)38)، وينظر: صحيح السيرة النبوية7006)، وابن حبان2435أخرجه مسلم )4( )، والبيهقي في شعب62/1)، والحاكم23( )14/23أخرجه الطبراني في الكب )5( )، وتخريج165/2)، وينظر: سير أعلام النبلاء52/4)، وابن عساكر9123،9122الإيمان ).216)، والسلسلة الصحيحة409)، والمقاصد الحسنة2( )141/2أحاديث الإحياء في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٨128 ؛ بل كان يفخر ويجاهر به، ويقول -كما×لكن حبها لم يمت في قلب النبي ، ولا يستخفي ×. فاعتبر حبه لها رزقًا يفرح به«تقدم ولا يستحيي أن يقول بحضرة أصحابه أنه كان يحب خديجة، والناس اليوم أحوج ما يكونون إلى أن يتلقوا هذا الدرس العظيم في الوفاء ونماذجه من .×المعلم الأول فمثلاً: أن هذا درس مهم في بناء العلاقات الاجتماعية بين الناس،ثانيًا: مع الزوجين: ربما يعيش الزوجان في حياتهم الأولى ألوانًا من السعادة، لكنك تتساءل: إلى متى يستمر ويمضي هذا الحال؟ وهل ستظل هذه العلاقة الحميمة الجميلة الرائقة بينهما أم أنها سوف تعدو عليها العوادي وتتغير ولو بعد حين، وتنقلب إلى مشكلات، وخصام ونفار، وأخذٍ وردٍّ، وصراخ وصياح؟! إن للحياة الزوجية تبعات ومسؤولية، وإن من أسباب نجاح البيوت الإسلامية التعامل بقدر طيب من الروح الأخوية والود، والصفاء والوفاء بين الزوجين؛ إنه لمن الضروري لكل مسلم في كل وقت وخاصة في هذا العصر -عصر النخاسة الإعلامية- الذي أصبح فيه الرجل والمرأة على حد سواء، يرون من خلال ما يعرض على الشاشة من الأفلام والمسلسلات والأغاني المصورة وأشياء كثيرة ما يشدهم إلى الشهوة والاندفاع الجسدي البحت، وقد لا يجد الرجل أو المرأة في شريك العمر المواصفات التي يرونها على الشاشة؛ لا من الناحية الشكلية ولا الجسدية ولا غيرها؛ فهنا تصبح الحاجة ملحة إلى أن نتعلم دروس الوفاء والحفاظ على عقد أبرمناه فيما بيننا، وسماه ؛ لئلا يتحول إلى شكل ]21[ ﱫﭭ ﭮﱪ ربنا تبارك وتعالى: في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١٠٩12 وصورة، ومن ثم تؤول مؤسسة الزوجية إلى فشل ودمار وانهيار إننا في حاجة ماسة إلى تلقي مثل هذه الدروس للزوج والزوجة قبل الزواج وبعده، من أجل المحافظة على الحياة الزوجية، والتعامل بقدر طيب من الود والعلاقة والحب، والصبر والتحمل، وتقدير ظروف الآخر. وزملاء العمل، وزملاء الدراسة، لا بد من الوفاء مع الأصدقاء، ثالثًا: فكلنا قد عشنا في مراحل معينة: ففي المرحلة الابتدائية لك أصدقاء، وفي المتوسطة والثانوية، وفي الجامعة، وهؤلاء الأصدقاء قد تفرَّقت بهم السبل، وانتقلوا إلى أعمال مختلفة، وبلدان مختلفة، وربما اختلفت فيما بينكم الأفكار والاجتهادات والرؤى وأشياء كثيرة جدًّا، ولكن يظل الوفاء خلقًا يحكم العلاقة فيما بينكم. كذلك الوجه الطيب الذي أحببته يومًا من الأيام وكنت معه على مقاعد الدراسة، أو في مكاتب العمل، أو في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أو في ميادين الوظيفة الدنيوية، أو حتى مع الجيران الذين عايشتهم يومًا من الأيام، وكنت معهم في مدارج وملاعب الصبا، ثم بحكم التوسع العمراني انطلقت إلى حي آخر، أو بحكم ظروف العمل انتقلت إلى مدينة أخرى؛ لكن تظل هذه الأسماء ذكريات جميلة، قد لا تستطيع التواصل دومًا وأبدًا مع هؤلاء، لكن هناك اتصال بالهاتف، أو حتى رسالة جوال بين الوقت والآخر، أو تهنئة بمناسبة العيد، أو بمناسبة دخول شهر رمضان أو غيره. وما الذي يمنع أن يكون هناك نوع من الاتصال والزيارة والرحلة والعمل المشترك الذي يجمع زملاء العمل الذين تخرجوا من هذه المؤسسة جميعًا في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١١٠130 ولو كان ذلك في الشهر مرة، أو في ستة أشهر مرة، أو في السنة مرة؟ وإن أقل ما يمكن أن يكون لهم في قلبك وفاء، فإذا قابلت هذا الإنسان الذي شاهدته أو رأيته أو عرفته أو أحببته أو جاملته، إذا قابلته لا تقابله بوجه بارد، وابتسامة منطفئة، وكلمات رخوة! لا، بل جدد العهد، وأعطه مشاعر طيبة، وكلمات رائقة، ودعوات صادقة، وعبر عن شعورك وتأسفك عن الانقطاع، وأن ظروف المعيشة والعمل والارتباطات... وأشياء كثيرة جدًّا هي سبب عدم الاتصال فيما بينكم. يجب أن تكون علاقة حسن العهد والوفاء قائمة بيننا وبين زملائنا وأصحابنا، وأصدقاء الطفولة، وأصدقاء الشباب، وأصدقاء الدراسة، وزملاء العمل، وزملاء الحارة أو الحي، وغيرهم من الناس الذين كتب وقدر علينا أن نلتقي بهم في يوم من الأيام. أو قدم من أرقى وأعظم صور الوفاء: الوفاء مع مَن أحسن إليك، رابعًا: لك جميلاً؛ لأن الروح التي تسعى إلى تقديم الجميل بين الناس هي روح راقية، والإسلام يحث كثيرًا على أداء الجميل والإحسان إلى الآخرين، وفي المقابل يحث على حفظ هذا الجميل وعدم نكرانه؛ لأن نكران الجميل يجعل الآخرين لا يعملونه، فحين أصنع معروفًا اليوم ثم أقابل بنكرانه غدًا؛ فإنه لا يكون عندي نشاط إلى أن أكرر فعل الجميل في المرة الثانية، وكما قال الشاعر الجاهلي عنترة: )1(نُبِّئْتُ عَمرًا غَيرَ شاكِرِ نِعمَتي وَالكُفرُ مَخبَثَةٌ لَنَفسِ المُنعِمِ ).108ينظر: ديوان المعاني (ص )1( في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١١١131 إن ذلك الإنسان الذي أحسنت إليه ورد جميلك بالإساءة قد أعطاك درسًا بألا تحسن إلى الناس، وكثيرًا ما تجد مَن يشتكي من الناس، ويقول: إنهم لا يحفظون الود والجميل، وعليه فلا داعي لأن يصنع الإنسان معروفًا. فنقول: لا، بل اصنع المعروف وارمه في البحر، فلا تتذكر هذا المعروف ولا تضعه نصب عينيك، وكلما جاءت مناسبة قلت: لقد عملت كذا وعملت كذا وعملت كذا! نعم، قد تذكره بمناسبة معينة، لكن لا تكرر ذكره على لسانك. وأيضًا: احفظ الود للذين أحسنوا إليك بالتعليم، والتوجيه، والإرشاد، فقد يكون لك أستاذ في الطفولة، أو في مرحلة معينة، أو شيخ أو داعية أو موجه؛ فاحفظ له الود، ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو من كبار حكماء هذه الأمة الذين تخرجوا من مدرسة النبوة، يقول وداد لحظة، أو تمسك بمَن أثابه لفظة وكلمة (الحر) من الحرية، ومعناها: الرجولة، والشهامة، والنخوة، وجمال الأخلاق الفاضلة، فالشافعي رحمه الله يفسِّر (الحر) بأنه ذلك الذي يراعي وداد لحظة، فلو صار بينك وبين شخص ود للحظة من الزمن وربما انقطَعت وابتعدتم؛ فالحر يراعي هذه اللحظة ويحافظ عليها. وقوله: أو تمسك بمَن أثابه لفظة. أي: لو أن شخصًا علَّمك حرفًا أو كلمةً أو رأيًا أو فتوى، أو أرشدك ووجَّهك إلى حكمة؛ فإنك تراعي هذا الإنسان، وتحفظ له الود، وتدعو له وتثني عليه. من أجمل صور الوفاء للبشر والمخلوقين: الوفاء للأبوين، خامسًا: فالإنسان يتخيل والده ووالدته في الطفولة، والذين قد أصبحوا آباء قد جربوا في بيت خديجة / × مع المصطفى
عدد الصفحات ١١٢